بغية المتطوع في صلاة التطوع

نبذة مختصرة

بغية المتطوع في صلاة التطوع : قال الكاتب - أثابه الله -: فإنه لما كانت صلوات التطوع من هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي قال الله تبارك وتعالى فيه: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}، ولما كان تطلب أحكامها وصفاتها من كتب الحديث وشروحه يحتاج إلى جهد ووقت؛ رأيت أن أجمع في ذلك جملة مما صح، مرتباً له، مع تعليق وجيز حول فقه الحديث فيما أورده من أجله؛ رغبة في تقريب هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صلوات التطوع لي ولعموم المسلمين، وتسهيل وتيسير الوقوف عليه في محل واحد.
وقد راعيت الاختصار غير المخل، وابتعدت عن الإكثار؛ مكتفياً غالباً بالإشارة عن طول العبارة، وسميته: " بغية المتطوع في صلاة التطوع ".

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 بغية المتطوع في صلاة التطوع

بقلم

محمد بن عمر بن سالم بازمول

 مقدمة الكتاب

إن الحمد لله ؛ نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله ؛ فلا مضل له ، ومن يضلل ؛ فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

أما بعد :

فإنه لما كانت صلوات التطوع من هدي الرسول صلى الله عليه و سلم الذي قال الله تبارك وتعالى فيه : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} [الأحزاب: 21] ، ولما كان تطلب أحكامها وصفاتها من كتب الحديث وشروحه يحتاج إلى جهد ووقت ؛ رأيت أن أجمع في ذلك جملة مما صح ، مرتباً له، مع تعليق وجيز حول فقه الحديث فيما أورده من أجله ؛ رغبة في تقريب هدي الرسول صلى الله عليه و سلم في صلوات التطوع لي ولعموم المسلمين ، وتسهيل وتيسير الوقوف عليه في محل واحد.

وقد راعيت الاختصار غير المخل ، وابتعدت عن الإكثار ؛ مكتفياً غالباً بالإشارة عن طول العبارة ، وسميته : " بغية المتطوع في صلاة التطوع ".

وأسأل الله بأن له الحمد لا إله إلا هو الحنان المنان بديع السماوات و الأرض ذو الجلال والإكرام : أن يتقبل عملي خالصاً لوجهه الكريم ، و أن يرزقني القبول في الدنيا و الآخرة؛ إنه سميع مجيب .

وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

مكة 22 رمضان 1413 هـ

                                                                            محمد بن عمر بازمول

صلوات التطوع

تعريفها ، وأنواعها ، وفضلها

ويشتمل هذا الباب على الفصول التالية :

(1-1) تعريف صلوات التطوع.

(2-1) أنواع التطوع.

(3-1) فضل التطوع.

وإليك البيان :

 صلوات التطوع تعريفها ، وأنواعها ، وفضلها

 (1-1) تعريف صلوات التطوع

(صلوات التطوع) : مركب إضافي ، والأسماء المركبة يبدأ في تعريف مفرداتها ، ثم تعريفها بعد الإضافة .

فـ (الصلوات): جمع ، مفردها صلاة .

وهي في اللغة : الدعاء

وفي الشرع : أقوال وأفعال ، مفتاحها الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم.

و (التطوع) في اللغة : تكلف الطاعة ، أو التبرع بما لا يلزم من الخير ، أو الزيادة التي ليست لازمة .

ولا يقال : (تطوع) ، إلا في باب الخير والبر .

وفي الشرع : الزيادة على ما وجب بحق الإسلام ، سواء كانت هذه الزيادة واجبة أم لا

وبما أن الصلوات الواجبة بحق الإسلام هي : الصلوات الخمس في اليوم والليلة : صلاة الفجر، وصلاة الظهر ، وصلاة العصر ، وصلاة المغرب ، وصلاة العشاء .

وبما أن التطوع هو ما زاد على الفرض ؛ سواء كان واجباً أم لم يكن .

فإن صلوات التطوع ، هي: الصلوات الزائدة على الفروض الخمسة ؛ سواء كانت هذه الصلوات واجبة أم لا .

فكل صلاة مشروعة في الإسلام زيادة على الفروض الخمسة الواجبة في اليوم والليلة يشملها اسم (صلوات التطوع).

ولا يخفى عليك إن شاء الله أنه لا تعارض هذا كون بعض الصلوات غير الفروض الخمسة لها حكم الوجوب ، مع كونها داخلة في (صلوات التطوع) ، على التقرير السابق ؛ لأن وجوبها ليس بذاتها ؛ إنما لأمر حف بها ، ولا يترتب لها من الأحكام ما يترتب للفروض الخمسة ؛ من استقرار وجوبها العيني على كل مسلم ومسلمة ، حضراً وسفراً ، لأن وجوب هذه الصلوات الخمس إنما هو بحق الإسلام ، أما غيرها من الصلوات – إذا وجبت – فإن وجوبها بأسباب مختلفة ؛ كدخول المسجد وإرادة الجلوس فيه ، فإنه سبب لوجوب تحية المسجد ، ووجوب الوفاء بالنذر سبب لوجوب الصلاة المنذورة ، وهكذا

(2-1) أنواع صلوات التطوع

التطوع نوعان :

الأول : التطوع المطلق ، وهو الذي لم يأت فيه الشارع بحد .

فمثلاً : صدقة التطوع لك أن تتبرع في سبيل الله بما شئت ، ولو نصف تمرة ، ولك أن تتطوع بالصلاة في الليل والنهار مثنى مثنى .

ولكن في هذا التطوع المطلق ينبغي أن لا يداوم عليه مداومة السنن الراتبة ، و أن لا يؤدي إلى بدعة أو مشابهة أهلها .

الثاني : التطوع المقيد ، وهو ما جاء له حد في الشرع .

فمثلاً : من أراد أن يأتي بسنة الفجر الراتبة ؛ لا يتحقق منه الإتيان بها إلا بركعتين قبل صلاة الفجر بعد دخول وقتها بنية راتبة الفجر ، وكذا مثلاً : من أراد أن يصلي صلاة الكسوف ؛ لا تتحقق صلاته إلا بالصفة المشروعة ، وكذا صلاة العيدين … وغيرها من السنن التي جاء الشرع لها بوصف معين .

وموضوع هذه الرسالة هو : النوع الثاني من التطوع ؛ أعني : التطوع المقيد .

 فضل صلوات التطوع

وردت في فضل صلوات التطوع أحاديث كثيرة ؛ منها :

أ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم  الصلاة" . قال: " يقول ربنا جل وعز لملائكته – وهو أعلم -: انظروا في صلاة عبدي ؛ أتمها أم نقصها ؟ فإن كانت

تامة ؛ كتبت له تامة ، و إن كان انتقص منها شيئاً ، قال : انظروا ؛ هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع ؛ قال: أتمموا لعبدي فريضته من تطوعه ، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم" أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة.

والحديث فيه بيان حكمة من حكم مشروعية صلوات التطوع .

ب)عن ربيعة بن كعب بن مالك الأسلمي ؛ قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأتيته بوضوئه وحاجته ، فقال لي :"سل" . فقلت: أسألك مرافقتك في

الجنة. قال :" أو غير ذلك؟". قلت : هو ذاك! قال: " فأعني على نفسك بكثرة السجود". أخرجه مسلم وأصحاب السنن .

ج)عن معدان بن أبي طلحة اليعمري ؛ قال : لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقلت : أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة (أو قال: قلت : بأحب الأعمال إلى الله )؟ فسكت ، ثم سألته ؟ فسكت ، ثم سألته الثالثة ؟ فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال: " عليك بكثرة السجود لله ؛ فإنك لا تسجد لله سجدة ؛ إلا رفعك الله بها درجة ، وحط بها عنك خطيئة" . قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء ، فسألته ؟ فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. .

والحديثان يدلان على فضيلة الإكثار من صلوات التطوع .

 السنن الرواتب فضلها ، ووصفها ، وأحكامها

المقصود بالسنن الرواتب : الصلوات التي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصليها أو يرغب في صلاتها مع الصلوات الخمس المفروضة ؛ قبلها أو بعدها .

ويشتمل هذا الباب على الفصول التالية :

(1-2) فضل السنن الرواتب .

(2-2) وصفها وأحكامها .

وبيان ذلك فيما يلي :

السنن الرواتب

فضلها ، ووصفها ، وأحكامها

(1-2) فضل السنن الرواتب

وردت في فضل السنن الرواتب أحاديث : منها في فضل السنن الرواتب على الإجمال، ومنها في فضل بعض أفرادها ؛ من ذلك :

أ) ما جاء عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه و سلم ؛ أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :" ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً  غير فريضة ؛ إلا بنى الله له بيتاً في الجنة (أو : إلا بنى له بيت في الجنة)". أخرجه مسلم.

وفي رواية للترمذي والنسائي فسر هذه الركعات :" أربع ركعات قبل الظهر ، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد العشاء ، وركعتين قبل الفجر" .

قلت:والحديث يدل على استحباب المثابرة على صلاة ثنتي عشرة ركعة تطوعاً كل يوم.

ومن حافظ على السنن الرواتب ؛ دخل في هذا الفضل المذكور في هذا الحديث ؛ إذ أنه يصلي قطعاً في كل يوم ثنتي عشرة ركعة وأكثر .

ففي الحديث فضيلة المحافظة على السنن الرواتب عموماً والمذكورة في الحديث خصوصاً ، والله أعلم.

وقد ثبت فعل الرسول صلى الله عليه و سلم للسنن الرواتب ، فاجتمع لها القول والفعل منه عليه الصلاة والسلام.

ب) عن ابن عمر رضي الله عنهما ؛ قال:" حفظت من النبي صلى الله عليه و سلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته ، وركعتين قبل صلاة الصبح ، وكانت ساعة لا يدخل على النبي صلى الله عليه و سلم فيها ، حدثتني حفصة: أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر ؛ صلى ركعتين"

وفي رواية للبخاري ولمسلم نحوها زيادة :" وسجدتين بعد الجمعة".

وفي مسلم :" فأما المغرب والعشاء والجمعة ؛ فصليت مع النبي صلى الله عليه و سلم في بيته ".

وفي رواية الترمذي : " حفظت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم عشر ركعات يصليها بالليل والنهار"

(2-2) وصف السنن الراتبة وأحكامها

يشتمل هذا الفصل على بيان السنن الراتبة لكل صلاة من الصلوات الخمس المفروضة، من خلال خمسة مباحث ، لكل صلاة مفروضة مبحث يتعلق براتبتها ، أدرج تحته المسائل المتعلقة به .

و إليك البيان :

(1-2-2) راتبة صلاة الفجر :

ويتعلق بهذه الراتبة المسائل التالية :

أولاً : حكمها .

ثانياً : وصفها وفضلها .

ثالثاً: تخفيفها .

رابعاً : ما يقرأ فيها .

خامساً : الاضطجاع بعدها .

سادساً : من فاتته .

وتفصيل القول في هذه المسائل كما يلي :

أولاً : حكمها :

راتبة الفجر من آكد السنن الراتبة ، وكان صلى الله عليه و سلم يتعاهدها ولا يدعها في حضر ولا سفر .

ولم يصح عنه صلى الله عليه و سلم ما يدل على وجوبها.

والدليل على صلاة الرسول صلى الله عليه و سلم لركعتي الفجر في السفر: ما ثبت عن أبي مريم ؛ قال :" كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر، فأسرينا ليلة ، فلما كان في وجه الصبح ؛ نـزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فنام ونام الناس ، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا ، فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم المؤذن فأذن ، ثم صلى الركعتين قبل الفجر ، ثم أمره فأقام ، فصلى بالناس ، ثم حدثنا بما هو كائن حتى تقوم الساعة" .

والحديث يدل على أنه صلى الله عليه و سلم كان يصلي صلاة راتبة الفجر مع صلاة الفجر في السفر .

كما يدل على مشروعية صلاتها عند فوات صلاة الفجر عن وقتها ، فإنه يشرع في صلاة راتبة الفجر ثم صلاة الفجر كما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم .

ثانياً : وصفها وفضلها :

راتبة الفجر ركعتان ، تصليان قبل صلاة الفجر ، وقد ورد في فضلها أحاديث منها :

أ) عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم ؛ قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها [لهما أحب إلي من الدنيا جميعاً]" . أخرجه مسلم.

والحديث يدل على استحباب ركعتي الفجر والترغيب فيهما.

ب) عن عائشة رضي الله عنها ؛ قالت : " لم يكن النبي صلى الله عليه و سلم على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً على ركعتي الفجر". أخرجه الشيخان . والحديث يدل على تأكيد المحافظة على ركعتي الفجر .

وقد اجتمع في هذه الراتبة : القول منه صلى الله عليه و سلم في الترغيب فيها ، والفعل منه صلى الله عليه و سلم في المحافظة عليها .

ج) وعنها رضي الله عنها ؛ قالت : " إن النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يدع أربعاً قبل الظهر ، وركعتين قبل [الصبح] الغداة" . أخرجه البخاري والنسائي

وهذه الأحاديث تدل على فضل ركعتي الفجر ، و أنها من أوكد الرواتب .

ثالثاً: تخفيفهما :

كان من هديه صلى الله عليه و سلم أن يخفف ركعتي الفجر ، فلا يطيل القراءة فيهما ، ومن الأحاديث الدالة على ذلك :

أ) ما جاء عن أم المؤمنين حفصة ؛ قالت :" إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا الصبح ؛ ركع ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة". أخرجه الشيخان

ب) عن عائشة ؛ قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إنّي لأقول : هل قرأ بأم الكتاب؟". أخرجه الشيخان  .

 والحديثان يدلان على مشروعية تخفيف ركعتي الفجر .

واستدل بعض أهل العلم بحديث عائشة على مشروعية الاقتصار في سنة الفجر على قراءة فاتحة الكتاب ، ولا دلالة في الحديث على ذلك ، وغاية ما فيه الإشعار بأنه عليه الصلاة والسلام كان يخفف فيهما القراءة ، ويؤكد هذا ما يأتي في المسألة التالية.

رابعاً: ما يقرأ فيهما :

أ) عن أبي هريرة رضي الله عنه :" أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قرأ في ركعتي الفجر : {قل يا أيها الكافرون}، و {قل هو الله أحد}"  .

ب) عن ابن عباس رضي الله عنهما : " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقرأ في ركعتي الفجر : في الأولى منهما : { قولوا آمنا بالله وما أنـزل إلينا…} الآية التي في البقرة [136] ، و في الآخرة منهما : {آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون} [آل عمران :52]".

وفي رواية :" كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرأ في ركعتي الفجر : {قولوا آمنا بالله وما أنـزل إلينا} [البقرة : 136]، والتي في آل عمران : {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران : 64]

والحديثان يدلان على استحباب قراءة سورة الإخلاص في الركعة الأولى وسورة {قل يا أيها الكافرون} في الركعة الثانية من ركعتي الفجر ، كما يدل على استحباب قراءة الآية من سورة البقرة وسورة آل عمران ، فيقرأ المسلم أحياناً بهذا وأحياناً بهذا ؛ تطبيقاً للسنة.

خامساً: الاضطجاع بعدهما :

يستحب المسلم إذا صلى راتبة الفجر في البيت أن يضطجع على شقه الأيمن ، وذلك لما ورد :

أ) عن أبي هريرة ؛ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع على شقه الأيمن". أخرجه الترمذي.

والحديث يدل على مشروعية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ، وفيه دلالة على الوجوب؛ إذ هذا مقتضى الأمر ، لكن صرفه عن الوجوب إلى الاستحباب الحديث التالي :

ب) عن عائشة :" أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا صلى سنة الفجر ، فإن كنت مستيقظة ؛ حدثني ، و إلا ؛ اضطجع حتى يؤذن بالصلاة". أخرجه البخاري .

فهذا الحديث فيه أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان يترك أحياناً الاضطجاع على شقه الأيمن بعد صلاة راتبة الفجر ، ولو كان واجباً ؛ ما تركه .

ودعوى الخصوصية وغيرها لا تثبت إلا بدليل ، والأصل العموم ، والعمل بجميع ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام أولى من العمل ببعض دون بعض .

والحديث يدل على مشروعية الاضطجاع على الجانب الأيمن .

وهل يكون هذا في البيت أو في المسجد ؟

حديث أبي هريرة مطلق : فإن صلى راتبة الفجر في المسجد ؛ اضطجع في المسجد ، و إن صلاها في البيت ؛ اضطجع في البيت ، لكن لم ينقل عن

الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم فعلوا ذلك .

سادساً: من فاتته ركعتا الفجر :

يشرع لمن فاتته ركعتا الفجر أن يصليهما بعد صلاة الفجر مباشرة أو بعد طلوع الشمس، والأفضل أن يصليهما بعد طلوع الشمس .

عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" من لم يصل ركعتي الفجر ؛ فليصلهما بعد ما تطلع الشمس". أخرجه الترمذي.

قلت : ظاهر هذا الحديث وجوب صلاة راتبة الفجر إذا فاتتا بعد طلوع الشمس، لكن هذا الأمر مصروف إلى الاستحباب بدليل الحديث التالي :

عن قيس بن قهد (بالقاف المفتوحة وسكون فدال مهملة)  رضي الله عنه ؛ أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه و سلم الصبح ، ولم يكن ركع ركعتي الفجر ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ سلم معه ، ثم قام فركع ركعتي الفجر ، ورسول الله صلى الله عليه و سلم

ينظر إليه ، فلم ينكر ذلك عليه ". أخرجه الترمذي وابن حبان.

والحديث يدل على جواز قضاء راتبة الفجر بعد الفرض لمن لم يصلها قبل الفرض.

(2-2-2) راتبة صلاة الظهر :

ويتعلق بهذه الراتبة المسائل التالية :

أولاً : حكمها .

ثانياً : وصفها وفضلها .

ثالثاً : من فاتته الأربع قبل الظهر .

رابعاً : من فاتته الركعتان بعد الظهر .

و إليك بيان ذلك بالتفصيل :

أولاً : حكمها :

راتبة صلاة الظهر من السنن المستحبة التي ثبتت عن الرسول صلى الله عليه و سلم قولاً وفعلاً .

ولم يأت ما يدل على وجوبها .

ثانياً : وصفها وفضلها :

راتبة الظهر : إما أن تصلى أربعاً قبل صلاة الظهر وأربعاً بعدها ، وإما أن تصلى أربعاً قبل الظهر واثنتين بعدها ، وإما أن تصلى اثنتين قبل صلاة الظهر واثنتين بعدها ، أي ذلك فعل المسلم بنية راتبة صلاة الظهر ، أجزأه ، وكان مؤدياً هذه السنة .

والدليل على مشروعية هذه الصفة الأحاديث التالية :

أ) عن أم حبيبة ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها ، حرمه الله على النار " . أخرجه الترمذي وابن ماجه

والحديث يدل على استحباب صلاة أربع ركعات قبل الظهر ، وأربع ركعات بعد الظهر، والمحافظة عليها .

ب) عن عبد الله بن شقيق ؛ قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم عن تطوعه ؟ فقالت : كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً ، ثم يخرج فيصلي بالناس ، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ، ثم يدخل فيصلي ركعتين ، ويصلي بالناس العشاء ، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين ، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر ، وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً ، وكان إذا قرأ وهو قائم؛ ركع وسجد وهو قائم ، و إذا قرأ قاعداً ؛ ركع وسجد وهو قاعد ، وكان إذا طلع الفجر ؛ صلى ركعتين". أخرجه مسلم.

قلت : والحديث يدل على مشروعية صلاة أربع قبل الظهر واثنتين بعدها.

والظاهر أنه كان يصليها عليه الصلاة والسلام متصلة بتشهدين دون فصل بالتسليم، فتؤدى كالصلاة الرباعية ، وتخصص من عموم حديث :" صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"  .

قال أبو عيسى الترمذي : "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ومن بعدهم ؛ يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر أربع ركعات ، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق و أهل الكوفة ، وقال بعض أهل العلم : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ؛ يرون الفصل بين كل

ركعتين ، وبه يقول الشافعي و أحمد" . "سنن الترمذي" (2/289-290).

ج) وتقدم في فضل السنن الرواتب حديث أم حبيبة ؛ قالت : سمعت الرسول صلى الله عليه و سلم:" ما من عبد مسلم ، يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة ، تطوعاً غير فريضة؛ إلا بنى الله له بيتاً في الجنة (أو : إلا بنى له بيت في الجنة )، [أربع ركعات قبل الظهر ، وركعتين بعد الظهر …] " الحديث .

د) وتقدم حديث عائشة رضي الله عنها :" كان لا يدع أربعاً قبل الظهر…".

هـ) وتقدم حديث ابن عمر رضي الله عنهما :" حفظت من النبي صلى الله عليه و سلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعدها … ".

ثالثاً: من فاتته الأربع قبل الظهر :

ورد عن الرسول صلى الله عليه و سلم ؛ أنه كان إذا فاتته الأربع قبل الظهر ؛ صلاهن بعد صلاة الظهر .

عن عائشة :" إن النبي كان إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر ؛ صلاهن بعدها". أخرجه الترمذي وابن ماجه.

والحديث يدل على أن من فاتته الأربع الركعات قبل الظهر ؛ صلاهن بعد فرض الظهر مطلقاً.

رابعاً: من فاتته الركعتان بعد الظهر :

عن كريب مولى ابن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم ، فقالوا : اقرأ عليها السلام منا جميعاً ، وسلها عن الركعتين بعد [صلاة] العصر ، وقل : إنا أخبرنا أنك تصلينهما ، وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عنهما (قال ابن عباس : وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليها)؟ قال كريب : فدخلت عليها وبلغتها ما أرسلوني به ، فقالت : سل أم سلمة . فخرجت إليهم ، فأخبرتهم بقولها ، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة ، فقالت أم سلمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ينهى عنهما ، ثم رأيته يصليهما ، أما حين صلاهما ؛ فإنه صلى العصر ، ثم دخل وعندي نسوة من بنى حرام من الأنصار ، فصلاهما فأرسلت إليه الجارية ، فقلت : قومي بجنبه ، فقولي له : تقول أم سلمة : يا رسول الله صلى الله عليه و سلم ! إني أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين ، وأراك تصليهما " فإن أشار بيده ؛ فاستأخري عنه. قال: ففعلت الجارية ، فأشار بيده ، فاستأخرت عنه ، فلما انصرف؛ قال :"يا بنت أبي أمية ! سألت عن الركعتين بعد العصر ؟ إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم ، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر ، فهما هاتان ". أخرجه الشيخان.

قلت : الحديث يدل على مشروعية قضاء سنة الظهر البعدية إذا فاتتا .

فإن قيل : ذكر في الحديث أن أم سلمة قالت :" يا رسول الله ! سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما" ، وهذا يقتضي النهي عن تلك الركعتين .

فالجواب : الظاهر من الحديث أن النهي عن هاتين الركعتين بعد العصر إنما هو لمن داوم عليهما ظناً أنها سنة ، ألا ترى أنه ذكر في الحديث نفسه أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تصليهما :" اقرأ عليها السلام منا جميعاً وسلها عن الركعتين بعد العصر ، وقل : إنا أخبرنا أنك تصلينهما … فقالت السيدة عائشة : سل أم سلمة " ، فلو كان المراد من النهي عن الركعتين بعد العصر على الإطلاق ؛ ما صلتهما عائشة . والله أعلم .

وهناك تعليل آخر ، وهو أن النهي عن الركعتين بعد العصر لمن صلاها والشمس غير بيضاء نقية ؛ فإن الرسول صلى الله عليه و سلم نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة ، ولذلك لما أجابها عليه الصلاة والسلام ؛ بين لها سبب هاتين الركعتين ، وأنهما الركعتان بعد الظهر ، فدل الحديث على جواز قضاء راتبة الظهر البعدية في وقت النهي .

وقد ثبت ما يدل على هذا ؛ فإن ابن عباس قال في هذا الحديث : " كنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليها " ؛ يعني : أنه كان ينهى الناس عن الصلاة بعد العصر مطلقاً، والظاهر أن عائشة بلغها هذا ، فقالت : وهم عمر ، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. وفي رواية عنها : قالت: لم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر . قال: فقالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك". رواه مسلم.

فدل هذا على النهي عن الصلاة عند غروب الشمس ، ومفهومه أن الصلاة بعد العصر والشمس بيضاء نقية غير داخل في النهي ، وهذا المفهوم جاء منطوقاً في حديث عن على بن أبي طالب مرفوعاً :" نهى عن الصلاة بعد العصر ؛ إلا والشمس مرتفعة". أخرجه أبو داود والنسائي ، وفي رواية لأحمد :" لا تصلوا بعد العصر ؛ إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة"  .

(3-2-2) راتبة صلاة العصر :

ويتعلق بهذه الراتبة المسائل التالية :

أولاً : حكمها .

ثانياً : فضلها .

ثالثاً : صفتها .

وبيانها فيما يلي :

أولاً : حكمها :

راتبة العصر من السنن الرواتب ، التي ثبت الترغيب فيها من الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت فعله لها ؛ فالمحافظة عليها من الأمور المستحبة .

ثانياً : فضلها :

ورد في فضل راتبة العصر الحديث التالي :

عن ابن عمر ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً". أخرجه أحمد والترمذي و أبو داود.

والحديث يدل على استحباب فعل هذه الركعات ، بل والمحافظة عليها ؛ رجاء الدخول في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثالثاً : صفتها :

راتبة العصر ، أربع ركعات ، موصولات بتشهدين كالصلوات الرباعية ، يسلم في آخرهن ، تصلى قبل صلاة العصر .

عن عاصم بن ضمرة السلولي ، قال : سألنا علياً عن تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهار؟ فقال: إنكم لا تطيقونه . فقلنا : أخبرنا به ؛ نأخذ منه ما استطعنا . قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر ؛ يمهل ، حتى إذا كانت الشمس من هاهنا (يعني: من قبل المشرق) بمقدارها من صلاة العصر من هاهنا (يعني: من قبل المغرب) ؛ قام فصلى ركعتين ، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا (يعني: من قبل المشرق) مقدارها من صلاة الظهر من هاهنا ؛ قام فصلى أربعاً ، وأربعاً قبل الظهر إذا زالت الشمس ، وركعتين بعدها ، وأربعاً قبل العصر ، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين ". قال علي :" فتلك ست عشرة ركعة تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهار ، وقل من يداوم عليها " أخرجه الترمذي وابن ماجه.

وفي رواية للنسائي :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حين تزيغ الشمس ركعتين ، وقبل نصف النهار أربع ركعات ، يجعل التسليم في آخره"

قال أبو عيسى الترمذي : " حديث علي حديث حسـن ، واختار إسحاق بن إبراهيم أن لا يفصل في الأربع قبل العصر ، واحتج بهذا الحديث ، وقال إسحــاق : ومعنى أنه يفصل بينهن بالتسليم ؛ يعني : التشهد. ورأى الشافعي و أحمد صلاة الليل والنهــار مثنى مثنى ؛ يختاران الفصل في الأربع قبل العصر " .اهـ.

قلت : الظاهر هو ما قاله إسحاق بن إبراهيم ، ويؤيده الرواية التي عند النسائي: "يجعل التسليم في آخره" ، ويرشحه أنه لو كان المراد بالتسليم للخروج من الصلاة في قوله :"يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين …" ، لو كان المراد التسليم للخروج من الصلاة ؛ للزم المصلي أن ينوي ذلك ، وهذا لم يرد شرعاً ، فدل هذا على أن المراد بالتسليم على الملائكة المقربين … إلخ : التشهد ، خاصة وقد ورد مرفوعاً أن التشهد فيه التسليم على كل عبد صالح في السماء و الأرض.

وعليه ؛ فتخصص هذه الراتبة من عموم حديث :"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" .

والحديث يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي هذه الأربع الركعات قبل العصر ؛ فعدها من السنن الرواتب هو الصواب إن شاء الله ؛ لثبوتها عنه صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وبالله التوفيق .

(4-2-2) راتبة صلاة المغرب :

ويتعلق بهذه الراتبة المسائل التالية :

أولاً : حكمها .

ثانياً : صفتها وفضلها .

ثالثاً : تأكيد صلاتها في البيوت .

وبيان ذلك كما يلي :

أولاً : حكمها :

راتبة المغرب سنة من السنن الرواتب ، التي يستحب للمسلم المحافظة عليها ، وقد ثبتت هذه السنة عنه صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل .

ثانياً : صفتها وفضلها :

راتبة المغرب ركعتان ، تصليان بعد صلاة المغرب ، وتقدم في النص عليها :

حديث أم حبيبة ؛ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة ؛ إلا بنى الله له بيتاً في

الجنة (أو : إلا بني له بيت في الجنة ): [أربع ركعات قبل الظهر ، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب …]".

وحديث ابن عمر رضي الله عنه ؛ قال :"حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب في بيته …".

وحديث عبد الله بن شقيق ؛ سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن تطوعه ؟فقالت: "كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً ، ثم يخرج فيصلي بالناس ، ثم يدخل فيصلي ركعتين ، وكان يصلي بالناس المغرب ، ثم يدخل فيصلي ركعتين …".

ثالثاً: تأكيد صلاتها في البيوت :

كان من هديه صلوات الله وسلامه عليه صلاة التطوع في البيت إلا ما كان لعارض ، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم التأكيد على صلاة راتبة المغرب في البيوت .

عن محمود بن لبيد ؛ قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد الأشهل ، فصلى بهم المغرب ، فلما سلم ؛ قال :" اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم ". أخرجه أحمد ، وصححه ابن خزيمة .

عن كعب بن عجرة ؛ قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب في مسجد بني عبد الأشهل ، فلما صلى ؛ قام ناس يتنفلون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "عليكم بهذه الصلاة في البيوت " . أخرجه أبو داود والنسائي .

قلت : الحديثان يدلان على تأكيد استحباب صلاة راتبة المغرب في البيوت.

 (5-2-2) راتبة العشاء :

وتتعلق بها مسألتان :

أولاً : حكمها .

ثانياً : صفتها وفضلها .

أولاً : حكمها :

راتبة العشاء من السنن الراتبة ؛ فهي صلاة يستحب للمسلم أن يحافظ عليها ؛ لثبوت فعلها عنه صلى الله عليه وسلم ؛ كما ثبت الترغيب فيها بقوله صلى الله عليه وسلم .

ثانياً : صفتها وفضلها :

تقدم حديث ابن عمر :" حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات … وركعتين بعد العشاء في بيته ".

وتقدم حديث عبد الله بن شقيق ؛ قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن تطوعه ؟ فقالت : " … ويصلي بالناس العشاء ، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين ".

وتقدم حديث أم حبيبة ؛ قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة ؛ إلا بنى الله له بيتاً في الجنة … [… وركعتين بعد العشاء …] ".

قلت : وهذه الأحاديث فيها أن راتبة العشاء ركعتين بعد صلاة العشاء .

 صلاة الليل والوتر

يشتمل هذا الباب على الفصول التالية :

(1-3) فضلهما .

(2-3) حكم صلاة الليل والوتر .

(3-3) أول وقت صلاة الليل والوتر وآخره .

(4-3) عدد ركعات صلاة الليل والوتر وصفتها .

(5-3) ما يقرأ في الوتر .

(6-3) القنوت في الوتر حكمه وموضعه وصفته .

(7-3) من نام عن وتره أو نسيه .

(8-3) مشروعية صلاة الليل جماعة في رمضان .

(9-3) لا وتران في ليلة .

وبيان ذلك كما يلي :

صلاة الليل والوتر

(1-3) فضلهما

ورد من فضل صلاة الليل والوتر أحاديث ، أذكر منها الأحاديث التالية :

أ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ". أخرجه مسلم.

ب) عن أبي أمامة الباهلي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال :" عليكم بقيام الليل ؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وهو قربة لكم إلى ربكم ، ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم". رواه الترمذي والحاكم.

ج) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن

الله زادكم صلاة ؛ فحافظا عليها ، وهي الوتر". أخرجه أحمد وابن أبي شيبة.

قلت : والأحاديث السابقة تدل على فضيلة صلاة الليل واستحباب المحافظة على صلاة الوتر .

(2-3) حكم صلاة الليل والوتر

صلاة الليل سنة مستحبة ، والوتر في آخرها سنة مؤكدة ، هذا ما دلت عليه النصوص؛ فمن ذلك الأحاديث التالية :

أ) عن عبد الله بن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال :" اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" متفق عليه.

ب) عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

يقول :" الوتر حق" . أخرجه أحمد و أبو داود.

ج) عن أبي أيوب الأنصاري ؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الوتر حق على كل مسلم ، فمن أحب أن يوتر بخمس ؛ فليفعل ، ومن أحب أن يوتر بثلاث ؛ فليفعل ، ومن أحب أن يوتر بواحدة ؛ فليفعل ".

وفي رواية :" الوتر حق ، فمن شاء ؛ أوتر بسبع ؛ ومن شاء ؛ أوتر بخمس ، ومن شاء؛ أوتر بثلاث ، ومن شاء ؛ أوتر بواحدة ، ومن شاء ؛ أومأ إيماء".

قلت : هذه الأحاديث تدل على تأكيد استحباب صلاة الليل والوتر ، بل فيها ما قد يشعر بوجوب الوتر : إما مطلقاً ، وإما في حق من يتهجد بالليل .

لكن ورد ما يدل على أن صلاة الليل والوتر ليستا بحتم ، من ذلك :

عن علي رضي الله عنه ؛ قال :" الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة ، ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ". أخرجه النسائي.

قلت : وهذا صريح في عدم وجوب الوتر ، ولا أعلم له مخالفاً من الصحابة ؛ فقوله هذا له حكم الإجماع السكوتي.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عبد الله ! لا تكن مثل فلان ، كان يقوم من الليل ، فترك قيام الليل ". أخرجه البخاري ومسلم.

في هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب ، إذ لو كان واجباً ؛ لم يكتف لتاركه بهذا القدر ، بل كان يذمه أبلغ الذم.

عن علي بن أبي طالب ؛ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي عليه السلام ليلة ، فقال :" ألا تصليان ؟" فقلت : يا رسول الله ! أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن يبعثنا ؛ بعثنا ، فانصرف حين قلت ذلك ، ولم يرجع إلي شيئاً ، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول :" وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً". متفق عليه .

قلت : ولو كان قيام الليل واجباً ، لما عذره بقوله ذاك ، والله أعلم.

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد ، فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى من القابلة ، فكثر الناس ، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبح ؛ قال :" قد رأيت الذي صنعتم ، ولم يمنعني من الخروج إليكم ؛ إلا أني خشيت أن تفرض عليكم ، وذلك في رمضان " . متفق عليه.

وفي رواية : " … ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم "؛ فعليكم بالصلاة في بيوتكم ؛ فإن خير صلاة المرء في بيته ؛ إلا الصلاة المكتوبة ". أخرجها مسلم عن زيد بن ثابت.

قلت : هذا الحديث فيه دلالة ظاهرة على عدم وجوب صلاة الليل ، إذ نص الرسول أنها من صلاة البيوت التي ليست بواجبة ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم خشي أن تفرض عليهم صلاة الليل جماعة في المساجد في رمضان ، فدل ذلك أنها ليست بواجبة جماعة في المساجد في رمضان وفي غير رمضان كذلك؛ لعدم الفرق ، وأفراداً كذلك.

عن ابن عمر ؛ قال :" كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض ، ويوتر على راحلته" . أخرجه البخاري.

قلت : ثبت بالاستقراء أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل فريضة على راحلته ، فدلت صلاته صلاة الليل والوتر على الراحلة أنها من التطوع الذي ليس بحتم كهيئة المكتوبة.

ومن الأدلة على عدم وجوب صلاة الليل والوتر ما سبق عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". أخرجه مسلم.

وفيه دلالة على عدم وجوب صلاة الليل ، إذ فاضل بين صلاة الليل وسائر الصلوات غير الفريضة، وقرن في التفضيل بين صيام شهر الله المحرم وصلاة الليل ؛ فكما أن صيام شهر الله المحرم ليس بواجب ؛ فكذا صلاة الليل ، والله أعلم.

والمقصود : أن مجموع هذه النصوص يدل على عدم وجوب صلاة الليل والوتر ؛ فهي قرينة صارفة لما قد تشعر به بعض الأحاديث بوجوب الوتر ، صارفة من الوجوب إلى الاستحباب. والله أعلم.

ويؤكد عدم الوجوب ما ذكرته السيدة عائشة رضي الله عنها ؛ من أن قيام الليل كان فرضاً في أول الأمر ، ثم أنـزل الله التخفيف في آخر سورة المزمل ، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة .

(3-3)أول وقت صلاة الليل والوتر وآخره

أول وقت صلاة الليل والوتر بعد صلاة العشاء ، وآخره طلوع الفجر ، ويدل على ذلك ما يلي :

أ) عن عائشة رضي الله عنها ؛ قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء (وهي التي يدعو الناس: العتمة) إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ، ويوتر بواحدة ، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر ، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن ؛ قام، فركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن للإقامة ". أخرجه مسلم.

ب) وعن أبي بصرة الغفاري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله زادكم صلاة ، وهي الوتر ؛ فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر". أخرجه أحمد.

قلت : والحديثان ظاهران في أن صلاة الليل والوتر وقتهما يبدأ من بعد صلاة العشاء (التي يدعو الناس :العتمة) إلى الفجر .

ويؤكد أن آخرها الفجر ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم :" فإذا خشي أحدكم الصبح؛ صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى"

قال ابن نصر :" الذي اتفق عليه أهل العلم : أن ما بين صلاة العشاء إلى

طلوع الفجر وقت للوتر ، واختلفوا فيما بعد ذلك إلى أن يصلي الفجر ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالوتر قبل طلوع الفجر". اهـ.

قلت : والأفضل في حق من خشي أن لا يقوم آخر الليل الصلاة في أوله، ومن وثق من نفسه؛ فالأفضل له تأخيره إلى آخر الليل ؛ لما ثبت عن جابر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من خاف أن لا يقوم من آخر الليل ؛ فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره؛ فليوتر آخر الليل ؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة ، وذلك أفضل". أخرجه مسلم.

(4-3) عدد ركعات صلاة الليل والوتر وصفتها

صلاة الليل والوتر إحدى عشرة ركعة ، ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، وقد وردت عنه عليه الصلاة والسلام بأوصاف متنوعة ، إذا صلى المسلم بأي صفة منها ؛ أجزأته وهذه الأوصاف هي التالية :

•        (1-4-3) صلاة الليل مثنى مثنى والوتر بواحدة :

عن عبد الله بن عمر ؛ أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشى أحدكم الصبح ؛ صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى". وفي رواية :" قام رجل فقال : يا رسول الله! كيف صلاة الليل؟". أخرجه الشيخان.

قلت : والحديث يدل على أن صلاة الليل تصلى ركعتين ركعتين .

و أن الوتر يشرع كونه آخر صلاة الليل .

و أن الوتر بركعة واحدة مفصولة عما قبلها مشروع.

وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على تعين الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل ؛ لأن هذا ظاهر السياق ؛ لحصر المبتدأ في الخبر .

وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل للمصلي ؛ لما صح من فعله صلى الله عليه وسلم بخلافه ؛ كما سيأتي إن شاء الله .

وليس في الحديث ما يعين أن جوابه صلى الله عليه وسلم بقوله : "صلاة الليل مثنى مثنى" ؛ أن هذا هو الأفضل ، بل يحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف ؛ إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها ؛ لما فيه من الراحة غالباً ، وقضاء ما يعرض من أمر مهم ، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط ؛ لما واظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن ادعى اختصاصه به ؛ فعليه البيان ، وقد صح عنه الفصل كما صح عنه الوصل .

وقد استدل بعضهم بالحديث على أن صلاة الليل لا حد لأكثرها،وفيه نظر من وجوه؛ منها:

الوجه الأول : أن الثابت من فعله صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل والوتر أنه لم يزد فيها عن إحدى عشرة ركعة .

الوجه الثاني : وردت رواية لهذا الحديث تفسره ، وهي الرواية المشار إليها سابقاً ، وقد أخرجها البخاري بلفظ :" أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ،

فقال : كيف صلاة الليل ؟ فقال: مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح ؛ فأوتر بواحدة ؛ توتر لك ما قد صليت" ، وهذه الرواية فيها بيان أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : "مثنى مثنى" بيان كيفية الصلاة لا كمية الصلاة ، فلا يريد الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ذاك بيان العدد ، وإنما الفصل والوصل ؛ فصلاة الليل تصلى ركعتين ركعتين ، وأولى ما فسر به الحديث من الحديث .

الوجه الثالث : أن قوله صلى الله عليه وسلم : " مثنى مثنى": يفيد إرادة الصفة ، لا إرادة العدد ، إذ العدد المعدول (مثنى مثنى) إنما يعني : صلي صلاة الليل ركعتين ركعتين ؛ دون أن يراد بيان العدد ؛ فافهم. وهذا كما في قوله تعالى : {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء :3].

•        (2-4-3) الوتر بركعة واحدة : يشرع الوتر بركعة واحدة ، ومما يدل عليه ما يلي :

أ)ما سبق من قوله صلى الله عليه وسلم :" صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح؛ فأوتر بركعة ".

ب)ما سبق من حديث أبي أيوب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الوتر حق على كل مسلم ، فمن شاء ؛ أوتر بسبع ، ومن شاء ؛ أوتر بخمس ، ومن شاء بثلاث ، ومن شاء ؛ أوتر بواحدة ، فمن غلب ؛ فليومئ إيماء".

ج) عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم :" الوتر ركعة من آخر الليل ". أخرجه مسلم.

•        (3-4-3) الوتر بثلاث ركعات :

ويشرع الوتر بثلاث ركعات فقط ، ولك أن تصليها على صفتين ، ما تيسر لك منها يجزئ عنك، وهي التالية :

الأولى : أن تصلي هذه الركعات الثلاث : ركعتين ثم تسلم ، ثم تصلي ركعة واحدة.

الثانية : أن تصليها ثلاث ركعات متصلة ، لا تقعد إلا في آخرهن :

لما ثبت عن أبي هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب ، ولكن أوتروا بخمس ، أو بسبع ، أو بتسع ، أو بإحدى عشرة". أخرجه الحاكم.

وقد ثبت أداء الثلاث موصولات دون قعود إلا في آخرهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد جاء عن أبي بن كعب ؛ قال :" كان رسول الله يقرأ من الوتر بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الركعة الثانية بـ{قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد}، ولا يسلم إلا في آخرهن". أخرجه النسائي.

وعن عائشة ؛ قالت : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث ، لا يسلم إلا في آخرهن ". أخرجه الحاكم.  وعن بعض الصحابة رضوان الله عليهم.

ومن الأدلة على مشروعية الوتر بثلاث ركعات ما تقدم في حديث أبي أيوب : "ومن أحب أن يوتر بثلاث ؛ فليفعل".

•        (4-4-3) الوتر بخمس ركعات :

يشرع الوتر بخمس ركعات ، ولك أن تصليها على صفتين :

الأولى : أن تصلي ركعتين ، ثم تصلي ركعتين ، ثم تصلي ركعة.

الثانية : أن تصليها خمس ركعات موصولات ، لا تجلس إلا في آخرهن.

والدليل على ذلك جميعه ما يلي :

أ) ما سبق في حديث أبي أيوب المتقدم : "من أحب أن يوتر بخمس ؛ فليفعل".

ب) ما سبق في حديث ابن عمر :" صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي أحدكم الفجر؛ أوتر بركعة".

ج) عن عائشة رضي الله عنها ؛ قالت : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ؛ يوتر من ذلك بخمس ، لا يجلس إلا في آخرها". وفي رواية :"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر ". أخرجه مسلم.

د) وعنها ؛ قالت :" إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في الآخرة منهن". أخرجه أبو عوانة.

•        (5-4-3) الوتر بسبع ركعات :

يشرع الوتر بسبع ركعات ، ويؤدى على صفتين :

الأولى : أن يصلي ست ركعات مثنى مثنى ، ثم يوتر بواحدة .

الثانية : أن يصلي سبع ركعات موصولات ، لا يقعد إلا في السادسة ، فيتشهد ، ثم يقوم ولا يسلم ، ويأتي بالسابعة ثم يسلم .

ومما يدل على ذلك ما يلي :

حديث أبي أيوب ، وفيه :" الوتر حق ، فمن شاء ؛ أوتر بسبع".

عن أم سلمة :" كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة ، فلما كبر

وضعف أوتر بسبع". أخرجه الترمذي والنسائي.

ج) حديث ابن عمر المتقدم :" صلاة الليل مثنى مثنى … ".

د) عن عائشة ؛ قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوتر بتسع ركعات ؛ لم يقعد إلا في الثامنة ، فيحمد الله ، ويذكره ، ويدعو ، ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يصلي التاسعة ، فيجلس ، فيذكر الله عز وجل، ويدعو ، ثم يسلم تسليمة يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس ، فلما كبر وضعف ؛ أوتر بسبع ركعات ، لا يقعد إلا في السادسة ثم ينهض ولا يسلم ، فيصلي السابعة ، ثم يسلم تسليمة ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس". أخرجه مسلم والنسائي.

•        (6-4-3) الوتر بتسع ركعات :

ويشرع للمسلم أن يوتر بتسع ركعات ، وله فيها صفتان ، وهي التالية :

الأولى : أن يصلي مثنى مثنى ثمان ركعات ثم يوتر بواحدة .

الثانية : أن يصلي تسع ركعات موصولات ، لا يقعد إلا في الثامنة للتشهد ، ثم يصلي التاسعة ، ويقعد فيها للتشهد الثاني ، ثم يسلم .

ومما يدل على ذلك ما يلي :

أ) ما سبق من قوله صلى الله عليه وسلم :" صلاة الليل مثنى مثنى ؛ فإذا خشي أحدكم الصبح؛ صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى ".

ب) عن سعد بن هشام ؛ قال :" قلت : يا أم المؤمنين (يعني: عائشة رضي الله عنها)! أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : ألست تقرأ القرآن ؟ قلت: بلى . قالت : فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن . قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحداً عن شيء حتى أموت ، ثم بدا لي ، فقلت : أنبئيني عن قيام رسول الله ؟ فقالت: ألست تقرأ :{ يا أيها المزمل} ؟ قلت : بلى. قالت : فإن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة ، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً ، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنـزل الله من آخر هذه السورة التخفيف ، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة ، قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : كنا نعد له سواكه وطهوره ، فيبعثه الله ما شاء الله أن يبعثه من الليل ، فيتسوك ، ويتوضأ ، ويصلي تسع ركعات؛ لا يجلس إلا في الثامنة ، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يقوم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد ، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثم يسلم تسليماً يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد ؛ فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني ، فلما سن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذه اللحم ؛ أوتر بسبع ؛ وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول ؛ فتلك تسع يا بني …" أخرجه مسلم .

•        (7-4-3) الوتر بإحدى عشرة ركعة :

يشرع للمسلم أن يوتر بإحدى عشرة ركعة ، ويصليها على صفتين :

الأولى : أن يصلي مثنى مثنى عشر ركعات ثم يوتر بواحدة .

الثاني : أن يصلي أربعاً أربعاً ثم يصلي ثلاثاً.

ويدل على ذلك ما يلي :

أ) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ؛ أنه سأل عائشة رضي الله عنها : كيف كانت صلاته صلى الله عليه وسلم في رمضان ؟ فقالت : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة : يصلي أربعاً ، فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي أربعاً ،؛ فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي ثلاثاً. قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله ! أتنام قبل أن توتر ؟ فقال:" يا عائشة ! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ".

وفي رواية :" كان يصلي ثلاث عشرة ركعة : يصلي ثمان ركعات ثم يوتر ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس ؛ فإذا أراد أن يركع ؛ قام فركع ، ثم يصلي ركعتين بين النداء و الإقامة من الصبح " . أخرجه الشيخان.

ب) وعنها ؛ قالت : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة ؛ يوتر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها ؛ اضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن ، فيصلي ركعتين خفيفتين ".

وفي رواية : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء (وهي التي يدعو الناس العتمة) إلى الفجر إحدى عشرة ركعة ؛ يسلم بين كل

ركعتين ، ويوتر بواحدة ، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر ، وتبين له الفجر ، وجاءه المؤذن ؛ قام ، فركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة". أخرجه مسلم.

قلت : وانتهت صلاة الليل والوتر إلى الإحدى عشرة ركعة.

مسألة : ما حكم الركعتين اللتين كان يصليهما الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الوتر جالساً ؟

وللجواب عن هذه المسألة أقول :

قال صلى الله عليه وسلم : " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً " متفق عليه.

وسبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين بعد الوتر أحياناً وهو جالس .

وعليه ؛ فإن فعله صلى الله عليه وسلم دل على أن قوله : " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" ؛ إنما هو إرشاد إلى الأفضل ، فيباح للمسلم أن يصلي بعد الوتر ، ولا حرج عليه في ذلك .

ويؤكد هذا ما جاء عن ثوبان ؛ قال : كنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر ، فقال: " إن هذا السفر جهد وثقل ، فإذا أوتر أحدكم ؛ فليركع ركعتين ، فإن استيقظ ، و إلا ؛ كانتا له". أخرجه الدارمي وابن خزيمة وابن حبان.

فدل ذلك على أن المقصود من الأمر بجعل آخر صلاة الليل وتراً أن لا يهمل الإيتار بركعة ؛ فلا ينافيه صلاة ركعتين بعده ؛ كما ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام وأمره . والله أعلم.

وقد بوب ابن خزيمة رحمه الله على حديث ثوبان هذا بقوله :" باب ذكر الدليل على أن الصلاة بعد الوتر مباحة لجميع من يريد الصلاة بعده ، و أن الركعتين اللتين كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد الوتر لم يكونا خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم دون أمته ؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالركعتين بعد الوتر أمر ندب وفضيلة لا أمر إيجاب وفريضة" اهـ.

(5-3) ما يقرأ في الوتر

يشرع للمسلم أن يقرأ في الأولى من الوتر : {سبح اسم ربك الأعلى} ،

وفي الثانية : {قل يا أيها الكافرون } ، وفي الثالثة : { قل هو الله أحد} .

وأحياناً يقرأ في الثالثة مع {قل هو الله أحد} : المعوذتين .

والدليل على ذلك ما يلي :

عن أبي بن كعب : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات ، كان يقرأ في الأولى بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الثانية بـ{ قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد} ، ويقنت قبل الركوع ، فإذا فرغ ؛ قال عند فراغه :" سبحان الملك القدوس" ؛ ثلاث مرات، يطيل في آخرهن". أخرجه النسائي .

عن ابن عباس ؛ قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث ؛ يقرأ في الأولى بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الثانية بـ { قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد} " . أخرجه النسائي.

عن عبد العزيز بن جريج ؛ قال: سألت عائشة : بأي شيء كان يوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت :" كان يقرأ في الأولى بـ { سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي

الثانية بـ { قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد} والمعوذتين ". أخرجه الترمذي.

واعلم أن هذه الأحاديث تشعر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين الشفع والوتر ، وهذا جاء صريحاً :

عن ابن عمر ؛ قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين الشفع والوتر بتسليم يسمعناه". أخرجه ابن حبان.

وليس معنى هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يوتر بثلاث موصولات ؛ فقد جاء في رواية لحديث أبي بن كعب السابق بلفظ :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الركعة الثانية بـ {قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد} ، ولا يسلم إلا في آخرهن ، ويقول (يعني : بعد التسليم): " سبحان الملك القدوس : ؛ ثلاثاً ". أخرجه النسائي .

فائدة :دل حديث أبي بن كعب على مشروعية أن يقول المسلم إذا فرغ من الوتر : "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات يطيل في آخرهن .

(6-3) القنوت في الوتر

ويشتمل هذا الفصل على المسائل التالية :

المسألة الأولى : حكم القنوت في الوتر .

المسألة الثانية : موضعه .

المسألة الثالثة : صفته .

و إليك بيان ذلك :

•        (1-6-3) حكم القنوت في الوتر :

القنوت في الوتر مستحب ، وليس بواجب .

والدليل على استحبابه : أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوتر ولا يقنت أحياناً، فدل ذلك على عدم وجوب القنوت في الوتر ، إذ لو كان واجباً ؛ ما تركه صلى الله عليه وسلم أحياناً. والله أعلم.

والدليل على ذلك ؛ أنه ثبت عن بعض الصحابة والتابعين ترك القنوت في الوتر ، وثبت عن بعضهم ترك القنوت في الوتر طوال السنة ؛ إلا في النصف من رمضان ، وثبت عن آخرين القنوت في الوتر طوال السنة . وهذا الاختلاف منهم مشعر بأنه لم يثبت لديهم جميعهم قنوت الرسول صلى الله عليه وسلم في كل صلاة وتر، وفي هذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يترك الوتر أحياناً . والله أعلم .

وممن حكى هذا الاختلاف الترمذي ، فقال : " اختلف أهل العلم في القنوت في الوتر، فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها ، واختار القنوت قبل الركوع. وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق و أهل الكوفة.

وقد روي عن علي بن أبي طالب : أنه كان لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان، وكان يقنت بعد الركوع. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا ، وبه يقول الشافعي و أحمد " . اهـ.

•        (2-6-3) موضع القنوت في الوتر :

القنوت يكون في الركعة الأخيرة بعد القراءة وقبل الركوع ، هذا الثابت من فعله صلوات الله وسلامه عليه غالباً ، وكان أحياناً يقنت للوتر بعد الركوع ، والله أعلم.

والدليل على ذلك ما يلي :

أ) عن أبي بن كعب ؛ قال :" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر فيقنت قبل الركوع". أخرجه ابن ماجه.

ب) عن علقمة ؛ " أن ابن مسعود وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع". أخرجه ابن أبي شيبة .

قلت : ففي حديث أبي بن كعب وأثر علقمة دليل على أن قنوت الوتر يكون بعد القراءة قبل الركوع .

أما الدليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت أحياناً بعد الركوع في الوتر ؛ فهو التالي :

عن عبد الرحمن بن عبد القاري ؛ أنه قال :" خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون ، يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد ؛ لكان أمثل. ثم عزم ، فجمعهم على أبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون (يريد: آخر الليل ). وكان الناس يقومون أوله (وزاد في رواية: وكان يلعنون الكفرة في النصف : اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ، ويكذبون رسلك ، ولا يؤمنون بوعدك ، وخالف بين كلمتهم ، وألق في قلوبهم الرعب ، وألق عليهم رجزك وعذابك ، إله الحق. ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين . قال: وكان يقول إذا فرغ من لعنه الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته : اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا ، ونخاف عذابك الجد ، إن عذابك لمن عاديت ملحق ، ثم يكبر ويهوي ساجداً)" .

قلت :ومحل الدلالة في قوله : " ثم يكبر ويهوي ساجداً " ؛ إذ فيه أن دعاء القنوت في الوتر كان بعد الركوع ، إذ لو كان الدعاء بعد القراءة ؛ لكبر للركوع لا للسجود. وبالله التوفيق.

•        (3-6-3) صفة القنوت في الوتر :

الذي يظهر من تأمل النصوص الواردة ؛ أنه ليس في قنوت الوتر شيء موقت، إنما هو دعاء واستغفار.

ومن خير الدعاء في قنوت الوتر ما يلي :

عن الحسن بن علي رضي الله عنهما : " علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن [إذا فرغت من قراءتي] في قنوت الوتر : " اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ؛ إنك تقضي ولا يقضى عليك ، و إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، (ولا منجأ منك إلا إليك]"

كما يشرع في دعاء القنوت في الوتر في النصف من رمضان بما ثبت في الرواية السابقة في أثر عبد الرحمن بن عبد القاري :" وكان يلعنون الكفرة في النصف : اللهم قاتل الكفرة ، الذين يصدون عن سبيلك ، ويكذبون رسلك ، ولا يؤمنون بوعدك ، وخالف بين كلمتهم ، وألق في قلوبهم الرعب ، وألق عليهم رجزك وعذابك ، إله الحق. ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير ، ثم يستغفر للمؤمنين. قال: وكان يقول إذا فرغ

من لعنه الكفرة ، وصلاته على النبي ، واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ، ومسألته : اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، ونرجو رحمتك ربنا ، ونخاف عذابك الجد ، إن عذابك لمن عاديت ملحق " .

تنبيه :

ثبت عن على بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره : " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" .

قلت : أورد هذا الحديث بهذا السياق الترمذي في (باب في دعاء الوتر) ، والنسائي في (باب الدعاء في الوتر) ، و أبو داود في (باب القنوت في الوتر ) ، وابن ماجه في (باب ما جاء في القنوت في الوتر) .

ووجه ذلك ما أشار إليه السندي في "حاشيته على النسائي" حيث قال: "قوله: " كان يقول في آخر وتره": يحتمل أنه كان يقول في آخر القيام ، فصار هو من القنوت ؛ كما هو مقتضى كلام المصنف، ويحتمل أنه كان يقول في قعود التشهد ، وهو ظاهر اللفظ"  اهـ.

لكن أخرج هذا الحديث النسائي من كتاب " عمل اليوم والليلة" وكذا ابن السني باللفظ التالي :

عن على بن أبي طالب ؛ قال : " بت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فكنت أسمعه إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه يقول : اللهم إني أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك ، اللهم لا أستطيع ثناء عليك ولو حرصت ، ولكن أنت كما أثنيت على نفسك" .

وهذه الرواية فيها تعيين موضع هذا الدعاء ، وهو ما بوب عليه النسائي في كتابه "عمل اليوم والليلة" ، حيث قال : " باب ما يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه" .

(7-3) من نام عن وتره أو نسيه

جاء في حق من نام عن صلاة الليل وهو ينوي أن يصلي قول أبي الدرداء رضي الله عنه : " من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل ، فغلبته عيناه حتى أصبح ؛ كتب له ما نوى ، وكان نومه صدقة عليه من ربه عز وجل ". أخرجه النسائي وابن ماجه

وهذا الأثر ، و إن كان موقوفاً ؛ إلا أنه في حكم المرفوع .

ويشرع للمسلم إذا نام عن وتره أو غلبه عليه وجع ونحوه أن يصليه من النهار ، وهو مخير في عدد الركعات التي يصليها بين أمرين :

الأول : أن يصلي وتره كما كان يصليه .

وهذا يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري ؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من نام عن وتره أو نسيه ؛ فليصله إذا ذكره". أخرجه أبو داود والترمذي.

الثاني : أن يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة.

وهذا ما نقلته عائشة رضي الله عنها من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ حيث قالت : " كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل ؛ صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة".

أخرجه مسلم.

(8-3) مشروعية صلاة الليل جماعة في رمضان

ثبتت مشروعية صلاة الليل جماعة في رمضان عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قوله ومن فعله.

أما القول ؛ فهو ما جاء عن جبير بن نفير عن أبي ذر رضي الله عنه ؛ قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يصل بنا حتى بقي سبع من الشهر ، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ، ثم لم يقم بنا في السادسة ، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل ، فقلنا له: يا رسول الله ! لو نفلتنا بقية ليتنا هذه ؟ فقال:" إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف ؛ كتب له قيام ليلة" ، ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر ، وصلى بنا الثالثة ، ودعا أهله ونساءه، فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح. قال جبير بن نفير الراوي عن أبي ذر قلت : وما الفلاح؟ قال: السحور. أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.

قال الترمذي في تعليقه على الحديث :" اختار ابن المبارك و أحمد وإسحاق الصلاة مع الإمام في شهر رمضان ، واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده إذا كان قارئاً " اهـ.

قلت: حديث أبي ذر هذا نص قولي عن الرسول صلى الله عليه وسلم يفيد مشروعية الجماعة في صلاة الليل ، بل ويبين فضلها .

أما الفعل من الرسول صلى الله عليه وسلم لصلاة الليل جماعة ؛ فهو ما جاء عن عائشة رضي الله عنها ؛ قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة من جوف الليل ، فصلى في المسجد ، فصلى رجال بصلاته ، فأصبح الناس فتحدثوا ، فاجتمع أكثر منهم ، فصلوا معه ، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة ، فخرج رسول الله، فصلوا بصلاته ، فلما كانت الليلة الرابعة ؛ عجز المسجد عن أهله ، حتى خرج لصلاة الصبح ، فلما قضي الفجر ؛ أقبل على الناس ، فتشهد ، ثم قال: " أما بعد؛ فإنه لم يخف علي مكانكم ، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها". أخرجه الشيخان.

قال الحافظ ابن حجر عند ذكره لفوائد هذا الحديث : " [فيه] ندب قيام الليل – ولا سيما في رمضان – جماعة ؛ لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب" . اهـ.

(9-3) لا وتران في ليلة

عن قيس بن طلق بن علي ؛ قال: زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان ، وأمسى عندنا وأفطر ، ثم قام بنا الليلة وأوتر بنا ، ثم انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه ، حتى إذا بقي الوتر ، قدم رجلاً ، فقال: " أوتر بأصحابك؛ فإني

سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا وتران في ليلة ". أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان.

قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله معلقاً على قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "لا وتران في ليلة" : "اختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل ثم يقوم من آخره :

فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم نقض الوتر ، وقالوا : يضيف إليها ركعة ، ويصلي ما بدا له ، ثم يوتر في آخر صلاته ؛ لأنه : "لا وتران في ليلة". وهو الذي ذهب إليه إسحاق .

وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم : إذا أوتر من أول الليل ، ثم نام ، ثم قام من آخر الليل ، فإنه يصلي ما بدا له ، ولا ينقض وتره ، ويدع وتره على ما كان. وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي و أهل الكوفة و أحمد .

وهذا أصح ؛ لأنه قد روي من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى بعد الوتر ". اهـ.

قلت : هذا الذي قال عنه الإمام الترمذي رحمه الله : " وهذا أصح" : هو

ما قدمته لك ، حيث قررت أن قوله صلى الله عليه وسلم : " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً " ؛ ليس على الوجوب ، و أن المقصود منه أن لا يترك المسلم الوتر في صلاة الليل؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : " صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا أردت أن تنصرف ؛ فاركع واحدة ؛ توتر لك ما قد صليت" .

فقوله : " فاركع واحدة ؛ توتر لك ما قد صليت ": يدل على أن المراد أمر المسلم بأن لا يدع صلاته بالليل شفعاً دون وتر. والله أعلم.

 صلوات متفرقة

يشتمل هذا الباب على الفصول التالية :

(1-4) صلاة الإشراق .

(2-4) صلاة الضحى .

(3-4) صلاة الزوال .

(4-4) صلاة الدخول والخرج من المنـزل .

(5-4) صلاة ركعتين بعد الوضوء .

(6-4) صلاة تحية المسجد .

(7-4) الصلاة بين الأذان و الإقامة .

(8-4) صلاة التوبة .

(9-4) صلاة سنة الجمعة .

(10-4) صلاة التسبيح .

(11-4) صلاة القادم من السفر .

(12-4) صلاة الاستخارة .

(13-4) صلاة الكسوف والخسوف .

(14-4) صلاة العيدين .

(15-4) صلاة الاستسقاء .

(16-4) صلاة الجنازة .

(17-4) صلاة ركعتي الطواف .

(18-4) الصلاة في مسجد قباء .

وإليك بيان ذلك فيما يلي :

صلوات متفرقة

(1-4) صلاة الإشراق

هي أول صلاة الضحى ، إذ إن وقت صلاة الضحى يبدأ من طلوع الشمس .

وقد ثبت تسمية هذه الصلاة في هذا الوقت من صلاة الضحى بـ (صلاة الإشراق) عن ابن عباس.

عن عبد الله بن الحارث بن نوفل : " أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى. قال: فأدخلته على أم هانئ ، فقلت : أخبري هذا بما أخبرتني به فقالت أم هانئ : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في بيتي ، فأمر بماء ، فصب في قصعة ، ثم أمر بثوب ، فأخذ بيني وبينه ، فاغتسل ،ثم رش ناحية البيت ، فصلى ثمان ركعات ، وذلك من الضحى ، قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء ، قريب بعضهن من بعض. فخرج ابن عباس وهو يقول : لقد قرأت ما بين اللوحين ، ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن : {يسبحن بالعشي و الإشراق} ، وكنت أقول : أين صلاة الإشراق ؟ ثم قال بعد : هن صلاة الإشراق ". أخرجه الطبري في تفسيره والحاكم.

وفي فضل صلاة الضحى في أول وقتها – وهى صلاة الإشراق – جاء الحديث التالي:

عن أبي أمامة ؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من صلى صلاة الصبح في مسجد جماعة ، يثبت فيه حتى يصلي سبحة الضحى ؛ كان كأجر حاج أو معتمر تاماً حجته وعمرته ". أخرجه الطبراني .

ومن رواية : " من صلى صلاة الغداة في جماعة ، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس…" أخرجه الطبراني.

(2-4) صلاة الضحى

يشتمل هذا الفصل على مسائل :

المسألة الأولى : فضلها .

المسألة الثانية : حكمها .

المسألة الثالث : وقتها .

المسألة الرابعة : عدد ركعاتها وصفتها .

وبيان هذه المسائل هو التالي :

•        (1-2-4) فضل صلاة الضحى :

وردت أحاديث في فضل صلاة الضحى ، أذكر منها الأحاديث التالية :

عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال :" يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ؛ فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" . أخرجه مسلم.

عن أبي الدرداء و أبي ذر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الله عز وجل؛ أنه قال :" ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات ؛ أكفك آخره". أخرجه الترمذي.

عن أبي هريرة ؛ قال : قال: " لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب" . قال: "وهي صلاة الأوابين". أخرجه ابن خزيمة والحاكم.

•        (2-2-4) حكم صلاة الضحى :

الأحاديث السابقة وأمثالها تبين أن الصلاة وقت الضحى حسنة محبوبة.

وفيها ما يدل على مشروعية المداومة عليها.

ولم يثبت ما يدل على وجوبها .

•        (3-2-4) وقت صلاة الضحى :

يبدأ وقت صلاة الضحى من طلوع الشمس إلى الزوال .

وأفضله وقت اشتداد الشمس .

الدليل على ذلك ما يلي :

أما أول وقتها ؛ فيدل عليه حديث أبي الدرداء و أبي ذر السابق ، ومحل الشاهد فيه : "اركع لي من أول النهار أربع ركعات ".

وكذا ما جاء عن أنس رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى الغداة في جماعة ، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين ؛ كانت له كأجر حجة وعمرة ، تامة تامة تامة " . أخرجه الترمذي.

وعن أبي أمامة ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى صلاة الصبح في مسجد جماعة ، يثبت فيه حتى يصلي سبحة الضحى ، كان كأجر حاج أو معتمر ؛ تاماً حجته وعمرته". أخرجه الطبراني .

وفي رواية :" من صلى صلاة الغداة في جماعة ، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس…" أخرجها الطبراني.

أما خروج وقتها بالزوال ؛ فلأنها صلاة الضحى .

أما وقت الفضيلة فيها ؛ فيدل عليه ما جاء عن زيد بن أرقم ؛ أنه رأى قوماً

يصلون من الضحى ، فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" صلاة الأوابين حين ترمض الفصال". أخرجه مسلم.

•        (4-2-4) عدد ركعات صلاة الضحى وصفتها :

يشرع للمسلم أن يصلي صلاة الضحى ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان أو اثني عشرة ركعة.

يصليها ركعتين ركعتين إن شاء .

أما أنها تصلى ركعتين ؛ فيدل عليه حديث أبي ذر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة… (الحديث وفيه : ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". أخرجه مسلم .

أما أنها تصلى أربع ركعات ؛ فيدل عليه حديث أبي الدرداء و أبي ذر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الله عز وجل ؛ أنه قال : "ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات؛ أكفك آخره". أخرجه الترمذي .

أما أنها تصلى ست ركعات ؛ فيدل عليه حديث أنس بن مالك " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات ". أخرجه الترمذي في "الشمائل" .

أما أنها تصلى ثمان ركعات ؛ فيدل عليه حديث أم هانئ ؛ قالت: "لما كان عام الفتح، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غسله ، فسترت عليه فاطمة ، ثم أخذ ثوبه ، فالتحف به ، ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى" . أخرجه الشيخان.

أما أنها تصلى اثني عشرة ركعة ؛ فيدل عليه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى الضحى ركعتين ؛ لم يكتب من الغافلين ، ومن صلى أربعاً ؛ كتب من العابدين ، ومن صلى ستاً ؛ كفي ذلك اليوم ، ومن صلى ثمانياً؛ كتبه الله من القانتين ، ومن صلى ثنتي عشرة ركعة ؛ بنى الله له بيتاً في الجنة ، وما من يوم ولا ليلة إلا لله من يمن به على عباده صدقة، وما من الله على أحد من عباده أفضل من أن يلهمه ذكره". أخرجه الطبراني.

وقلت : وعلى هذه الأحاديث يحمل إطلاق السيدة عائشة رضي الله عنها لما سألتها معاذة : كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الضحى؟ قالت: "أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله". أخرجه مسلم.

أما أنها تصلى ركعتين ركعتين ؛ فيدل عليه عموم قوله عليه الصلاة والسلام :" صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" .

وللمسلم أن يصلي الأربع متصلات ؛ كالصلاة الرباعية ، ويدل عليه إطلاق لفظ الأحاديث الواردة في ذلك ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم : " اركع لي من أول النهار أربع ركعات" ، وكقوله :" من صلى أربعاً ؛ كتب من العابدين". والله أعلم.

(3-4) صلاة الزوال

هذه الصلاة داخلة في الراتبة القبلية لصلاة الظهر ، وقد تقدمت الإشارة إليها .

وأذكر هنا بعض الأحاديث الواردة في فضلها على الخصوص :

عن أبي أيوب : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أربع قبل الظهر … تفتح لهن أبواب السماء ". أخرجه أبو داود وابن ماجه.

عن عبد الله بن السائب ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعاً بعد أن تزول الشمس قبل الظهر ، وقال : " إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء و أحب أن يصعد لي فيها عمل صالح". أخرجه الترمذي.

(4-4) صلاة الدخول والخروج من المنـزل

يشرع للمسلم أن يصلي ركعتين إذا دخل بيته و إذا خرج من بيته .

عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال : " إذا دخلت منـزلك ؛ فصل ركعتين تمنعانك مدخل السوء ، فإذا خرجت من منـزلك ؛ فصل ركعتين تمنعانك مخرج السوء". أخرجه البزار.

(5-4) صلاة ركعتين بعد الوضوء

يشرع للمسلم إذا توضأ أن يصلي ركعتين ، وقد ثبت في هذه الصلاة فضل جزيل وخير كثير ؛ بشرط الإقبال عليهما بقلبه ووجهه .

عن عقبة بن عمار ؛ قال : كانت علينا رعاية الإبل ، فجاءت نوبتي ، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يحدث الناس ، فأدركت من قوله : " ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ، ثم يقوم فيصلي ركعتين ، مقبل عليهما بقلبه ووجهه ؛ إلا وجبت له الجنة". قال: فقلت : ما أجود هذه ! فإذا قائل بين يدي يقول : التي قبلها أجود. فنظرت ؛ فإذا عمر ؛ قال : إني قد رأيتك جئت آنفاً. قال : " ما منكم أحد يتوضأ فيبلغ (أو : يسبغ) الوضوء، ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول عبد الله ورسوله ؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية ؛ يدخل من أيها شاء". أخرجه مسلم .

عن حمران مولى عثمان ؛ أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء ، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار ، فغسلهما ، ثم أدخل يمينه في الإناء ، فمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ثلاثاً ، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ، ثم مسح برأسه ، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ، ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم صلى ركعتين ، لا يحدث فيهما نفسه ؛ غفر له ما تقدم من ذنبه". أخرجه الشيخان.

والحديثان يدلان على استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء ، مع ملاحظة أن الفضل المذكور مقيد بقوله صلى الله عليه وسلم : " يقبل عليهما بقلبه ووجهه" ، وبقوله : "لا يحدث فيهما نفسه" .

كما أنه ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث بنحو هذا أنه قال في آخره: "…لا تغتروا"

(6-4) صلاة تحية المسجد

يشتمل هذا الفصل على المسائل التالية :

الأولى : حكمها .

الثانية : ما تحية المسجد الحرام ؟

الثالثة : إذا دخل المسجد وأقيمت الصلاة .

الرابعة : إذا دخل المسجد و الإمام يخطب الجمعة .

و إليك بيان ذلك :

•        (1-6-4) حكمها :

يجب على المسلم إذا دخل المسجد وأراد الجلوس فيه أن يصلي ركعتين ، وقد دل على الوجوب أحاديث منها :

عن أبي قتادة السلمي ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا دخل أحدكم المسجد؛ فليركع ركعتين قبل أن يجلس ". أخرجه الشيخان.

وفي رواية : " إذا دخل أحدكم المسجد ؛ فلا يجلس حتى يصلي

ركعتين "

•        (2-6-4) ما تحية المسجد الحرام ؟

لم يأت ما يخرج المسجد الحرام عن عموم الحديث السابق ، فليست للمسجد الحرام تحية خاصة تختلف عن سائر المساجد .

نعم ؛ الآفاقي إذا دخل محرماً أول ما يبدأ به الطواف كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في حجته .

والحديث المشتهر على الألسنة : " تحية البيت الطواف" ؛ لا أصل له 

(3-6-4) إذا دخل المسجد وأقيمت الصلاة :

إذا دخل المسجد وأقيمت الصلاة ؛ فعليه أن يدخل في الصلاة التي أقيمت ، وتسقط عنه ركعتي تحيد المسجد .

والدليل على ذلك ما يلي :

عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال : " إذا أقيمت الصلاة ؛ فلا صلاة إلا المكتوبة". أخرجه مسلم .

والشاهد : قوله : " فلا صلاة ".

ووجه الدلالة : أنه نفى مشروعية أي صلاة إذا أقيمت الصلاة .

(4-6-4) إذا دخل المسجد و الإمام يخطب للجمعة :

إذا دخل المسلم المسجد و الإمام يخطب للجمعة ؛ فلا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد ، ويخففهما .

والدليل على ذلك ما يلي :

عن جابر بن عبد الله ؛ قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فجلس ، فقال له : " يا سليك! قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما" ، ثم قال : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة ، و الإمام يخطب ؛ فليركع ركعتين ، وليتجوز فيهما" . أخرجه الشيخان .

(7-4) الصلاة بين الأذان و الإقامة

يستحب للمسلم أن يصلي بين الأذان و الإقامة ، ويدل على ذلك ما يلي :

عن عبد الله بن مغفل ؛ قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة (ثم قال في الثالثة : " لمن شاء" . أخرجه الشيخان.

ويتأكد هذا الاستحباب بين الأذان و الإقامة لصلاة المغرب ، وذلك لما ورد:

عن عبد الله بن مغفل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال :" صلوا قبل صلاة المغرب (قال في الثالثة : لمن شاء" ؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة. أخرجه البخاري.

وفي رواية عند أبي داود : " صلوا قبل المغرب ركعتين " ، ثم قال : " صلوا قبل المغرب ركعتين ، لمن شاء" ؛ خشية أن يتخذها الناس سنة.

(8-4) صلاة التوبة

ينبغي للمسلم أن يحرص على تقوى الله تعالى ، ومراقبته ، وعدم الوقوع في المعصية، فإن أذنب ؛ بادر إلى التوبة و الإنابة .

وقد شرع الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة عند التوبة.

عن أسماء بن الحكم الفزاري ؛ قال: سمعت علياً يقول : إني كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً ؛ نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني به ، و إذا حدثني

رجل من أصحابه ؛ استحلفته ، فإذا حلف لي ؛ صدقته ، وإنه حدثني أبو بكر ، وصدق أبو بكر ؛ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من رجل يذنب ذنباً ، ثم يقوم فيتطهر ، ثم يصلي ، ثم يستغفر الله ، إلا غفر الله له ، (ثم قرأ هذه الآية : {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} [آل عمران: 135]"

(9-4) صلاة سنن الجمعة

يشتمل هذا الفصل على مسألتين :

الأولى : هل للجمعة سنة قبلية ؟

الثانية : السنة البعدية للجمعة .

و إليك بيانها :

•        (1-9-4) هل للجمعة سنة قبلية ؟

لم تثبت لصلاة الجمعة سنة قبلية محددة ، أما مطلق التطوع ؛ فقد ورد ما يدل عليه .

عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال : " من اغتسل ، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له ، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ، ثم يصلي معه ؛ غفر له ما بين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام ". أخرجه مسلم .

ومن رواية عن أبي داود :" من اغتسل يوم الجمعة ، ولبس من أحسن ثيابه ، ومس من طيب إن كان عنده ، ثم أتى الجمعة ، فلم يتخط أعناق الناس ، ثم صلى ما كتب الله له ، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته ؛ كانت كفارة لما بينهما وبين جمعته التي قبلها". قال: ويقول أبو هريرة: " وزيادة ثلاثة أيام"، ويقول : " إن الحسنة بعشرة أمثالها" .

•        (2-9-4) السنة البعدية للجمعة :

سبق حديث ابن عمر رضي الله عنه ، وفيه :" ركعتين بعد الجمعة في بيته" .

وعن أبي هريرة ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا صلى أحدكم الجمعة؛ فليصل بعدها أربعاً ". أخرجه مسلم .

وفي رواية له : " من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً" .

قلت : والحديثان يدلان على مشروعية صلاة ركعتين أو أربع ركعات بعد الجمعة ، أي ذلك فعل المسلم ؛ جاز ، و الأفضل صلاة أربع ركعات بعد الجمعة ؛ لما في حديث أبي هريرة من التنصيص القولي عليها .

وهذه السنة – سواء صلاها ركعتين أم أربعاً – الأفضل صلاتها في البيت مطلقاً دون تفصيل فيها.

(10-4) صلاة التسبيح

من الصلوات المشروعة صلاة التسبيح ، وهي التالية في حديث ابن عباس :

عن ابن عباس ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب: "يا عباس! يا عماه! ألا أعطيك؟ ألا أمنحك؟ ألا أحبوك؟ ألا أفعل بك؟ عشر خصال ، إذا أنت فعلت ذلك ؛ غفر الله لك ذنبك ؛ أوله وآخره ، قديمه وحديثه ، خطأه وعمده ، صغيره وكبيره سره وعلانيته ؛ عشر خصال : أن تصلي أربع ركعات ؛ تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة. فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة و أنت قائم ؛ قلت : سبحان الله ، والحمد لله ، و لا إله إلا الله ، و الله أكبر ؛ خمس عشرة مرة. ثم تركع، فتقولها وأنت راكع عشراً. ثم ترفع رأسك من الركوع ، فتقولها عشراً. ثم تهوي ساجداً ، فتقولها وأنت ساجد عشراً. ثم ترفع

رأسك من السجود ، فتقولها عشراً . ثم تسجد ، فتقولها عشراً . ثم ترفع رأسك ، فتقولها عشراً. فذلك خمس وسبعون في كل ركعة ، تفعل ذلك في أربع ركعات ، إذا استطعت أن تصليها كل يوم مرة ؛ فافعل ، فإن لم تفعل ؛ ففي كل جمعة مرة ، فإن لم تفعل ؛ ففي كل شهر مرة ، فإن لم تفعل ؛ ففي كل سنة مرة ، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة". أخرجه أبو داود وابن ماجه.

قلت : وهذه فوائد تتعلق بحديث صلاة التسبيح :

الأولى : الخطاب في هذا الحديث موجه للعباس ، وحكمه عام لكل المسلمين ؛ إذ الأصل في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم العموم لا الخصوص .

الثانية : قوله في الحديث :" غفر الله لك ذنبك ؛ أوله وآخره ، قديمه وحديثه ، خطأه وعمده ، صغيره وكبيره ، سره وعلانيته ؛ عشر خصال ".

إن قيل : قوله : " خطأه وعمده " ، والخطأ لا إثم فيه؛ قال تعالى :{ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ؛ فكيف يجعل من جملة الذنب ؟

والجواب : إن الخطأ فيه نقص وقصور ، و إن لم يكن فيه إثم ؛ فهذه الصلاة لها هذا الأثر المذكور.

الثالثة : قال في "التنقيح لما جاء في صلاة التسبيح" : "واعلم رحمك الله

أن مثل هذه الأحاديث التي تحث على أعمال متضمنة لغفران الذنوب ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها فيطلق لنفسه العنان في مقارفة الذنوب والآثام ، ويظن هذا المسكين أنه قد عمل عملاً ضمن به غفران ذنوبه كلها ، وهذه غاية الحمق والجهل ، فما يدريك – أيها المخدوع! – أن الله قد تقبل عملك هذا ، وبالتالي غفر ذنوبك ، والله عز وجل يقول : {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة : 27] ؟!

فتنبه لهذا واحذر ، واعلم أن مداخل الشيطان على الإنسان كثيرة ؛ فإياك إياك أن يدخل عليك من هذا الباب !!

وقد وصف الله عباده المؤمنين بأنهم يعملون الصالحات ، ويجتهدون في الطاعات ، ومع ذلك ؛ فقلوبهم وجلة خائفة أن ترد عليهم أعمالهم ، وتضرب في وجوههم ، قال تعالى : {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون. أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون : 60-61].

وهذا الذي حكيناه في تفسير هذه الآية ما عليه جمهور المفسرين …

وذكر القرطبي في "الجامع" (12/132) عن الحسن ؛ أنه قال :" لقد أدركنا أقواماً كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها". اهـ.

واعلم أن الذنوب المتعلقة بحقوق الآدميين لا يشملها الحديث ، بل يجب إرجاع الحقوق إلى أهلها، والتوبة النصوح من ذلك " . اهـ.

الرابعة : لم يرد ما يقبل في تعيين ما يقرأ به في الركعات ، ولا في تعيين وقتها.

الخامسة : ظاهر الحديث أن صلاة التسبيح تصلى بتسليم واحد ، ليلاً أو نهاراً ، كما قال القاري في "المرقاة" (2/192) والمباركفوري في "التحفة" (1/349) .

السادسة : الظاهر أن هذه الأذكار التي تقال عشراً عشراً إنما تقال بعد الذكر المعين في كل محل ؛ ففي الركوع بعد أذكار الركوع يقولها عشراً ، وبعد قول سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد والرفع من الركوع يقولها عشراً … وهكذا في كل محل .

السابعة : إذا سها في الصلاة ، ثم سجد سجدتي السهو ؛ فإنه لا يسبح فيها عشراً كسائر سجدات الصلاة .

أخرج الترمذي (2/350) عن عبد العزيز بن أبي رزمة ، قال : قلت لعبد الله بن المبارك : إن سها فيها ؛ يسبح في سجدتي السهو عشراً عشراً ؟ قال : " لا ؛ إنما هي ثلاثة مئة تسبيحة" . اهـ.

(11-4) صلاة القادم من السفر

عن كعب بن مالك ؛ قال : " …… كان (يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم ) إذا قدم من سفر؛ بدأ بالمسجد ، فيركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس". أخرجه الشيخان.

ففي هذا الحديث أن المستحب للقادم من سفر أن يكون على وضوء ، و أن يبدأ بالمسجد قبل بيته، فيصلي ، ثم يجلس لمن يسلم عليه .

(12-4) صلاة الاستخارة

شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته أن يستعلموا الله ما عنده في الأمور التي تمر بهم في حياتهم، و أن يطلبوه تعالى الخيرة فيها ، وذلك بأن علمهم صلاة الاستخارة مكان ما كان يفعل في الجاهلية من الطيرة والاستفهام بالأزلام والقداح .

وهذه الصلاة هي ما ورد فيما يلي :

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ؛ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ؛ يقول : " إذا هم أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ( أو قال: عاجل أمري وأجله)؛ فاقدره لي ، ويسره لي، ثم بارك لي فيه ، و إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال : في عاجل أمري وآجله)؛ فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم أرضني به". قال: "ويسمي حاجته". أخرجه البخاري.

قلت : وفي الحديث فوائد :

الأولى : فيه مشروعية صلاة الاستخارة ، وفيه ما يشعر بوجوبها .

الثانية : فيه أن الاستخارة تشرع في أي أمر ؛ سواء كان عظيماً مهماً أم حقيراً.

قال النووي : " الاستخارة مستحبة في جميع الأمور ؛ كما صرح به نص هذا الحديث الصحيح" .اهـ.

قلت : وظاهر أن فعل الواجبات وترك المحرمات وفعل المستحبات وترك المكروهات لا استخارة فيها من جهتها.

نعم ؛ تدخل الاستخارة في الواجب والمستحب المخير ، وفيما كان زمنه موسعاً.

قال ابن حجر :" ويتناول العموم العظيم من الأمور والحقير ، فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم" . اهـ.

الثالثة : وفيه أن صلاة الاستخارة ركعتين من غير الفريضة .

قال النووي : " والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب ، وبتحية المسجد، وغيرها من النوافل" . اهـ.

قلت: مراده – والله أعلم – إذا تقدم الهم بالأمر على الشروع في فعل الصلاة ، وظاهر كلام النووي أنه سواء نوى صلاة الاستخارة وتلك الصلاة

بعينها أم لم ينو ، وهو ظاهر الحديث .

قال العراقي : " إذا كان همه بالأمر قبل الشروع في الراتبة ونحوها ، ثم صلى من غير نية الاستخارة، وبدا له بعد الصلاة الإتيان بدعاء الاستخارة ؛ فالظاهر حصول ذاك" . اهـ.

الرابعة : وفيه: أن الاستخارة لا تكون في حال التردد ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال : " إذا هم أحدكم بالأمر " ، و لأن الدعاء جميعه يدل على هذا .

فإذا كان المسلم متردداً في أمر ، و أراد الاستخارة ، عليه أن يختار منهما أمراً ، ويستخير عليه ، ثم بعد الاستخارة يمضي فيه ، فإن كان خيراً ؛ يسره الله وبارك له فيه، و إن كان غير ذلك ؛ صرفه عنه ، ويسر له ما فيه الخير بإذنه سبحانه وتعالى .

الخامسة : وفيه : أنه لا يتعين في الركعتين قراءة سورة أو آيات معينة بعد الفاتحة.

السادسة : وفيه : أن الخيرة تظهر بتيسير الأمر والبركة فيه ، و إلا ؛ صرف المستخير عنه ، ويسر له الخير حيث كان.

السابعة : وفيه : أن المسلم إذا صلى صلاة الاستخارة ؛ مضى لما عزم عليه ، سواء انشرح صدره أم لا.

قال ابن الزملكاني :" إذا صلى الإنسان ركعتي الاستخارة لأمر ؛ فليفعل بعدها ما بدا له، سواء انشرحت نفسه له أم لا ، فإن فيه الخير ، و إن لم تنشرح له نفسه". قال: "وليس في الحديث اشتراط انشراح النفس " . اهـ.

الثامنة : محل الدعاء (دعاء الاستخارة) يكون بعد السلام ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : "إذا هم أحدكم بالأمر ؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل …" ؛ إذ ظاهره أنه بعد الركعتين ؛ يعني : بعد السلام. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن دعاء الاستخارة يكون قبل السلام.

(13-4) صلاة الكسوف والخسوف

يشتمل هذا الفصل على المباحث التالية :

الأول : حكم صلاة الكسوف والخسوف .

الثاني : صفتها وعدد ركعاتها .

الثالث : صلاة كسوف القمر كصلاة خسوف الشمس ، و إليك البيان فيما يلي :

•        (1-13-4) حكم صلاة الكسوف والخسوف :

صلاة الكسوف والخسوف سنة مؤكدة ، يستحب للمسلم فعلها استحباباً مؤكداً .

ويدل على هذا ما جاء :

عن عائشة رضي الله عنها ؛ أنها قالت : خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ، فقام فأطال القيام ، ثم ركع فأطال الركوع ، ثم قام فأطال القيام – وهو دون القيام الأول - ، ثم ركع فأطال الركوع – وهو دون الركوع الأول - ، ثم سجد فأطال السجود ، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، ثم انصرف وقد انجلت الشمس ، فخطب الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك ؛ فادعوا الله وكبروا ، وصلوا ، وتصدقوا" . ثم قال : "يا أمة محمد ! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد! لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً". أخرجه الشيخان.

قلت : ووجه دلالة الحديث أن الأمر بالصلاة جاء مقروناً بالأمر بالتكبير

والدعاء والصدقة ، ولا قائل بوجوب الصدقة والتكبير والدعاء عند الكسوف ؛ فالأمر فيها للاستحباب إجماعاً ، فكذا الأمر بالصلاة المقترن بها . والله الموفق .

•        (2-13-4) صفة صلاة الكسوف وعدد ركعاتها :

يشتمل هذا المبحث على المسائل التالية :

المسألة الأولى : لا أذان ولا إقامة لصلاة الكسوف .

المسألة الثانية : عدد ركعات صلاة الكسوف .

المسألة الثالثة : يجهر في القراءة في صلاة الكسوف .

المسألة الرابعة : تصلى جماعة في المسجد .

المسألة الخامسة : إذا فاته ركوع من الركوعين في الركعة .

و إليك البيان :

المسألة الأولى : لا أذان ولا إقامة لصلاة الكسوف :

اتفق العلماء على أنه لا يؤذن لصلاة الكسوف ولا يقام ، والمستحب  أن ينادى لها بـ (الصلاة جامعة ).

دليل ذلك ما ثبت عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ؛ قال : "لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ نودي : إن الصلاة جامعة". أخرجه الشيخان.

المسألة الثانية : عدد ركعات صلاة الكسوف :

تصلى صلاة الكسوف ركعتين بركوعين ، والدليل على ذلك ما تقدم في حديث عائشة رضي الله عنها ، وكذلك ما جاء عن عبد الله بن عباس ؛ قال : انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة ، ثم ركع ركوعاً طويلاً ، ثم رفع فقام قياماً طويلاً – وهو دون القيام الأول - ، ثم ركع ركوعاً طويلاً- وهو دون الركوع الأول - ، ثم سجد ، ثم قام قيام طويلاً – وهو دون القيام الأول - ، ثم ركع ركوعاً طويلاً – وهو دون الركوع الأول -، ثم رفع فقام قياماً طويلاً – وهو دون القيام الأول -، ثم ركـع ركوعاً طويلاً - وهو دون الركوع الأول-، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس ، فقال صلى الله عليه وسلم : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك ؛ فاذكروا الله ". قالوا : يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئاً في مقامك ، ثم رأيناك كعكعت ؟ قال صلى الله عليه وسلم : " إني رأيت الجنة ، فتناولت عنقوداً ، لو أصبته ؛ لأكلتم منه ما بقيت الدنيا . ورأيت النار ، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع ، ورأيت أكثر أهلها النساء". قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال :" بكفرهن". قيل: يكفرن بالله ؟ قال: "يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ، ثم رأت منك شيئاً ؛ قالت : ما رأيت منك خيراً قط". أخرجه الشيخان.

فائدة :

في حديث عائشة وابن عباس دلالة على استحباب الخطبة في الكسوف بعد الصلاة.

المسألة الثالثة : يجهر في القراءة في صلاة الكسوف :

والقراءة في صلاة الكسوف جهرية ؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم .

عن عائشة رضي الله عنها : " جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف بقراءته ، فإذا فرغ من قراءته ؛ كبر فركع ، و إذا رفع من الركعة ؛ قال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد . ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات". أخرجه الشيخان.

قال الترمذي رحمه الله : " واختلف أهل العلم في القراءة في صلاة الكسوف: فرأى بعض أهل العلم أن يسر بالقراءة فيها بالنهار ، ورأى بعضهم أن يجهر بالقراءة فيها ؛ كنحو صلاة العيدين والجمعة، وبه يقول مالك و أحمد وإسحاق؛ يرون الجهر فيها ، وقال الشافعي : لا يجهر فيها" . اهـ.

قلت : ما وافق الحديث هو المعتمد ، وبالله التوفيق .

المسألة الرابعة : تصلى جماعة في المسجد :

السنة في صلاة الكسوف أن تصلى في المسجد ، ويدل على ذلك الأمور التالية :

ما سبق من مشروعية النداء لصلاة الكسوف بـ (الصلاة جامعة)

ما ورد من أن بعض الصحابة صلاها جماعة في المسجد .

ما أشعرت به الروايتان السابقتان من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلاها جماعة في المسجد ، بل في رواية لحديث عائشة المتقدم ؛ قالت : " خسفت الشمس في حياة رسول الله ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فقام وكبر وصف الناس وراءه …"

المسألة الخامسة :إذا فاته ركوع من الركوعين في الركعة :

صلاة الكسوف ركعتان ، كل ركعة بركوعين وسجدتين ؛ فمجمل الصلاة أربع ركوعات وأربع سجدات في ركعتين .

ومن أدرك الركوع الثاني في الركعة الأولى ؛ فاته فيها قيام وقراءة وركوع ، وبناء عليه لا يكون قد جاء بركعة من ركعتي صلاة الكسوف ؛ فلا يعتد بهذه الركعة ، وعليه بعد سلام الإمام أن يأتي بركعة بركوعين على ما ثبت في الأحاديث الصحيحة. والله أعلم.

والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا ؛ فهو رد". متفق عليه.

وليس من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة ركعة من صلاة الكسوف بركوع واحد. والله أعلم .

•        (3-13-4) صلاة كسوف القمر كصلاة خسوف الشمس :

يصلى لكسوف القمر كما يصلى لخسوف الشمس ، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم :

" إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك ؛ فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا". أخرجه الشيخان.

قلت : فالرسول صلى الله عليه وسلم صلى لخسوف الشمس ، وأمرنا أن نصنع مثل ذلك في كسوف القمر ، وهذا ظاهر بين ، و الله أعلم.

قال ابن المنذر : "ويصلى لكسوف القمر كما يصلى لخسوف الشمس" . اهـ.

(14-4) صلاة العيدين

يشتمل هذا الفصل على المباحث التالية :

الأول : حكم صلاة العيدين .

الثاني : وقت صلاة العيدين وصفتها.

الثالث : صلاة العيدين في المصلى هي السنة .

الرابع : الخطبة بعد صلاة العيد .

الخامس : إذا اجتمع العيد والجمعة .

السادس : إذا فاته العيد يصلي ركعتين .

السابع : إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال .

الثامن : لا صلاة للعيد في السفر .

و إليك البيان :

•        (1-14-4) حكم صلاة العيدين :

هي صلاة واجبة على كل مسلم مستطيع ذكراً أو أنثى في محل إقامته .

والدليل على ذلك :

ما جاء عن أم عطية ؛ قالت : "أمرنا (يعني: النبي صلى الله عليه وسلم ) أن نخرج في العيدين العوائق وذوات الخدور ، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين ".

وفي رواية عن حفصة بنت سيرين ، عن أم عطية ؛ قالت : "كنا نؤمر بالخروج في العيدين ، والمخبأة ، والبكر" . قالت : " الحيض يخرجن فيكن خلف الناس ، يكبرن مع الناس". أخرجه الشيخان.

"واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لازم هذه الصلاة في العيدين ، ولم يتركها في عيد من الأعياد ، وأمر الناس بالخروج إليها ، حتى أمر بخروج النساء العوائق وذوات الخدور والحيض ، وأمر الحيض أن يعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين ، حتى أمر من لا جلباب لها أن تلبسها صاحبتها من جلبابها .

و الأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب ، والرجال بذلك أولى من النساء .

وهذا كله يدل على أن هذه الصلاة واجبة وجوباً مؤكداً على الأعيان لا على الكفاية" .

•        (2-14-4) وقت صلاة العيدين وصفتها :

يشتمل هذا المبحث على المسائل التالية :

المسألة الأولى : وقت صلاة العيدين .

المسألة الثانية : لا أذان ولا إقامة للعيدين .

المسألة الثالثة : عدد ركعات صلاة العيدين وتكبيراتها .

المسألة الرابعة : القراءة من صلاة العيدين .

و إليك بيانها :

المسألة الأولى : وقت صلاة العيدين :

عن يزيد بن خمير الرحبي ؛ قال : خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى ، فأنكر إبطاء الإمام ، فقال :"إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه" ! وذلك حين التسبيح. أخرجه أبو داود وابن ماجه.

والحديث يدل على أن وقتها يبدأ من بعد طلوع الشمس .

ويدل أيضاً على استحباب التبكير إليها .

أما آخر وقتها ؛ فالأكثر على أنه يمتد إلى الزوال . والله أعلم .

المسألة الثانية : لا أذان ولا إقامة للعيدين :

لا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة ولا قول : (الصلاة جامعة).

والدليل على ذلك :

عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله الأنصاري؛ قالا: "لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى"، ثم سألته بعد حين عن ذلك؟ فأخبرني قال : "أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري؛ أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدما يخرج ، ولا إقامة ، ولا نداء ، ولا شيء ، لا نداء يومئذ ولا إقامة". أخرجه الشيخان.

وعن جابر بن سمرة ؛ قال :" صليت مع رسو الله صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة". أخرجه مسلم.

المسألة الثالثة : عدد ركعات صلاة العيدين وتكبيراتها :

صلاة العيدين ركعتين ؛ يكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة ، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات غير تكبيرة الانتقال قبل القراءة.

والدليل على ذلك ما جاء :

عن ابن عباس : " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفطر ركعتين ، لم يصل قبلها ولا بعدها ، ثم أتى النساء ومعه بلال ، فأمرهن بالصدقة ، فجعلن يلقين؛ تلقي المرأة خرصها وسخابها" . متفق عليه.

عن عمر رضي الله عنه ؛ قال: " صلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان ؛ تمام ليس بقصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم ". أخرجه النسائي.

أما التكبير ؛ فالدليل عليه ما جاء :

عن عائشة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر من الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات ومن الثانية خمساً [سوى تكبيرتي الركوع] ". أخرجه أبو داود.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص ؛ قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " التكبير في الفطر سبع في الأولى ، وخمس من الآخرة ، والقراءة بعدهما كلتيهما". أخرجه أبو داود.

المسألة الرابعة : القراءة في صلاة العيدين :

يقرأ في الركعتين بفاتحة الكتاب ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ". أخرجه الشيخان.

ويقرأ في الركعتين بعد الفاتحة بما تيسر ، ويستحب أن يقرأ فيهما بسورة {ق و القرآن المجيد} ، وسورة {اقتربت الساعة وانشق القمر} ، ويقرأ جهراً ، أو يقرأ فيهما بسورة {سبح اسم ربك الأعلى} ، وسورة {هل أتاك حديث الغاشية} .

والدليل على ذلك :

عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي واقد الليثي ؛ قال : " سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم العيد ؟ فقلت : بـ {اقتربت الساعة} ، و { ق و القرآن المجيد }". أخرجه مسلم.

عن النعمان بن بشير ؛ قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، و {هل أتاك حديث الغاشية} ". قال: " و إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد ؛ يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين". أخرجه مسلم .

•        (3-14-4) صلاة العيدين في المصلى هي السنة :

السنة أن يخرج الإمام أو نائبه لصلاة العيدين في المصلى ، ولا يصليها في المسجد إلا من عذر .

ويستثنى من ذلك أهل مكة زادها الله شرفاً وكرامة ؛ فإنه لم يبلغنا أن أحداً من السلف صلى بهم عيداً إلا في مسجدهم.

والدليل على أن صلاة العيدين في المصلى منها ما يلي :

أ)ما مضى في حديث أم عطية من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى المصلى.

ب)ما جاء عن ابن عمر : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد؛ أمر بالحربة ، فتوضع بين يديه ، فيصلي إليها والناس وراءه ، وكان يفعل ذلك في السفر ، فمن ثم اتخذها الأمراء".

وفي رواية : " إن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تركز الحربة قدامه يوم الفطر والنحر ثم يصلي".

وفي رواية :" كان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو إلى المصلى ، والعنـزة بين يديه ، تحمل وتنصب بالمصلى بين يديه ، فيصلي إليها ". أخرجه الشيخان.

•        (4-14-4) الخطبة بعد صلاة العيد :

الخطبة في العيدين تكون بعد الصلاة .

والدليل على ذلك ما جاء :

عن ابن عباس ؛ قال : " شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ؛ فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة". متفق عليه.

عن ابن عمر ؛ قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو بكر وعمر رضي الله عنهم يصلون العيدين قبل الخطبة " . متفق عليه .

•        (5-14-4) إذا اجتمع العيد والجمعة :

إذا اجتمع العيد والجمعة ، فمن صلى العيد ؛ سقط عنه وجوب الجمعة ، ويصلي مكانها صلاة الظهر وحداناً .

والدليل على ذلك ما جاء :

عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " قد اجتمع في يومكم هذا عيدان: فمن شاء ؛ أجزأه من الجمعة ، وإنا مجمعون". أخرجه أبو داود و ابن ماجه.

عن عطاء بن أبي رباح ؛ قال : " صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد من يوم جمعة أول النهار ، ثم رحنا إلى الجمعة ، فلم يخرج إلينا ، فصلينا وحدانا ، وكان ابن عباس بالطائف ، فلما قدم ؛ ذكرنا ذلك له ، فقال : " أصاب السنة". أخرجه أبو داود.

•        (6-14-4) إذا فاته العيد يصلي ركعتين :

إذا فات المسلم صلاة العيد ؛ فإنه يصلي ركعتين مثل صلاة الإمام في العيد ، وذلك استدلالاً بالحديث التالي :

عن عائشة رضي الله عنها ؛ قالت : دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث. قالت : وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! وذلك في يوم عيد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا أبا بكر! إن لكل قوم عيداً ، وهذا عيدنا".

وفي رواية : أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه ، فقال : " دعهما يا أبا بكر! فإنها أيام عيد" ، وتلك الأيام أيام منى. أخرجه البخاري ومسلم.

ووجه الدلالة : أنه سماها أيام عيد ، فأضاف نسبة العيد إلى اليوم ، فيستوي في إقامتها الفذ والجماعة والنساء والرجال .

ويؤكد هذا قوله في الرواية الأولى : " هذا عيدنا ؛ أي: لأهل الإسلام ، و أهل الإسلام شامل لجميعهم أفراداً وجمعاً .

وتسميته لهذه الأيام أيام عيد يفيد أنها محل لأداء هذه الصلاة ؛ لأنها شرعت ليوم العيد، فيستفاد من ذلك أنها تقع أداء ، و أن لوقت الأداء آخراً ، وهو آخر أيام منى بالنسبة لعيد الأضحى .

وعن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" كان أنس إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام ؛ جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة الإمام في العيد" أخرجه البيهقي .

وعن ابن جريج ، عن عطاء ؛ قال : " يصلي ركعتين ويكبر" . رواه ابن أبي شيبة.

وقد بوب البخاري في "صحيحه" : " باب إذا فاتته العيد ؛ يصلي ركعتين" .

وقال ابن المنذر : " ومن فاتته صلاة العيد ؛ صلى ركعتين كصلاة الإمام " . اهـ.

•        (7-14-4) إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال :

إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال ، خرج للعيد من الغد ، والدليل ما جاء :

عن أبي عمير بن أنس ، عن عمومة له من أصحاب رسول الله ؛ أن ركباً جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس ، فأمرهم أن يفطروا و إذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه.

قال الخطابي : " و إلى هذا ذهب الأوزاعي وسفيان الثوري و أحمد بن حنبل وإسحاق في الرجل لا يعلم بيوم الفطر إلا بعد الزوال. وقال الشافعي : إن علموا بذلك قبل الزوال؛ خرجوا ، وصلى الإمام بهم صلاة العيد ، و إن لم يعلموا

إلا بعد الزوال ، لم يصلوا يومهم ، ولا من الغد ؛ لأنه عمل في وقت ، إذا جاز ذلك الوقت ؛ لم يعمل في غيره. وكذلك قال مالك و أبو ثور .

قلت (والخطابي) : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ، وحديث أبي عمير صحيح ؛ فالمصير إليه واجب" . اهـ.

وقال ابن المنذر :" إذا لم يعلموا بعيدهم إلا بعد الزوال ؛ خرجوا من الغد ، وصلوا صلاة العيد" . اهـ.

•        (8-14-4) لا صلاة عيد في السفر :

لا تشرع صلاة العيد في السفر ، إذ لم ينقل أنه عليه الصلاة والسلام على كثرة أسفاره وبعوثه وسراياه أنه صلى أو أمر بصلاة العيد في السفر. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك و أحمد في أظهر الروايتين عنه .

وقال الشافعي و أحمد في الرواية الثانية عنه : تشترط الإقامة في الجمعة دون العيد.

وقال الظاهرية : لا تشترط الإقامة لا في الجمعة ولا في العيد .

قال ابن تيمية رحمه الله : " والصواب بلا ريب هو القول الأول" . اهـ.

قلت : و إذا كان المسافر في بلد غير بلده ؛ فيلزمه كذلك أن يصلي معهم ؛ فإن جميع المسلمين الرجال والنساء كانوا يشهدون العيد مع رسول صلى الله عليه وسلم دون فرق . والله أعلم.

(15-4) صلاة الاستسقاء

شرع الله تبارك وتعالى للمسلمين إذا منع عنهم القطر وأجدبت الأرض أن يبادروا إلى التوبة و الإنابة والاستغفار وطلب السقاية من الله عز وجل.

ومن الصور المشروعة لطلب السقاية من الله عز وجل : صلاة الاستسقاء.

ويشتمل هذا الفصل على المباحث التالية :

الأول : حكم صلاة الاستسقاء .

الثاني : وقت صلاة الاستسقاء وصفتها .

الثالث : صلاة الاستسقاء في المصلى .

الرابع : صفة الخروج إلى المصلى ، والدعاء والخطبة قبل صلاة

الاستسقاء .

الخامس : مشروعية تحويل الإمام رداءه الدعاء في الاستسقاء .

و إليك هذه المباحث :

•        (1-15-4) حكم صلاة الاستسقاء :

هي صلاة مستحبة ، سنها الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا دليل على الوجوب.

•        (2-15-4) وقت صلاة الاستسقاء وصفتها :

يشتمل هذا المبحث على المسائل التالية :

المسألة الأولى : وقت صلاة الاستسقاء .

المسألة الثانية : لا أذان ولا إقامة لصلاة الاستسقاء .

المسألة الثالثة : صلاة الاستسقاء كصلاة العيد .

و إليك البيان :

المسألة الأولى : وقت صلاة الاستسقاء :

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الاستسقاء حين بدا حاجب الشمس .

عن عائشة رضي الله عنها ؛ قالت : شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر ، فأمر بمنبر ، فوضع له في المصلى ، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه. قالت عائشة : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس ، فقعد على المنبر ، فكبر صلى الله عليه وسلم ، وحمد الله عز وجل ، ثم قال : "إنكم شكوتم جدب دياركم ، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه ، ووعدكم أن يستجيب لكم". ثم قال : " الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، لا إله إلا الله يفعل ما يريد ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء ، أنـزل علينا الغيث ، واجعل ما أنـزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين". ثم رفع يديه ، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض أبطيه ، ثم حول إلى الناس ظهره ، وقلب (أو : حول) رداءه وهو رافع يديه ، ثم أقبل على الناس ، ونـزل، فصلى ركعتين ، فأنشأ الله سحابة ، فرعدت وبرقت ، ثم أمطرت بإذن الله ، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول ، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ؛ ضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، فقال :" أشهد أن الله على كل شيء قدير ، وأني عبدالله ورسوله ". أخرجه أبو داود.

ولا دليل على تعيين وقت لها ، و إن كان أكثر أحكامها كالعيد ، لكنها تخالفه بأنه لا تختص بيوم معين.

المسألة الثانية : لا أذان ولا إقامة لصلاة الاستسقاء :

لا يشرع لصلاة الاستسقاء أذان ولا إقامة ، إنما فقط يواعد الإمام أو نائبه الناس على موعد يخرجون فيه ، ويخرج معهم للصلاة .

والدليل على ذلك ما جاء في حديث عائشة السابق ؛ قالت : " شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر ، فأمر بمنبر ، فوضع له في المصلى ، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه …" أخرجه أبو داود .

وقال ابن بطال : " اجعلوا على أن لا أذان ولا إقامة للاستسقاء" . اهـ.

وقال ابن قدامة : " لا يسن لها (أي : صلاة الاستسقاء) أذان ولا إقامة ، ولا نعلم فيه خلافا" . اهـ.

وهذا الثابت من فعل الصحابة :

عن أبي إسحاق : " خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري ، وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهم ، فاستسقى ، فقام بهم على رجليه على غير منبر ، فاستغفر ، ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ، ولم يؤذن ولم يقم". قال

أبو إسحاق :" ورأى عبد الله بن يزيد النبي صلى الله عليه وسلم ". أخرجه البخاري.

المسألة الثالثة : صلاة الاستسقاء كصلاة العيد :

تصلى صلاة الاستسقاء على الصفة التي تصلى بها صلاة العيد ، فيكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرتي الركوع ، وتكون هذه التكبيرات قبل القراءة .

وصلاة الاستسقاء ركعتان يجهر فيهما كصلاة العيد .

والدليل على ذلك :

ما جاء عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة ؛ قال : أرسلني الوليد بن عتبة – وكان أمير المدينة – إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستسقاء؟ فقال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متبذلاً متواضعاً متضرعاً ، حتى أتى المصلى ، فرقى على المنبر ، ولم يخطب خطبكم هذه ، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد". أخرجه أبو داود والترمذي.

•        (3-15-4) صلاة الاستسقاء في المصلى :

السنة في صلاة الاستسقاء أن تصلى في المصلى ؛ كما دلت عليه الأحاديث السابقة ؛ إلا أهل مكة ؛ فإنهم يصلون في المسجد الحرام و لا يخرجون عنه ، على هذا جرى عمل السلف رضوان الله عليهم.

ومن الأدلة على أن صلاة الاستسقاء في المصلى :

ما جاء في حديث عائشة السابق :" شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر ، فأمر بمنبر ، فوضع له في المصلى ، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه…" أخرجه أبو داود .

ما جاء في حديث ابن عباس السابق : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متبذلاً متواضعاً متضرعاً ، حتى أتى المصلى ، فرقي على المنبر.." أخرجه أصحاب السنن .

ما جاء في حديث عبد الله بن زيد : " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يصلي …" أخرجه الشيخان.

•        (4-15-4) صفة الخروج إلى المصلى ، والدعاء والخطبة قبل صلاة الاستسقاء:

السنة في الخروج إلى الاستسقاء أن يكون بتبذل و تواضع و تضرع  وتمسكن ، فيدعو الله تبارك وتعالى ، ويسأله ، ويستسقي ، ويكبر ، ويحمد الله.

ويرفع الإمام يديه ، ويرفع الناس أيديهم يدعون .

ويشرع للإمام المبالغة في رفع اليدين في الاستسقاء حتى يبدو بياض إبطيه.

كما يشرع للإمام إذا خرج إلى المصلى أن يخاطب الناس ؛ يذكرهم بحاجتهم إلى السقيا، ويرشدهم إلى الدعاء ، ويدعو ، ويستقبل القبلة .

ولا تشرع خطبة على غير الصفة السابقة :

والدليل على ذلك ما يلي :

ما جاء في حديث ابن عباس السابق : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متبذلاً متواضعاً متضرعاً ، حتى أتى المصلى ، فرقي على المنبر ، ولم يخطب خطبكم هذه ، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ، ثم صلى ركعتين …". أخرجه أبو داود.

ما جاء في حديث عائشة ؛ قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس ، فقعد على المنبر ، فكبر صلى الله عليه وسلم ، وحمد الله عز وجل ، ثم قال : "إنكم شكوتم جدب دياركم ، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه ، ووعدكم أن يستجيب لكم". ثم قال :" الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، لا إله إلا الله يفعل ما يريد ، اللهم أنت الله ، لا إله إلا أنت الغني ، ونحن الفقراء ، أنـزل علينا الغيث ، واجعل ما أنـزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين" ، ثم رفع يديه ، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ، ثم حول إلى الناس ظهره … أخرجه أبو داود.

عن عبد الله بن زيد الأنصاري ؛ قال: " إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي لهم ، فقام ، فدعا الله قائماً ، ثم توجه قبل القبلة ، وحول رداءه ، فاسقوا". رواه الشيخان.

عن أنس ؛ قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه من شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ، و إنه يرفع يرى بياض إبطيه " . أخرجه البخاري ومسلم.

وبوب البخاري :" باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء "، وأورد تعليقاً عن أنس بن مالك ؛ قال: " أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ، فقال : يا رسول الله! هلكت الماشية ، هلك العيال، هلك الناس ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو ، ورفع الناس أيديهم معه يدعون…."

•        (5-15-4) مشروعية تحويل الإمام رداءه أثناء الدعاء في الاستسقاء :

يشرع للإمام تحويل الرداء أثناء الدعاء في الاستسقاء ، ولا يشرع ذلك للناس معه.

ما سبق في حديث عائشة في خروجه صلى الله عليه وسلم وصلاته بالناس الاستسقاء؛ قالت : " … ثم رفع يديه ، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ، ثم حول إلى الناس ظهره ، وقلب (أو : حول) رداءه وهو رافع يديه ، ثم أقبل على الناس، ونـزل فصلى ركعتين …".

ما جاء في رواية عند أبي داود لحديث عبد الله بن زيد المازني ؛ قال : "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي ، فحول إلى الناس ؛ ظهره ؛ يدعو الله عز وجل ، واستقبل القبلة ، وحول رداءه".

وفي رواية : " وحول رداءه ، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر ، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ، ثم دعا الله عز وجل ".

وفي رواية : " استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خميصة سوداء ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها ، فلما ثقلت ؛ قلبها على عاتقه ". أخرجه الشيخان ، واللفظ لأبي داود.

ج)لم يصح ما يدل على أن الناس يقلبون أرديتهم مع الإمام .

(16-4) صلاة الجنازة

ويشتمل هذا الفصل على المباحث التالية :

الأول : حكم صلاة الجنازة وفضلها .

الثاني : الجماعة في صلاة الجنازة .

الثالث : موقف الإمام .

الرابع : صفتها .

و إليك البيان :

•        (1-16-4) حكم صلاة الجنازة وفضلها :

الصلاة على الميت المسلم فرض كفاية ؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بها في أحاديث ؛ أذكر منها :

حديث زيد بن خالد الجهني ؛ قال : إن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " صلوا على صاحبكم" فتغيرت وجوه الناس لذلك ، فقال : " إن صاحبكم غل في سبيل الله". ففتشنا متاعه ، فوجدنا خرزاً من خرز يهود لا يساوي درهمين. أخرجه أبو داود والنسائي .

ووجه الدلالة في الحديث : أن الصلاة على الميت لو كانت فرض عين ؛ لصلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولما اكتفى بقوله : " صلوا على صاحبكم ".

أما فضل صلاة الجنازة ؛ فيدل عليه :

ما جاء عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ؛ أنه كان قاعداً عند عبد الله بن عمر؛ إذ طلع خباب صاحب المقصورة ، فقال : يا عبد الله بن عمر! ألا تسمع ما يقول أبو هريرة ؟ إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من خرج مع جنازة من بيتها ، وصلى عليها، ثم تبعها حتى تدفن ؛ كان له قيراطان من أجر ، كل قيراط مثل أحد. ومن صلى عليها ، ثم رجع ؛ كان له من الأجر مثل أحد ؟". فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت ، وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده، حتى رجع إليه الرسول ، فقال : قالت عائشة : صدق أبو هريرة . فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض ، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. أخرج الشيخان .

•        (2-16-4) الجماعة في صلاة الجنازة :

تجب  الجماعة في صلاة الجنازة ؛ لمداومة الرسول صلى الله عليه وسلم على صلاتها جماعة ، ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام : " صلوا كما رأيتموني أصلي" . أخرجه البخاري.

ويستحب أن يكون عدد المصلين أربعون ؛ لما جاء عن كريب مولى ابن عباس ، عن عبد الله بن عباس ؛ أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان ، فقال : يا كريب! انظر ما اجتمع له من الناس. قال: فخرجت ؛ فإذا ناس قد اجتمعوا له ، فأخبرته ، فقال : تقول: هم أربعون؟ قال: نعم. قال: أخرجوه؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من رجل مسلم يموت ، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً ، لا يشركون بالله شيئاً ؛ إلا شفعهم الله فيه". أخرجه مسلم .

فإن كانوا مئة من المسلمين ؛ فإن الله يشفعهم فيه ؛ لما جاء عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة، كلهم يشفعون له ؛ إلا شفعوا فيه". أخرجه مسلم .

ويستحب أن يصفوا ثلاثة صفوف ؛ لحديث مالك بن هبيرة ؛ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من مسلم يموت ، فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين؛ إلا أوجب". فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة ؛ جزأهم ثلاثة صفوف ؛ للحديث. أخرجه أبو داود والترمذي.

•        (3-16-4) موقف الإمام :

يقف الإمام وراء رأس الرجل ووسط المرأة .

ويدل على ذلك :

ما جاء عن أبي غالب ؛ قال : " صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل ، فقام حيال رأسه ، ثم جاؤوا بجنازة امرأة من قريش ، فقالوا : يا أبا حمزة! صل عليها . فقام حيال وسط السرير ، فقال له العلاء بن زياد : هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام على الجنازة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه؟ قال : نعم. فلما فرغ؛ قال: احفظوا". أخرجه الترمذي و أبو داود.

و إذا لم يوجد مع الإمام غير رجل واحد ؛ فإنه لا يقف حذاءه كما هو السنة في سائر الصلوات ، بل يقف خلف الإمام .

ويدل عليه :

ما جاء عن عبد الله بن أبي طلحة ؛ أن أبا طلحة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي ، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى عليه في منـزلهم ، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو طلحة وراءه ، و أم سليم وراء أبي طلحة ، ولم يكن معهم غيرهم". أخرجه الحاكم والبيهقي .

و إذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء ؛ صلى عليها صلاة واحدة، وجعلت الذكور – ولو كانوا صغاراً – مما يلي الإمام ، وجنائز الإناث مما يلي القبلة .

ويدل على ذلك :

ما جاء عن نافع : " أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعاً ، فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة ، فصفهن صفاً واحداً . ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب و ابن لها يقال له : زيد ، وضعا جميعاً ، و الإمام يومئذ سعيد بن العصا ، وفي الناس ابن عمر و أبو هريرة و أبو سعيد و أبو قتادة ، فوضع الغلام مما يلي الإمام ، فقال رجل: فأنكرت ذلك ، فنظرت إلى ابن عباس و أبي هريرة و أبي سعيد و أبي قتادة ، فقلت : ما هذا ؟! قالوا هي

السنة". أخرجه النسائي.

•        (4-16-4) صفة صلاة الجنازة :

يشتمل هذا المبحث على المسائل التالية :

الأولى : الطهارة لصلاة الجنازة .

الثانية : صفتها والتكبيرات فيها .

الثالثة : رفع اليدين في التكبيرة الأولى ووضع اليمنى على اليسرى .

الرابعة : القراءة في صلاة الجنازة .

الخامسة : ما يقال بعد التكبيرة الثانية .

السادسة : ما يقال بعد التكبيرة الثالثة .

السابعة : التسليم من صلاة الجنازة .

و إليك البيان :

المسألة الأولى : الطهارة لصلاة الجنازة :

تشترط الطهارة لصلاة الجنازة :

لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ" . متفق عليه.

ولقوله صلى الله عليه وسلم : " مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم" . أخرجه أبو داود والترمذي.

وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة على الجنازة صلاة ، فقال : " صلوا على صاحبكم" ، وقال : " من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها" ، وفيها تكبير وتسليم ، وقد دل حديث : " مفتاح الصلاة …" ؛ على أن كل ما تحريمه

التكبير وتحليله التسليم ؛ فمفتاحه الطهور.

المسألة الثانية : صفتها والتكبيرات فيها :

صلاة الجنازة صلاة قيام ؛ لا ركوع فيها ، ولا سجود ، ولا قعود .

وهي تكبيرات أربع أو خمس أو ست أو سبع أو تسع ، كل هذا ثابت ، وهو من اختلاف التنوع؛ فأيها فعل المسلم ؛ أجزأه .

و الأولى مراعاة فضل الميت ، فيزاد في التكبيرات إلى التسع بحسبه ، و إن كان لابد من الالتزام لنوع منها ؛ فهو الأربع ؛ لكثرة الأحاديث الواردة فيها .

أما الأدلة على ذلك ؛ فكما يلي :

قال ابن حزم : " لا خلاف في أنها (صلاة الجنازة) صلاة قيام ، لا ركوع فيها ولا سجود ، ولا قعود ولا تشهد" . اهـ.

أما الدليل على التكبيرات ؛ فكما يلي :

دليل التكبيرات الأربع : ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، وخرج بهم إلى المصلى ، فصف بهم ، وكبر عليه أربع تكبيرات". أخرجه الشيخان.

دليل التكبيرات الخمس : ما جاء عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ؛ قال : " كان زيد [ابن أرقم] يكبر على جنائزنا أربعاً ، و إنه كبر على جنازة خمساً ،

فسألته ؟ فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها ". أخرجه مسلم .

دليل التكبيرات الست : ما جاء عن عبد خير ؛ قال : " كان علي رضي الله عنه يكبر على أهل بدر ستاً ، وعلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً ، وعلى سائر الناس أربعاً " . أخرجه ابن أبي شيبة والدارقطني.

قلت : وهذا أثر موقوف ، لكنه في حكم المرفوع ، و لأنه فعل من رجل من كبار الصحابة أمام مشهد من الصحابة دون إنكار منهم.

دليل التكبيرات السبع : ما جاء عن موسى بن عبيد الله بن يزيد : " أن علياً رضي الله عنه صلى على أبي قتادة ، فكبر عليه سبعاً ، وكان بدرياً" أخرجه البيهقي.

دليل التكبيرات التسع : ما جاء عن عبد الله بن الزبير : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحمد بحمزة ، فسجي ببردة ، ثم صلى عليه ، فكبر تسع تكبيرات ، ثم أتى بالقتلى ، يصفون ويصلى عليهم وعليه معهم". أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار".

أما الدليل على زيادة التكبير على الأربع عند الصلاة على أهل الفضل ؛ فيدل عليه الآثار و الأحاديث السابقة ، خاصة أثر عبد خير عن علي ، وحديث ابن الزبير في صلاة الرسول عليه الصلاة والسلام على حمزة وقتلى أحد . والله أعلم .

المسألة الثالثة : رفع اليدين في التكبيرة الأولى ووضع اليمنى على اليسرى :

السنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة .

ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم رفعهما في سائر التكبيرات فيها ، غاية ما ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه رفعهما في سائر التكبيرات.

وبعد التكبير ؛ هل يضع المسلم يده اليمنى على اليسرى ، أم يرسلها ؟

لم يثبت في ذلك ما يمكن الجزم به ، والذي استحبه بعض أهل العلم القبض فيها ، فرأوا مشروعية وضع اليد اليمنى على اليسرى في صلاة الجنازة.

والدليل على رفع اليدين في التكبيرة الأولى : ما جاء عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر على جنازة ، فرفع يديه في أول تكبيرة …". أخرجه الترمذي.

قال الترمذي رحمه الله في (باب ما جاء في رفع اليدين على الجنازة) : "اختلف أهل العلم في هذا : فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن يرفع الرجل يديه في كل تكبيرة على الجنازة ، وهو قول ابن المبارك والشافعي و أحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم : لا يرفع يديه إلا في أول مرة ، وهو قول الثوري و أهل الكوفة. وذكر عن ابن المبارك ؛ أنه قال في الصلاة على الجنازة : لا يقبض يمينه على شماله. ورأى بعض أهل العلم أن يقبض بيمينه على شماله كما يفعل في الصلاة". قال أبو عيسى : "يقبض، أحب اليّ " . اهـ.

المسألة الرابعة : القراءة في الصلاة على الجنازة :

السنة أن يقرأ المسلم الفاتحة وسورة بعد التكبيرة الأولى .

والقراءة تكون سراً .

ولا استفتاح في صلاة الجنازة .

والدليل على ذلك :

ما جاء عن طلحة بن عبد الله بن عوف ؛ قال : " صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة ، فقرأ بفاتحة الكتاب ؛ قال : لتعلموا أنها سنة". أخرجه البخاري .

وفي رواية عند النسائي للحديث : " صليت خلف ابن عباس على جنازة ، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ، وجهر حتى أسمعنا ، فلما فرغ ؛ أخذت بيده فسألته ؟ فقال : سنة وحق".

قال الترمذي رحمه الله بعد إيراده لهذا الحديث : "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، يختارون أن يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى ، وهو قول الشافعي و أحمد و إسحاق ، وقال بعض أهل العلم : لا يقرأ في الصلاة على الجنازة ؛ إنما هو ثناء على الله ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والدعاء للميت . وهو قول الثوري وغيره من أهل الكوفة".  اهـ.

قلت : ما جاء في السنة هو الواجب اتباعه ، وبالله التوفيق .

المسألة الخامسة : ما يقال بعد التكبيرة الثانية :

المسألة السادسة : ما يقال بعد التكبيرة الثالثة :

السنة في صلاة الجنازة إذا كبر المسلم التكبيرة الثانية أن يصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم .

والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم المستحب أن تكون بالصيغ التي علمها الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضوان الله عليهم .

وبعد التكبيرة الثالثة وفي سائر التكبيرات يخلص الدعاء فيها للميت .

والمستحب أن يدعو بما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام من الدعاء في الجنازة.

الدليل على ذلك :

ما جاء عن أبي أمامة بن سهل ؛ أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " أن السنة في الصلاة على الجنازة : أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات ، لا يقرأ في شيء منهن ، ثم يسلم سراً في نفسه". أخرجه الشافعي في " الأم".

وفي رواية عند الحاكم : عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ؛ أنه أخبره رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الجنازة :" أن يكبر الإمام ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويخلص الصلاة في التكبيرات الثلاث ، ثم يسلم تسليماً خفياً حين ينصرف ، والسنة أن يفعل من روائه مثل ما فعل إمامه" .

ومن الأدعية الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الجنازة :

ما جاء عن عوف بن مالك ؛ قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة؛ فحفظت من دعائه وهو يقول : " اللهم اغفر له ، وارحمه ، وعافه ، واعف عنه ، وأكرم نـزله، ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس ، وأبدله داراً خيراً من داره ، وأهلاً خيراً من أهله ، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة ، وأعذه من عذاب القبر (أو : من عذاب النار)" . قال : حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. أخرجه مسلم .

وفي رواية له : "… وقه فتنة القبر وعذاب القبر".

المسألة السابعة : التسليم من صلاة الجنازة :

السنة في صلاة الجنازة أن يسلم تسليمتين مثل تسليم الصلاة ، وله أن يسلم تسليمة واحدة فقط عن يمينه ، أي ذلك فعل المسلم ؛ جاز ، والتسليم يكون سراً خفيفاً .

ويدل على ذلك :

ما جاء عن عبد الله بن مسعود ؛ قال :" ثلاث خلال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن تركهن الناس : إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة". أخرجه البيهقي.

وما جاء عن أبي هريرة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة ، فكبر عليها أربعاً ، وسلم تسليمة واحدة". أخرجه الدار قطني.

وتقدم حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، وفيه :" ثم يسلم سراً في نفسه".

وفي رواية لحديث أبي أمامة بن سهل عند ابن الجارود :" ثم يسلم في نفسه عن يمينه"

(17-4) صلاة ركعتي الطواف

يشتمل هذا الفصل على المباحث التالية :

الأول : حكم صلاة ركعتي الطواف .

الثاني : أين تصلى ؟

الثالث : ما يقرأ فيهما .

و إليك البيان :

•        (1-17-4) حكم صلاة ركعتي الطواف :

صلاة ركعتي الطواف واجبة لكل سبعة أشواط .

ويدل على ذلك ما يلي :

قول الله تبارك وتعالى : {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس و أمناً واتخذوا من

مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} [البقرة: 125].

فقال : {واتخذوا…} و الأمر دال على الوجوب .

فإن قيل : الأمر بالاتخاذ أعم من أن يكون لركعتي الطواف أو قبلة أو مدعى ؟

فالجواب : دل على أن المراد اتخاذه لركعتي الطواف مصلى ما جاء في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال :"… ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام ، فقرأ : {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ، فجعل المقام بينه وبين البيت … كان يقرأ في الركعتين : {قل هو الله أحد} و {قل يا أيها الكافرون} . أخرجه مسلم.

عن عمرو بن دينار ؛ قال : سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت للعمرة ولم يطف بين الصفا والمروة ؛ أيأتي امرأته؟ فقال : " قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فطاف بالبيت سبعاً ، وصلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة ، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة". أخرجه البخاري.

فصلاته عليه الصلاة والسلام للركعتين خلف المقام بعد الطواف وتلاوته للآية يدل على وجوب الركعتين ؛ لأن صلاته بيان لمجمل الأمر في الآية : {واتخذوا} ، وبيان المجمل الواجب له حكمه.

أما أن لكل سبعة أشواط ركعتين ؛ فيدل عليه فعل الرسول صلى الله عليه وسلم .

قال نافع :" كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي لكل سبوع ركعتين". أخرجه البخاري تعليقاً.

وقال إسماعيل بن أمية : " قلت للزهري: إن عطاء يقول تجزئه المكتوبة من ركعتي الطواف؟ فقال : السنة أفضل ، لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم سبوعاً قط إلا صلى ركعتين". أخرجه البخاري تعليقاً.

•        (2-17-4) أين تصلى ؟

بعد أن يطوف المسلم بالكعبة ، يصلي ركعتي الطواف خلف المقام ، فإن تعسر عليه ؛ صلاهما حيث شاء من الحرم .

ويدل على ذلك ما يلي :

قوله تبارك وتعالى : {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] .

عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ؛ أن عبد الرحمن بن عبد القاري أخبره : " أنه طاف بالبيت مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح ، فلما قضى عمر طوافه ؛ نظر، فلم ير الشمس طلعت ، فركب حتى أناخ بذي طوى ، فصلى

ركعتين" . أخرجه مالك في "الموطأ" .

عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بمكة وأراد الخروج – ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج -، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا أقيمت صلاة الصبح ؛ فطوفي على بعيرك والناس يصلون ". ففعلت ذلك ، فلم تصل حتى خرجت . أخرجه الشيخان .

ومحل الشاهد منه قوله في آخره : "فلم تصل حتى خرجت"؛ أي: من المسجد أو من مكة، فدل على جواز صلاة الطواف خارجاً من المسجد ؛ إذ لو كان ذلك شرطاً لازماً؛ لما أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك .

واستدل به الجمهور على أن من نسي ركعتي الطواف ؛ قضاهما حيث ذكرهما من حل أو حرم ، وهو قول الجمهور .

•        (3-17-4) ما يقرأ فيهما:

ويسن أن يقرأ فيهما سورتي الإخلاص: {قل هو الله أحد}، و {قل يا أيها الكافرون} .

لما سبق في حديث جابر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، لما ذكر طوافه وصلاته

للركعتين؛ قال: "كان يقرأ في الركعتين: {قل هو الله أحد} و {قل يا ايها الكافرون}". أخرجه مسلم .

(18-4) الصلاة في مسجد قباء

عن أسيد بن ظهير الأنصاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : "من خرج حتى يأتي قباء كعمرة". أخرجه الترمذي وابن ماجه .

وعن سهل بن حنيف ؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من خرج حتى يأتي هذا المسجد (مسجد قباء) ، فصلى فيه ؛ كان له عدل عمرة" . أخرجه النسائي وابن ماجه .

والحديثان يفيدان فضيلة الصلاة في مسجد قباء .

عن ابن عمر ؛ قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء ، راكباً وماشياً، فيصلي فيه ركعتين".

وفي رواية: "رأيت النبي يأتيه كل سبت". أخرجه الشيخان .

 مسائل و أحكام تتعلق بصلاة التطوع

يشتمل هذا الباب على المسائل التالية :

(1-5) التطوع في البيت أفضل .

(2-5) المداومة على التطوع أفضل و إن قل .

(3-5) صلاة التطوع عن قعود .

(4-5) صلاة التطوع في السفر .

(5-5) وصل صلاة التطوع بالفرض .

(6-5) صلاة التطوع على الراحلة .

(7-5) الجماعة في صلاة التطوع .

(8-5) قضاء الراتبة مع الفائتة .

(9-5) أفضل الصلاة طول القراءة .

و إليك بيانها فيما يلي :

مسائل و أحكام تتعلق بصلاة التطوع

(1-5) التطوع في البيت أفضل

عن زيد بن ثابت ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة – قال (يعني: الراوي عن زيد): حسبت أنه قال : من حصير – في رمضان ، فصلى فيها ليالي ، فصلى بصلاته ناس من أصحابه ، فلما علم بهم ؛ جعل يقعد ، فخرج إليهم ، فقال: " قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم ؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته؛ إلا المكتوبة". أخرجه الشيخان .

قلت: والحديث يدل على أن صلاة التطوع في البيت أفضل ؛ إلا المكتوبة .

وهذه الأفضلية على الإطلاق ، سواء كانت صلاة التطوع مما يشرع له الجماعة في المسجد أم لا ؛ كما هو ظاهر الحديث . والله أعلم .

وهو مروي عن ابن عمر وسالم ونافع ، وهو قول مالك و أبي يوسف والشافعي .

(2-5) المداومة على التطوع أفضل و إن قل

عن عائشة ؛ قالت : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصير ، وكان يحجره من الليل فيصلي فيه ، فجعل الناس يصلون بصلاته ، ويبسطه بالنهار ، فثابوا ذات ليلة ، فقال : "يا أيها الناس! عليكم من الأعمال ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا ، و إن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل" ، وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملاً أثبتوه. متفق عليه .

قلت : والحديث يدل على أن المسلم عليه أن يقتصر من العبادة على ما يطيق ، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطيق من العبادة.

(3-5) صلاة التطوع عن قعود

عن عمران بن حصين – وكان مبسوراً – ؛ قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعداً ؟ قال: " إن صلى قائماً ؛ فهو أفضل ، ومن صلى قاعداً ؛ فله نصف أجر القائم ، ومن صلى نائماً ، فله نصف أجر القاعد" . أخرجه البخاري.

قال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث : " ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم : في صلاة التطوع".

ثم ساق بسنده عن الحسن ؛ قال : " إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع قائماً وجالساً ومضطجعاً".

" واختلف أهل العلم في صلاة المريض إذا لم يستطع أن يصلي جالساً : قال بعض أهل العلم : يصلي على جنبه الأيمن . وقال بعضهم : يصلي مستلقياً على قفاه ورجلاه إلى القبلة. وقال سفيان الثوري في هذا الحديث : " من صلى جالساً ؛ فله نصف أجر القائم" ؛ قال هذا صحيح ، ولمن ليس له عذر (يعني: النوافل) ، فأما من كان له عذر من مرض أو غيره ، فصلى جالساً ؛ فله مثل أجر القائم .

وقد روى في بعض هذا الحديث مثل قول سفيان الثوري" . اهـ.

وعن عائشة رضي الله عنها ؛ قالت : لما سألها عبد الله بن شقيق العقيلي عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل ؟ قالت: " كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً ، وليلاً طويلاً قاعداً ، كان إذا قرأ قائماً ، ركع قائماً ، و إذا قرأ قاعداً ؛ ركع قاعداً " أخرجه الشيخان.

(4-5) صلاة التطوع في السفر

كان من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض ، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها ؛ إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر ، فإنه لم يكن ليدعهما حضراً ولا سفراً.

وثبت أنه صلى صلاة الضحى في السفر .

وثبت التطوع المطلق منه صلى الله عليه وسلم في السفر .

ويدل على ذلك ما يلي :

عن ابن عمر رضي الله عنهما ؛ قال :" صحبت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم أره يسبح من السفر ، وقال الله جل ذكره : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} . [الأحزاب: 21]".

وفي رواية : " صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر ، فما رأيته يسبح ، ولو كنت مسبحاً ، لأتممت ، وقد قال الله تعالى : { ولقد كان لكم في رسول الله أسوة

حسنة } [الأحزاب: 21]" . متفق عليه .

قال ابن القيم : "وهذا من فقهه رضي الله عنه ؛ فإن الله سبحانه وتعالى خفف عن المسافر في الرباعية شطرها ، فلو شرع له الركعتان قبلها أو بعدها ؛ لكان الإتمام شطرها ؛ فلو شرع له الركعتان قبلها أو بعدها ؛ لكان الإتمام أولى به" . اهـ.

وسبق حديث أم هانئ في صلاة الضحى في فتح مكة لما صلاها عندها .

عن ابن عمر ؛ قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه ، ويوتر عليها ؛ غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة". متفق عليه.

قلت : هذا الحديث عن ابن عمر يفسر الحديث السابق عنه أيضاً لما قال : " فلم أره يسبح في السفر" ؛ إذ بين المراد منه : أنه لم يره يسبح في السفر السنن الرواتب .

عن عامر بن ربيعة ؛ قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الراحلة يسبح ؛ يومئ برأسه ، قبل أي وجه توجه ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك في

الصلاة المكتوبة" متفق عليه.

(5-5) وصل صلاة التطوع بالفرض

عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار : " أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال : نعم؛ صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام ؛ قمت في مقامي ، فصليت ، فلما دخل؛ أرسل إلي ، فقال: لا تعد لما فعلت ، إذا صليت الجمعة ؛ فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك : أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج". أخرجه مسلم.

قلت : والحديث يدل على أنه لا يجوز وصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج.

(6-5) صلاة التطوع على الراحلة

كان صلى الله عليه وسلم يصلي التطوع على راحلته إذا كان في السفر أينما توجهت؛ يومئ برأسه قبل أي وجه توجه .

وكان أحياناً إذا سافر وأراد أن يتطوع ، استقبل بناقته القبلة ، فكبر ، ثم صلى حيث وجهه ركابه.

ويدل على ذلك ما يلي :

ما جاء عن ابن عمر ؛ قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه ، ويوتر عليها ؛ غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة". متفق عليه.

وعن عامر بن ربيعة ؛ قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الراحلة يسبح ؛ يومئ برأسه قبل أي وجه توجه ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة ". متفق عليه .

عن أنس بن مالك ؛ قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوعاً ؛ استقبل القبلة ، فكبر للصلاة ، ثم خلى راحلته ، فصلى حيثما توجهت به". أخرجه أحمد و أبو داود.

قلت : وذكر السفر في هذه الأحاديث عند بعض أهل العلم ليس على سبيل القيد ، بل على سبيل حكاية الواقع ؛ فلا مفهوم له ، ولعل حديث أنس يؤكد

ذلك ؛ إذ ظاهره جواز التطوع على الراحلة مطلقاً في السفر والحضر ، وهذا محكي عن أنس بن مالك و أبي يوسف صاحب أبي حنيفة و أبي سعيد الإصطخري من الشافعية ومن وافقهم.

(7-5) الجماعة في صلاة التطوع

تشرع الجماعة في صلاة التطوع ؛ بشرط أن لا تتخذ عادة راتبة ، وفعلها في البيت أفضل .

ومما يدل على ذلك ما يلي :

أ) ما تقدم من مشروعية الجماعة في صلاة قيام الليل .

ب) وما جاء عن أنس بن مالك ؛ أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له ، فأكل منه ، ثم قال :" قوموا؛ فلأصل لكم". قال أنس : فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ، فنضحته بماء ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصففت واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا ، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ثم انصرف. متفق عليه.

قال ابن حجر رحمه الله : " في هذا الحديث من الفوائد … صلاة النافلة جماعة في البيوت ، وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة لأجل المرأة ؛ فإنها قد يخفى عليها بعض التفاصيل لبعد موقفها" . اهـ.

وما جاء عن محمود بن الربيع الأنصاري ؛ أنه سمع عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه – وكان ممن شهد بدراً مع رسول الله – يقول : " كنت أصلي لقومي ببني سالم ، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار ، فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم ، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : إني أنكرت بصري ، و إن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار ، فيشق علي اجتيازه ، فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكانا أتخذه مصلى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سأفعل". فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو بكر رضي الله عنه بعدما اشتد النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذنت له ، فلم يجلس حتى قال : " أين تحب أن أصلي من بيتك؟". فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر ، وصفننا وراءه ، فصلى ركعتين ، ثم سلم وسلمنا حين سلم، فحبسته على خزير يصنع له…" الحديث. أخرجه البخاري.

وبوب البخاري : " باب صلاة النوافل جماعة ، ذكره أنس وعائشة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم " ، ثم ساق بسنده حديث محمود بن الربيع مطولاً .

قلت : أما حديث أنس الذي أشار إليه ؛ فهو الذي قدمته قبل قليل ، وفيه : " وصففت واليتيم وراءه…".

أما حديث عائشة ؛ فأشار به إلى صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة قيام الليل

بالمسجد وتقدم.

قال ابن تيمية رحمه الله : " والاجتماع على صلاة النفل أحياناً مما تستحب فيه الجماعة إذا لم يتخذ راتبة ، وكذا إذا كان لمصلحة ؛ مثل أن لا يحسن أن يصلي وحده ، أو لا ينشط وحده ؛ فالجماعة أفضل إذا لم تتخذ راتبة ، وفعلها في البيت أفضل ؛ إلا لمصلحة راجحة" . اهـ.

(8-5) قضاء الراتبة مع الفائتة

عن أبي هريرة ؛ قال : عرسنا مع نبي الله صلى الله عليه وسلم فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ليأخذ كل رجل برأس راحلته؛ فإن هذا منـزل حضرنا فيه الشيطان". قال : ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ ، ثم سجد سجدتين (وفي رواية : ثم صلى سجدتين) ، ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة". أخرجه مسلم.

قال ابن القيم رحمه الله في فقه هذه القصة : " وفيها : أن السنن الرواتب تقضي كما تقضي الفرائض ، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الفجر معها ، وقضى سنة الظهر وحدها ، وكان هديه صلى الله عليه وسلم قضاء السنن الرواتب مع الفرائض" . اهـ.

(9-5) أفضل الصلاة طول القراءة

عن جابر ؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصلاة طول القنوت". أخرجه مسلم.

قلت: الحديث يدل على فضيلة إطالة القيام للقراءة في الصلاة ، وهذا يشمل التطوع منها والفرض. وبالله التوفيق.

ملحق

 بدع صلوات التطوع

أورد في هذا الملحق جملة من البدع المتعلقة بصلوات التطوع دون تتبع واستقراء.

[وقد رأيت أن ألحق بالكتاب ذيلاً أسرد فيه بدع صلوات التطوع ؛ لأن كثيراً من الناس لا يعرفونها فيقعون فيها ، أحببت أن أزيدهم نصحاً ببيانها والتحذير منها ، ذلك لأن العمل لا يقبله الله تبارك وتعالى إلا إذا توفر فيه شرطان اثنان :

الأول : أن يكون خالصاً لوجهه عز وجل .

و الآخر : أن يكون صالحاً ، ولا يكون صالحاً إلا إذا كان موافقاً للسنة غير مخالف لها.

ومن المقرر عند ذوي التحقيق من أهل العلم أن كل عبادة مزعومة ؛ لم يشرعها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ، ولم يتقرب هو بها إلى الله بفعله ؛ فهي مخالفة لسنته؛ لأن السنة على قسمين: سنة فعلية وسنة تركية ؛ فما تركه صلى الله عليه وسلم من تلك العبادات ؛ فمن السنة تركها .

ألا ترى مثلاً أن الأذان للعيدين ولدفن الميت مع كونه ذكراً وتعظيماً لله عزوجل لم يجز التقرب به إلى الله عز وجل ، وما ذلك إلا لكونه سنة تركها رسول

الله صلى الله عليه وسلم .

وقد فهم هذا المعنى أصحابه صلى الله عليه وسلم ، فكثر عنهم التحذير من البدع تحذيراً عاماً كما هو مذكور في موضعه ، حتى قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : "عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا تعبدوها" ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : " اتبعوا ولا تبتدعوا ؛ فقد كفيتم ، عليكم بالأمر العتيق" .

فهنيئاً لمن وفقه الله للإخلاص في عبادته واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولم يخالطها ببدعة .

إذاً ، فليبشر بتقبل الله عز وجل لطاعته ، وإدخاله إياه في جنته ، جعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

واعلم أن مرجع هذه البدع المشار إليها إلى أمور :

الأول : أحاديث ضعيفة لا يجوز الاحتجاج بها ولا نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ومثل هذا لا يجوز العمل به عندنا ، على ما بينه الألباني سلمه الله في مقدمة كتابه "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم "، وهو مذهب جماعة من أهل العلم ؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره .

الثاني : أحاديث موضوعة ، أو لا أصل لها ، خفي أمرها على بعض الفقهاء ، فبنوا عليها أحكاماً هي من صميم البدع ومحدثات الأمور !

الثالث : اجتهادات واستحسانات صدرت من بعض الفقهاء ، خاصة المتأخرين منهم ، لم يدعموها بأي دليل شرعي ، بل ساقوها مساق المسلمات من الأمور ، حتى صارت سنناً تتبع!

ولا يخفى على المتبصر في دينه ؛ أن ذلك مما لا يسوغ اتباعه ؛ إذ لا شرع إلا ما شرعه الله تعالى ، وحسب المستحسن – إن كان مجتهداً – أن يجوز له هو العمل بما استحسنه و أن لا يؤاخذه الله به ، أما أن يتخذ الناس ذلك شريعة وسنة ؛ فلا ثم لا ، فكيف وبعضها مخالف للسنة العملية كما سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى؟!

رابعاً : عادات وخرافات لا يدل عليها الشرع ، ولا يشهد لها عقل ، و إن عمل بها بعض الجهال واتخذوها شرعة لهم ، ولم يعدموا من يؤيدهم ، ولو في بعض ذلك – ممن يدعي العلم ويتزيى بزيهم .

ثم ليعلم أن هذه البدع ليست خطورتها في نسبة واحدة ، بل هي على درجات ؛ فبعضها شرك وكفر صريح كما سترى ، وبعضها دون ذلك ، ولكن يجب أن يعلم أن أصغر بدعة يأتي الرجل بها في الدين هي محرمة بعد تبين كونها بدعة ؛ فليس في البدع – كما يتوهم بعضهم- ما هو في رتبة المكروه فقط ، كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار" ؛ أي : صاحبها .

وقد حقق هذا أتم تحقيق الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه العظيم "الاعتصام".

ولذلك فأمر البدعة خطير جداً ، لا يزال أكثر الناس في غفلة عنه ، ولا يعرف ذلك إلا طائفة من أهل العلم ، وحسبك دليلاً عل خطورة البدعة قوله صلى الله عليه وسلم :"إن الله احتجر التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته". رواه الطبراني والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" وغيرهما بسند صحيح . وحسنه المنذري.

وأختم هذه الكلمة بنصيحة أقدمها إلى القراء من إمام كبير من علماء المسلمين الأولين، وهو الشيخ حسن بن علي البربهاري من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله المتوفى سنة (329هـ).

قال رحمه الله تعالى : " واحذر من صغار المحدثات ؛ فإن صغار البدع تعود حتى تصير كباراً ، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق ، فاغتر بذلك من دخل فيها ، ثم لم يستطع المخرج منها ، فعظمت ، وصارت ديناً يدان به .

فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة ؛ فلا تعجلن ، ولا تدخل في شيء منه ؛ حتى تسأل وتنظر : هل تكلم فيه أحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء ؟ فإن أصبت أثراً عنهم ؛ فتمسك به ، ولا تجاوزه لشيء ، ولا تختر عليه شيئاً ؛ فتسقط في النار.

واعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعاً ومصدقاً مسلماً ، فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كذبهم ، وكفى بهذا فرقة وطعناً عليهم ؛ فهو مبتدع ضال مضل محدث في الإسلام ما ليس فيه".

قلت: ورحم الله الإمام مالك حيث قال : " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فما لم يكن يومئذ ديناً ، لا يكون اليوم ديناً ".

وصلى الله على نبينا القائل :" ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به ، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه ".

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات]

و إليك ذكر بدع صلوات التطوع :

1- الصلاة التي يصلونها في أواخر رمضان لتكفير الفوائت من صلوات العام الماضي. "السنن والمبتدعات" (ص17) .

2- صلاة دعاء حفظ القرآن . "السنن والمبتدعات" (ص124).

3- صلاة الحاجة : " من كانت له حاجة إلى الله …" . "السنن والمبتدعات" (ص124)

4- قراءة سورة الأنعام في ركعة واحدة في رمضان أو غيره بدعة ، سواء تحروا الليلة بعينها أو لا؛ كما يفعله بعض الناس : يقرؤنها في آخر ركعة من صلاة الوتر ، يطول على الناس ، ويهذها هذاً مكروهاً . "مختصر الفتاوى المصرية"

5- الاجتماع على صلاة في المساجد مقدرة بمئة ركعة بقراءة ألف : {قل هو الله أحد}؛ دائماً ؛ فهي بدعة لم يستحبها أحد . "مختصر الفتاوى المصرية" (ص 81 )

6- صلاة الآبق والضياع . "السنن والمبتدعات" (ص127)

7- صلاة العازم على السفر . "السنن والمبتدعات" (ص129).

8- صلاة الأوابين بين المغرب والعشاء . " السنن والمبتدعات" (ص130) ، "صحيح الترغيب والترهيب" (1/280) .

9- صلاة الغفلة بين المغرب والعشاء . " السنن والمبتدعات" (ص130).

10- صلاة الكفاية . "السنن والمبتدعات" (ص132).

11- صلاة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم . " السنن والمبتدعات" (ص132).

12- صلاة عاشوراء. " السنن والمبتدعات " (ص134- 180) .

13- صلاة ليلة المعراج .

14- صلاة كل ليلة من رجب . " السنن والمبتدعات" (ص 140، 143).

15- صلاة الرغائب من رجب ، "السنن والمبتدعات" (ص156) ، "علم أصول البدع" (ص149، 150، 151).

16- صلاة البراءة ليلة النصف من شعبان . " السنن والمبتدعات" (ص144) ، "علم أصول البدع" (ص115، 149- 150).

17- صلاة دفع البلاء. " السنن والمبتدعات" (ص145).

18- صلاة كل ليلة من شعبان . " السنن والمبتدعات" (ص140، 143، 156).

19- صلاة ليلة القدر. " السنن والمبتدعات " (ص156).

20- صلاة ليلة عيد الفطر ويومه عيد الأضحى. " مختصر الفتاوى المصرية" (ص79) ، " السنن والمبتدعات" (ص161، 172، 180).

21- صلاة يوم عرفة . " السنن والمبتدعات" (ص172).

22- صلوات أيام الأسبوع . " مختصر الفتاوى المصرية" (ص78) ، " السنن والمبتدعات" (ص179) .

23- الصلوات الحولية . " مختصر الفتاوى المصرية " (ص78).

24- الصلاة الألفية أول رجب ونصف شعبان . " مختصر الفتاوى المصرية" (ص78)، " السنن والمبتدعات" (ص179) ، "علم أصول البدع" (86).

25- الصلاة الاثني عشرية في أول جمعة من رجب .

26- الصلاة في ليلة سبع وعشرين من رجب ، "مختصر الفتاوى المصرية" (ص78)، "السنن والمبتدعات" (ص180).

27- صلاة الأشهر الثلاثة. " مختصر الفتاوى المصرية" (ص78-79).

28- صلاة ركعتين بعد السعي. " ملحق بدع الحج والعمر والزيارة آخر كتاب حجة النهي كما رواها جابر" (ص121).

29- إحياء الليل كله. " علم أصول البدع" (ص86، 108).

30- المداومة على صلاة النفل جماعة. " مختصر الفتاوى المصرية" (ص81).

31- الاجتماع المعتاد في المساجد على صلاة مقدرة بدعة . "مختصر الفتاوى المصرية" (ص81).

تم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .

سبحانك الله وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك .

مكة المكرمة – العزيزية الجنوبية

صباح الاثنين 22 رمضان 1413 هـ

محمد بن عمر بازمول

رأيك يهمنا