شرح القواعد الأربع

نبذة مختصرة

رسالة مختصرة كتبها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وقد اشتملت على تقرير ومعرفة قواعد التوحيد، وقواعد الشرك، ومسألة الحكم على أهل الشرك، والشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة.
وقد شرحها الشيخ خالد بن عبد الله المصلح جزاه الله خيرًا.

تنزيــل

تفاصيل

 شرح القواعد الأربع

الدرس الأول

أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد افتـتح المؤلف الإمام المجدد في القرن الثاني عشر، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذه الرسالة بهذه المقدمة، والظاهر من هذه المقدمة أنها رسالة لبعض من كتبها له الشيخ، في بيان دعوته رحمه الله، افتـتحها بالبسملة كسائر ما تفتـتح به الرسائل، وكسائر الكتب العلمية، والمستند في هذا كتاب الله جل وعلا، فإنه افتـتح بالبسملة، وأيضاً هدي رسول الله ، حيث كان يفتـتح رسائله وكتبه بالبسملة، ثم افتـتحها بعد البسملة بذكر هذه المقدمة النافعة في أولها، فابتدأها بالدعاء، والدعاء مما يلين قلب المكتوب له، لاسيما في النصائح والإرشادات، فإنك إذا قدمت بين كلامك دعاءً أفهمت من تخاطبه أو تكتب له أنك مشفق عليه، راجٍٍٍٍٍٍٍ نفعه، راغب في نصحه.

قال رحمه الله تعالى: (أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاّك في الدنيا والآخرة) ومن تولاّه الله في الدنيا والآخرة فإنه آمنٌ من المخاوف في الدارين، نسأل الله أن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة.

قال رحمه الله تعالى: (وأن يجعلك مباركاً أينما كنت)، وإنما يكون ذلك بأن يكون نافعاً للعباد حيثما نزل، وحيثما حل، كالغيث حيثما أصاب نفع، (وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر).

ثم قال عن هذه الخلال الثلاث والخصال: (فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة) لماذا ؟ لأنه لا ينفك الإنسان عن حالٍ من هذه الأحوال الثلاثة، إما أن يعطى فالواجب عليه أن يشكر، فإذا شكر فقد قام بوظيفة الوقت، وإما أن يـبتلى فالواجب عليه الصبر، فإذا قام بذلك فقد قام بوظيفة الوقت، وإما أن يخطئ الصبر أو الشكر فيقع في الذنب، وواجبه في هذه الحالة: الاستغفار، فإذا استغفر فقد قام بوظيفة الوقت، فمن كانت حاله شكراً عند العطاء، وصبراً عند البلاء، واستغفاراً عند الذنب والخطأ، فإنه قد حاز أسـباب الفلاح والسعادة، والأمر كما قال الشيخ رحمه الله: (فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة) فمن حققها في سلوكه وحاله فإنه قد وفِّقَ لما تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من السعداء.

اعلم أرشدك الله لطاعته: أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين، كما قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة. فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار، عرفت أن أهم ما عليك: معرفة ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة وهي الشرك بالله الذي قال الله تعالى فيه: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه:

قال رحمه الله تعالى: ( اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم ) وهذا لا إشكال فيه، فإن الله سبحانه وتعالى وصف إبراهيم بالحنيفية، فقال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ( ) والحنيف هو المائل من الشرك إلى الهدى، وأصل الحنف: هو الميل من الضلالة إلى الهدى، هذا أصل الحنف، ويقابله في المعنى الجنف: وهو الميل من الهدى إلى الضلالة. يقول رحمه الله: ( اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم ) فمن رغب في الحنيفية وهي: الاستقامة على الصراط المستقيم، فليلزم ملة إبراهيم التي قال الله جل وعلا فيها: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ( ) أي: خسرها، ولم يكسب منها شيئاً، فسفهُ النفس وخسارها: هو بترك ملة إبراهيم، ثم بين رحمه الله هذه الملة وهذه الحنيفية فقال:

قال رحمه الله تعالى: ( أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين ) وهذا يشمل كل عبادةٍ قوليةً أو فعليةً، أو قلبية، واجبةً أو مستحبة، فيجب أن تكون العبادة بجميع أنواعها وأقسامها لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، وقوله: ( مخلصاً ) حال من العابد، فيجب أن يكون العابد مخلصاً في عبادته لله تعالى، والمخلص: هو الذي خلَّص عبادته من أوغال الشرك، ولوثات الوثنية، بأن يخلص في قلبه بإرادة الله ، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، وابتغي به وجهه، وأن يتبع النبي في عمله وسيرته، فإذا تحقق له هذان الأمران فقد تحقق له وصف الحنيفية، واتباع ملة إبراهيم مخلصاً له الدين، أي: مخلـصاً له العمل، وهذا يشمل العمل القلبي، وعمل الجوارح كما تقدم بيانه.

 ثم قال رحمه الله تعالى: كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ( ) هذا فيه بيان أن هذه الحنيفية التي كان عليها إبراهيم هي الغاية من الخلق، وهي المقصودة من الوجود، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ( ) نفى الله سبحانه وتعالى الغاية من الخلق إلاّ لأجل العبادة، فقوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا: هذا استثناء، والاستثناء هنا من عموم الغايات، فلم يخلقهم لغايةٍ من الغايات إلا لعبادته سبحانه وتعالى، وقد ضلّ في معنى هذه الآية طوائف من الذين ينكرون الحكمة في فعل الله جل وعلا، وقالوا : إن اللاّم لام التعليل، ولا ترد في كلام الله ، إنما الذي يرد في كلامه لام العاقبة، والتي يسميها بعض المفسرين الصيرورة، فلام العاقبة: هي الصيرورة، فيكون المعنى عند هؤلاء وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ فيكون المعنى حينئذٍ على هذا الرأي الفاسد: إلا ليذلوا لي، كيف يذلون له ؟ قالوا : ما من مـخلوق إلاّ هو ذليل لله ، كما قال الله سبحانه وتعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً( ) ففسروا العبودية هنا أو العبادة هنا: بالعبادة الكونية القدرية، التي لا يخرج عنها شيء، ونحن نقول : هذا تفسير قاصر، يأباه ما نقل عن السلف، وما دل عليه السياق، فإن الله سبحانه وتعالى بيَّن الغاية من الخلق، فقال: إلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( ) وهذا لا يكون منهم قدراً أصلاً، حتى ينفى، إنما بيَّن ذلك لبيان أن المقصود من الخلق أن يكـونوا عباداً لله، موحـدين له في عبادتهم، وفي جميع ما يتقربون به إليه سبحانه وتعالى، ولو كان المعنى إلا لِيَعْبُدُونِ أي: ليتذللوا لي، لما اختص بذلك الجن والإنس، لأن هذا أمر عام لكل خلق الله الجن، والإنس، والملائكة، والحجر، والجبل، والأرض، والنجوم، والحيوانات، كل هذه من عباد الله التي لا تخرج عن حكمه القدري، فلما خص الجن والإنس دل أنه يراد منهم ما لا يراد من غيرهم، وما الذي يراد منهم ؟ الذي يراد منهم هو عبادته وحده لا شريك له، ثم ما السر من تقديم الجن على الإنس في هذا السياق، مع أن الإنس أشرف من الجن ؟ السر في ذلك: أن الجن مما تـتعلق بهم قلوب المشركين، ولذلك قدم ذكر الجن، ليـبيِّن أن المعبودين هم ممن خلقوا للعبادة وطولبوا بها كغيرهم من المخلوقين من الإنس، وليس الكلام عن مشركي مكة خاصة، بل حتى الذين يتعلقون بالجن في زماننا هذا بدعائهم، والاستغاثة بهم، وطلب الفرج منهم، كل هؤلاء تعلقت قلوبهم بمن يجب عليهم أن يكونوا عباداً لله، بأن يوحدوه سبحانه وتعالى بالعبادة، هذا سبب من أسباب تقديم الجن في الذكر قبل الإنس، السبب الآخر: أن الجن خلقت قبل الإنس، فلما كانوا قد خُلقوا بُيِّن أنهم من أول خلقهم، إنما أريد من خلقهم العبادة لخالقهم جل وعلا، إذْ لو لم يرد من خلقهم العبادة لكان خلقهم عبثاً، والله منزهٌ عن العبث.

ثم قال رحمه الله تعالى: ( فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته )  وكيف عرفناه ؟ الجواب: دليل هذه المسألة ومعرفتها من قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ( ).

ثم قال رحمه الله تعالى: ( فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلاّ مع التوحيد )، هذا تفريع، بناءً على أصلٍ، وهو أنه لما تقرر عندنا أن العبادة هي المقصودة من الوجود، وأن الله إنما خلقنا لعبادته، فرَّع على ذلك ببيان العبادة التي أمرنا بها، وأنها لا تستقيم إلا بالتوحيد الذي هو غاية الوجود، فالرجل الذي يصلي لله، ويحج لله، ويزكي، ويصوم، لكنه يتعلق قلبه في دفع الكربات بغير الله، هل حقق العبادة ؟ الجواب: أنه لم يحقق العبادة، لأن العبادة التي أمرنا بها هي أن نخلص العبادة له وحده لا شريك له.

ثم قال رحمه الله تعالى في بيان دليل أن العبادة لا تكون عبادة إلا إذا تحقق الإخلاص والتوحيد لله قال: ( كما أن الصلاة لا تسمى صلاةً إلا مع الطهارة ) هذا تنظير للشيء بغيره، فالعبادة التي هي الغاية من الوجود مثلها بالصلاة، فلو أن إنساناً قام وصلى صلاة من أكمل ما يكون خشوعاً، وحضور قلب، وتسبيحاً، وقراءة، لكنه لم يتوضأ، نسي أن يتوضأ، ما حكم صلاته ؟ الجواب أنها باطلة لم تقبل، لأنها فقدت شرطاً وهو الطهارة، فكذلك العبادة إذا فرغت من التوحيد، ولم يكن فيها إخلاص لله فهي كصلاة المحدث لا تقبل منه، ولا تنفعه، ولا تبرأ بها ذمته منها.

ثم قال رحمه الله تعالى: ( فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت ) والمراد بالشرك هنا: الشرك الأكبر، وأما الشرك الأصغر فإنه يفسد العمل المقارن، أما قوله: (فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت) المراد به: الشرك الأكبر، مثل ما مثلنا قبل قليل في الذي يصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، لكنه يدعو غير الله، أو يسأل غير الله في تفريج الكربات، هذا وقع منه شرك في جانب، لكنه أفسد وهدم كل ما فعله من الصالحات.

قال رحمه الله تعالى: ( كالحدث إذا دخل في الطهارة ) فإنه يفسدها مهما كانت الطهارة مجودة محسنة، قد أسبغ فيها الوضوء، واعتنى فيها بتكميل السنن، بعد فعل الواجبات، إلاّ أنه إذا أحدث ماذا يقال له ؟ يقال له: أعد الطهارة، فكذلك العبادة إذا دخلها الشرك.

قال رحمه الله تعالى: ( فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك ) المشار إليه: هو ( معرفة ذلك ) أي: معرفة التوحيد، الذي تصح به العبادات.

ثم قال رحمه الله تعالى: ( لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة ) وهذا فيه فائدة، وثمرة من ثمار دراسة التوحيد، الحرص على التخلص من الشرك، وانظر كيف شبه الشرك بالشبكة، فالشبكة إذا علق بها قدم الإنسان ماذا يكون به، وما الذي يحصل له ؟ الذي يحصل أنه يسقط، ثم قد يتعلق بجميع بدنه إذا حاول فكها، فتعلق بها يده، ثم يحاول باليد الأخرى فتعلق، حتى لا يستطيع أن يتخلص، وهذا تمثيل بديع للشرك، فإن الإنسان إذا تساهل في يسير الشرك أوشك أن يقع في عظيمه، ولذلك قال رسول الله لأصحابه: (( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ))( ) وهم الذين كسروا الأصنام، وجاهدوا المشركين، وفعلوا ما فعلوا من أعمال لإقامة التوحيد، ولذلك قال : (( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر )) فلما سئل عنه قال : (( الرياء )). فيجب على المؤمن أن يحذر من الشرك، دقيقه وجليله، فإن الشرك في الأمة كما أخبر النبي خفي كنملة سوداء، على صفاة سوداء، في ليلة ظلماء، أنَّى ترى ؟ وكيف تـتقى؟ فيجب على المؤمن أن يحذر ذلك، وأن يكثر من قول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، كما وجه النبي أبا بكر إلى ذلك( ) .

ثم قال رحمه الله تعالى: ( لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة ) وهي الشرك بالله، الذي قال الله تعالى فيه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ( ) أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه لا يغفر الشرك، في قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فأخبر أنه لا يغفر الشرك، وقوله: أَنْ يُشْرَكَ بِهِ أن مصدرية، ويشرك فعل، و (أن ) وما دخلت عليه مؤولة بمصدر تقديره: [ إن الله لا يغفر إشراكاً به ] وأخذنا في قواعد التفسير أن النكرة في سياق النفي أو في سياق النهي تفيد العموم، ولذلك استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن الشرك الأصغر لا يغفر، لأن قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ أي: لا يغفر إشراكاً به، يشمل الشرك الأصغر، والشرك الأكبر، وهذا قول شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع.

 وقال آخرون : أن هذا العموم مقيد بالإجماع على أن الشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار، فإن قوله جل وعلا: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ( ) أجمعت الأمة على أنه لا يشمل الشرك الأصغر، فقالوا: كما أن الإجماع منعقد على عدم دخول الشرك الأصغر في تلك الآية، وهي آية سورة المائدة، كذلك أجمعت الأمة على أنه لا يدخل الشرك الأصغر هنا، لكن الحقيقة أنه ليس فيه إجماع، ولذلك اختلف العلماء في الشرك الأصغر، هل يغفر، أو لا يغفر ؟ وعلى كل حال يجب التوقي من الشرك الأصغر، والخوف منه، فإنه إما أن يكون داخلاً في هذه الآية، وإما ألاَّ يكون داخلاً، وعلى الأمرين فالإنسان على خطر، لكن لا إشكال أنه إذا كان داخلاً فإن الإنسان يجب عليه أن يحذر الشرك دقيقه وجليله، لأنه لا يقع تحت المغفرة.

ثم قال: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ المشار إليه: هو الشرك، يعني: يغـفر ما دون الشرك لمن يشاء، فعلق المغفرة فيما دون الشرك بالمشيئة، ثم قال: (وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه)، ثم شرع رحمه الله في ذكر القواعد الأربع.

الدرس الثاني

 [ القاعدة الأولى ] أن تعلم أن الكافرين الذين قاتلهم رسول الله ، مقرون بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام، والدليل قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ.

(القاعدة الأولى) من هذه القواعد الأربع: ( أن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله مقرون بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر ) هذا فيه بيان حال الذين قاتلهم رسول الله ، حالهم الإقرار بتوحيد الربوبية، فهم مقرون بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، مقرون بأن الله هو المدبر، مقرون بأن الله هو المالك، مقرون بأن الله هو الرازق، وهذه حال جمهورهم، هذه حال أكثر الذين بعث فيهم النبي ، وإن كان منهم طائفة يقولون: وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ ( )، فهؤلاء هم الدهريون، لكن هؤلاء فئة ليسوا هم الأكثر والغالب فيمن بعث فيهم النبي ، بل غالب من بعث فيهم النبي يقرون بأن الله هو الخالق، وأنه هو المالك، وأنه هو الرازق، وأنه هو المدبر، ويضيفون إليه سبحانه وتعالى هذه الأمور، وإن كانوا في إقرارهم بالربوبية على غير جادة، أي: لم يستكملوا توحيد الربوبية، وذلك أنهم لا يعتقدون البعث بعد الموت، ومن لوازم الإقرار بالربوبية: الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى يبعث الناس بعد موتهم، فإن ذلك من متممات اعتقاد أن الله هو المحيي المميت، فالذين بعث فيهم النبي كانت هذه حالهم على وجه الجملة والغالب، ودليل أنهم مقرون بهذا التوحيد، الاستفهامات المتعددة الكثيرة في كتاب الله ، التي يُسأل فيها هؤلاء عن خالق السماوات والأرض، عن المالك، وما أشبه ذلك من الاستفهامات التي تعددت في مواضع كثيرة من كتاب الله ويكون الجواب فيها: قل الله، فدل ذلك على إقرارهم بأنه سبحانه وتعالى الخالق، المالك، المدبر، الرازق، وقد انتخب الشيخ رحمه الله تعالى آيةً جمعت الإقرار بأركان توحيد الربوبية، وهي هذه الآية التي في سورة يونس، وهي قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ( ) هذا فيه إثـبات الرزق له جل وعلا، وأنه الرازق: أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ هذا فيه إثبات الملك وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ هذا فيه إثبات الخلق، وفيه أيضاً إثبات البعث بعد الموت، لكن هم  لا يقرون بالبعث بعد الموت، إنما يثبتون أن الله يحيي ويميت، فيقولون: الذي أحـيا فلاناً الله، والذي أمـات فلاناً الله، فجمهورهم لا يقر بالبعث بعد الموت، بل كانوا ينكرون ذلك، كما ذكر ذلك جل وعلا في آيات عديدة، قال: وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ في هذا إثبات التدبير، وأن الله سبحانه وتعالى هو المدبر، وهذه الأمور الأربعة هي أركان توحيد الربوبية، ولا يستقر ولا يستقيم الإقرار بتوحيد الربوبية إلاَّ بهذه الأمور، مع إضافة ما ذكرناه من الإحياء، والإماتة، وأن الله جل وعلا يبعث الناس بعد موتهم، إذا سئل هؤلاء عن هذه الأمور فجوابهم ما ذكره الله جل وعلا: فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ( ) وهم يستطيعون في وقت تنـزل الوحي أن يقولوا: ليس الخالق هو الله، ولكنهم لم يقولوا، وذلك لكونه ثابتاً مستقراً في فطرهم، لا يملكون إنكاره ولا رده، فكان الجواب من الله على هذا الجواب منهم أن أمر رسوله أن يقول لهم: فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ هذا يفيد وجوب تقوى كل ما يوقع الإنسان في هلكة، لأنه لم يذكر المعمول، ولا ذكر ما يتقى، وهذا إطلاق يفيد العموم، وأول ما يتقى الشرك، وذلك أنه أول ما نهى الله عنه، وأول ما أمر الله بضده، وهو التوحيد، أفلا تتقون الشرك إذا كنتم تقرون بهذه الأمور.

وقوله رحمه الله تعالى: ( فإن ذلك لم يدخلهم الإسلام ) هذا فيه بيان أن الإقرار بتوحيد الربوبية على وجه الإجمال لا يفيد الإنسان دخولاً في الإسلام، بل هو باق على الكفر حتى يقر بأنه لا إله إلاَّ الله، ولذلك الذين يفـسرون لا إله إلاَّ الله بأنه لا خـالق إلاَّ الله، أو لا مخترع إلاَّ الله، أو لا صـانع إلاَّ الله، ينـزلون بمعنى هذه الكلمة العظيمة إلى معنى لا يخالف فيه أهل الشرك، وأهل الشرك ما كان قتالهم للنبي ومضادتهم له أنهم يثبتون خالقاً مع الله، إنما كان قتالهم ومضادتهم لكون النبي دعاهم لعبادة رب واحد، وإلهٍ واحد أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ( ) هذا الذي استغربوه وتعجبوا منه.

الدرس الثالث

 [ القاعدة الثانية ] أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة. فدليل القربة قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ . ودليل الشفاعة، قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ . والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة: فالشفاعة المنفية: ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ . والشفاعة المثبتة: هي التي تطلب من الله، والشافع مكرم بالشفاعة، والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله - بعد الإذن - كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ .

هذه القاعدة الثانية فيها بيان ما يحتج به أهل الشرك على شركهم، وهذه الحجة متكررة وليست حجة جديدة، فكل من صرف شيئاً من العبادة، أو التعظيم، أو المحبة القلبية التي لا تجوز إلا لله احتجوا بقولهم: هؤلاء أولياء الله، هؤلاء نرجو أن يقربونا إليه، أو هؤلاء نرجو شفاعتهم يوم القيامة، فهذان البابان هما أعظم الأبواب التي ولج منها أهل الشرك إلى شركهم، طلب القربة ممن تصرف له العبادة من دون الله، والأمر الثاني الشفاعة.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة الثانية: ( أنهم يقولون : ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة ) القربة إلى الله بهم، ولذلك أهل الشرك يفسرون قـوله تـعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ) أي: ما يوصلكم إليه من الأولياء، والصالحين، يحرفون الكلم عن مواضعه، فهم يفسرون كلام الله بما نهى عنه الله جل وعلا وما نهى عنه رسوله يقول تعالى في هذه الآية: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ( ) يبين أن هؤلاء صرفوا العبادة بأنواعها لمن تقرّبوا إليهم، لأجل هذه الحجة.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: ( فدليل القربة قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ أولياء يعبدونهم، ويتـقربون إليهم، يطلـبون منهم المدد والنصر، يخـافون هؤلاء كخوفهم من الله تعالى، قالـوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى يعني: لا نقوم بهذا الذي نقوم به من عباداتٍ إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى، وهم لا يسمونه شركاً، إنما من هذه العبادات و القربات التي يتوجهون بها إلى غير الله، مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى زلفى: أي منزلة، وحظوة، ومكانة، فهم لا يفعلون ذلك إلا طلباً للحظوة، والمكانة عند الله، فجعلوا هؤلاء المخلوقين وسائط ووسائل يتقربون بهم إلى الله سبحانه وتعالى، فقال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من هذه الدعاوى الكاذبة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ وهذا فيه النعي على هؤلاء، والإخبار بكذبهم في دعواهم، وأنهم إنما يعبدونهم لا لأجل طلب القربة من الله، لأن الذي يطلب القربة إلى الله لا يتقرب إليه بما يـبغضه، وبما يكرهه، بل بأشد ما يـبغض جل وعلا وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ( ) قال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ( ) مع أن رحمته سبقت غضبه، لكن الذنب عظيم، والجرم خطير، ضاقت عنه رحمة الله جل وعلا، وهو الشرك الذي قال الله جل وعلا فيه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( ) هذا هو الباب الأول الذي يلج منه من يلج إلى الشرك، وأما الباب الثاني: فهو الشفاعة، ودليل الشفاعة قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ( ) أي: هؤلاء الذين يشفعون لنا عند الله، فيرفعون منازلنا وينقذوننا من النار، ويدخلوننا الجنة، وما إلى ذلك مما يأملونه من أوهامٍ وظنونٍ كاذبة، فإن الأمر بيد الله يفعل ما يشاء، حتى الشافع لا يشفع إلا بإذنه سبحانه وتعالى.

قال: ( والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة ) من أين هذا ؟ هذا من الاستقراء، ومن أين لنا أن الشفاعة شفاعتان ؟ دليل ذلك في كتاب الله عز وجل، فمن تتبع ذكر الشفاعة في الكتاب والسنة يجد أنها نوعان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة، الشفاعة المنفية: هي الشفاعة الشركية، والشفاعة المثبتة: هي الشفاعة لأهل التوحيد، الذين قال فيهم النبي لما سئل : من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال: (( من قال : لا إله إلا الله خالصاً من قلبه))( )، هذا أسعد الناس بشفاعة النبي وأوفرهم حظاً، ونصيباً منها.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( فالشفاعة المنفية: ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله) فما طلب من غير الله من الشفاعات فإنها شفاعة منفية، فالذي يقول: يا رسول الله اشفع لي، أو يا علي اشفع لي، أو يا حسين اشفع لي، أو يا عبد القادر الجيلاني اشفع لي، هؤلاء كلهم سألوا الشفاعة من غير الله، وطلبهم الشفاعة من غير الله شرك، وهو نظير ما كان يفعله أهل الجاهلية، وأهل الشرك، قال: ( فالشفاعة المنفية: ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ) وهذا قيد مهم، فما يقدر عليه الإنسان المخلوق من الشفاعات، كأن يطلب أحد الناس من آخر أن يشفع له عند صاحب عمل، أو صاحب منصب، أو صاحب جاه، ليحقق له نفعاً، أو يدفع عنه ضراً، هل هذا من الشفاعة الشركية ؟ الجواب: ليس هذا من الشفاعة الشركية، بل هذا من الشفاعة الجائزة التي أمر بها النبي في قوله: (( اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما يشاء ))( ).

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( والدليل على الشفاعة المنفية قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقـوا مما رزقناكم من قبل أن يأتـي يوم لا بيع فـيه ولا خلة ولا شـفاعة والكـافرون هم الظالمون ( ) فنفى سبحانه وتعالى كل أسباب النجاة والخلاص من العقوبة، فقال: لا بيع فيه، فلا يفتدي الإنسان نفسه، ولا خلة أي: ليس له حبيب، ولا قريب يلتجئ إليه فيخلصه، ولا شفاعة هنا أيضاً، لا شفيع يشفع له، فينجـيه من عقـوبة الله ، هذه هي الشفاعة المنفية، فما هي الشفاعة المنفية هنا ؟ هي الشفاعة الشركية، التي تكون بغير إذن الله ، أو تكون في من لم يرضه الله سبحانه وتعالى، والكافرون هم الظالمون .

قال رحمه الله تعالى: ( والشفاعة المثبتة: هي التي تطلب من الله، والشافع مكرم بالشفاعة ) إذاً: فالشفاعة المثبتة هي التي من الله سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: قل لله الشفاعة جميعاً( ) فجميع الشفاعة لله سبحانه وتعالى، وأكد كـونها له ملكاً واستحقاقاً بقوله: جميعاً فهي ليست لغيره سبحانه وتعالى، فهي له، ويهبها من يشاء، ويمن بها على من يصطفي من عباده، وهي في حقيقتها إكرام للشافع، ولذلك قال: (والشافع مكرم بالشفاعة) فالله يكرم من يشاء من عباده، بأن يجعله شفيعاً، (والمشفوع له من رضـي الله قوله، وعمله بعد الإذن)، ففهمنا من هذا أنه لا تحصل الشفاعة إلا بعد إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع، وهذان الشرطان هما شرطا الشفاعة المثبتة في كتاب الله، كما قال تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ( ) يعني: لا أحد يشفع عنده إلاَّ بإذنه، ( فمن ) هنا استفهامية يراد بها النفي، فلا أحد يشفع إلا بإذنه جل وعلا، هذا شرط، والشرط الثاني: رضاه سبحانه وتعالى عن المشفوع له.

الدرس الرابع

 [ القاعدة الثالثة ] أن النبي ظهر في أناس متفرقين في عباداتهم، منهم من يعبد الملائكة، ومنم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، وقاتلهم رسول الله ، ولم يفرق بينهم، والدليل قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. ودليل الشمس والقمر: قوله تعالى: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون .

هذه القاعدة أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى الشرك، بغض النظر عن المُشْرَكِ به، فإنه لم يرتضِ جل وعلا الشرك، سواءٌ كان المشرك به ملكاً، أو نبياً، أو ولياً صالحاً، أو جناً، أو شجراً، أو حجراً، أو غير ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى حرم الشرك، وأخبر بأنه ظلم عظيم، على اختلاف أنواعه وصوره.

قال رحمه الله: ( القاعدة الثالثة: أن النبي ظهر في أناس متفرقين في عباداتهم ) فليسوا مجتمعين على عبادة واحدة، بل هم طرائق قدد، وأنواع وفرق، (منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر)، ومنهم من يعبد هذه جميعاً، ومنهم من يشرك بين نوعين منها، المهم أنهم ينحصرون في هذه الأنواع من العبادات، فبعضهم يتقرب للملائكة، وبعضهم يتقرب للصالحين والأنبياء، وبعضهم للأشجار والأحجار، وبعضهم للشمس والقمر، وبعضهم للجن، فهم أنواع متعددة، وهل فرق النبي بين من يعبد الملائكة، وبين من يعبد الحجر ؟ فقال: الذي يعبد الملائكة هذا الذي يعبد الملائكة لا يضر وليس بشرك، لأن لهم منـزلة ومكانة عند الله، فله شبهة، أم إنه قاتل الجميع، ولم يرضَ الشـرك بجميع صوره وأنواعه؟ الجواب: ظاهر من سيرته ، ومن كتاب الله جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى لم يميز بين أنواع الشرك، بل جعل الشرك ملةً واحدة، وطريقةً واحدة، وكذلك النبي الذي هو ترجمان القرآن لم يميز بين من عبد الملائكة، وبين من عبد غيرهم، بل حرم الشرك كله، وقاتل أهل الشرك على اختلاف أصنافهم ومللهم ومعبوداتهم.

 قال رحمه الله تعالى: وقاتلهم رسول الله ، ولم يفرق بينهم، والدليل قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ( ) والفتنة: هي الشرك، والدين: أي العبادة والعمل كله لله، فلم يميز بين من يعبد الملائكة، وبين من يعبد غيرهم، بل الجميع يجب أن يكونوا عباداً لله وحده لا شريك له، ثم ذكر المؤلف رحمه الله الدليل على تفرق هؤلاء، وتنوع عباداتهم، واخـتلاف طرائقهم في العبادة.

فقال: ودليل الشمس والقمر قوله تعالى: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا ( ) يعني: دليل أن الذين بعث فيهم النبي ، منهم من كان يعبد الشمس والقمر فالصابئة الذين يعظمون الشمس والقمر والكواكب كانوا يسجدون لها ويتذللون لها ويدعونها وينسبون لها أنواعاً من التأثير ومن ذلك نسبة المطر إليها كما في حديث زيد بن خالد الجهني (( مطرنا بنوء كذا وكذا )) وكما في قوله : في كسوف الشمس والقمر (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده)).

ودليل الملائكة: قوله تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً . ودليل الأنبياء: قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . ودليل الصالحين: قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ. ودليل الأشجار والأحجار: قوله تعالى: )أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى. . . الآية ، وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه، قال: ( خرجنا مع النبي إلى حنين - ونحن حدثاء عهد بكفر - وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها : ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. . . الحديث ).

ملخص القاعدة: أن الشيخ رحمه الله أراد أن يبين أن النبي حارب الشرك بجميع صوره، بغض النظر عن المعبودات، فإنه قاتل الذين يعبدون الملائكة، كما قاتل الذين يعبدون الأحجار، والأصنام، والأشجار، ولم يفرق بين هذا وذاك، بل سوى بينهم في ثبوت حكم الكفر، وفي مقاتلتهم، حتى يتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، والشرك، لا فرق فيه بين أن يكون الشرك بنبي، أو ملك أو صالح، وبين أن يكون بغير ذلك، مما يقع فيه الشرك، ثم ذكر المؤلف رحمه الله الأدلة على أن هذه العبادات أو على أن هذه الأنواع من الشرك، كانت موجودةً في زمن النبي ، و فرغنا من أول هذه المعبودات، وهي في قوله: ( ودليل الشمس والقمر قوله تعالى: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر. . . الآية .

ثم قال رحمه الله: ( ودليل الملائكة ) أي: دليل أن المشركين الذين بعث فيهم النبي كان منهم من يعبد الملائكة، قول الله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ( ) هذا سؤال للملائكة في يوم القيامة عن عبادة هؤلاء لهم، هل كانت أو لا، والعبادة تصدق بصرف أي نوع من أنواعها، عبادة الملائكة تصدق بصرف أي نوع من أنواعها، ولا يلزم أن يكونوا قد صرفوا لهم جميع أنواع العبادة، بل لو اقتصروا على صرف نوع من هذه الأنواع فإنه يصدق عليهم أنهم عبدوهم، وأنهم أشركوا بالله ، ووقعوا فيما نهت عنه الرسل.

ثم قال رحمه الله تعالى: ( ودليل الأنبياء قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ( ) هذا سؤال من رب العالمين لعيسى يوم القيامة أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ أي: معبودين من دون الله، والله يعلم أن عيسى لم يقل ذلك، وإنما يسأل هذا السؤال لتكذيب الذين عبدوا عيسى عليه السلام وأمه، ولبيان ضلالهم ومخالفتهم لما جاء به عيسى عليه السلام، قال: سُبْحَانَكَ فنـزه الله جل وعلا أن يكون معه شريك، فإن تنـزيه الله عن أن يكون له شريك في ما يجب له، كما أنه يُنَـزَّه سبحانه وتعالى عن النقص في أسمائه وصفاته، وفيما يجب له من الكمال، فالتنـزيه في هذا وفي هذا.

ثم قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً ( ) أرباباً: جمع رب، فنهى الله سبحانه وتعالى أن يتخذ هؤلاء أرباباً، بأن يعبدوا من دون الله، أو ينسب إليهم شيء مما يختص به سبحانه وتعالى من الخلق، أو الملك، أو الرزق، أو التدبير.

ثم قال: ودليل الصالحين - أي: الدليل على أن عبادة الصالحين كانت موجودةً على زمن النبي - قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ( ) والذين يُدعَون هم الصالحون، الذين صرفوا لهم أنواع العبادة من دون الله .

 ثم قال: ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى( ) وهذان صنمان كانا يعبدان من دون الله في زمن النبي ، وهما: الأول اللاّت: حجر يعبد من دون الله، والعزى: شجرة كانت تعبد وتعظم من دون الله، وحديث أبي واقد الليثي قال: (( خرجنا مع رسول الله إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر )) وهذا الوصف لا يطلق على كلَّ من كان مع النبي ، إنما كان وصفاً لبعضهم، وهم من أسلم عند فتح مكة، أما السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار فهؤلاء لم يكونوا حدثاء عهد بكفر، ولم يجرِ منهم ما ذكر في هذا الحديث، إنما جرى من مسلِِمة الفتح، الذين لم يكن قد رسخ التوحيد في قلوبهم، ولم يعرفوا حق الله في هذا الأمر، ولذلك اعتذر رضي الله عنه عما بدر من طلب مشابهة المشركين في التبرك بالشجر بقوله: ونحن حدثاء عهد بكفر، إذ إن هذا لا يحصل إلا ممن لم يعرف الإسلام حق معرفته، ولم يرسخ في قلبه الإيمان رسوخاً يقطع عنه علائق الشرك، ويطهره من لوثات الوثنية، قال في سياق الحديث: ((وللمشركين سدرة يعكفون عندها) يعكفون: أي يلازمون، ويقيمون عندها، وذلك لطلب البركة منها، سواءٌ البركة بالنصر، أو البركة بغير ذلك، والظاهر أنهم يقصدون بها بركة النصر لقوله: ((وينوطون بها أسلحتهم) أي: يعلقون أسلحتهم بهذه الشجرة، يطلبون منها أن تبارك في أسلحتهم، وأن تنصرهم على أعدائهم، وهذا شرك، وهل هو شرك أكبر أو أصغر ؟ يحتمل أن يكون شركاً أكبر، أو شركاً أصغر، فإن كان فعلهم هذا على أن الشجرة سبب لحصول النصر والقوة فهو شرك أصغر، وإن كان اعتقادهم أن الشجرة تفعل بذاتها، وتهب النصر وتهب البركة بذاتها فهو شرك أكبر، وكلاهما مذموم خطير، فالشرك الأكبر عظيم، والشرك الأصغر كذلك وإن كان دونه، لكنه يدخل في عموم قول الله جل وعلا: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لأن الألف واللام داخلة على اسم جنس، فيشمل كل ما يكون شركاً، قال: ((يقال لها : ذات أنواط) أي: تسمى بهذا الاسم ذات أنواط، يعني: صاحبة الأنواط، وذلك لكثرة ما يعلق بها طلباً للبركة، فقال لهم : (( قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ))( ) فنهاهم النبي عن هذا، وشبه طلبهم بما جرى من بني إسرائيل مع موسى، حيث طلبوا منه أن يجعل لهم آلهة، كما للمشركين آلهةٌ من العجل الذي كانوا يعبدونه، فعاب عليهم النبي ، هذا الطلب، ونهاهم عنه، وبين لهم أن هذا من اتباع سنن من كان قبلنا من الشرك، وقد قال : (( لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة ))( ) أي: كما أن ريشة السهم في أطرافه مقابل الريشة الأخرى من الجهة الأخرى، فكذلك أنتم وهم، فالقذة: هي ريشة السهم، فكما أن رياش السهم تتقابل وتتطابق، فكذلك هذه الأمة مع الأمم السابقة، فإن منهم من يطابق الأمم السابقة في ما وقعوا فيه من مخـالفات، وشـرك، لكن هذا ليس في جميعها، لقوله : (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ))( ) جعلنا الله وإياكم منهم.

الدرس الخامس

 [ القاعدة الرابعة ] أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين، لأن الأولين يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، ومشركي زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة، والدليل: قوله تعالى: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ }.فعلى هذا الداعي عابد والله أعلم تمت وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

هذه القاعدة هي القاعدة الرابعة من هذه القواعد الأربع، وهي خاتمتها. قال رحمه الله تعالى: ( القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين. . . )، يتكلم المؤلف رحمه الله عن مشركي زمانه، وهم الذين كانوا في القرن الثاني عشر، فإن المؤلف رحمه الله تعالى عاش في القرن الثاني عشر، وأوائل القرن الثالث عشر.

يقول رحمه الله تعالى: ( إن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين ) ثم بين وجه غلظ شرك هؤلاء المتأخرين.

قال: ( فإن الأولين يخلصون لله في الشدة، ويشركون في الرخاء ) فهم عند الشدة يقطعون علائق الشرك، ولا يتوجهون إلاَّ إلى الله بالرغبة، والرهبة، وأما في الرخاء فإنهم يعبدون الله وغيره، يصرفون العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، فهذه حال المشركين المتقدمين، أما مشركو الزمان المتأخر في زمن المؤلف رحمه الله، وكذلك في الزمن الحاضر.

يقول رحمه الله: ( ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء، والشدة ) أي: إنهم يقع منهم الشرك في الرخاء، كما أنه يقع منهم الشرك في الشدة، فهم لا يخلصون العبادة لا في حال الرخاء والسعة، ولا في حال الشدة والضيق، والدليل على ما كان عليه المشركون المتقدِّمون: قوله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ( ) هؤلاء أخلصوا في الفلك، أي: لما ركبوا البحر أخلصوا لله الدعوة، فلم يصرفوها لغيره، أخلصوا له الدين الظاهر، والباطن، الذي هو عمل القلب، وقول اللسان، فلما نجاهم إلى البر، لما حصلت لهم السلامة، والنجاة من الشرك إذا هم يشركون، وأتى بهذا التعبير الدال على المفاجأة، فإن ( إذا ) فجائية، يعني: خلاف ما هو متوقع، فالمتوقع أنهم يدومون على حال التوحيد، وإخلاص العبادة، لكن الأمر جاء على خلاف ذلك، فكان حالهم أنهم أشركوا في الرخاء لقوله تعالى : إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ أما حال المشركين المتأخرين، فالذي يعاشرهم يجد أنهم يدعون الأصنام حال الكرب أكثر منه في حال الرخاء، فإنهم إذا اشتدت عليهم الأمور، وضاقت عليهم الأحوال وتوالت عليهم الخطوب، وادلهمَّت الأمور كان فزعهم ودعاؤهم وسؤالهم لغير الله جل وعلا، وهذا على خلاف ما عليه الحال من أهل الشرك المتقدم، وهذا الكلام لا يعني أن المشركين في الزمن المتأخر هم أسوأ من حال المشركين من كل وجه في الزمن المتقدم، لأن بعض المعارضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى يقولون: إن الشيخ بالغ في وصف حال المشركين في الزمن المتأخر، ويزكي حال المشركين المتقدمين، ووجه ذلك على حدِّ زعمهم: أن المشركين المتقدمين كان يقع منهم الشرك في الرخاء، هذا كلام الشيخ رحمه الله. لكن يقولون: أيضاً هم لا يؤمنون بالبعث، وقد حاربوا الرسول وعارضوه، وسعوا في قتله، وهذا لم يكن ولم يحدث من المشركين المتأخرين، فالمشركون المتأخرون يقع منهم الشرك لكنهم يصلون، ويصومون، ويحبون النبي ، ويعظمون الصالحين، ويعظمون الشريعة، هكذا زعموا، فنقول: إن الشيخ رحمه الله تعالى لم يجعل الموازنة بين  أهل الشرك في الزمن المتأخر وأهل الشرك في الزمن المتقدم من كل وجه، إنما الموازنة في مسألة الدعاء، ولذلك قال: ( إن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين ) فالموازنة إنما هي في الشرك، وليست في كل ما هم عليه، لأنهم كانوا يئدون البنات، ويزنون، ولا يحرمون الحرام، ولا يحلون الحلال، ويفعلون ما يفعلون من جاهليةٍ جهلاء، وهي ليست في المشركين المعاصرين، نقول: الكلام والبحث ليس في الموازنة من كل وجه، إنما الموازنة من جهة الشرك.

ثم قال رحمه الله تعالى: ( فعلى هذا الداعي عابد ) وهذا لا إشكال فيه، الداعي عابد، كل داعٍ عابد، كل من دعا وسأل فإنه عابد، وهذا حتى لا يقال: إن دعاء المسألة ليس من العبادة، بل دعاء المسألة من العبادة، ولذلك ذكرنا لكم القاعدة: أن كل دعاء ذكره الله في كتابه فهو يشمل في الغالب دعاء المسألة، ودعاء العبادة، لاسيما فيما يذكره من دعاء المشركين، فإنه يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، وأظنكم على علم بالفرق بين دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فما الفرق بين دعاء المسألة، ودعاء العبادة ؟

دعاء المسألة: هو سؤال الحاجات الدينية أو الدنيوية، فإذا قلت: يا رب يسِّر أمري، واشرح صدري، وأنر بصيرتي، ارزقني مالاً حلالاً، وارزقني زوجةً صالحة، فهذا دعاء مسألة، لأنك تطلب من الله حاجات.

وأما دعاء العبادة: فهو كل قربة يتقرب بها الإنسان لله ، فالصلاة دعاء عبادة، والزكاة والحج والصيام والتسبيح دعاء عبادة، وتبسمك في وجه أخيك دعاء عبادة، لأنك إنما تفعل هذا تطلب الثواب، وطلب الثواب دعاء عبادة، فعلى هذا يكون الداعي عابداً، والدليل قوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ( ) أي كان هؤلاء المدعوون أعداءً لهؤلاء الداعين، خلافاً لما أمّلوه، وخلافاً لما توهموه من أنهم ينصرونهم كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ثم قال: والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا