الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية

نبذة مختصرة

الحجاب .. كلمة صارت عَلَمًا على الإسلام في الإعلام الغربي والشرقي... وهذا من فضل الله جلّ وعلا على نساء المسلمين إذ أخذن بشريعة الطهر لمّا غرق العالم في بحر الفتنة...
الحجاب .. فريضة ربّانيّة في الإسلام .. بلا ريب .. أراد العالمانيون خلعها من جذورها الممتدة في أعماق نصوص القرآن والسنّة .. قالوا في الحجاب كلّ قول مشين .. نثروا شبهاتهم .. نبشوا في أرض الفتنة, وزرعوا دعواتهم إلى السفور .. فكان في الكتاب الذي بين يديك الرد!
الحجاب .. شعار العفّة ..عنوان انتماء ترفعه كلّ مسلمة على هدى من ربّها .. وهو ليس اختراعًا مُحدثًا ولا اختلاقًا مفترى .. إنّه دعوة كلّ الأنبياء ..!
قيل .. الحجاب بدعة إسلاميّة لم تعرفها اليهوديّة .. فكان الرد!
قيل .. الحجاب شريعة تردّها الكنيسة .. وترفضها الأسفار المقدسة .. فكان الرد!
في زمن العدوان على الحجاب .. نستعلن بالحجة القاهرة .. من قرآننا .. ومن كتب اليهود .. وأقوال أحبارهم .. ومن كتب النصارى .. ومؤلّفات أعلامهم .. ومن نبض الكيان الإنساني السوي الذي تجمدت أطرافه من زمهرير الإباحيّة والسفور ..
هي رحلة قصيرة .. على متن البيان والبرهان .. لمن كان له قلب .. أو ألقى السمع وهو شهيد .. زادُها الحجّة الصريحة .. والبيّنة الفصيحة .. بعيدًا عن الخطابات الإنشائيّة التي لا تروي غلّة الغليل ولا تهدي من ضلّ المسير.
لأننا نحترم عقل المرأة أيًّا كان دينها .. كان هذا الكتاب!

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية

سامي عامري

الإهداء

إلى أخواتي العفيفات في كلّ أرض .. نضّر الله وجوههن ..

ورزقهن نعيم الجنان ..

 وزادهن بسطة في الإيمان!

الحُسْنُ أسفرَ بالحجابِ 

قمر توشحَ بالسَحابْ

غَبَشٌ توغل, حالمًا, بفجاجِ غابْ

فجرٌ تحمم بالندى وأطل من خلف الهضابْ

الورد في أكمامه

ألق اللآلئ في الصدفْ

سُرُجٌ تُرفرفُ في السَدَفْ

ضحكات أشرعةٍ يؤرجحها العبابْ

ومرافئ بيضاء تنبض بالنقاء العذبِ من خلل الضبابْ

من أي سِحرٍ جِئت أيتها الجميلهْ؟

من أي باِرقة نبيلهْ

هطلت رؤاك على الخميلةِ فانتشى عطرُ الخميلهْ ؟

من أي أفقٍ ذلك البَرَدُ المتوجُ باللهيبِ وهذه الشمسُ الظليلَهْ ؟

من أي نَبْعٍ غافِل الشفتينِ تندلعُ الورودُ ؟ - من الفضيلَهْ

هي ممكنات مستحيلهْ!

قمر على وجه المياهِ َيلُمهُ العشب الضئيلُ وليس تُدركه القبابْ

قمر على وجه المياه, سكونه في الاضطراب, وبعده في الاقترابْ

غَيب يمد حُضورَه وسْطَ الغيابْ

وطن يلم شتاته في الاغترابْ

روح مجنحة بأعماق الترابْ!

وهي الحضارة كلها تنسَل من رَحِم الخرابْ

وتقوم سافرة لتختزل الدنا في كِلْمتين : ( أنا الحِجابْ!)

الحُسْنُ أسفرَ بالحجابِ فمالها حُجُبُ النفورْ

نزلت على وجهِ السفورْ ؟

واهًا ... أرائحة الزهور تضيرُ عاصمة العطورْ ؟

أتعف عن رشْفِ الندى شَفَةُ البكورْ ؟

أيضيق دوح بالطيورْ ؟!

يا للغرابة ! _ لا غرابهْ

أنا بسمة ضاقت بفرحتها الكآبهْ

أنا نغمة جرحت خدود الصمت وازدردت الرتابهْ

أنا وقدة محت الجليد وعبأت بالرعب أفئدة الذئابْ

أنا عِفة وطهارة بينَ الكلابْ

الشمس حائرة يدور شِراعُها وَسْطَ الظلام بغير مرسى

الليلُ جن بأفقها والصبحُ أمسى !

والوردة الفيحاء تصفعها الرياح ويحتويها السيل دَوْسا

والحانة السكرى تصارع يقظتي وتصب لي ألمًا ويأسا

سأغادرُ المبغى الكبيرَ ولست آسى أنا لستُ غانية وكأسا!

نَعلاكِ أوسعُ من فرنسا

نعلاكِ أطهرُ من فرنسا كلها جَسَدًا ونفْسا

نعلاك أجْملُ من مبادئ ثورةٍ ذُكِرَتْ لتُنسى

مُدي جُذورَكِ في جذورِكِ واتركي أن تتركيها

قري بمملكةِ الوقارِ وسَفهي الملِكَ السفيها

هي حرة ما دامَ صوتُكِ مِلءَ فيها

وجميلة ما دُمتِ فيها

هي مالَها من مالِها شيء سِوى ( سِيدا ) بَنيها!

هي كلها ميراثُكِ المسروقُ: أسفلت الدروبِ, حجارةُ الشرفاتِ, أوعيةُ المعاصِرْ

النفطُ, زيتُ العِطرِ, مسحوقُ الغسيلِ, صفائحُ العَرباتِ, أصباغُ الأظافرْ

خَشَبُ الأسِرةِ, زئبقُ المرآةِ, أقمشةُ الستائِرْ

غازُ المدفئ, مَعدنُ الشَفَراتِ, أضواءُ المتاجرْ 

وسِواهُ من خيرٍ يسيلُ بغيرِ آخِرْ

هي كلها أملاكُ جَدكِ في مراكشَ أو دمشقَ أو الجزائِر

هي كلها ميراثك المغصوبُ فاغتصبي كنوزَ الاغتصابْ

زاد الحسابُ على الحسابِ وآنَ تسديدُ الحسابْ

فإذا ارتضتْ..أهلاً

و إنْ لم ترضَ فلترحَلْ فرنسا عن فرنسا نفسها إن كانَ يُزعجُها الحجابْ

الشاعر: أحمد مطر

 مقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } 

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا  ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالًا كثيرًا ونساءًا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا} 

{ يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا } 

أما بعد ...

يمثّل حجاب المرأة المسلمة اليوم في الحسّ الكوني مظهرًا من مظاهر الاستعلاء الفكري والسلوكي الإسلامي المتأبّي على التركيع في زمن تهاوت فيه الأنماط الفكريّة والأخلاقيّة الشرقيّة أمام سحر الليبراليّة الغربيّة التي أعلنت نهاية تاريخ الأفكار والقِيم عند سواحلها  .. ويمثّل في الجدل الأيديولوجي والفكري داخل بلاد المسلمين, أحد عناوين الصراع بين حملة رسالة الإسلام والعالمانيين .. 

وهو يشغل اليوم حيزًا كبيرًا من اهتمام الشرق والغرب, متصدّرًا عناوين المشهد السياسي والثقافي والإعلامي داخل بلاد المسلمين والبلاد الغربيّة لما يحمله من دلالة, ولما احتفّت به من هالة!

وتقع الحملة الموجّهة (لقولبة) الحجاب في صور نمطيّة متعددة الأوجه السلبيّة, ضمن سياق فكري تعاظمت فيه هجمات الصادين عن الحقّ, والمتسوّرين على حقائق الدين وثوابت الشرع؛ فقد أطلق المغرضون لألسنتهم عنان قذف المسلمات الملتزمات بأحكام الشرع بالرقيع من الدعوى, تحت ستار البحث الموضوعي والنقد الواعي, ممّا كشف أضغانًا داكنة قد أُشرِبتها قلوب المخالفين, وتبدّت أوهامهم شوهاء رغم أنّهم قد سعوا إلى أن يلبسوها دثار العقل والمنطق, وأن يجمّلوها بمطارف النصح والرفق..

وقد كان راكبو متون المحادة الفجّة للإسلام في النصف الثاني من القرن العشرين, خليطًا من الليبراليين والماركسيين, ولكن لماّ غيض الطرح الماركسي في تربة الأمة, وتبخّرت آخر قطراته تحت لفح الطرح القرآني الأصيل, التحق أبناء (الآفلين) بعربة دعاة الليبرالية, (متناسين) ما كان يفرّقهم ويثير بينهم النزاع والشقاق, ثم انضمّت لقافلة (الآبقين) فلول المنصّرين على تعدد كنائسهم وبرامجهم؛ فكان الركب المسارع إلى جَدْل خيوط الفتنة, خليطًا يجمع أضغاثًا من الأفكار المتنافرة والعقائد المتحادّة التي لم يلمّ شملها ويجمع (أعوادها) المتشاكسة غير (التململ) من جاذبيّة هذا الدين!

ويتولّى الإعلام العربي اليوم عمليًا (وظيفة) نشر هذا الفكر الفاسد, وتجديع جسد الأمّة وتمزيقه بإعلان المحادة الصريحة لفريضة الحجاب؛ فصارت القنوات الفضائية تنفث سيل الشتم والتشهير؛ تصريحًا وتلميحًا ... وأصبحت الأذن تألف الكلمات النابيّة؛ تأنيبًا وتقريعًا ... وفَشَت التشبيهات الفاحشة للمحجّبات؛ تجريحًا وتقبيحًا ... (فالحجاب: حجاب على العقل), و(النقاب: خيمة), و(الملتزمة بأحكام الشرع: معقّدة), و(من تأبى الاختلاط: متخلّفة) .. وأضحت قيمة المرأة ترتفع كلّما تقلّصت مساحة القماش الذي تلبسه .. وكلّما غطّت المرأة من جسدها شبرًا؛ كلّما فقدت من قيمتها قدرًا .. وهكذا هي العلاقة (المتناغمة) بين (اللحم) المبذول و(القدر) المصون .. وذاك هو القانون المُحََكَّم؛ كلّما أبدت المرأة من نفسها جزءًا؛ كلّما زِِِيد لها في أفق (الوعي!!) مَدًا ..!!؟

وهكذا استقرّت الصور المشوّهة عن الحجاب الإسلامي في أذهان (الإسفنجيين) الذين تتشرّب عقولهم كلّ ما يلقى إليها من فكر فاسد, وهو أمر واقع في الغرب كما الشرق, وكما تقول ((كاثرين بلّوك)) فإنّ: ((الذين يستعملون التيار الإعلامي الرئيسي كمصدر وحيد للمعلومات عن الإسلام, لا يمكن أن يكتسبوا غير المنظور السلبي عن الحجاب.))

لقد ركب العالمانيون والمنصّرون مَتْن (الدغدغة) واستثارة عواطف النساء, بشعارات لامعة خادعة, وفُتّحت الأبواب لكلّ مَنْ خوى وفاضه من الفهم والاطلاع؛ ليدلي بدلوه ويشنّع على الملتزمات باللباس الشرعي المطلوب..وليس على دعيّ (الفهم) و(البصيرة) إلاّ أن يدندن ببعض الكلمات التي يحسبها (ساحرة) ك:(المعاصرة) و(الحداثة) و(الحريّة)... ويزيد على ذلك بعض الكلمات الأعجميّة التي لا يفقه هو نفسه لها معنى (!), فإن فعل؛ فقد قدم المطلوب وبلغ ذرى المجد المنشود من (متنوّر!) يصارع قوى الظلام التي (تلوّث) عقول الفتيات المسلمات (!), ويصاول (الخفافيش المحنّطة) (!) التي تريد أسر المرأة بين آكام الماضي السحيق(!) .. وكلّما أحدث هذا (الدعيّ) مزيدًا من (الصفير)؛ كلّما انفرجت له مغاليق الإعلام العربي, واحتفت به منصّات الندوات النديّة بالهذر والكلام (الخفيف) المنمّق ..

في ظلّ هذا الجو البئيس وسيطرة التغريبيين على المنافذ الكبرى للبلاغ, تُمنع كلمة الحقّ بكلّ قوّة متاحة من الوصول إلى أسماع المسلمات .. ويُصوّر الحال على أنّ حملة الشريعة والداعين إلى استئناف الحياة الإسلاميّة, هم من السُوقة والمترديّة ممّن لا يعرفون غير سَوق الناس بالسياط إلى حتفهم, وأنّهم أغمار لا يزيدهم الطول من الأعمار إلاّ تحجّرًا وتبلّدًا .. وأنّ بينهم وبين هذا العصر عداوة وإحنًا .. وهكذا .. زد من كلّ وصف ماتح للبشاعة من قعر النفوس العليلة ..!!

لقد أطالوا في نقش وهم الكلام .. وحق علينا أن نجهر بالبيان ..!

لقد أمعن دعاة العالمانيّة في استخدام منهج الإسقاط النفسي والتلبيس العقلي بأسلوب إنشائي ساذج فجّ .. فقالوا وجالوا في الديار يَدْعون لقولهم ويقمعون بسلطان الترهيب كلّ مخالف عَلِمَ وهاء قولهم ... فكان علينا أن ننزع عنهم وطاءهم؛ ليلامسوا جمر الحقيقة التي تحرق ما حاكوا من زور ..

وأفاض أرباب التنصير في القول بلا علم وإطلاق الدعوى بلا برهان ونسبة الأباطيل إلى الإسلام, وكالوا للقرآن الكريم بغير ما كالوا لدينهم, وطمسوا من أسفارهم وتاريخهم كلّ ما لا يناغم الدعاوى التي وُكّلوا بنشرها, وتوجّهوا إلى النساء المسلمات ليُحْدِثوا من خلالهن شرخًا في جدار الأمّة, وثلمة في حصن الدين .. 

وقد دفعنا ما سبق إلى أنّ نرد على هؤلاء وأولئك بالبيان الشافي والجواب الكافي من شهادات القرآن الكريم الذي يفترون عليه, والواقع البشري الذي يزيفون معالمه ليثبتوا منه غير منطوقه وظاهر نتوئه, وأسفار أهل الكتاب وأقوال أعلام علمائهم بلفظها الصريح المحكم لينكشف ما يخفيه المنصّرون!

ليست الغاية هي أن نقول للنصارى واليهود إنّ ديننا لا يدعونا إلى (عيب)؛ فإنّ عندكم الحجاب كما هو عندنا ..!

 إنّنا لا نتبنّى هذا الخطاب الذي يرضى بأن يكون الشرع محلّ تهمة, وموضع حرج وريبة؛ حتّى نهرع لكلّ الأدلة لنقول لغيرنا إن ّالدليل على أنّنا على الحقّ, هو أنّ دينكم أيضًا يدعوكم إلى ما يدعو إليه الإسلام, وأنّ الحجّة على صواب مسلكنا, هي أنّ ذاك ما تدعو إليه عقائدكم ومذاهبكم!

إنّ غايتنا الحقّة هي تبشير المسلمة أنّ الله قد اصطفاها وخصّها بفضله أن تكون وحدها من بين نساء أمم الأرض محافظة على شريعته, مستجيبة لأمره, لمّا أوغلت الأمم الأخرى في الحرام, وتركت ما أنزل عليها من الحق القراح ..

ولسنا هنا ساعين لإقناع غيرنا أننا نشاركهم في ما عندهم, إذ إنّ بيننا وبينهم مفازات كما بين الدلسة والإشراق, أو ما بين الحقّ  الصُراح والباطل البَواح, وإنّما نحن ندعوهم في هذا المقام إلى أن تبصر أعينهم كيف جنت عليهم أيدي رجال الدين, ونرغّبهم في الحقّ الذي طمست حروفه في أسفارهم المقدّسة!

وهاك هذا الكتاب, حجّة للحقيقة التي يُراد وأدها, ونصرة للمسلمة التي تُعَلّم العالم اليوم معنى الطهر وحقيقة العفّة, وتظهر جمال الأنوثة المصونة, وجلال الرقي الإيماني, بعد أن استمسكت بالكتاب الهادي وتفيّأت مقيله .. فهي أحقّ الخلق بقول الشاعر:

وهم النجوم لكل عبدٍ سائرٍ

                   يبغي الإله وجنة الحيوانِ

وسواهم والله قطّاع الطـ

                   ـريق أئمةٌ تدعو إلى النيرانِ

وقد تحدّثنا في مبتدأ الكتاب عن شبهات العالمانيين (ومن تابعهم), وأظهرنا تهافتها وعوارها بالدليل والمثال؛ لتعلم المسلمة أنّ القوم ليسوا على شيء, وإنّما هي شبهات واهية ودعاوى واهنة ..

ثم انتقلنا إلى ما أثبتته الكتب التي يقدّسها اليهود والنصارى وأقوال أئمة المجتهدين في هاتين الديانتين, لنعلن أنّ اليهوديّة والنصرانيّة تجزمان بفرض الحجاب على النساء باعتباره شريعة ربّانيّة وفريضة أخلاقيّة ..

وقد آثرنا أن يكون الحديث مختصرًا والكلام مختزلاً مع بذل خلاصة الباب والعصارة واللباب, بما لا يأخذ من القارئ وقتًا ولا طول نظر, ونرجو أن نكون قد وفّقنا إلى ذلك ..

ونسأل الله بفضله أن ينير بهذا الكتاب بصائر, وأن يشرح به قلوبًا .. وأن يتقبّله من كاتبه في حياته, وأن ينير به قبره ويوسّع له فيه يوم يوارى تحت الجنادل بلا قوّة وسلطان, وأن يشفّعه فيه يوم تتطاير الصحف بعد أن تجفّ الأقلام ..

فلا يَشُحَّن القارئ على مؤلّف الكتاب بدعوة بظهر الغيب!

 الحجاب في الإسلام

   الحجاب .. فريضة ربّانية:

الحجاب .. فريضة ربّانيّة في نصوص الوحي .. ومقصودنا ((بالحجاب)) هو اللباس الذي يغطي جسد المرأة كاملاً أو مع كشف الوجه والكفّين والقدمين  .. وهو اللباس الذي تظهر به المرأة أمام الرجال الذين لا يحرم عليها أن تتزوج منهم على التأبيد, كابن العم وابن الخال ومن لا تربطها بهم قرابة..

وقد جاءت النصوص القرآنية في تفصيل هذا الأمر وبيان حدوده, رغم أنّ عامة آيات الأحكام في القرآن الكريم نزّاعة إلى ترك التفصيل, وتقديم قواعد شرعيّة عامة؛ وما ذلك إلاّ لأهميّة هذا الأمر وتعلّقه بصميم بناء الشخصيّة الإسلاميّة للمرأة المؤمنة ..

قال تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} 

وقال تعالى:  {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}

ففي الآية الأولى جاء التصريح بوجوب ستر الزينة كلها، وعدم إظهار شيء منها أمام الأجانب, ولا يستثنى من ذلك إلاّ ((ما ظهر)) من الزينة ..  وهذا دليل أنّ على المرأة أن ترتدي ما تستر به نفسها, ولا يستثنى من ذلك إلاّ ما ظهر.. ولم يمتد خلاف أهل العلم في أمر الزينة (الظاهرة) إلى أكثر من الوجه والكفين والقدمين!

قال تعالى: { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ }  . وقد روى ((البخاري)) عن ((عائشة))         -رضي الله عنها- قالت: ((لما أنزلت هذه الآية أخذن أزورهن، فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها.)) .. وفي هذا النصّ دليل قاطع على أنّ شعر المرأة عورة؛ فقد غطت الصحابيات رؤوسهن لمّا نزلت هذه الآية, وهو فهم للآية أقرّه عليهن الرسول  .

وقال الرسول  : ((المرأة عورة؛ فإذا خرجت استشرفها الشيطان)) . وهذا دليل على أن جميع بدن المرأة عورة؛ ومن أراد أن يستثني فعليه الدليل, ولا يعلم للمستثنين غير استثناء الوجه واليدين والقدمين .. وليس وراء ذلك مجال للزيادة ..

وقال رسول الله  : ((من جرَّ ثوبهُ خيلاءَ لم ينظرِ اللهُ إليهِ يومَ القيامةِ, فقالت أمُّ سلمةَ: فكيفَ يصنعُ النِّساءُ بذُيُولهنَّ؟ قال: يُرخينَ شبرًا، فقالت: إذًا تنكشفُ أقدامُهُنَّ، قال: فيرخِينهُ ذراعًا لا يزدنَ عليهِ.))  .. هذا الحديث دليل على أنّ الأصل في المرأة الستر, وقد كانت هذه الصحابيّة تخشى أن يظهر منها قدماها لحرمة ذلك .. فكيف يقال مع ذلك إنّ الإسلام لم يحدد للمرأة لباسًا شرعيًا ساترًا؟!! أو أنّه يجوز لها أن تلبس ما يظهر الركبة أو ما دونها بقليل مادام (محتشما!!) ؟!

 هل اختلف أهل العلم في وجوب تغطية الرأس؟

شاع بين العالمانيين القول إنّ الإسلام لا يمنع المرأة من أن تلبس (على الموضة) مادام اللباس محتشمًا(!), وجاؤوا بالدعاوى الكثيرة الباطلة التي ترفضها وتلفظها نصوص الكتاب والسنّة. وبلغ بهم أمر الجرأة على التحريف, أن قالوا إنّ علماء الإسلام لم يجمعوا على وجوب تغطية المرأة رأسها!

لقد اختار (بنو عِلمان) أن يزيفوا الحقيقة, وأن يسيروا على خلاف الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة, ليحقّ عليهم وعيد الله -جلّ وعلا-بالعذاب وسوء المآل لمن خالف هذا الإجماع:

قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا}  .. فمن خالف سبيل الأمّة في إجماعها على أمر من الأمور؛ فقد شاق الرسول   وأهلك نفسه بلحوق الوعيد الشديد به.

لقد اتّفق علماء الإسلام منذ عصر الصحابة على أنّه على المرأة الحرّة أن تغطّي كامل بدنها, ولم يختلفوا إلاّ في الوجه والكفّين والقدمين. وهذا الاتفاق مبثوث في كتب أهل العلم, ومن هذه الشهادات التي تؤكّد حصر الخلاف في ما ذكرنا:

قال ((ابن حزم)) :

((واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة, واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما؛ عورة هي أم لا؟))

وأقرَّه شيخ الإسلام ((ابن تيمية)) ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى من تعقيبه على كتاب الإمام ((ابن حزم)) الذي خصّصه لنقل الإجماعات.

قال ((الجزيري)):

 ((اختلف العلماء في تحديد العورة على مذاهب:

الشافعية في إحدى رواياتهم والحنابلة, قالوا: جميع بدن المرأة الحرة عورة, ولا يصح لها أن تكشف أي جزء من جسدها أمام الرجال الأجانب إلا إذا دعت لذلك ضرورة, كالطبيب للعلاج والخاطب للزواج, والشهادة أمام القضاء, والمعاملة في حالة البيع والشراء, واستثنوا من ذلك الوجه والكفين لأن ظهورهما للضرورة, أما القدم فليس ظهوره بضروري فلا جرم أنهم اختلفوا فيه أهو عورة أم لا؟ فيه وجهان, والأصح أنه عورة.

الحنفية والرأي الثاني للشافعية والمفتي به عند المالكية, قالوا: جميع بدن المرأة الحرة عورة إلا الوجه والكفين فيباح للمرأة كشف وجهها وكفيها في الطرقات, وأمام الرجال الأجانب, ولكنهم قيّدوا هذه الإباحة بشرط أمن الفتنة, أما إذا كان كشف الوجه واليدين يثير الفتنة لجمالها الطبيعي أو لما فيهما من الزينة وأنواع الحلي؛ فإنه يجب عليها سترهما ويصيران عورة كبقية أعضاء جسدها, وذلك من باب سد الذرائع ...))

لم يتجاوز أهل العلم عند استعراضهم المذاهب الفقهية في أمر حدود ما يباح كشفه, الوجه والكفين والقدمين, فدلّ ذلك بذاته على إجماعهم على حرمة كشف ما عدا ما سبق.

شبهات حول الحجاب في الإسلام

في زمن (إفراغ) المسلم من ماهيّته, وتسطيح وعيه, وحجزه عن الانحياز إلى دينه وحضارته, بفعل التعليم الملحد  عن صراط الحقّ, والإعلام المجيّر لخدمة العالمانيين والإباحيين, ورفع النماذج الفاسدة والتائهة لتكون قدوات تشرئبّ لها أعناق النائشة ويحتذى (بهديها!) .. في هذا السياق العقدي والثقافي, أوجد المناوئون للإسلام منفذًا إلى عقول شباب الإسلام, وتخلّلوا من خلال هذه الثغرة المعرفيّة في بنائهم العلمي ليصرفوهم عن دينهم الذي هو لبّ وجودهم وجوهر كيانهم ..

ولمّا كانت العالمانية في تضاد دائم مع الإسلام, فقد وجد المنصّرون بذلك جوًا مهيّأ وسعة ويسرًا لمشاركة (إخوانهم) العالمانيين في السعي لزعزعة الثوابت الشرعيّة والحقائق الإيمانيّة الإسلامية, رغم اختلاف مشاربهم وتباعد مذاهبهم ..

وبدأت القنوات الفضائيّة اليوم في خدمة هذا (المشروع) والترويج له؛ فهي تجمع في برامجها (التوجيهيّة!) إلى جانب العالماني الذي يحاول أن يخفي جحده لمبدأ الوحي المنزّل -بدعوى الفهم العصري للإسلام-, المنصِّرَ صاحب الأسفار المحرّفة والأفكار المعطّلة .. كلّ يشتكي في لوعة موجوعة حزينة من (أسلمة المجتمع) و(أصوليّة المجتمع) و(تحجّر المجتمع) .. وغير ذلك من (القوالب) المألوفة من الشتائم المعروفة التي توصم بها مجتمعاتنا التي هي أبعد ما تكون عن أن تعدّ ممثّلة للإسلام, رغم ما فيها من خير متنامٍ .. فكيف لو كان العالمانيون والمنصّرون يعيشون في مجتمع تحكمه ضوابط الشريعة, ويسلك الناس فيه صراط الأحكام القويمة؟!!

إنّ العالمانيين والمنصّرين ليسوا (هبلاً) حتى يلتبس عليهم الأمر وتأخذهم الظنون إلى أنّ مجتمعاتنا على جادة الإسلام حقًا .. وإنّما هم يسعون –من وراء خطابهم المتّقد حنقًا- إلى الحيلولة دون عودة هذه المجتمعات إلى موئلها الأوّل والأخير: (الإسلام) .. ولذلك فهم يستحييون مشاعر (الريبة) و(الرُهاب) في أنفس أضرابهم؛ وكأنّ القوم تتهددهم جحافل الإجرام, أو كأنّهم يئنّون تحت كلكل (الظلاميات) التي تنشر في آفاق أبصارهم حجب الفقر والمرض والتخلف بأسبابه وأنواعه .. إنّه استباق (للكارثة) الكبرى التي يخشونها؛ وهي انخلاع أمّتنا من ربقة الفكر الوافد الاستلابي ..فعندها سينفض الناس عنهم, وينضب ضرع (العطايا) التي يستحلبونها باسم نشر (التنوير)!!

ويشكّل الحجاب الإسلامي مصدر (قلق) لدعاة العالمانيّة وإخوانهم المنصّرين؛ ذلك أنّ الفكر التغربيبي والعمل التنصيري قد ظنّا –في بداية القرن العشرين- أنّ المرأة هي أضعف مناطق المناعة في الأمّة, فهي منفذ سهل لزرع الأدواء فيها ..فبذلوا كلّ نفيس لأجل اختراق أجيال المسلمين من خلال المرأة, وأنشؤوا لذلك الجمعيات, وأقاموا لذلك المخططات طويلة النفس وقصيرة الزمن .. لكنّهم فوجئوا بعودة الفتاة المسلمة إلى دين الطهر وإدبارها عن الفتنة الزائفة التي عرضوها أمامها رخيصة, مستعصية بذلك على الذوبان في حوامض الفكر الاسترقاقي.. وهنا فقدوا اتزانهم المزيّف, ووسطيّتهم المختلقة المزوّقة, وسقطت أقنعة الخديعة, وأدبر عنهم شعارهم القديم: (حقّ الاختلاف), وأرسلوا من ألسنتهم التهم والسباب, ولم يتوانوا عن تحقير كلّ امرأة رفضت أن تشتري منهم كفن هلاكها ورَمْس فنائها.. لأجل ذلك ردّدوا شبهاتهم الطاعنة في الحجاب, والتي سنستعرضها الآن؛ لنكتشف مبلغ ظلم أصحابها وعِظم مجافاتهم للحقّ .. وهي شبهات مكرّرة, تطرق أسماعنا كلّ حين بفعل الجوّ الثقافي والإعلامي الذي يتّخذ العالمانيّة محرابًا, وقِبلة, وشعيرة, ومهوى فؤاد .. ولا سبيل لنقض هذه الشبهات إلاّ أن نعرضها كما هي على ألسنة (أهلها), ونعرّيها عن بريق الحقّ الذي تسربلت به على حين غفلة من حماة الفضيلة ..

 الشبهة الأولى: الحجاب, شريعة رجعيّة

كثيرًا ما طرق آذان المسلمات قول صارخ منتفش, ودعوى فجّة مغرورة أنّ ((مطالبة المرأة (العربيّة) بارتداء الحجاب في القرن الواحد والعشرين, حيث تطوّر العالم, وبلغ في ابتكاراته العلميّة الذروة, وتطوّر المجتمع, وأصبح أكثر انفتاحًا ونضجًا؛ لهو دعوة صريحة إلى الانتكاس والعودة إلى القرون الوسطى؛ عصور الظلام!!))

الجواب:

أولًا/ ما معنى كلمة ((رجعيّة)) التي صار يكرّرها مناهضو الإسلام, ويرمون بها من يدعون إلى الالتزام بأحكام القرآن والسنّة, بكلّ حماسة؟

كلمة ((رجعيّة)) هي تعريب للكلمة الإنجليزيّة ((reactionism)) والتي يُقصد بها الدعوة إلى العودة إلى أيّ نظام أيديولوجي أو سياسي أو اجتماعي قديم. وقد ظهر هذا الاصطلاح إبّان الثورة الفرنسيّة في وصف من كانوا ينادون بالعودة إلى النظام الملكي والإقطاعيّة, بعد إزالة الملك والإقطاعيّة من فرنسا ... ثم صار كلّ من يدعو إلى العودة إلى نظام أو منهج سابق موصومًا ((بالرجعيّة)) .. فهل ((الرجعيّة)) بمعناها الاصطلاحيّ مذمومة بإطلاق؟

إنّ ولع التغريبيين بالاصطلاحات الغربيّة دون النظر إلى خلفياتها التاريخيّة وبيئتها التي نشأت فيها؛ قد أحدث لبسًا في الفهم وخللاً في الحكم على الواقع, قادهم إلى التناقض الفجّ والتسطيح الساذج في قراءة الواقع والتعامل الواعي والإيجابي معه.

إنّ كلمة ((رجعيّة)) كحكم سلبي على موقف أو مذهب, تحمل في داخلها مخزونًا معرفيًا متصلاً بحبل سُرِّي بالثقافة السائدة في الفكر الغربي الرافض لكلّ ثابت إنساني حيث تتبدّل القيم و(تتطوّر) بتبدّل الزمان!

إنّ إدانة ((الرجعيّة)) تعني إدانة كلّ حقيقة نازلة من السماء أو نابعة من اجتهاد بشري سليم, قُدِّر لها أن توجد في يوم من أيام (الماضي) .. ويترتّب على ذلك القول إنّ كلّ القيم الجميلة التي تبنّاها أجدادنا, وكلّ الأفكار الرائعة التي نافحوا عنها؛ يجب تجاوزها لأنّها من الماضي .. فكلّ ((ماضٍ)), هو (فكر مرفوض) لا يجوز (الرجوع) -أو (الدعوة إلى الرجوع)- إليه, دون النظر في حقيقة قيمته ومبلغ صوابه!

هذه هي حقيقة تهمة ((الرجعيّة)) وذاك أصلها في منبتها الأوّل .. فهل يقبل العاقل من صاحبها تهمته لصاحبة الحجاب؟!!

وماذا لو أنزلنا حكم ((الرجعيّة)) على الواقع الغربي؟! ماذا ترى هذا المعترض يقول!؟؟

سأضرب مثالين اثنين, أظنّ أنّهما يغنيان عن التفصيل!

المثال الأوّل: انتقلت الأسرة في الغرب في ظلّ الأنظمة ((الرأسماليّة المتوحشّة)) ((capitalisme sauvage))  من نموذج العائلة المتماسكة حيث يتقاسم الوالدان تربية الأبناء, ويربيانهم على مراعاة الأخلاق الفاضلة واحترام النظم العامة التي تخدم مصالح الشعب, إلى شكل الأسرة التي يعمل فيها كلّ من الأبوين لتحصيل أكبر مبلغ من المال دون الاهتمام بتنشئة الأبناء على القيم المحمودة؛ حتّى أصبح الأبناء نهبًا للفساد الإعلامي والجشع التجاري الذي يستثمر سذاجة النشء لتحقيق مبالغ هائلة من الأرباح ..

وقد نشأت اليوم تيّارات في الغرب تدعو إلى إصلاح الأنظمة الأسريّة, وإعادة اللحمة القديمة التي كانت تربط أفرادها وتحكم علاقاتها, بتعميق الارتباط بين الزوجين والأبناء, وحماية الأجيال الصاعدة من سموم الإعلام التجاري والقيم الهابطة .. ولا شكّ أنّ هذا التيّار يعتبر من ناحية الاصطلاح, تيّارًا (رجعيًا)؛ لأنّه طبق التعريف السالف, يدعو إلى العودة إلى أنظمة اجتماعيّة قديمة .. فهل يستحقّ هؤلاء الداعون إلى العودة إلى النظام الأسري القديم الإدانة لمجرّد أنهم على مذهب (رجعي)؟!! وهل كلّ دعوة للتغيير ومفارقة القديم هي دعوى محمودة؟ وهل كلّ دعوة للعودة إلى القديم هي دعوى مدانة مرذولة؟!!

المثال الثاني: دعا الغرب في مؤتمر السكّان في القاهرة, وفي غيره من المؤتمرات إلى تغيير ما سمّاه ((الشكل التقليدي للأسرة)) .. والمقصود بهذا الشكل التقليدي هو أن يكون الزواج قاصرًا على طرفين: رجل وامرأة .. والشكل الحديث المطلوب, بل والذي تتبنّاه عامة المجتمعات الغربيّة –ممارسةً-, ومن اليقيني أنّ كلّ الدول الغربيّة ستتبنّاه قريبًا –قانونًا- لتعاظم نفوذ الداعين إليه وتناقض التيّارات الغربيّة الرافضة له, هذا الشكل هو: زواج رجل برجل .. وزواج امرأة بامرأة .. مع الصورة (القديمة): زواج رجل بامرأة ..!

وقد ظهر تيّار غربي يدعو اليوم إلى المحافظة على الصورة التقليديّة لشكل الأسرة الموافقة لأحكام الدين ونواميس الطبيعة, لكّنه قوبل بصدّ حاد وردّ جاف من دعاة ما يسمّى بـ(حقوق الشواذ), واتُّهم هذا التيّار, بأّنه تيّار (رجعي) .. ولا شكّ أنّ وصفه (بالرجعيّة) هو وصف سليم منضبط؛ لأنّه  حسب تعريف ((الرجعيّة)), يُعدّ الداعي إلى كلّ نظام قديم, رجعيًا!!

فهل يصحّ القول إن منع الزواج بين الرجال فيما بينهم, أو بين النساء فيما بينهن, يعدّ فعلاً (ظلاميًا) (ظالمًا)؛ لأنّه يرفض الواقع الجديد, ويدعو إلى نموذج أسري قديم؟!!

الإجابة على السؤالين السالفين, أَظَهَرُ من أن نفصّلها, إلاّ أن يكون المخالف لا يرى تربية الأبناء شيئًا جديرًا بالاعتبار, ولا يجد حرجًا -أو ما دون ذلك- في زواج الرجل بالرجل والأنثى بالأنثى!!؟؟

إذن .. ((الرجعيّة)) ليست تهمة تخشاها صاحبة الحجاب؛ لأنّ ((الرجـعيّة)) قد تكون إيجـابيّة أو سلبيّة, تبعًا لصلاح الأمر الذي يعمل المرء على ((الرجوع)) إليه؛ فإذا كانت الرجعية هي العودة إلى الصالح من الأفكار والأفعال, فنِعمّ الرجعيّة هي! وإذا كانت الرجعيّة هي العودة إلى القبيح والمشين من الأفكار والأفعال, فبئس الرجعيّة هي!

إنّ (الإنسان) هو (الإنسان) في علاقته ببيئته بما فيها من البشر وبقيّة الأحياء والأشياء, ولا تكاد تتغيّر فيه إلاّ وسائل الإشباع, أمّا الحاجات الأساسيّة الكامنة فيه؛ كالأكل والشرب والزواج وطلب الأمن والسكينة والأنس؛ فهي نفسها في القديم والحديث, ولم يكد يمسّها تطوّر إلاّ في وسائل التعامل معها لتحقيق الإشباع المطلوب.. إنّ قيم الإنسان الجميلة التي تؤسّس فيه حقيقة انتمائه للجنس الآدمي المكرّم, لا تَنْدَرِسُ لمجرّد تغيّر الزمان وتبدّل البلاد .. إنّ الإنسان قيمة ثابتة, لا تتغيّر منها إلاّ الظواهر السطحيّة .. ولو فصلناه عن حقيقة الجمال الكامنة فيه لمجرّد أنها قديمة في ذاته وأصيلة في وعيه بنفسه؛ فلن تكون النتيجة غير تحويل الإنسان إلى منتج صناعي هشّ بلا أصل له ممتد في تربة التاريخ, وإنشاء حالة اغتراب لروحه في جنبات كيانه ..

ثانيا/ يعيش الغرب اليوم من الناحيتين الفكرية والقِيَميّة تحت سلطان فكر ((ما بعد الحداثة)) ((Post-modernism)), وهو الفكر الذي يضخّ في شرايين أنسجة البناء الأسري والمجتمعي الغربي المفاهيم والقناعات والتصورات ..ونظرًا للطبيعة الإسفنجيّة الرخوة للعالمانيين العرب؛ فإنّهم لا ينظرون بعين النقد إلى الأصل الرَحِمِيّ لمتبنيّات الغرب, وإنّما قد شغلهم النقل والنسخ والتكرار الغرّ عن التدبّر والتفكّر!

 فما هو فكر ((ما بعد الحداثة)) الذي يعدّ مخالفه (رجعيًا)؟

((ما بعد الحداثة)) هو فكر ((اللافكر)) أي هو فـكر لا يستمد وجوده من نفسه, وإنما يعود في تشكيل ماهيّته إلى نفي غيره ((اللا))؛ فهو (ليس) غيره, أي ليس (الحداثة) ولا غيرها من المنظومات الكليّة المعروفة .. هو فكر عاجز أن يثبت ذاته (من) ذاته! إنّه فلسفة الرفض والتيه, وإفناء كلّ الأنماط القديمة, وإلغاء (المركز) الذي يدور حوله الموجود الإنساني, وإلغاء فكرة الحقيقة المطلقة, وفاعلية العقل على إفراز مدركات يقينيّة .. إنّه المظهر الشمولي للعدميّة (nihilism)!

يعتبر المنهج ((التفكيكي)) من أهمّ آلية التفكير والتفسير في فكر ((ما بعد الحداثة)), وهو منهج ((يفكّك)) الإنسان إلى قطع من ((الأشياء)) و((النزعات)) لتشريحه وفهمه. وعـمليّة التفكيك هذه هي جوهر ما يسمّى ((الاستنارة المظلمة)) أي رؤية الإنسان باعتباره كائنًا طبيعيًّا تحرّكه غرائزه الوحشيّة المظلمة القابعة داخله, أو القوانين الآليّة الموجودة خارجه ولا يمكنه تجاوزها.

لقد تحوّل (الإنسان) في النسقين الفكري والقيمي في زمن ((ما بعد الحداثة)) إلى (كائن سائل) فاقد للمعالم الثابتة التي تمنحه تفوّقًا (حقيقيًا) على (الحيوان)!

في ظلّ هذا التصوّر الهدمي (للإنسان المكرّم), تتشكّل التصوّرات الغربيّة عن (المرأة), وهي تصوّرات ظاهرة الملامح في الدراسات السوسيولوجيّة والنفسيّة, وقد تُسمّى فيها بمسيّاتها الحقيقيّة, إلاّ أنّها مغيّبة الألـوان في الخطاب الإعلامي العالمـاني الموجّه إلى الغربي العـامي أو المصدّر إلى العالم الإسلامي؛ لبشاعتها وشناعة مآلاتها .. ولعلّنا نلخّص ما يعنينا منها هنا, في نقاط سريعة تظهر معالم الكيان الأنثوي في زمن ((ما بعد الحداثة)) الذي يُعدّ (المواجه له) أو (المنتكس عنه), (رجعيًا), مقبوحًا (!):

المرأة المثاليّة: إن (المرأة المثـاليّة) التي يدعو إليها التيّار النسـوي الغربي في زمن ((ما بعد الحداثة)), هي تلك التي حدّدت ((سيمون دو بوفوار)) ((Simone de Beauvoir))  ملامحها في كتابها الذي يعدّ (دستور) الموجة الثانية للنسويات : ((الجنس الثاني)) ((Le Deuxième Sexe))؛ إنّها المرأة التي ترفض أن تكون زوجة (((كائن طفيلي))), وتأبى أن تكون أُمًا (((امرأة  غير راضية))), وتأنف أن تكون لها علاقة حب مع رجل (((امرأة مذعورة)))  .. إنّها المرأة المستقلّة بنفسها عن (الأسرة) و(الزوج), والمنخلعة من صميم (أنوثتها)!

المرأة كـ(شيء جنسي): في إحصائية تمّت سنة 1993م, أجاب 65% من المراهقين الأمريكان أنّه يجوز أن يجبر الرجل المرأة على المواقعة الجنسيّة, بعد لقائهما الأول بستة أشهر. وأجاب ربع المراهقين أنّه يجوز إجبار المرأة على المواقعة الجنسيّة, إذا كان الرجل

 قد أنفق عليها سابقًا من ماله!

لقد أضحت المرأة في واقع التوحّش الليبرالي في زمن ((ما بعد الحداثة)) أشبه (باللعب الجنسيّة)؛ فهي على الحقيقة لا المجاز توضع في (فترينات) في محلات الدعارة في الغرب, ويمتهن جسدها على مدار اليوم في المجال البصري للرجل من خلال وسائل الإعلام والإشهار والترفيه؛ فكانت نهايتها أن تعامل من الرجل على أنّها لا تملك من جسدها شيئًا إذا ما رأى الرجل أنّه قد صار له حق فيها لمجرّد أنه التقى بها لمرات في مطعم, أو أنفق عليها دولارات معدودة!

الأنثى في محرقة (الانفجار الجنسي): كشف رئيس التخطيط الأبوي لمدينة نيويورك سنة 1997م أنّ 75% من المراهقين الأمريكان يمارسون الجنس قبل الانتهاء من سنوات التعليم في المدرسة الثانوية, وأنّ في مدينة نيويورك وحدها تحمل كل عام أكثر من 45 ألف فتاة في السنوات العمرية بين 15 و19 سنة.

وفي دراسة أجريت سنة 1993م حول النساء اللواتي يدرسن في الجامعات الأمريكيّة, كشف الإحصاء أنّ 69,8% من الطالبات قد تعرضن (لإكراه لفظي) بالدعوة إلى (مواقعة جنسيّة لا يرغبن فيها)!

لقد تحوّلت (الليبراليّة الجنسيّة) في زمن ((ما بعد الحداثة)), من حلم أنثوي وردي بعد زمن (التابوهات), إلى كابوس أخلاقي واجتماعي واقتصادي امتدّ تأثيره إلى البنيّات الصغيرات في المدارس الإعداديّة بسبب محاولة إلغاء قيم ((العفّة)) و((الحياء)) و((الأسرة)) التي قيل إنّها صناعة (المجتمعات الباطريركيّة) ...

(الأسرة) كمفهوم: أنتج النسق القانوني الذي ظلّ مسيطرًا على أوروبا منذ زمن تبنّي الدول الغربيّة للنصرانيّة, إلى بداية القرن العشرين, والذي سلب المرأة حقّها في جوانب أساسيّة كبيرة من حياتها كأمور الطلاق والملكيّة والميراث والتعليم, مفاهيم قانونيّة جديدة تطمع في أن تحمي المرأة من الظلم القديم, وأدّى ذلك إلى محاولة إلغاء المؤسسات القديمة التي هضمتها حقوقها أو تقزيمها إلى حدّ إفقادها الكثير من قيمتها. وقد تواكب هذا الأمر مع إقصاء الممارسة الجنسيّة البهيميّة غير المسؤولة من دائرة (الذنب). ورافق ذلك تفاقمُ النزعة الاستهلاكيّة وتعقّد الأنماط الاقتصادية وما تفرزه من ازدياد ثقل المسؤوليّة على من يرى أخلاقيّة القيام بأعباء أسرةٍ ..

 اجتمع كلّ ما سبق في سياق زمني واحد ليفرز نفورًا عارمًا للرجال من (مؤسسة الزواج) بما تمثّله من أثقال قانونيّة وواجبات أخلاقيّة ومسؤوليات ماليّة, فانحاز الرجل إلى نمط المخادنة حيث لا تكلّفه العشيقة شيئًا؛ إذ هو غير ملزم قانونيًا ولا أخلاقيًا بالإنفاق عليها, كما (يوفّر) هذا النمط المعيشي للرجل أن يغيّر من عشيقاته كلّما استهوته امرأة جديدة دون الإحساس باقتراف جناية قانونيّة أو أخلاقيّة!

وبسبب تضخّم (مؤسسة) المخادنة؛ فقد اتّسع أثرها ليصيب بنصله الجارح مؤسسة الزواج؛ فانتشر تفلّت الرجال من مسؤولياتهم, وتفشّي الطلاق, وتعاظمت الخيانة الزوجيّة إلى درجة وبائيّة؛ حتّى إنّ إحصائية لسنة 1988م, أثبتت أن 78% من الأزواج البريطانيين قد خانوا زوجاتهم, ومثل ذلك في الولايات المتحدة التي كانت فيها النسبة سنة 1965م  47%.

لقد أصبجت (الأسرة) في زمن ((ما بعد الحداثة)) (شبه كيان!) مفرّغ من حقيقته, وافتقدت للروابط الأصيلة لأجزائها؛ فتفلّتت أبعاضها وتناثرت حبّات عقدها مخلّفة شتاتًا في النفس وتقلّصًا (مخيفًا) في آفاق العين؛ ليشعر الفرد بعد ذلك أنّه (جزيرة) نائية عن كل أرض, وقد انقطعت بينه وبين نسبه ونسله وشائج الفكر والشعور!

العلاقة العاطفيّة بين الرجل والمرأة: في زمن محاربة الكثير من النِِِسَويّات  -وهن اللواتي يَصُغن برامج وزارات الأسرة في الغرب- مؤسسة الزواج ذاتها؛ باعتبارها مؤسسة إلغاء للمرأة, صرّحت إحداهن -  ((أندريا دوركن)) ((Andrea Dworkin)) - أنّ الحبّ الرومانسي هو ((احتفال أسطوري بنفي المرأة)), وأنّ الزواج ليس إلاّ ((اغتصابًا مشروعًا بالقانون)) ((Legalized rape))!!

لقد تحوّل الإحساس الوجداني العفوي الذي يعبّر عن صميم الذات البشريّة, إلى عنوان (هزيمة) وبصمة (استلاب) في التصوّر النِسوي لزمن ((ما بعد الحداثة))!

هذا هو (الواقع) الفكري والقِيمي الذي يُعدّ الرافض له (رجعيًا) .. فهل (للعاقلة) اليوم أن تأنف من أن تكون (رجعيّة)؟!

ثالثا/  أثبتت الإحصائيات العلميّة الجادة, أنّ الأفكار الحديثة التي يعدّ الرافض لها رجعيًا, تقود الآن الفرد والأسرة إلى (وادي) الإفلاس القِيمي حيث لا قمم يحثّ المرء السعي إليها للارتقاء بكيانه؛ فانتشرت بذلك الأوبئة الأخلاقيّة, والقلق المرضي, والانتحار, والتحلّل الجنسي, والشذوذ, والأمراض الفتّاكة .. وفي مقابل هذا الواقع الانحداري المنبثق من تحلّل الإنسان من نواة إنسانيته وأصالتها, استبان للراصدين للواقع الغربي وتحوّلاته, أنّ الأنظمة المحافظة أخلاقيًا والتي كانت لها اليد العليا في الغرب في زمن ما قبل الحداثة, كانت أفضل وأجدى وأنفع للفرد والأسرة والمجتمع  .. فهل يجوز للمرء أن يعاند الحقائق, ويعانق الأوافل, ويترك النافع الهادي ليأخذ بالفاسد الضار؛ لمجرّد أنّ الفاسد هو (الجديد), وأنّ النافع من (القديم) المتصرّم؟!!

رابعا/ الدعوة إلى التبرّج هي أيضًا دعوة إلى الرجعيّة والعودة إلى ما كانت عليه حضـارات

قديمة وفلسفات كانت تمجّد حريّة المرأة في أن تفعل ما يحلو لها كالإبيقوريّة  والمزدكية  وغيرهما .. فهي ليست دعوة خرجت لتوّها من رحم (الإبداع), كما أنّها ليست من طريف الفكر الإنساني!

ولا يصحّ أن يُعترض علينا في هذا المقام, بأنّ المنكرين للحجاب والراغبين في السفور لا يدعون إلى كشف المرأة مفاتنها من باب تقليد الحضارات القديمة, وإنّما من باب موافقة صواب هذه الآراء .. لأننا سنقول نحن أيضًا؛ إننا لا ندعو المرأة إلى التزام الحجاب, لمجرّد أنّ الأمم السالفة أو الأجيال المسلمة السابقة قد فعلت ذلك, وإنما لأنّه الحقّ من ربّ العالمين!

خامسا/ تحدّث ((ساركوزي)) -رئيس فرنسا ذات التاريح الاستعماري البغيض- عن (الحجاب) الإسلامي؛ فأتى بمرّ القول وشنيع الدعوى؛ إذ قد صوّر الإسلام على أنّه يختزل المرأة في أنّها (عورة) لا بدّ أن تمنع أنفاسها من معانقة أنسام الحريّة, ممّا يعارض الأنموذج الغربي (الراقي) (!) للمرأة الحديثة, ذاك الأنموذج الذي لا يمكن أن تترددّ المرأة في أيّ مكان كان من أن تأخذ به وتتشبّث بأهدابه؛ فهو جزء أصيل من المنظومة الفكريّة والقِيميّة الغربيّة التي تمثّل (ذروة) (!) ما بلغه (الإنسان) ..!!؟ لكنّ ((ساركوزي)) في حقيقة نفسه, وفي قرارة قناعته يعلم أنّ الإسلام كتصوّر إيماني يَصِل الدنيا بالآخرة, والزمني بالمطلق, وكممارسة ماديّة ذات جذور أيديولوجيّة متماسكة ومتناغمة مع أجزائها, لا يمكن أن تقف أمامه ثقافة أوروبا في زمن ((ما بعد الحداثة)) , حيث الثقافة (التهادميّة) والاختزال المُشطّ ؛ ولذلك قال هو نفسهُ بالحرف: ((إنّ أسلمة أوروبا تُعد أمراً لا يمكن تفاديه.)) ((l’islamisation de l’Europe est inéluctable)) !!

 فليست دعاوى ربط (الحجاب) بالرجعيّة التي روّج لها ((ساركوزي)), وسنّ لأجلها قانونًا يقضي بمنع المحجبات من دخول المدارس؛ إلاّ حالة دفاع نفسي متشنّج وليست هي موقفاً عقلياً بقناعات موزونة؛ إذ كيف يجتمع القول بظلامية شرائع الإسلام مع حقيقة تفوّق هذا الدين وجاذبيّته في أوروبا نفسها, رغم غياب الكيان السياسي الذي يتبنّى حمل هذا الدين إلى الأمم الغربيّة, في نفس الآن؟!!

إنّها ازدواجيّة الخطاب .. خطاب التشويه والتخدير الموجّه إلى العامة عن طريق الإعلام .. وخطاب التحذير النابع من وعي –ولو كان جزئيًا- بقدرة هذا الدين على فرض بدائله لحلّ المشاكل الفرديّة والجماعيّة المزمنة في أوروبا!

ولا يستغرب أن تصدر هذه التعليقات والمواقف من رئيس دولة لازال شعبـها  يعيش في (جيتو) ضيق داخل أوروبا حيث ينامون ويصحون على أمجاد التراث التليد (المجيد), و(الثورة الفرنسيّة) العتيـقة, في عجز عن التواصل حتى مع الثقافات الأوروبـيّة الأخرى, وذعر من

 النموذج الثقافي الأمريكي ..!

 الشبهة الثانية: الحجاب امتهان لكرامة المرأة

يقول المعترض .. :((إنّ الإسلام يمتهن المرأة ويحطّ من قدرها ويسومها من كأس الصَغار صنوفًا؛ حتى إنّه يرى أنّها عورة تستقذر العين النظر إليها؛ فلا بدّ أن تمنع عن أعين الرجال!!!))

((إنّ القرآن يشينها بقوله : {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}  ))

الجواب:

أولًا/ ما هي كرامة المرأة التي يخشى المعترض أن تُهدر إن لبست المرأة الحجاب؟!!

هل كرامتها التي يجب أن تصان, هي إثبات حقّها في أن تتعرّى, وتكشف مفاتنها, وتخاطب غرائز الرجال بلغة الإثارة؟!

هل صميم كرامتها هو في أن تشغل وقتها في التزيّن والتعطّر واللهاث وراء (تقليعات) التسريحات والفساتين؛ حتى تلوي أعناق الرجال في الطرقات والمحلاّت العامة؟!

هل لبّ كرامتها هو في أن تُختزل في لحمها وألوان ثيابها؟!

هل عين كرامتها هي في نضارة شبابها التي ينتشي بها الباحثون عمّا يفتن العيون؟!

عن أيّة كرامة يتحدّث المعترض؟!

أين كرامة إنسانيّة المرأة؟!

أين شرف عقل المرأة؟!

أين قيمة المرأة الأم؟!

القضيّة عند هؤلاء, لا تخرج عن اثنين .. إمّا ترديد ببغائيّ لما يقوله الدسّاسون دون وعي ..! أو عمالة عن وعي وتدبير!

لقد ظلّ هؤلاء الذين يدّعون نصرة المرأة, يحاربون الحجاب على أنّه يقمع حقّ المرأة في الاختيار, ويجبرها على أن تفعل ما لا تريد .. ولمّا أعلنت فرنسا عدوانها على الحجاب بمنع البنت التي تغطّي رأسها بقطعة قماش من طلب العلم في المدارس والجامعات ولو أقسمت لهم بالذات المقدّسة والأيمان المغلّظة أنّها ترتدي الحجاب عن قناعة ويقين وحبّ, سكت دعاة (حريّة) المرأة وحقّها في (الاختيار) .. فأين إذن ذهبت (كرامة المرأة) التي يدافعون عنها ويدفعون عنها-بزعمهم- عدوان (الظلاميين)؟ أليس حقّ المرأة عندهم في أن تغطّي رأسها جزءًا من كرامتها الآدميّة .. أم أنّ كرامة المرأة لا تلتقي مع (الستر), وإنّما هي فقط موصولة (بالعري)؟!!

ولمّا كان الصِرب يقتلون النساء المسلمات في كوسوفا, ويذبحونهن بعد اغتصابهن بصورة جماعيّة أمام أولادهن .. وبعضهن قد فتحت بطونهن, ووضعت فيها أجنّة كلاب .. أين كان عندها من يدافعون في بلادنا عن (كرامة المرأة) المنتهكة –بزعمهم- من الحجاب الإسلامي؟!! 

هل ارتداء المسلمة الحجاب, هو أمر (يغتال) كرامتها .. في حين أن اغتصاب المرأة الواحدة من العشرات هو أمر فيه نظر, لأنه لا يكاد يخدش من قيمتها شيئًا؟؟!

بأيّة حجّة –بربّكم- تتحدّثون ؟

حقّ المرأة في أن تغطّي جسدها هو أمر يسقط كرامتها .. واستعمالها في إعلانات الشامبو, والصابون, وإطارات السيارات, وشفرات الحلاقة, ومعجون الأسنان, وأدوات المطبخ, باستثارة أعين الرجال إلى مفاتنها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها .. هو أمر لا يمسّ من كرامة المرأة شيئًا؟!!!

ما هذا الميزان المنكوس!

ستر المرأة جسدها, هو أمر ينال من كرامتها .. واسترقاق بنت الثامنة عشرة ربيعًا, بأن تُجبر على (ريجيم) قاس حتّى لا يتجاوز وزنها كذا رطلاً, ولا يتعدّى مقاس خصرها كذا سنتمترًا .. ولا يبلغ طول وعرض كذا وكذا .. حتّى تثير إعجاب الناظرين إليها وهي تلبس الملابس الشفافة على ركح عرض الأزياء الجديدة .. ذاك أمر لا ينال من كرامتها شيئًا!!

إنّ كرامة الأنثى لهي في أن تُربّى صغيرة في كنف أسرة صالحة, على الحقّ والخير .. وتتزوّج من الرجل المؤمن البرّ .. ويُحرس أبناؤها من غوائل الفساد .. وهي في أثناء كلّ ذلك تنهل من فيض العلم النافع, وتدعو الناس إلى العمل الصالح!

إنّ كرامة الأنثى لهي في أن تمنع من أن تُفتن .. وألاّ تتخذ أداة للفتنة!

إنّ كرامة المرأة لهي في أن تعبد ربّها على بصيرة .. لا أن تساق إلى الهلاك في الآخرة تحت شعار حقّها في كشف عوراتها!

ولله درّ الصحفيّة الشهيرة المهتدية إلى الإسلام ((إيفون ردلي)) ((Yvonne Ridley)), وهي –الشقراء البريطانيّة- تقول في نسف هذه الدعوى: ((التفوّق في الإسلام يتحقّق بالتقوى, لا الجمال, ولا الثروة, ولا القوّة, ولا المقام, ولا الجنس.

قولي لي الآن,  أيّهما أكثر نزوعًا للتحرير؛ أن يُحكم عليكِ تبعًا لطول تنورتك وحجم صدرك الذي كبّرتيه بعملية تجميل, أو أن يحكم عليكِ تبعًا لشخصيتك وعقلك وذكائك؟

تخبرنا المجلاّت الناعمة نحن كنساء أنّنا إن لم نكن طويلات ونحيلات وجميلات, فسنكون غير محبوبات ولا مرغوب فينا.)) 

ثمّ –في المقابل- إن الإسلام يلزم الرجل بألاّ يكشف ما بين السرّة والركبة, وأن يطلق لحيته, وألاّ يخالط النساء, وألاّ يصافح من لَسْنَ من محارمه .. فلِمَ لا يقال إنّ هذه الأحكام تمتهن كرامته؟!! أم إنّ أحكام لباس المرأة وسلوكها, هي فقط محلّ ريبة!!

ثانيا/ هل حققت النماذج الغربيّة للمرأة الكرامة التي رفعت قيمتها, وحققت لها سعادتها؟

أجيب بلغة أرقام: تخبرنا إحدى المكاتب الرسميّة الأمريكيّة في إحصائيّة لسنة 2007م حول الوظائف التي شغلتها المرأة في الولايات المتحدة الأمريكيّة سنة 2007م, أنّ:

96.7% ممن يعملون في وظيفة (سكرتير) وإعانة إدارية, نساء!

75,6% من المحاسبين في المحلات, نساء!

74% من النوادل في المطاعم, نساء!

93% من موظفي الاستقبال, نساء!

68,5% من موظفي خدمة الزبائن, نساء!

89,2% من الخدم وعمال النظافة, نساء!

92,9 من مصففي الشعر والتجميل, نساء!

وتجيبنا مرّة أخرى ((إيفون ردلي)) بقولها: ((كان النساء يعامَلن على أنّهن كائنات أدنى, حتى جاء الإسلام. في الحقيقة, نحن النساء لازلنا نعاني في الغرب حيث يعتقد الرجال أنّهم أرقى من النساء. وهذا أمر من الممكن أن نراه في نظم الترقية والرواتب, من عاملات التنظيف إلى النساء في مجالس الإدارة.

النساء الغربيّات لازالن يعاملن كسلعة, حيث الاستعباد الجنسي في علوّ, وإن كان يتغطّى تحت كنايات تسويقيّة حيث تروّج أجساد النساء عبر عالم الإعلانات. كما ذكرت ذلك سابقًا, فإنّ هذا مجتمعٌ حيث الاغتصاب والتحرّش الجنسي والعنف ضد المرأة؛ أمور عادية. مجتمع, المساواة فيه بين الرجل والمرأة ليست إلاّ خديعة. مجتمع, حيث قوّة المرأة أو تأثيرها متصلٌ في الأغلب بحجم نهديها. ))

وشهدت شاهدة من بلاد الغرب ..! وأرجو ألاّ يلومها أحد على عبارتها التي قد تبدو (فاقعة) عند البعض؛ فإنّ هذه (المثقّفة) (الشجاعة) قد اكتوت بنار (تشييء) المرأة, وإعدام قيمة الأنوثة فيها خارج (الدائرة الجنسيّة)!

ثالثا/  إنّ من يُسأل بحقّ عن موقفه النفسي من الحجاب: أهو مقبرة لآدميّته أم معراج لإنسانيّته, لهي المرأة نفسها, لا أن تلقّن المرأة ما (يحسن!) بها أن تقوله على ألسنة الليبراليين والمنصّرين  .. وهاهي المرأة المسلمة تشهد في إحصائيّة قامت بها منظمة غربيّة         (The Gallup Organization) تحت عنوان: ((ماذا تريد النساء: الاستماع إلى أصوات النساء المسلمات)) ((What Women Want: Listening to the voices of Muslim Women)) في سنة 2005, لغير ما أراد القوم منها .. فقد ثبت في هذه الإحصائيّة التي شملت 8000 امرأة في ثماني دول, أنّ الحجاب والنقاب لم يعتبرا من مظاهر الظلم كما يقول التغريبيون عندنا. واختار جلّ النساء المستفتَيات القول إنّ أكثر ما يسوؤهنّ من الحضارة الغربيّة هو الفساد القيمي والتحلّل الأخلاقي.  

كما تشهد حالات الامتعاض في الغرب من التضييق على المحجّبات, أنّ من يقود حملات المعارضة للتضيق على اللباس الإسلامي هن المسلمات أنفسهن, وجلّهن من الشابات, ومنهن مسلمات غربيات.. فكيف يكون الحجاب مع ذلك في واقع المرأة عنوان إذلال أو أثقال أغلال؟! أين هذه المحنة المزعومة؟!! وأين الحجر على حقوق النساء المدّعى!!! إنّها تجارة الوهم, وأفكارٌ رصيدها الوهن!

إنّ النزعة العدوانيّة نحو الحجاب باعتباره علامة امتهان للمرأة، ليست إلاّ إحدى إفرازات الجهل والخضوع لأنماط التفكير (المصنّعة) و(المعلّبة) التي تفرضها وسائل الإعلام الخاضعة لمؤسسات (مؤدلجَة) ذات برنامج (مدفوع الأجر)؛ وهو ما اعترفت به الكاتبة الكنديّة المسلمة ((كاثرين بلّوك)) ((Katherine Bullock)) في مقدمة كتابها ((Rethinking Muslim Women and the Veil: Challenging Historical and Modern Stereotypes)) – أصله أطروحة دكتوراه- الذي دافعت فيه عن الحجاب, وفكّكت فيه الخطاب الغربي, ونسفت دعاويه المختلقة:

 ((شاهدتُ سنة1991م تقريرًا إخباريًا على التلفزيون يظهر النساء التركيات العائدات إلى الحجاب. شعرت بالصدمة والحزن لأجلهن. وقلت في نفسي: ((إنهن مسكينات, لقد غُسِلت أدمغتهن بما تقدمه ثقافتهن.)) لقد كنت أعتقد –ككثير من الأوروبيين- أنّ الإسلام يضطهد النساء, وأنّ الحجاب هو رمز اضطهادهن. تصوّروا إذن المفاجأة التي وقعت لي بعد أربع سنوات وأنا أرى نفسي على مرآة محلّ, مرتديةً لباسًا يماثل تمامًا لباس أولئك النسوة المضطهدات. لقد انطلقت في رحلة روحيّة خلال مرحلة الماجستير؛ كانت نتيجتها بعد أربع سنوات, اعتناقي الإسلام. تضمّنت الرحلة انتقالي من بغض الإسلام إلى احترامه ثم الاهتمام به, إلى قبوله.))

إنّه الانتقال من التفكير (بخلايا مخدّرة) إلى التفكير (بعقل مبصر)!!

 الشبهة الثالثة: الحجاب تزمّت بغيض

 ((الحجاب تزّمت, وتعصّب, وتكلّف في اللباس, وتضييق على النفس, وإمعان في السير في مضايق الحرج والإعنات ..!!)) .. هكذا لسان من يعادون الحجاب .. وينصبون له لواء البغض .. فهل لكلامهم رصيد من صواب ..؟ وهل يستحقّ شيئًا من الاعتداد ..؟

 الجواب:

أولًا/ قد قيل: ((الحكم على الشيء, فرع عن تصوّره)) والحكم على الشيء دون تصوّره؛ باطل محض .. والحكم عليه بتصوّره على غير حقيقته؛ تجانف عن الحقّ!

الصورة في حقيقتها, بعيدًا عن التجميل أو التحقير والتشويه هي: فتاة مقبلة على ربّها, قرأت قرآنها وسنّة المعصوم المبلّغ عن خالقها؛ فوجدت أنّ الإسلام يأمر المرأة بالحجاب, ويدعوها إلى أن تغطي مفاتنها بالحدود التي رسمها الشرع, وتبتعد عن أماكن اللهو والفساد, ولا تخالط الرجال .. ثمّ هي بعد ذلك, تأخذ من حلال الدنيا ما تريد, وتلبس في بيتها وأمام زوجها ما تشاء من رائق وبديع, وتتجمّل في محافل النساء باللباس الجميل والحليّ بلا نكير, مادام ذلك لا يفتح للفتنة والكِبر والرغبة في الشهرة سبيل .. قد فُتِّحت لها أبواب الأخذ من موارد النعمة, ولم تمنع في هذا المساق إلاّ من اللباس الذي يثير غرائز الرجال .. فأين التزّمت وأين التشدّد..؟!

إنّ ما فاه به المعترض من عباراتٍ مجّانيّة للنكير على المحجّبات, لا تحمل من ثقل الحجّة شيئًا؛ بل هي مثقلة بأوضار الحيف في استكناه حقيقة الحجاب وواقع أثره على المرأة التقيّة!

ثمّ إنّ هذا المُنكر على من تسبل لباس العفّة على جسدها, قد سيطر على عقله ما اختاره الغرب من أنماط تفكير وسلوك؛ فهو لا يرى المرأة إلاّ في مجامع الاختلاط واللهو والعبث, ولا تروق له إلاّ وهي تتأبّط شهواتها, وتنثر سهام الفتنة في خلواتها وجلواتها .. هو لا يراها مقبلة على صلاة, ولا سابحة بين موج كتاب, ولا صادعة بالحقّ في مقام بلاغ!

إنّه إسقاط لنمط الحياة الغربي على واقع المرأة المسلمة .. ولكنّهما لا يلتقيان, قد عَظُمَ البرزخ فلا يجتمعان .. ولمّا علم المنكر أنّ الجمع بين التراب والتِبر محال؛ قاده فكره إلى أن يمحو من المسلمة معالم كيانها, حتى توافق (القالب) الغربي الذي يريد أن يغتالها!

ولو أنّ هذا المعترض كان مبصرًا منصفًا؛ لحاكم النمط الغربي إلى معايير الاعتدال والنضج العقلي, لكنّه لم يفعل ذلك, وإنّما اختار أن يدفع المرأة المسلمة أن تسفل في قدرها بأن تخرج من خدرها, لا لتصنع خيرًا؛ وإنّما لتسفح ماء (الآدميّة) المكرّمة, على (مذبح) نهمة الرجال الجامحة .. ولمّا رفضت صاحبة الحجاب الاحتجاب عن نور الطهر؛ رماها الرامي بالتزمّت والتكلّف في مجانبة الحلال الزلال  .. فهلاّ أخبرنا عن أيّ حلال يتحدّث, وما هي الطهارة التي منها قد مُنعت!

إنّها عقول قد (برمجت) على الإنكار .. تظن أنّ بيانها من لسانها .. وهي –لو علمت- ترى العالم بغير عينيها, وتستلذّ ما وافق أهواء غيرها!

ثانيا/ إنّ الغرب الذي يرضع المعترض من حليب فكره, لا يرى في المرأة النصرانيّة التي توارت خلف حجاب الأديرة, ومنعت نفسها من أطايب الحياة؛ طمعًا في حلم ساذج شنيع المعالم؛ وهو أن تكون يوم القيامة عروس المسيح (إلهها) و(خالقها!!) بزعمها (!!)   .. لم ير فيها مجرمة ولا خائنة لشهوات طبعها .. وإنّما هي عنده امرأة قد اختارت من اللباس وأمور المعاش ما وافق فكرها .. أمّا عندنا, وقد فتح الشرع لأبواب الملاذ كلّ باب, ما لم تقد إلى فساد, فقد رميت المرأة بنصال التشدّد والتكلّف ..!!

فكيف يستقيم الحال, وتعتدل الصورة في عقل لا يستشنع الرهبنة القائمة على تعذيب النفس وجلدها بسياط الحرمان, ويستقبح مع ذلك تغطيةً للحمٍ, لا تمنع خيرًا, ولا تحرم من نعيم لا يستغنى عنه؟!

ثالثا/ لا شكّ أنّ عامة من يقول إنّ الحجاب هو نوع من التزمّت الصرف, يزعم –في الظاهر؛ حتّى لا يتّهم بالانحراف العقائدي- أنّ الإشكال ليس في الحشمة ولا في التديّن, وإنّما الاعتراض منصرف إلى المبالغة في التباعد عن مظان الفتنة, والتحرّز من مسالك الغواية.

ووجه الخطأ في هذا المقام هو أنّ المنكر على الحجاب باعتباره تزمّتًا, قد أهمل (مصدر) الحكم على الشيء بالاعتدال والتفريط؛ وهو النصّ الشرعي .. فالتزمّت هو فعل يتضمّن المبالغة في ترك المباحات .. والشرع وحده هو الذي يحدّد بصورة نهائية المباح من الممنوع .. ولمّا كان الأمر كذلك؛ وجب استنطاق نصوص الشرع للحكم على الحجاب على أنّه التزام بواجب, أم تكلّف وتزمت لم ينزل به الله سلطانًا!

وبالنظر في نصوص الوحي؛ وجدنا أنّ الحجاب فريضة شرعيّة محكمة لا يردّها مسلم البتّة, ولا يرتاب في ذلك من فقه من دين الله شيئًا .. وعندها تسقط دعوى تزمّت المحجّبات؛ لأنّ فعلهن موافق لأمر صاحب الشرع جلّ وعلا؛ فلم يمنع مباحًا, ولم يضيّق واسعًا!

رابعا/ إنّ القائل إنّ الحجاب تزمّت لم يدرك من حقيقة الحجاب شيئًا؛ وإنّما غُمّ عليه بفعل اتّخاذ الواقع (مصدرًا للفكر) لا (موضوعًا للفكر)!

إنّ هذا المعترض قد نظر فيما حوله؛ فرأى أنّ التغريب والعالمانيّة والحداثة وما بعدها, كلّها قد أنشأت مظهرًا في اللباس له خصوصيّة ومقاس .. ولأنّ هذا المعترض يميل إلى الحكم على ما يبدو من السطح, دون أن ينزع إلى الغوص في العمق؛ فقد ظنّ أن واقع بلادنا هو الذي يفرض أشكال اللباس التي تناسبه وتتساوق مع أنماطه الحياتيّة ومعاييره الجماليّة .. وهو عين الخلل في التفكير!

إنّ الواقع موضوع للتفكير والحكم والتغيير, وليس هو أصلٌ لمعرفة الحسن والقبيح .. إنّنا مطالبون بأن نغيّر الواقع حتّى يوافق أفكارنا الصائبة, ولسنا مطالبين بأن نجعل أنفسنا عرضة لتقلّب الواقع, وتغيّر أنفس الناس, وتحكم أهوائهم في أفكارهم ..

إنّ عبارة ((التزمّت)) هي عبارة حمّالة أوجه, لا يمكن ضبط معناها إلاّ بتحديد معيار نعرف به الاعتدال والتطرّف, والرخاوة والشدّة, والانضباط والانفلات .. وإذا غيّرت (المعيار)؛ تغيّر حكمك على الوسط والأطراف, والحقّ والباطل, والهدى والضلال ..

وكمثال يجلّي الحال؛ أقول: توجد في بلاد الغرب بعض المناطق التي يرتادها مجموعة من الناس يسمّون بـ((nudists)) يتبنون فلسفة ((العري)) ((Nudism)), وهم: رجالاً ونساءً, لا يلبسون شيئًا, عوراتهم المغلّظة مكشوفة, وهم يعتبرون أنّ هذا هو السبيل السويّ للحياة, وأن تغطية العورات هو من التكلّف الاجتماعي المصطنع, وأنّ الأصل أن يكتفي المرء بجلده, ويستغني عن كلّ لباس .. فلو مشت بينهم امرأة تلبس ملابس البحر؛ فسيبدو شكلها منكرًا, وفعلها مستهجنًا؛ لأنّها خالفت ما يرونه اعتدالاً, بترك تغطية أيّ شيء من البدن .. 

ولو غيّرت رِِِحْلَكَ إلى بلاد أخرى؛ فسيتغيّر المعيار, لتبدّل الأعراف .. وتبقى طول عمرك تغيّر ذوقك وحكمك وقيمك, تبعًا لتبدّل أهواء الناس, رغم أنّك نفس الإنسان؛ لحمًا وعظمًا وفكرًا, هنا وهناك ..!!

خامسا/ إنّ الفعل الذي يجب أن يدان باعتباره تزمّتًا, هو حرمان المرأة من حقوقها الآدميّة, ومنعها من الملاذ الدنيويّة الضروريّة, وقبل ذلك ما يمنعها من أن تؤدّي وظيفة العبوديّة, وما يحول بينها وبين النجاح في اختبار الدنيا لتنعم بجنان الآخرة ..أمّا ما هو غير ذلك, فيخضع لمراعاة الحاجات الفرديّة والاجتماعيّة, ومصلحة الأسرة والمجتمع, وواقع البيئة .. فيُمنع الرجل من أفعال لأنّها تتعدّى على حقوق أساسيّة للمرأة والأولاد, وتمنع المرأة من حقوق لتعدّيها على حقوق أولى للزوج والولد, ويمنع الأبناء من حقوق تجور على حقوق الآباء .. وهكذا تتداخل الحقوق, وتتوسّع, وتضمر, تبعًا لتشابكها فيما بينها, وصلتها بوظيفة العبوديّة لله عزّ وجل.

 الشبهة الرابعة: الحجاب يمنع المرأة من التعبير عن نفسها

يقول الرافض للحجاب: ((إنّ الحجاب, هو عدو حريّة المرأة وانطلاقها لتعبّر عن نفسها!! إنّه يجعل المرأة كخيمة متنقلّة, ويأسر جمالها ويمنعه من أن يعبّر عن حيويّة هذا الإنسان المبدع!))

الجواب:

أولًا/ من العسير –في الحقيقة- أن نتصوّر كيف يمنع اللباس المحتشمُ المرأةَ من أن تعبّر عن نفسها!!

هل أدوات التعبير عن النفس الإنسانيّة هي: الصدر المكشوف .. والأفخاذ العارية .. والشفاه الحمراء!

هل تتكلّم المرأة بلسانها أم بشعرها المجدول؟

هل تكتب المرأة للتعبير عن نفسها بقلم الحبر الذي تملكه المحجّبة والمتبرّجة .. أم بأدوات التجميل وصفائح المساحيق؟!

إنّ تصوّر وجه هذا الاعتراض, لهو من الصعوبة بمكان!؟

هل تعجز المرأة التي تستر جسدها عن أن تكون مدرّسة نابهة؟! أو طبيبة عالمة؟! أو أديبة نابغة ؟! أو صحفيّة بارعة ؟!

هل تعبّر المرأة عن فكرها الراقي, وأدبها السامي, واكتشافاتها النافعة, بقوامها الممشوق, ولباسها الضيّق, وقلائدها الساحرة للعيون؟!

لماذا تختزل طاقات المرأة في شكلها الظاهر للعيون؟! لماذا تقمع طاقات المرأة الإنسانة العاقلة لصالح مظاهر زائفة قد تتقن صناعتها أتفه النساء وأكثرهن بلادة!؟

ثانيًا/ يمنع الحجاب المرأة من أن تعبّر عن نفسها على أنّها دمية لامعة بلا روح .. إنّه يمنعها من أن تعبر عن نفسها على أنّها بريق لامع عند الشباب, وظلمة حالكة إذا عدا عليها الزمان وفقدت نضارة الصِبى ..!

إنّ الحجاب يدفع المرأة إلى أن تعبّر عن نفسها على أنّها إنسان, موفور الكرامة, والقدر, ويمنع من يعاملها من تقويمها بما تملك من جمال وجـاذبية ناتجة عن تناسق ملامحها, وتناغــم ألوان المساحيق على وجهها!

إنّ الحجاب هو تعبير من المرأة على رفضها أن تكون في أعين الرجال كيانًا يوزن بالأحمال, ولا يقوّم بالأفكار والأخلاق!

ثالثًا/ إن الحريّة التي تبيح كلّ فعل, وترفض أن تصنع لفعل الإنسان حدودًا, لهي في حقيقتها نوع صريح من (الفوضوية), وإعلان فصيح لفكرة (البهيميّة) حيث يطلق الإنسان نفسه على سجيّتها, فلا يردّ لها أمرًا ولا يمنعها من شهوة طيّبة أو خبيثة ..

إنّ هذه الحريّة بهذا الشكل الذي تبدو به على أفواه دعاة (حريّة المرأة في السفور), لتنطلق من مبدأ أساسي, وهو أنّ الإنسان لم يخلق إلاّ لهذه الحياة؛ فمبتدؤه في الرحم, وفناؤه تحت الجنادل في القبر .. ولذلك فعليه أن يعبّ من نعيم هذا الوجود الزائل عبًا؛ فإنّ وجوده في حقيقته هو خيال زائف لا يخفي وراءه آخرة للحساب .. إنّه وجود ترابيّ رخيص لا يستحقّ أن يكبح فيه الإنسان جوارحه عن كلّ لذة متاحة, فإنّ الفناء يشمل الجميع, بلا عودة ..

إنّ هذا  الفهم  المميّز للحريّة, ليحمل فهمًا عدميًا للحياة حيث تستوي كلّ الأشياء لأنّها تسير إلى (لاشيء) .. فلا يجوز عندها أن نمنع هذا الكائن الذي يعيش في كون (العبث), من أن يمتّع حواسه بشيء من (اللذائذ) المتاحة بين أكوام الكدر ..

إنّ هذه الحريّة بأصولها وإفرازاتها, لتتعارض كليًا مع الفهم الإسلامي لمعنى (الوجود) وحقيقة (الاستخلاف) على الأرض .. إنّ هذه الدنيا, ممر, وليست بمستقرّ .. وهي دار اختبار, لا دار قرار .. وفيها تمتحن القلوب والجوارح, وفيها تحاسب الأنفس على الأفعال والتوارك .. فهل يصح مع ذلك أن يُردّ الحجاب لمجرّد أنّه يمنع من ممارسة هذه الحريّة بإطلاقها وتهوّرها؟!

رابعًا/ هل المرأة التي تلبس ما (تريد) وتكشف ما (تشاء) هي حرّة في نفسها, مالكة لزمام أمرها؟!

إنّه علينا أن نعرف من يصنع معيار الجمال؛ لنعرف حقيقة (إرادة) المرأة في ممارسة التعبير عنه..!

إنّ الجمال –كقيمة ومعيار- في العالم الذي يترك للمرأة-ظاهريًا- أن تعبّر عنه بما شاءت, لهو في حقيقته صناعة خالصة للمنتفعين من شركات التجميل وما تفرّع عنها, وهو أيضًا أسير للرجال الذين لا يرون المرأة (الصالحة) إلاّ (لحمًا غضًا) و(ألوانًا صارخة ساحرة) .. ثم تتلاشى (المرأة), فلا وجود لها خارج القوالب الجماليّة (المصنوعة) ..

إنّ هذه المصانع التجاريّة, وتلك الشهوات الرجاليّة الأنانيّة النهمة, لهي في الحقيقة من ترسم للمرأة الرافضة للستر, معاني (الحريّة) ومقاييس (الجمال), فإن سلكت هذه المرأة غير الطريق الذي رسم لها, واختارت غير ما اختاروا لها؛ فسيسقطونها, لأنّها لا تملك من إرادتها شيئًا ..فالحرية ما اختاروه لها, والجمال ما رضوه لها.. فأين اختيارها الذاتي؟! وأين حظّها الصميمي من الحرية؟!

لقد أدّى هذا الواقع الغربي في تشكيل معاني (الأنوثة المرغوبة) من الرجال, إلى ظهور كتّاب غربيين ينكرون معنى مطلق وكيان ثابت اسمه (أنثى) أو تعبير عنه هو (الأنوثة)؛ من ذلك قول ((أندريا دوركن)) ((Andrea Dworkin)): ((الاكتشاف هو, بالطبع, أنّ (مفهومَي) ((رجل)) و((امرأة)) هما خياليين, رَسمَي كاريكاتور, تركيبين ثقافيين.)) , وهو ما عبّرت عنه مجلّة ((Elle)) ((هِي)) في أحد أعداد سنة 1996م بدعوتها إلى ((تفكيك الصورة النمطيّة للجندر )) وتذكيرنا (!) أنّ ((الأنوثة هي تركيب اجتماعي)) معلنة أنّ ((الرجال هم من حدّدوا معنى الأنوثة منذ بدايتها))  ؛ ((فالمرأة تُصنَع ولا تولد))((Woman is made not born))   ..!!

 إنّ الأنوثة –هنا- ليست إلاّ مُنتَجًا (صناعيًٍا) خاضعًا لرغبات الطالبين .. والطالب هنا هو (الرجل) الذي (تصنع) له المؤسسات التجاريّة (رغباته) و(نزواته), ومنها (جمال الأنثى) المطلوب, وهو (جمال) سريع التغيّر, تجاوز الأنماط (العتيقة!) التي كانت تركّز على الألوان وأنواعها وإشراقها, والشعر وتصفيفاته وطوله, إلى أن (يتصرّف) اليوم في جسد المرأة (إضافة) و(حذفًا) في صورة مهينة للقيمة الآدميّة لهذه الأنثى، لا تزيدها إلا خَسْفًا!

وقد أدّى هذا (التشييء الجنسي) للمرأة إلى اقتناع العديد من الغربيات أنّ المرأة –كل امرأة- هي (فاجرة) بالطبع, وليست العفّة إلاّ قانونًا اجتماعيًا دخيلاً على بنيانها النفسي .. أو كما قالت ((ناومي ولف)) ((Naomi Wolf)) في واحد من أحدث كتبها: ((لا وجود لبنات صالحات, كلّنا بنات سيّئات.))  .. وهكذا تحوّلت المرأة في الغرب من (ضحيّة مستغفلة) إلى (مذنبة عن رغبة), وهي في كلتا الحالتين, مجرّد دمية يلهو بجمالها الرجال مادام لها بريق لامع, فإذا خفّت ألوانها وجفّ ماؤها؛ فقدت أحلام آمالها, وانتكست من (آدميّة بهيّة) إلى (قطعة من اللحم والعظم) ثقيلة على النفس, وضيعة القدر!

 الشبهة الخامسة: الحجاب (في القلب)

يردّد المبغضون للحجاب من العالمانيين والمنصّرين أنّ الحجاب الحقيقي هو (حجاب القلب), وليس هو (مجرّد) قطعة قماش (تلقى) على الرأس!

الجواب:

هذه الشبهة سائرة على كثير من الألسن, ولا يخفى عل منصف بطلانها, بل وتناقضها الشنيع .. والردّ من أوجه:

أولًا/ إنّ الإسلام يقود المرأة إلى أن تعلم أنّها ليست مجرّد (أداة للمتعة) بل هي (إنسان) موفور الاعتبار الأدبي, والحظ الإنساني في الاحترام .. وإنّ المسلمة العاقلة تعلم أنّ  مَن يلحّ عليها أن تنزع حجابها بدعوى الحريّة؛ إنّما هو يريد أن يتلصّص بعينيه الآثمتين على لحمها المغطّى, وأنّ رغبته في تجريدها من ستر العفّة ولباس الحشمة, لم تنبع إلاّ من حرصه على التنفيس عن الشهوة المتأججة في صدره, وإن كان يُلبس دعواه ثوب النصح والرغبة في (تحرير) المرأة من الظلم والقهر!!!!

إنّ الذي يدعو المرأة إلى السفور, لا يراها في الحقيقة في غير مقام الصاحبة والعشيقة.. أمّا ذاك الذي يدعوها إلى الستر؛ فليست هي في ذهنه إلاّ أمًا أو أختًا أو ابنة .. جزء من كيانه, وقطعة من روحه.. لا يرى نفسه إلا نصيرًا لها, يؤذيه أن تُعامل كدمية ملوّنة جوفاء؛ يلهو بها اللاهون, ثمّ يلقون بها إلى سلّة المهملات إذا ذهبت ألوانها بعوامل الزمن القاسي!!

ثانيا/ إنّ الحجاب ليس قطعة قماش تضعها المرأة على رأسها, وإنما هو غطاء مسبل, ونهج في الكلام والمعاملة والإحساس متقن .. إنّه منظومة عقدية وسلوكيّة وشعورية .. وإنّ الظنّ أنّه (مجرّد) قطعة قماش تستر بها المرأة شعرات من رأسها؛ لهو قصور في تصوّر هذه الشريعة وأبعادها وأهدافها!!!

ثالثا/ يبدو أنّ الذي يتحدّث عن الحجاب وأنّه مجرّد قشرة, وأنّ الحجاب الممثّل للعفّة هو في القلب فقط, يؤمن أنّ طهر الباطن لا يلزم أن يلتقي مع طهر الظاهر .. أمّا نحن فنرى أنّ طهر الظاهر لا بدّ أن يقترن بطهر الباطن؛ فهما متلازمان لا يفترقان, متّصلان لا ينفصمان.. فإذا غطت المرأة رأسها, ولم تصلح باطنها؛ فإنّها ليست في الإسلام بذات دين, وإنما هي منافقة تخادع الناس وتخدع نفسها قبل ذلك!!

إنّ العفّة, ليست في القلب فقط, بل هي في القلب والجسد.. ولا يمكن أن تكون في القلب مع فساد الجوارج!!

أيستطيع المخالف أن يزعم أنّ الرجل قد يكون طاهر القلب, لكنّه لصّ يسرق وينهب, أو زان يعتدي على أعراض الناس, أو كذّاب يخادع من أمّنوه؟!!!

إن قال لا يلتقي طهر القلب مع فساد العمل؛ فكذلك نقول: لا تكون عفّة القلب مع كشف المرأة لما أمر الربّ سبحانه بتغطيته!

إنّ العفّة, نبتة عظيمة؛ أصلها وجذرها في القلب, وثمرتها بادية على الجوارح!!

وإنّ من فسد قلبها وغطّت جسدها, فإنّما هي تضع ثمارًا مزيّفة لم ترتوِ من نهر الطهر الجاري في قلبها!

رابعا/ إنّ المنصّر أمام ثلاثة حلول لا رابع لها:

1-لا يجتمع صلاح الباطن مع صلاح الظاهر.

2-صلاح الظاهر ليس شرطًا لصلاح الباطن.

3-صلاح الباطن شرط لصلاح الظاهر.

القول الأوّل يرفضه النصراني, ولا يقول به أشدّ الناس انحرافًا وفسادًا؛ إذ هو يعني أنّه لا بدّ أن تقع في الموبقات الأخلاقيّة؛ حتى تكون طاهر القلب من الخبائث!

القول الثاني لا يمكن أن يستقيم؛ لأنّه يشطر الكائن البشري إلى كيانين غير متمازجين ضرورة, وإنما قد يجتمعان وقد يفترقان.. فقد يكون الإنسان روحًا محلّقة في عالم الطهر, وجوارح غارقة في عالم الوحل ..!! وإذا كانت الروح لا تغادر الجسد, وكانت الأحاسيس مرتبطة بالأفكار, وكان الفعل ناتجًا عن فكر ورغبة؛ فإنّه يغدو من السذاجة تصوّر النفس الإنسانيّة على أنها حزمة مشتتة متفرقة من الأفكار والأشواق والحوافز والأعمال, وأنّها لا تلتقي؛ لأنّها كيانات متباعدة متنافرة!

ولم يبق عندها إلا القول الثالث؛ وهو قول المسلمين الذي يقرّر التلازم بين الظاهر والباطن, والعلاقة الديالكتيكيّة بين داخل الإنسان وظاهره, وأنّه من الخطأ المحض الظنّ أنّ الإنسان قد يعيش بقلبه في عالم وبجسده في آخر؛ إذ العقل والواقع ينفيان الزعم بإمكانيّة أن يكون قلب المرء قطعة من نور, وجسده متمرّغًا في حمأة الفساد؛ ومادام الأمر محالاً؛ فإنّه لا بدّ من ستر ما يثير عوامل الإثارة عند الرجال والنساء؛ من عري يكشف اللحم الحرام, وملابس ضيّقة تكشف تفاصيل القوام, مع تطهير القلب من المحفّزات للمعصية ودواعي الفتنة؛ باستحضار علم الله بالمظهر والمخبر, والسرّ وأخفى, وتذكير النفس بما أخبر به الوحي من ثواب على الإحسان, وعقاب على الإفساد.

خامسا/ لماذا تكون المرأة المحجّبة التي تعصي ربّها في الخلوات, حجّة على الحجاب؟!!

إنّ الحجاب هو دليل ظاهر على العفّة إن لم يخالطه فعل قبيح نراه بأعيننا .. أمّا الباطن وحقيقة القلوب فلا يعلمهما إلا الله جلّ وعلا .. وهو نفس قول النصارى في الراهبات مثلاً؛ إذ هم يرون الرهبنة دليلاً ظاهريًا على العفّة, وليس هناك من سبيل لمعرفة باطن الراهبات غير النظر في أعمالهن..

إنّ من عُلِم أنّها ترتدي الحجاب, لكنّها تأتي أبواب الفساد؛ فتلك منافقة ذات وجهين, وليس العيب في لباسها, وإنما في أنها لم تلتزم بقية الأحكام التي ترتبط بالحجاب ارتباطًا عضويًا لازمًا ..

إنّ العيب الذي يطال من ترتدي الحجاب وتأتي أبواب الفساد, هو نفس العيب الذي يطال من يؤدّي الصلاة ولا ينتهي عن كثير من أبواب الحرام! فلماذا يعاير الحجاب إذا وُجدت (محجّبة) تحتال على الشرع, ولا تعاير الصلاة إذا وجد (مُصَلٍّ) غير ملتزم بعامة تعاليم دينه؟!!

سادسا/ إنّ قضية المسلمة هي أنّ الحجاب سبيل إلى العفّة, فلا تشغل نفسها بالنظر إليه على أنّه دليل على العفّة .. إنّ غايتها هي أن تمنع بفعلها أسباب الفتنة ودواعيها, لا أن تبحث من خلال لباسها عمّن يقول عنها إنّها عفيفة ..!

سابعا/ الغاية الأولى للحجاب, هي منع الرجل من الافتتان بالمرأة؛ وبالتالي فإنّ القول إنّ حجاب المرأة هو في القلب, يغدو بلا معنى؛ لأنّ الحجاب ليس مجرّد رمز بلا وظيفة, أو شكل بلا مضمون فاعل, وإنّما وظيفته تغطية مفاتن المرأة حتّى لا يتسلل الهوى الشيطاني إلى قلب الرجل, ويسوقه إلى الزنى وتوابعه.

ثامنا/ إن مّما ألفته الأذن في هذا السياق قول البعض إنّ من النساء من لا ترتدي الحجاب, لكن لا يستطيع أحد من الرجال أن ينال منها (شيئًا) .. وهذا قول من غرائب ما يطرق الأذن؛ إذ إنّ هذه المرأة التي تركت الحجاب قد قدّمت إلى الرجال الذي يتبعون أعينهم (لحوم النساء), ما أرادوا أصلاً!!! وهل الزنى (بمعناه المألوف) هو فقط المقصود!؟؟ إنّ الزنى كما أخبرنا الرسول   يكون بِالعَين أيضًا؛ فقد قال: ((والعينان تزنيان وزناهما النظر))  ..فكيف تكون من رفضت الحجاب لباسًا, قد منعت الرجال مما يريدون, وهي التي بذلت لهم ما فيه يرغبون!؟؟ وهل الملابس الضيقة إلاّ (أداة زنى!) .. وهل الملابس القصيرة إلاّ (أداة زنى)! .. وهل المساحيق الفاقعة, والروائح الفائحة, والتسريحات العاصفة, إلاّ من أسباب زنى العين؟!

ثمّ .. لماذا نفصل الأسباب عن مسبّباتها, والنهايات عن مقدماتها؟!!

هل الزنى والاغتصاب هو عمل عفوي يقفز إلى الذهن دون محرّكات أو دواع؟!!

ألا تعلم المعترضة أنّ البلاد التي تشيع فيها إباحية اللباس في الشارع والإعلام, هي أكثر البلاد التي تعاني حالات الاغتصاب, رغم صرامة القوانين الزاجرة التي أنزلها المشرعون على من أتى هذا الفعل؟!!

ألا تدري المعترضة أنّ البلاد التي التزمت عامة نسائها بالحجاب, هي أقلّ البلاد من ناحية نِسب الاغتصاب؟!!

ألم تقرأ المعترضة أنّ الدول التي كانت تحكم بالإسلام منذ قيام دولة الإسلام في المدينة المنوّرة إلى سقوط دولة الخلافة, كانت لا تكاد تعرف جرائم الاغتصاب!!؟

وهل الاغتصاب إلاّ فعل نفس احتقنت الشهوة فيها بفعل الضخ الإباحي في لباس النساء, وملصقات الشوارع, ومرئيات التلفاز ..؟!!

إنّ النظرة بريد الزنى .. والشاعر يقول:

كل الحوادث مبداها من النـظر  *** ومعظم النار من مستصغر الشرر

       كم نظرة فتكت في قلب صاحبها *** فتك السهـام بلا قوس ولا وتر

       والمرء ما دام ذا عين يقلــبها   *** في أعين الغيد موقوف على الخطر

       يســرّ مقلته ما ضر مهـجته  *** لا مـرحبًا بسرور عاد بالـضرر

وقال الاخر:

وكنت متى أرسلت طرفك رائـدًا *** لقلبك يومًا أتعبتـك المنـاظر

      رأيت الذي لا كلـّه أنت قــادر***عليه ولا عن بعضه أنت صـابر

قال الإمام الربّاني ((ابن قيّم الجوزية)): ((أمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم مطلع عليها: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور} ، ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر؛ جعل الأمر بغضّه مقدمًا على حفظ الفرج، فإنّ كل الحوادث مبدؤها من النظر، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر، تكون نظرة.. ثم خطرة.. ثم خطوة.. ثم خطيئة، ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات،  والخطرات،  واللفظات، والخطوات.))

إنّه لا يمكننا هنا أن نتحدث بصورة غرّة عن (تحضّر) الرجل الذي يبصر بعينه دون أن تتحرّك كوامن شهوته؛ لأنّ ذلك من قبل الفصل التعسفي للسنن النفسيّة والعصبيّة في الرجل .. وليس معنى كلامي القول بجبريّة الانفعال الجنسي عند الرجال إلى درجة الوقوع في الزنى والاغتصاب, وإنما قصدي أنّ هذا الانفعال هو ردّ فعل عفوي في الجهاز العصبي للرجل, وليس له أن يمنعه من (التنفيس المؤذي) إلاّ بأن يصرّف شهوته في الموضع الحلال, أو أن يكبت دواعي الفتنة بلجام التقوى, وهو ما ليس بمتاح لكلّ الرجال؛ فأبواب الحلال قد غلّقت على البعض, وحبل التقوى قد تفلّت من البعض الآخر ..

وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّ الاستثارة البصريّة عند الرجال –بدليل الواقع الذي لا يستريب فيه مبصر-, هي على درجة عالية من الحساسيّة, على خلاف المرأة التي لا تثيرها الأشكال بقدر ما تؤثّر فيها السلوكيات! 

كما أنّ في (الرجل) نزوعًا إلى الرغبة في تجديد الاستثارة بتجديد الأشكال والمصادر التي تستهوي شهوته, على خلاف المرأة التي تنزع إلى العاطفة المستقرة في شكل ثابت من العلاقات ؛ وذاك ما يجعل اللباس الشرعي للمرأة حائلاً صلبًا دون إرواء هذه النهمة في صدور الرجال, ويحبسها في إطار العلاقات الشرعيّة بين الرجل وزوجته!

وأقول مع ذلك إنني لا أزعم أنّ من لم تحقق الستر المطلوب, فاقدة لكل خير. وإنما أقول إنها مقصّرة, لم تبلغ الصورة المرضيّة المطلوبة, والناس لا يدورون بين الحال الملائكيّة الطاهرة, والحال الشيطانيّة الفاسدة!! فبين هذه وتلك مراتب للمقتصد والظالم لنفسه!

تاسعا/ نقول للمنصّرين: إنّكم تعرضون الراهبات النصرانيّات المحجّبات في صورة التقيّات النقيّات, رغم انتشار السحاق بينهن كما هو مبثوث في مؤلفات الذين كتبوا عن الأديرة في الغرب  .. فلماذا لا تخبرون هؤلاء النسوة المتيقّن فساد أغلبهن أنّ الحجاب في القلب فقط .. أم أنّ هذا النصح (الأعور) لا ينفع إلاّ إذا وُجّه إلى المسلمات؟!!

إذا كنتم تحرّمون الحجاب عندنا.. فحرموه أولاً عندكم, واكشفوا رؤوس راهباتكم!

لماذا تظهرون دعوى انفصال الظاهر عن الباطن إذا تحدثتم عن المسلمات ووددتم أنّهن يخلعن الحجاب, في حين أنّكم تعلّمون نساءكم غير ذلك؛ فقد جاء في ((كتاب التعليم الديني للكنيسة الكاثوليكية)) ((Catechism of the Catholic Church)) , تحت رقم (2521) : ((الطهارة تستوجب الحشمة.. الحشمة تحمي الباطن الخاص للمرء. ويعني ذلك رفض كشف ما لا بدّ أن يبقى مغطّى.)) ((Modesty requires modest… Modesty protects the intimate center of the person. It means refusing to unveil what should remain hidden.))

وجاء تحت رقم (2522) عن الحشمة أنّها : ((تلهم المرء اختياره لملابسه.)) ((It inspires one's choice of clothing))

 وجاء تحت رقم (2523): ((هناك احتشام خاص بالمشاعر, كما أنّ هناك احتشامًا خاصًا بالجسد.)) ((There is a modesty of the feelings as well as of the body ))

وجاء تحت رقم (2525) : ((الطهارة المسيحيّة تتطلّب تطهير المناخ الاجتماعي)) ((Christian purity requires a purification of the social climate)).

فكيف تقولون مع ذلك إنّ المرأة لها أن تلبس ما تشاء مادام القلب (نقيًا)..!! وأنّ الطهارة هي فقط في القلب؟!!

لقد ردّ ((ترتليان))- أحد أكبر أعلام آباء الكنيسة الأوائل- على هذه الشبهة, فقال في كتابه: ((حول زينة النساء)) ((De cultu feminarum)): ((بعض (النساء) قد يقلن: بالنسبة لي, ليس من الضروري أن يوافقني الرجال؛ لأنني لا أحتاج شهادة الرجال, ((الله هو مراقب القلوب)))).

 وردّ هذا اللاهوتي بقوله: ((نحن نتذكّر أنّ نفس (الربّ) قد قال عبر رسوله: ((لتكن استقامتك ظاهرة أمام الناس.)) . وأضاف أنّ الكتاب المقدّس قد كرّر مرارًا أنّ  المطلوب من المؤمن هو أن يكون مصدر خير ونموذجًا يحتذى به, فإذا كان خيره لنفسه؛ فماذا سيستفيد منه العالم؛ وقال مستدلاً بالكتاب المقدّس: ((ماذا يعني: ((لتكن أعمالك مشعّة)) ؟ لماذا, علاوة على ذلك, نادانا الربّ بـ((نور العالم)), لماذا شبّهنا بالمدينة المبنيّة على جبل ؛ إذا لم نكن مُشعّين في الظلمة وبارزين من بين الذين هم في القاع؟ إذا كنت تغطّي مصباحك تحت مكيال ؛ فإنّك قطعًا ستكون في الظلمة, وتواجه عداوة الكثيرين. الأعمال التي تجعلنا منيرين في هذا العالم هي هذه: أعمالنا الصالحة. ))

***

إنّ إلزام المرأة بأنّ تغطّي عورتها ليس بدعًا إسلاميًا ولا سبقًا قرآنيًا .. بل ما عندنا هو نفسه ما جاء في أسفار أهل الكتاب!!

لم يأتِ القرآن بعد دعوات الأنبياء السابقين, ليخترع قصة (العفّة).. بل هي دعوة أعلنها أنبياء الله منذ ((آدم)) عليه السلام؛ لأنّ العفّة جزء من صميم البناء النفسي للإنسان السوي.. بل إنّ الحجاب لم يكن قاصرًا على الأمم التي فيها أثارة من رسالات الله إلى البشر, وإنما كان سائدًا حتى في الأمم التي لا تعمل بالشرائع السماوية؛ وكما يقول ((ألفن ج. شمت)): ((لمّا ظهرت المسيحيّة على الساحة, كان ستر المرأة بالحجاب واسع الانتشار في عدة ثقافات؛ وقد أظهر ((ألفرد إرميا)) في دراسته المميزة ((الحجاب من سومر إلى اليوم)) ((Der Schleier von Sumer Bis Heute)) أنّ النساء في زمن المسيح  كنّ يرتدين الحجاب عند السومريين والآشوريين والبابليين والمصريين واليونانيين والعبرانيين والصينيين والرومان.))

 الحجاب في اليهوديّة

 أهميّة اللباس في اليهوديّة:

نظرًا لسيطرة التيّارات الليبراليّة على الفكر الديني اليهودي المعاصر, واتّخاذ اليهوديّة شعارًا من طرف كتّاب وسياسيين من أصول يهوديّة هم في حقيقتهم يردّون القول بربّانيّة التوراة, بل ويجحدون وجود خالق للكون ؛ فقد استقرّ في اعتقاد كثير من الناس أنّ اليهوديّة هي الدين الذي يقدّمه هؤلاء الليبراليين أو أولئك الملاحدة..!!

ولمّا كان حديثنا في هذا المقام عن اليهوديّة كدين له أصل سماوي, خضع لتفسيرات دينيّة من طرف علمائه الذين يدورون في فلك نصوصه المقدّسة؛ فإنّ علينا أن نلزم أنفسنا أثناء تشريح الموضوع الذي نحن بصدده من خلال رؤية يهوديّة خالصة, بالنظر إليه من خلال مراجعه الأصيلة, لا المحدثة في زمن النزوع الليبرالي الذي يلغي من الدين لبّه الثابت وماهيّته المهيمنة على حقيقته.

إنّ للديانة اليهوديّة مصدرين معرفيّين تدرك من خلالهما أحكام شرائع اليهود:

1-المصدر المكتوب: أسفار العهد القديم.

2-المصدر الشفوي: اجتهادات الأحبار في تفسير الأسفار المقدّسة. ويعتبر ((التلمود))  أهمّ

     المصادر التي جمعت هذا التراث.

تتميّز الديانة اليهوديّة باهتمامها الكبير بالجانب الحياتي التفصيلي, وذلك من خلال نصوصها التشريعية, وتراثها الفقهي الضخم الذي عمل على تقديم تصوّرات دينيّة للشكل اليهودي لمسلك الفرد والجماعة.

ويحتل أمر اللباس والعورات جانبًا كبيرًا من التفكير الديني اليهودي, وله علاقة وطيدة بالعبادات والمعاملات والجنايات وأبواب أخرى كثيرة من الحقلين التصوّري الإيماني والتعبدي المسلكي .. وقد جاء في ملحق التلمود البابلي (Derek Erez, Zuta x.): ((الرجل مجد الله, واللباس مجد الرجل.)) في بيان قداسة اللباس في الوجدان الإيماني عند اليهود .. كما نصّ ((المدراش))   على أنّ أحد الأسباب الأربعة لخلاص الإسرائيليين في محنتهم في مصر, هو أنّهم قد حافظوا على اللباس الذي كان يميّزهم, ولم يتنازلوا عنه لصالح لباس أهل البلد (Lv. Rab. 32.5) ... ويعود أمر (قداسة) اللباس في التصوّر الديني اليهودي إلى طبيعة الجوهر النفسي للإنسان؛ فقد قال علماء اليهود: ((قال الله منذ اليوم الذي بُني فيه المعبد: ((الحشمة هي أمر مناسب.)) )) (Tanhuma, Bemidbar 3)

وقد كان اهتمام التشريع اليهودي بأمر اللباس الأنثوي باديًا من أوجه: الأمر والمنع التشريعيين, والقصّة, والموعظة, والحكمة ...:

الأمر والمنع:

جاءت الشريعة اليهوديّة بأوامر ونواه في التحذير من اللباس الذي لا يوافق أحكام الربّ؛ من ذلك ما جاء في التثنية 22/5: ((يحظر على المرأة ارتداء ثياب الرجال، كما يحظر على الرجل ارتداء ثياب النساء؛ لأن كل من يفعل ذلك يصبح مكروهًا لدى الرب إلهكم.)) .. وفي ذلك بيان الاختلاف الكبير بين الرجال والنساء في جانب العورات والطبائع والوظائف ..

القصّة:

جاء في أمر قصّة ((آدم)) و((حواء)) بعد أكلهما من الشجرة المحرّمة: ((فانفتحت للحال أعينهما، وأدركا أنهما عريانان، فخاطا لأنفسهما مآزر من أوراق التين)) ( تكوين 3/7).. ((وكسا الرب الإله آدم وزوجته رداءين من جلد صنعها لهما.)) (تكوين 3/21)؛ ممّا يظهر أنّ للإنسان (عورة) لا بدّ أن تغطّى, وأن كشفها مخالف لطبيعة الخلق الآدمي الأوّل الذي رضيه الربّ ((لآدم)) وزوجه.

وجاء في سفر الأمثال 7/10: ((فإذا بامرأة تستقبله في زي زانية وقلب مخادع.))؛ ممّا يعني أنّ للزواني لباسًا يعرفن به, فيه من مظاهر الفساد والانحراف؛ ما يكشف المهنة الوضيعة التي رضينها لأنفسهن...

سلوك المطهّرين:

جاء التنبيه على الاهتمام بموقع نظر عين الرجل, في عدد كبير من النصوص؛ وفي ذلك دلالة على أهميّة ما تلبسه المرأة وما تكشفه لأعين الرجال وما تستره عنها, وأثر ذلك على الأمن الاجتماعي والأخلاقي للأمّة..

قال أيوب 31/1: ((أبرمت عهدا مع عيني، فكيف أرنو إلى عذراء؟)) .... فإنّ النظر إلى العذراء بريد الفساد, وسبيل الهلكة .. وفي ذلك دلالة على أنّ كشف المرأة مفاتنها للرجال, دعوة لهم إلى الفتنة ..

الحكمة:

يمثّل نَصّ سفر الأمثال 31/10-31 خلاصة مركّزة لصورة المرأة المثالية في الأسفار اليهوديّة: ((من يعثر على المرأة الفاضلة؟ إن قيمتها تفوق اللآليء.  بها يثق قلب زوجها فلا يحتاج إلى ما هو نفيس. تسبغ عليه الخير دون الشر كل أيام حياتها. تلتمس صوفا وكتانا وتشتغل بيدين راضيتين، فتكون كسفن التاجر التي تجلب طعامها من بلاد نائية. تنهض والليل ما برح مخيما، لتعد طعاما لأهل بيتها، وتدبر أعمال جواريها تتفحص حقلا وتشتريه، ومن مكسب يديها تغرس كرما تنطق حقويها بالقوة وتشدد ذراعيها. وتدرك أن تجارتها رابحة، ولا ينطفيء سراجها في الليل. تقبض بيديها على المغزل وتمسك كفيها بالفلكة. تبسط كفيها للفقير وتمد يديها لإغاثة البائس. لا تخشى على أهل بيتها من الثلج، لأن جميعهم يرتدون الحلل القرمزية. تصنع لنفسها أغطية موشاة، وثيابها محاكة من كتان وأرجوان. زوجها معروف في مجالس بوابات المدينة، حيث يجلس بين وجهاء البلاد. تصنع أقمصة كتانية وتبيعها، وتزود التاجر الكنعاني بمناطق. كساؤها العزة والشرف، وتبتهج بالأيام المقبلة. ينطق فمها بالحكمة، وفي لسانها سنة المعروف. ترعى بعناية شؤون أهل بيتها، ولا تأكل خبز الكسل. يقوم أبناؤها ويغبطونها، ويطريها زوجها أيضا قائلا: ((نساء كثيرات قمن بأعمال جليلة، ولكنك تفوقت عليهن جميعا)). الحسن غش والجمال باطل، أما المرأة المتقية الرب فهي التي تمدح. أعطوها من ثمر يديها، ولتكن أعمالها مصدر الثناء عليها.)) .. لقد شكّلت الملابس في هذا الوصف الحيّ للمرأة التقيّة, عنصرًا أساسيًا لبيان معالم الصورة الأنثويّة الأرقى في ديانة اليهود ..

ومن الناحية الفقهيّة يستعمل اليهود كلمة ((צניעות)) (تصنيعوت) بمعنى ((عفّة)), وهي تدّل على مجموعة الأحكام التشريعيّة المتعلّقة باللباس اليهودي الشرعي, وحدود العلاقة بين الجنسين, وتستعمل بصورة متكرّرة للدلالة على لباس المرأة اليهوديّة .. وقد وردت هذه الكلمة في مثل هذا السياق في سفر ميخا 6/8: ((وتسلك متواضعًا (הצנע) مع إلهك.)), وربط الربّي ((إليعازر بن صادق)) في التلمود البابلي (Sukkah 49b) بين هذا النصّ وبين السلوك المحتشم المطلوب.

لقد اهتمّت هذه الأحكام التشريعيّة بكلّ ما يتعلّق بالسلوك العفيف للمرأة, ومنه طبعًا اللباس الذي يوافق أحكام شرائع الأسفار العبريّة .. وتمّ بذل عناية خاصة بهذه الأحكام من ناحية الاستنباط الفقهي عند أحبار اليهود, والتزمت المجتمعات اليهوديّة القديمة عامة برعايتها؛ حتّى إنّ المرأة اليهوديّة المتزوّجة كانت تدان بالفساد الأخلاقي إذا كشفت شيئًا من المواضع التي من العادة تغطيتها, كما أنّ كشفها لما يعادل شبرًا من جسدها كان يعدّ فعلاً إباحيًا.

وبالنظر في (1) أسفار العهد القديم (2) والفقه اليهودي المقدّس (3) والممارسة اليهوديّة الأصيلة؛ بإمكاننا أن نخلص إلى أنّ الحجاب فريضة ربّانيّة في الدين اليهودي, وإن ضيّع عامة اليهود اليوم هذه الشريعة.

وفي التالي من الكلام, بيان تفصيلي ..

****

 الحجاب في العهد القديم :

يضمّ العهد القديم مجموعة من النصوص التي تدلّ بلفظها الواضح على أنّ الحجاب كان شريعة ربّانية ملزمة للنساء, وقد كانت هذه النصوص معلومة للأحبار الذين أخذوا من عامتها حكم وجوب الحجاب على المرأة اليهوديّة , لكن مع تأثّر اليهود بالمجتمعات الغربيّة, وتحوّل اليهوديّة من دين مرتبط -إلى حد ما- بأصله السماوي, إلى انتماء عرقي ضيّق يتبنّى في الأغلب الفكر الليبرالي الغربي الغالب؛ غابت هذه النصوص عن جلّ ساحات الطرح الفكري العملي ..

ويلاحظ في هذه النصوص أنّ الكثير منها لا يقف عند شريعة تغطية المرأة شعرها, وإنّما يتجاوز ذلك إلى القول بتغطية الوجه, وبالتالي ستر المرأة كامل جسدها؛ تقول الموسوعة اليهوديّة: ((The Universal Jewish Encyclopedia)) تحت عنوان ((Veil)) في بيان أمر النقاب في العهد القديم: ((النقاب لتغطية الوجه. يضمّ الكتاب المقدس عدّة كلمات تترجم عادة على أنّها (نقاب). المعنى الدقيق لهذه الكلمات غير معروف, ربّما هي تشير إلى ملابس أخرى تستعمل هي أيضًا لتغطية الوجه. كلمة צע'ף استُعمِلت لرِفقة (تكوين 24/65) وثامار (تكوين 38/14, 19), الألفاظ الأخرى التي استُعمِلت في الكتاب المقدّس للنقاب- رغم أنّ معناها ليس دائمًا قطعيًا- هي צמה (إشعياء 47/2, نشيد الأنشاد 4/1,3, 6/7) وרד'ד (إشعياء 3/23, نشيد الأنشاد 5/7) وרעלה (إشعياء 3/19)))

وسنتناول هنا أهم نصوص العهد القديم التي تظهر المكانة الشرعية للحجاب في تلك الأسفار التي يقدّسها اليهود -والنصارى أيضاً-؛ بما يجلي الحقيقة من منطوق النصوص ومفهومها..

****

جاء في سفر التكوين 24/64- 65 : ((ورَفَعَت رِفقَةُ عَينَيها فرَأَت إِسحق فقَفَزت عنِ الجَمَل، وقالَت لِلخادِم: ((مَن هذا الرَّجُلُ القادِمُ في الحَقلِ لِلِقائِنا؟)) فقال الخادم: ((هو سَيِّدي)). فأَخَذَتِ الحِجابَ واحتَجَبَت به.))  (ترجمة كتاب الحياة) وفي ترجمة (الفاندايك): ((فأخذت البرقع وتغطت.))

((ותשא רבקה את-עיניה, ותרא את-יצחק; ותפל, מעל הגמל.

ותאמר אל-העבד, מי-האיש הלזה ההלך בשדה לקראתנו, ויאמר העבד, הוא אדני; ותקח הצעיף, ותתכס. ))

ماذا فعلت ((رفقة)

 لقد أخذت ((الحجاب/البرقع)) ((הצעיף)) (هتصاعيف) و((اكتست)) ((ותתכס)) به .. وهو –كما تقول الموسوعة الكتابية ((The International Standard Bible Encyclopaedia)) رداءٌ كبير كان يستعمل في ذاك الزمان لتغطية الوجه أيضًا!

لقد استعملت الترجمة السبعينيّة اليونانيّة كلمة ((τὸ θέριστρον)) في مقابل كلمة ((הצעיף)), وهي اسم لرداء صيفي خفيف يغطّي البدن, وخاصة الرأس , وقد ذكره ((ترتليان)) في الفصل 17 من كتابه ((de Velandis virg.))  وقديس الكنيسة ((جيروم)) في كتابه ((ad Eustoch.)), كلباس كان النساء العربيات يرتدينه في القرون الميلاديّة الأولى.

استعملت نفس هذه الكلمة في الترجمة السبعينية لنشيد الأنشاد 5/7 في حديث المرأة عن نزع الحراس لبعض ما تلبس عن جسدها.

****

جاء في سفر إشعياء 47/1-3 : ((انزلي واجلسي على التراب أيتها العذراء ابنة بابل. اجلسي على الأرض لا على العرش ياابنة الكلدانيين، لأنك لن تدعي من بعد الناعمة المترفهة. خذي حجري الرحى واطحني الدقيق. اكشفي نقابك، وشمري عن الذيل، واكشفي عن الساق، واعبري الأنهار، فيظل عريك مكشوفا وعارك ظاهرا، فإني أنتقم ولا أعفو عن أحد.))

يخاطب الربّ في هذا النصّ مدينة بابل -أو أهلها - موبّخًا لها لمعصيتها أوامره؛ ويخبر عمّا سيؤول إليه أمرها من سقوط وذلّ, وهو يفعل ذلك من خلال الرمز إليها بالفتاة العذراء ((בתולת)) (بتولة) .. ستنزل الابتلاءات الشديدة على هذه البنت, بعد عزٍّ قديم .. ستجلس على غبار ((עפר)) (عافار) الأرض .. وستطحن الدقيق بيديها, وهو فعل العبيد والإماء في ذاك الزمن  .. وستكشف عن الـ((نقاب)) ((צמה)) في علامة على سقوط كرامتها ولحوق المهانة بها. وفي هذا يقول القمّص ((تادرس يعقوب ملطي)): ((((اكشفي نقابك، شمري الذيل))؛ وهو أمر غير لائق بالفتيات الصغيرات الشريفات في ذلك الحين، أن يكشفن وجوههن أو يشمرن ذيل ثيابهن.))

إنّ قول (الربّ) في هذا النصّ لهذه البنت: ((اكشفي نقابك)) ((גלי צמתך)) ؛ يعدّ دليلاً على أنّ الأصل في المرأة أن تكون منتقبة.

ويوضّح الناقد ((جوزيف أديسن ألكسندر)) ((Joseph Addison Alexander)) المعنى بقوله: ((تحدّث أحد الشعراء العرب عن مجموعة من النسوة غير محجّبات, وأنّهن بذلك يشبهن الإماء, وهي نفس الفكرة المعبّر عنها هنا.))  .. فالحجاب هنا هو الذي يميّز المرأة الحرّة عن الأَمَة المستعبدة.

****

جاءت الإشارة إلى استعمال نساء بني إسرائيل النقاب في سفر إشعياء 3/ 16-24 :

((يقول الرب: ((لأن بنات صهيون متغطرسات، يمشين بأعناق مشرئبة متغزلات بعيونهن، متخطرات في سيرهن، مجلجلات بخلاخيل أقدامهن.

سيصيبهن الرب بالصلع، ويعري عوراتهن.))

في ذلك اليوم ينزع الرب زينة الخلاخيل، وعصابات رؤوسهن والأهلة،

والأقراط والأساور والبراقع ((והרעלות)

والعصائب والسلاسل والأحزمة، وآنية الطيب والتعاويذ

والخواتم وخزائم الأنف،

والثياب المزخرفة والعباءات والمعاطف والأكياس

والمرايا والأردية الكتانية، والعصائب المزينة وأغطية الرؤوس

فتحل العفونة محل الطيب، والحبل عوض الحزام، والصلع بدل الشعر المنسق، وحزام المسح في موضع الثوب الفاخر، والعار عوض الجمال.))

كلمة ((רעלות)) (رعالوت) هي جمع ((רעל)) (راعل), وهو نقاب من النوع الفاخر على خلاف النوع الأدنى والمسمى ((צעיף)).

يهدّد الربّ نساء شعبه (بني إسرائيل) بالعقاب الشديد إن انحرفن عن طريق الحقّ, وسلكن طريق الضلالة, وخرجن عن حدود الشريعة التي أنزلها .. ومن أوجه هذا العقاب: سلب نساء (الشعب المختار) براقعهن .. وهو ما يدلّ على أنّ عادة الإسرائيليات, ارتداء النقاب لتغطية الوجه؛ إذ كيف يسلبهن الربّ شيئًا لا يملكنه؟!

 ويقول الناقد ((أتّو كايزر)) ((Otto Kaiser))  في تعليقه على هذا النصّ: ((..إنّ ذلك سيجعلهن يشعرن بالخجل وسيُنظر إليهن على أنّهن غير حَييّات بظهورهن بغير نقاب ولا غطاء رأس أمام العامة. إنّ ذلك يعني أنّهن سَيَسْفُلن إلى مرتبة الإماء, وسيُؤخذن كأسيرات حرب.)

واعتبرت الموسوعة اليهوديّة ((The Oxford Dictionary of the Jewish Religion))   هذا النصّ دليلاً على أنّ ((واجب تغطية الراس يعود إلى الأزمنة القديمة.))

****

وصف سفر دانيال 13/2-3 ((سوسنة)) بأنّها مؤمنة تقيّة: ((فتزوج امرأة اسمها سوسنة، ابنة حلقيا، وكانت جميلة جدًا ومتقية للرب, وكان والداها بارين، فربياها على حسب شريعة موسى.)) .. وقد جاء وصفها أنّها كانت منتقبة في سفر دانيال نفسه: ((وكانت سوسنة لطيفة جدا جميلة المنظر, ولما كانت مبرقعة، أمر هذان الفاجران أن يكشف وجهها، ليشبعا من جمالها.)) (13/31-32).

****

أهمّ نصّ كتابي احتجّ به أحبار اليهود لإثبات شريعة الحجاب, هو ما جاء في سفر العدد عند الحديث عن الشريعة المسمّاة: ((شريعة الغيرة))؛ إذ يقول النصّ إنّ الرجل إذا شكّ في زنى زوجته, ولم يكن معه دليل مادي لإثبات ذلك أمام القضاء؛ فإنّه يأخذ زوجته إلى الكاهن الذي ((يكشف رأس الزوجة، ويضع في يديها تقدمة التذكار التي هي تقدمة الغيرة، ويحمل الكاهن بيده ماء اللعنة المر. ويستحلف الكاهن المرأة قائلا لها: إن كان رجل آخر لم يضاجعك، ولم تخوني زوجك، فأنت بريئة من ماء اللعنة المر هذا...)) (سفر العدد5/18-19) .. وما كان للكاهن أن (يكشف) إلا رأسًا مستورًا بحجاب  .. وقد علّق الحبر اليهودي الشهير والعَلَمُ بين علماء بني إسرائيل ((راشي))   على هذا النصّ بقوله: ((بما أنّهم يفعلون ذلك لإصابتها بالخزي ... فإنّ ذلك يدل على أنّه (في أصله) محرّم. أو أيضًا, بما أنّه قد كتب: ((يكشف))؛ فإنّه يستتبع ذلك القول إنّه إلى حدّ ذاك الفعل, كان (رأسها) مغطّى, ويتضح من ذلك أنّه ليس من عادة بنات إسرائيل أن يخرجن برأس مكشوف. هذا هو (التفسير) الأساسي.)) ,   كما عدّه أشهر العلماء اليهود المتأخّرين ((فلنا غاون)) ((Vilna Gaon))  دليلاً على حرمة كشف الإسرائيليات لرؤوسهن.

وقد جاء في مدراش سفر العدد 5/18 في بيان سبب كشف الكاهن شعر المرأة وإرساله: ((لأنّ من عادة بنات إسرائيل أن تكون شعورهن مغطّاة, وبالتالي فإنّه لمّا يَكشف شعر رأسها, يقول لها: ((لقد فارقتِ سبيل بنات إسرائيل اللاتي من عادتهن أن تكون رؤوسهن مغطّاة, ومشيتِ في طرق النساء الوثنيّات اللاتي يمشين ورؤوسهن مكشوفة.))

****

لمّا أراد صاحب سفر نشيد الإنشاد وصف محبوبته, قال: ((لَشَّدَ مَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَاحَبِيبَتِي، لَشَّدَ مَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ! عَيْنَاكِ مِنْ وَرَاءِ نَقَابِكِ كَحَمَامَتَيْنِ.)) (نشيد الأنشاد 4/1) .. فقول الكاتب -الذي يقول اليهود والكنيسة إنّه ((سليمان)) النبيّ- للمرأة : ((وراء نقابك)) ((מבעד לצמתך)) (مِبَّعَد لصماتيخ)؛ دليل على إقرار هذا النبيّ لارتداء هذا اللباس, وأنّه من شِرعة بني إسرائيل!

****

جاء في إرمياء 3/3 أنّ الربّ الإله كان بصدد تقريع ((يهوذا)) وتأنيبها, فقال: ((لذلك امتنع عنك الغيث، ولم تهطل أمطار الربيع، ومع ذلك صارت لك جبهة زانية تأبى أن تخجل.))

جاء في المعجم الكتابي ((Dictionary of the Bible)) الذي أشرف على تحريره الناقد الكتابي التقليدي الشهير ((فيليب شاف)) ((Philip Schaff)) في مقال ((الجبهة)): ((كلّما كان النساء يراعين العفّة؛ غطّين الجبهة بحجاب, فإن لم يفعلن ذلك؛ كان ذلك منهن علامة على تركهن الحياء. إرمياء 3/3))

****

يخبرنا العهد القديم أنّ كشف الرأس هو علامة الحزن, بل والمبالغة في التجزّع, حتى ((قال موسى لهرون وألعازار وإيثامار ابنيه: ((لا تكشفوا رؤوسكم ولا تشقوا ثيابكم حدادًا، لئلا تموتوا ويسخط الرب على كل الشعب. وأما بقية الشعب فليبكوا على اللذين أحرقهما الرب.)) (اللاويين 10/6) .

فإذا كان كشف الرأس منكرًا بالنسبة للرجال في زمن ((موسى)) عليه السلام, فكيف بالأمر مع النساء؟!

****

 الحجاب في الفقه اليهودي:

استقرّ في الذهنيّة العلميّة لأحبار اليهود أنّ المرأة مصدر جاذبيّة للرجل, وأنّ التوراة قد عملت على منع حدوث الفتنة من التقاء النفس المثيرة والنفس المستثارة, وقد وجدوا في الأسفار المقدّسة بغيتهم لتأكيد حرمة كشف المرأة رأسها, من خلال اعتماد أكثر من مسلك استنباطي: بمراقبة دلالة لفظ, أو بالتفتيش في لحمات السياق, أو بردّ القضايا العينيّة إلى إطلاقات النصوص..وقد جُمع هذا التراث الفقهي في عدد من المصادر؛ من أهمها التلمود بمشناه, كما ظهر هذا العمل الاستنباطي في كتب الشروح والتقنين المتأخّرة لأفراد الفقهاء –كما هو الأمر مع ((موسى بن ميمون))- أو في الكتب ذات الطابع التأمّلي بنزعتها الصوفيّة؛ كالمدراشات والزوهار..

الإجماع على وجوب تغطية الرأس:

نقل الحبر ((ماير شلّر)) ((Mayer Schiller)) إجماع فقهاء اليهود على حرمة أن تكشف المرأة اليهوديّة المتزوّجة كامل شعرها في الشارع؛ فقال: ((يبدو أنّه لا يوجد مصدر تشريعي (نصّ أو فقيه) مقبول يسمح للمرأة المتزوّجة بأن يكون كامل شعرها مكشوفًا في الأماكن العامة. )) ((In public there appears to be no accepted halachic source to permit a married woman to have her hair totally uncovered))  , وقال أيضًا: ((يعتبر اليوم أمر تغطية المرأة شعرها عند المشرّعين (اليهود) في العالم, حُكمًا موضوعيًا, وتبقى مسألة طريقة (ارتداء الحجاب) متأثّرة بالتحوّل الاجتماعي, دون أن يمسّ ذلك أصل الحكم)) ((Today, woman’s hair covering is seen as an objective norm throughout the halachic world, the method of which may be influenced by social change, but not the  basic requirement))

وقد نقل نفس الإجماع أيضًا الحبر ((جتزل إلنسون)) ((Getsel Ellinson)) في قوله: ((كلّ السلطات (العلميّة) متّفقة بصورة تامة على أنّ المرأة المتزوّجة ملزمة بألاّ تغادر بيتها بشعر مكشوف. اختلاف الآراء منحصر في أمر تفاصيل هذا التحريم.)) .

شعر المرأة عورة:

قال الحبر ((ششث)) ((ששת)) في التلمود صراحة: ((شعر المرأة عورة)) ((שער באשה ערוה))   (Berachoth 24a), وهو أيضًا ما قرّره الحبر الشهير ((يعقوب بن آشر)) الذي كان من أشهر علماء اليهود في القرون الوسطى,  في كتابه التشريعي اليهودي الشهير ((ארבעה טורים))  , وقال الفقيه اليهودي البارز, الحبر ((يعقوب ب. ميير)) : ((يشير نصّ ((شعر المرأة عورة)) إلى (مسألة شرعيّة) النظر إليه.)) , وهو ما وضّحه العالم التلمودي اليهودي: ((Ravad of Posquires))   بقوله إنّ الرجل ((ممنوع من النظر إلى أيّ موضع من المرأة ولو كان إصبعًا صغيرًا أو شعرها.))

وقد ذكر التلمود أنّ الحبر ((ششت)) قد قال إنّه ((إذا حدّق الواحد في الإصبع الصغير للمرأة؛ فكأنّما حدّق في الموضع السريّ من جسدها (أي فرجها))) ((כל המסתכל באצבע קטנה של אשה כאילו מסתכל במקום התורף)) (Berachoth 24a)؛ وفي ذلك دلالة على أنّ جسد المرأة بالنسبة للرجل في اليهوديّة, مصدر انجذاب جنسي لا بدّ من نأي الأعين عنه.

كما قرّر العديد من أعلام فقهاء اليهود أنّ على المرأة أن تغطّي رأسها بناء على القاعدة التشريعية اليهوديّة المسمّاة ((לפני עיור)) (لفني عيور)  والتي تُعنى برعاية الجوانب الأخلاقيّة والسلوكيّة. ورتّب التلمود على تعدّيها حكم (الحرمان) (חרם) بإقصاء من خرقها من المجتمع اليهودي وردّ انتمائه إليها. وقد قرّر فقهاء اليهود هذا الحكم بناء على هذه القاعدة؛ لأنّ المرأة بابتذالها في اللباس تقود الرجل إلى أبواب الخطيئة.

الحجاب من العرف المقدس:

جاء في التلمود (Kethuboth 72a): ((ואלו יוצאות שלא בכתובה העוברת על דת משה ויהודית ואיזו היא דת משה מאכילתו שאינו מעושר ומשמשתו נדה ולא קוצה לה חלה ונודרת ואינה מקיימת ואיזוהי דת יהודית יוצאה וראשה פרוע ...)) ((هؤلاء يُطَّلقن دون أن يعطين كتابهن :الزوجة التي تنتهك شريعة موسى أو العرف اليهودي. ماالذي يعدّ انتهاكًا لشريعة موسى؟ الجماع عند حيضها ... ماالذي يعدّ انتهاكًا للعرف اليهوديّ؟ الخروج برأس مكشوف ...)) ويضيف التلمود في شرحه  أنّ مدرسة الحبر ((إسماعيل)) قد فهمت أنّ هذا النصّ يدلّ على أنّ التوراة تمنع بنات إسرائيل من الخروج برؤوس مكشوفة.

وقد ذكر الحبر ((جتزل إلنسون)) أنّ ((جلّ السلطات (العلميّة) في الحقيقة تتعامل مع مسألة خروج (المرأة)  بشعر مكشوف على أنّه خرق لتحريم توراتي.))

ونظرًا لما قد يبدو في النص التلمودي السابق من تمييز بين الشرع الموسوي والشرع العرفي؛ فقد أكّد عدد من أعلام الفقه اليهودي على أنّ العرف اليهودي المقصود هنا هو مسلك ديني ثابت لا يتغيّر ولا يتبدّل؛ وقد قرّر الحبر ((إسرائيل ميير بوبكو))  في كتابه الفقهي الكبير ((مشناه بروراه))  أنّ إلزام المرأة بتغطية الرأس لا تعلّق له في الفقه اليهودي بأعراف المجتمعات وإنما هو أمر متعلّق بالمعايير الموضوعيّة للعفّة التي لا تتأثّر بطبائع المجتمعات وتحوّلاتها.

ونقل الحبر ((ماير شلر)) أنّه لم يقل أحد من ((البوسقيم))   أنّ تغيّر الأعراف من الممكن أن يؤدّي إلى السماح للمرأة أن تكشف شعرها.

ويعتبر الفقيه اليهودي ((موسى بن ميمون)) من أهمّ من أكّد على أنّ هذا الحكم التلمودي بمنع المرأة من كشف رأسها, إنّما يعود إلى نصوص التوراة ذاتها؛ فقد فسّره بقوله: ((هذه الأمور, إذا خالفت (المرأة) واحدًا منها؛ عُدّت خارقة لشريعة موسى: أن تخرج إلى الشارع بشعر مكشوف. وما هو عرف اليهود؟ إنّه كلّ عرف متعلّق بالعفّة التي اعتادتها بنات إسرائيل. هذه هي الأمور التي إذا تعدّت واحدة منها؛ فقد خرقت العرف اليهودي: أن تخرج إلى الشارع أو زقاق مفتوح برأس مكشوف دون غطاء كما هو صنيع كلّ النساء, حتّى ولو كان شعرها مغطّى بشال.))

ويعتبر الحجاب –في نظر فقهاء اليهود- طابعًا خاصًا بالمرأة اليهوديّة يميّزها عن غيرها بهذا المسلك الأخلاقي المتميّز والراقي؛ ولذلك قال ((فلنا غاون)) في تعليقه على ((الجمارا)): ((ليس من مسلك بنات إسرائيل أن يسرن في الشارع برؤوس مكشوفة))   ..

وقد عُدّ الحجاب علامة من العلامات التي تتميّز بها المرأة اليهوديّة عن المرأة الوثنيّة؛ حتى إنّه قد جاء في مدراش سفر العدد 9/16 أنّ الوثنيّات فقط, هن من يخرجن برؤوس مكشوفة, وفي ذلك تعبير شديد على إدانة السفور وربطه بالعبادات الوثنية المرذولة!

الحجاب دلالة على العفة:

يقول الدكتور ((مناحيم م. براير)) ((Menachem M. Brayer))  في كتابه ((النساء اليهوديات في أدب الأحبار)): ((كان من عادة النساء اليهوديات أن يخرجن بغطاء رأس، وفي بعض الأحيان يغطين كل الوجه إلا عينًا واحدة.))  . وقد استند على نصّ التلمود في (Shabbath 80a)؛ إذ قد جاء في هذا النصّ في حديثه عن استعمال النساء للزينة, قول الحبر ((هونا)) ((הונא)): ((المرأة التقيّة تستعمل الكحل لعين واحدة)) ((צנועות כוחלות עין אחת)).

وقد ذهب الحبر ((صموئيل)) ((שמואל)) والحبر ((نحمني)) ((נחמני)) في نفس الموضع السابق من التلمود إلى أنّه يجوز  استعمال  الكحل للعينين معًا من باب التزيّن, فقط لنساء القرى الصغيرة؛  ويبدو  أنّهما قد اختارا هذا القول لاعتقادهما أنّ باب الافتتان في القرى الصغيرة أقلّ  ..

 وجليّ من الحديث عن استعمال الزينة لعين واحدة فقط, أنّ هذا النص متعلّق بفريضة انتقاب المرأة, وهو ما فهمه عدد من النقاد من هذا النصّ.

تمثّل امرأة اسمها ((قمحيث)) ((קמחית)) في الكتابات الدينيّة اليهوديّة, رمزًا من رموز العفّة والالتزام الأخلاقي العالي؛ فقد جاء في التلمود أنّها قد سُئلت عن السبب الذي وفّقها ليكون لها سبعة أبناء يتولون منصب رئاسة الكهنة, فأجابت بقولها: ((لم تر قائمة باب بيتي ضفائر شعري طوال أيام حياتي)) ((מימי לא ראו קורות ביתי קלעי שערי)) (Yoma 47a)..

لقد كان أمر ستر اليهوديّة شعرها, بل وكامل بدنها, محلّ عناية من كثير من فقهاء اليهود لاتصاله الوثيق بخصلة العفّة التي لا بدّ أن تتحلّى بها المرأة اليهوديّة؛ حتّى إنّ ((دانيال القوميصي))  قد شنّ هجومًا لاذعًا على اليهود الحاخميين  لأنّهم أجازوا للمرأة اليهوديّة أن تكشف وجهها للأمميين (غير اليهود).

 الحجاب للمرأة المتزوّجة:

جاء في كتاب ((المائدة المنضودة)) ((שולחן ערוך))  للفقيه اليهودي البارز ((يوسف قارو)) : ((يجب على النساء المتزوّجات أن يغطين رؤوسهن على الدوام, أمّا غير المتزوّجات فلا ينطبق عليهن هذا القانون.))

وجاءت قواعد ستر الرأس في التلمود على هذه الصورة: ((يغطّي الرجال رؤوسهم أحيانًا, ويكشفونها أحيانًا أخرى, لكنّ النساء يغطّين رؤوسهن دائمًا, ولا يغطّي البناتُ الصغار رؤوسهن البتّة.)) (Nedarim 30 b)  .. ولذلك ذهب جمهور فقهاء اليهود إلى إلزام المتزوّجات دون العذارى بالحجاب, وربّما يعود ذلك إلى ظاهرة الزواج المبكّر عند اليهود, إذ إنّ عامة العذارى هن من صغيرات السنّ اللائي لم يبلغن الحلم أو لم يتجاوزنه بسنوات كثيرة.

وذهب بعض أعلام الفقه اليهودي في المقابل إلى إلزام غير المتزوّجة أيضًا بتغطية رأسها؛ فقد كتب ((باخ)) قائلاّ بما أنّ ((مصدر التحريم هو فقرة ((على بنات إسرائيل ألاّ يخرجن بشعر مكشوف)), ولم تقل هذه الفقرة بقصر الكلام على النساء المتزوّجات؛ فإنّ المتزوّجات وغير المتزوّجات داخلات في الحكم.))

وكان الفقيه اليهودي ((موسى بن ميمون)) موافقًا ((لباخ)) في صرامته؛ إذ قد قال في كتابه في الشرع التوراتي: ((على بنات إسرائيل ألاّ يخرجن إلى السوق برأس مكشوف؛ سواء كنّ متزوّجات أو غير متزوّجات.)

الباروكة كحجاب:

اتفق فقهاء اليهود على فريضة تغطية المرأة رأسها, لكنهم اختلفوا في تفاصيل هذا الأمر. وقد ظهرت بينهم نقاشات طويلة لازالت تشغلهم إلى اليوم حول حكم وضع باروكة على الشعركحجاب تغطّي به المرأة رأسها.

وقد جاء في التلمود أنّ ((رب)) ((רב))  قد قال: ((كلُّ ما منع الحكماء الخروج به إلى الشارع؛ فهو ممنوع في فناء البيت باستثناء شبكة الشعر (hair-net)  والباروكة)) ((כל שאסרו חכמים לצאת בו לרה"ר אסור לצאת בו לחצר חוץ מכבול ופאה נכרית)) (Shabbath 64b)  وأضاف التلمود أنّ الحبر ((عناني بار شاشون)) ((ענני בר ששון))  قد خالفه في جواز ذلك .. وهو ما يظهر الجدل المبكّر حول شرعية الباروكة لتغطية الشعر, وقبل ذلك, هو يثبت أهميّة وجوب تغطية الشعر ابتداءً.

ذهب بعض الفقهاء اليهود إلى القول بجواز أن تلبس المرأة باروكة تغطي بها شعرها, بإطلاق .. وذهب آخرون إلى أنّ لبس الباروكة لا يجوز إلاّ في البلاد التي من أعرافها أن تلبس المرأة باروكة, فإن لم تكن هذه العادة موجودة؛ فإنّ على المرأة أن تغطي رأسها بخمار .. وذهب في المقابل جمهور فقهاء اليهود, إلى عدم شرعيّة لبس الباروكة كوسيلة لتغطية الشعر, ومن أعلام من ذهب هذا المذهب الحبر ((Ya’akov Emden)) والحبر ((Vilna Gaon)) والحبر ((Shlomo Kluger)) و((Maharaz Hayot)) و((Chatam Sofer)), و((Zanzar Rav)), و((Maharsham)), حتّى قال الحبر ((عوبيديا يوسف)) ((Ovadiah Yosef)): ((يبدو أنّ غالبية الأحرونيم  يحرّمون (الباروكة)))

حلق العروس شعرها:

انتشرت عادة حلق النساء اليهوديات شعورهن بالكامل عند إقامة العرس في هنغاريا وفي جليقيا بإسبانيا وفي أوكرانيا, وهن يقمن بتغْطية رؤوسهن بمنديل بعد حلق الشعر. وكان النساء في بعض الأزمان يستعملن الباروكة بصورة كليّة أو جزئيّة بعد ذلك. ولازالت هذه العادة موجودة إلى اليوم في الأوساط اليهوديّة المتديّنة في فلسطين المحتلّة.

كان هناك عدد من الفقهاء (البوسقيم) ممن أيّدوا بشدّة حلق العروس شعرها, وحجّتهم في ذلك أساسًا أنّ العروس بفعلها ذاك تضمن ألاّ يظهر من شعرها شيء, فيما عارض آخرون هذا العرف لأنّه يجعل المرأة تبدو قبيحة يوم عرسها!

والثابت من هذا العرف (الغريب!), هو أنّ اليهود في فقههم, يتعاملون بحرج شديد مع شعر المرأة وأمر ستره وكشفه؛ ممّا أداهم إلى مثل هذا المذهب المنكر!

الرجل الذي يرضى بكشف شعر زوجته, ديوّث:

لمّا كان حكم تغطية المرأة المتزوّجة رأسها موصولاً بالتوراة, والعرف اليهودي السويّ, ومراعاة العفّة التي أريد للمرأة اليهوديّة أن تتميّز بها عن غيرها؛ فقد كان سماح الرجل لزوجته أن تسير في الشارع مكشوفة الشعر, من القبائح والرذائل الشنيعة التي تظهر وهاء إيمان هذا اليهودي وعدم التزامه بما تدعو إليه الأسفار المقدّسة وأقوال الأحبار المرجّحة؛ ولذلك قرّر الأحبار أنّ من يرى زوجته تخرج ورأسها غير مغطى؛ هو رجل كافر (godless). وعليه إلزامًا أن يطلّقها  ..

وجاء في ((الزوهار)) في نفس الشأن: ((قال الحبر ((حزقياهو)): ((لتكن اللعنة على كلّ رجل يسمح لزوجته أن تكشف شعرها. هذا جزء من عفّة الأسرة.)) (Zohar III, 125b) ؛ وهو ما يعدّ منتهى الرفض واللفظ لمن يرضى أن تحسر المرأة عن شعرها في غير بيتها. وقد علّق الحبر ((أبراهام جومبينر)) ((אברהם גומבינר))  على هذا الحكم بقوله: ((أكّد الزوهار بشدّة على ألاّ يظهر أيّ من شعر المرأة, وهذا هو العرف المقبول.))

الجزاء الأخروي الوبيل للتبرّج:

ثبت بما سبق أنّ المرأة التي ترضى أن تكشف شعرها في الشارع, مذنبة في الدنيا, وعليها وزر عظيم بسبب ما فعلت .. ولاشكّ أنّ عقابها الدنيوي له ما بعده من عقاب أُخروي , وقد جاء في أحد ((المدراشات)) في الحديث عن المرتبة الرابعة في النار: ((دخل البيت الرابع, ووجد نساءً معلّقات من أثدائهن. قال أمامه: ((اكشف السرّ, وفسّر هذه المأساة العظيمة.)) قال له ... ((هؤلاء هنّ النسوة اللائي كشفن رؤوسهن في الأسواق ...))  .. ولا شكّ أنّ هذا العقاب كفيل بإثارة الهلع في صدر من تؤمن بربّانية مصدره, كما أنه قبل ذلك دليل صريح على شناعة كشف المرأة شعرها في غير بيتها!

****

 الحجاب في التاريخ اليهوديّ:

الحجاب قبل زمن المسيح ابن مريم:

رغم ندرة الآثار المتاحة حول لباس اليهوديات في زمن ما قبل المسيح, فإنّه بإمكاننا من خلال تجميع الشذرات المتاحة أن نستنبط أنّ اليهوديات كن يغطين رؤوسهن وفي أحيان وجوههن, فقد جاء في كتاب: ((مدخل عام إلى الأسفار المقدسة)) ((A General  Introduction to the Sacred Scriptures)) في مبحث ((لباس العبريات)) أنّ: ((النساء اليهوديات واليونانيات لم يكن يظهرن أبدًا في الأماكن العامة دون خمار.)) . ويَذكر هذا الكتاب أنّ من أسمائه: ((צמה)) و((רעלה)) و((צע'ף)).  ويوضّح حدوده بقوله: ((الحجاب العبري القديم كان في بعض الأحيان كبيرًا إلى درجة أنه كان يغطي كامل البدن.))

الحجاب زمن المسيح ابن مريم وأثناء القرون الوسطى:

أكّد ((أدمون ستابفر)) ((Edmond Stapfer)) في كتابه عن فلسطين زمن المسيح, أنّ اليهوديات كنّ لا يخرحن إلى الشارع إلاّ ورؤوسهن مغطّاة بالكامل , وشهد ((معجم تندل للكتاب المقدس)) أنّ النساء اليهوديات في زمن ((بولس)) كنّ دائما يغطين رؤوسهن في الأماكن العامة.  وكانت اليهوديات في  آخر القرن التالي له (القرن الثاني), بشهادة ((ترتليان)) النصراني, يُعرفن بارتدائهن الحجاب في الأماكن العامة, فقد قال: ((من السائد عند اليهود أن تكون رؤوس نسائهن مغطاة؛ حتّى يُعرفن.)) ((Apud Iudaeos tam sollemne est feminis eorum uelamen capitis ut inde noscantur)

كما شهد المعجم الكتابي ((Dictionary of Judaism in the Biblical Period)) أنّ العملات التي أصدرها الإمبراطور الروماني ((فسباين)) ((Vespasian)) والمسمّاة ((Judaea Capta coins)) والتي احتفى فيها باحتلال منطقة ((اليهوديّة)) و((تــدمير الهيكل)) على يد ((تيطس)) سنة 70م, تظهر أنّ الحجاب كان ((جزءًا من الملابس الخارجيّة))  ..

ويخبرنا الحبر ((راشي)) عن حال اليهوديات في زمانه فقال: ((تخرج النساء الإسرائيليات في البلاد العربيّة منتقبات (רעולות), في حين أنّ اليهوديات في الهند يخرجن وهن لابسات عباءة وقد شددنها بأفواههن.))

اعتبرت المرأة الكاشفة رأسها خلال عهد التنايتِك  أنها تهين حشمتها. وإذا خرجت بدون غطاء رأس؛ تغرّم بأربعمائة (زوزيم) لهذه الجريمة.

ومن خلال ما وفّرته لنا مخطوطات ((جنيزة))؛ فإنّه بإمكاننا أن نقول إنّ المرأة اليهوديّة كانت تغطّي (أحيانًا على الأقل) وجهها في القرن الحادي عشر؛ فطبق ما قاله ((جويتن)) فإنّ عَقدًا أبرمه أحد اليهود القرّائين في فلسطين في 26 يناير 1028م جاء فيه أنّ من المقتنيات التي أحضرتها الزوجة إلى بيت زوجها, أعدادًا من الخُمُر وأغطية الوجه وثيابًا طويلة تصل إلى الأرض. وفي وثيقة أخرى لزواج أحد الحاخاميين في الفسطاط (القاهرة القديمة) كان ((الخمار)) أحد المقتنيات المذكورة في العقد.

ويلخّص الحبر ((Shmuel Herzfeld))   الحال في القرون الوسطى, بقوله: ((كانت النساء في القرون الوسطى يغطين أجزاء من شعورهن طوال الوقت, داخل بيوتهن وخارجها, باستثناء فترة قصيرة من القرن الثاني عشر. وقد كان كشفهن لرؤوسهن عندما يسرن في الخارج يعتبر فعلاً شنيعًا جدًا.))

الحجاب في العصر الحديث:

تقول الموسوعة اليهوديّة ((The Oxford Dictionary of the Jewish Religion)): ((في الأزمنة الحديثة, تغطي الأرثودكسيّات (أي المتديّنات) المتزوّجات رؤوسهن بباروكة أو خمار إذا كنّ في مكان عام.. تحلق النساء رؤوسهن قبل الزواج في التجمعـات الحسيدية , ويرتدين خمارًا. وتغطي غير المتزوجة في اليمن أيضًا رأسها.))

وتحدّث الحبر ((ماير شلّر)) ((Mayer Schiller)) عن واقع المرأة اليهوديّة اليوم؛ فبيّن أنّ هناك من اليهوديّات من يرفضن ارتداء الباروكة ويرين وجوب تغطية الشعر كاملاً بشال, وهي ظاهرة معروفة عند اليهوديات الهنغاريات, ومنهن من يغطين رؤوسهن بشال, ويضعن في مقدم الرأس جزءًا من باروكة بادية على أنّها ليست شعرًا حقيقيًا, وهو مسلك اليهوديات في العائلات اليهوديّة الحاخاميّة في أوكرانيا, وقد أجازه بعض الأحبار كالحبر ((يعقوب أمدن)). ومنهن من يلبسن باروكة يضعن فوقها قبّعة, وهناك من يلبسن باروكة لتغطية الرأسٍ كما هو بين اليهوديات البولنديات والليتوانيات الحسيديات, وهو أيضًا عرف يهوديات ألمانيا.

صورة غلاف المعجم الكتابي الشهير ((A Dictionary of the Bible)) طبعة 1908م

وفيه صور باليد لما كان عليه أهل الكتاب من قبل (لاحظ النقاب وغطاء الرأس!)

 الحجاب في النصرانيّة

أهميّة اللباس في النصرانيّة:

رغم أنّ البلاد التي عامة أهلها من النصارى, تعرف اليوم حالة من (الانفجار) الجنسي, وسيادة للتفلّت الأخلاقي, وانهيارًا للضوابط الأخلاقيّة, إلاّ انّ ذلك في الحقيقة لا يعود بصورة مباشرة إلى الأحكام التي نشرتها النصرانيّة في كتبها المقدّسة ..

لقد جاءت النصرانيّة في القرن الأوّل ميلادي لترث من اليهوديّة أسفارها القديمة, ورغم أنّ مؤسسها الحقيقي ((بولس)) قد أعلن القطيعة مع الشريعة اليهوديّة, معلنًا انتهاء العمل بالشريعة القديمة, وبداية عهد الخلاص المبذول بدم المسيح على الصليب , إلاّ إنّ ((بولس)) نفسه, ومعه الكنيسة, لم يستطيعا أن يتجاوزا مسألة اللباس (الشرعي) وأهميّته في حياة الفرد النصراني ..

كان كتّاب أسفار العهد الجديد, على قناعة تامة بأهميّة اللباس في ضبط السلوك الفردي وتوجيه العلاقات العامة, خاصة بين الرجال والنساء .. كما كان اهتمام رجال الكنيسة الأوائل بجانب العفّة, والانضباط الجنسيّ, من أهمّ الدوافع التي حفّزت المجموعات النصرانيّة المبكّرة على أن تعتني بأمر اللباس الشرعي الخاص بالمرأة ...

لقد كانت الكنيسة الأولى مشغولة بأمر الطاقة الجنسيّة في الرجل والمرأة ومآلات أثرها في الإنسان إن لم تضبط وتحكم وتحجز عن موارد الحرام .. وبلغت في هذا الشأن مبلغًا شديدًا يظهر في قول مؤلّف إنجيل متّى 5/27-29 - نقلاً عن المسيح –بزعمه-: ((وَسَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: لاَ تَزْنِ! أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ بِقَصْدِ أَنْ يَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ! فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى فَخًّا لَكَ، فَاقْلَعْهَا وَارْمِهَا عَنْكَ، فَخَيْرٌ لَكَ أَنْ تَفْقِدَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُطْرَحَ جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ!))!!!

لقد كان وعي الكنيسة الأولى بأمر (العورات) وما يباح رؤيته من المرأة, على درجة عالية من الحساسيّة .. وكان الربط بين العفّة واللباس بارزًا, وكان اليقين ثابتًا أنّ العفّة ليست معنى مجرّدًا مستكنًا في القلب, وإنّما لها تجليّات في الأعمال والسلوك واللباس..

كان لباس المرأة في حسّ هذه الكنيسة في بداية تكوّنها مرتبطًا بمجمل سلوك المرأة في حياتها, ولم يكن رمزًا لمعنى باهت, أو علامة على فكرة مجرّدة, بل كان وثيق الصلّة بالتكوين النفسي والفكري والسلوكي للمرأة ككائن اجتماعي ..

ومن أشهر النصوص التي تجلّي النموذج (الشكلي) لهيئة المرأة النصرانيّة (التقيّة) في الأسفار المقدّسة:

~ 1بطرس 3/3-6: ((وعلى المرأة ألا تعتمد الزينة الخارجية لإظهار جمالها، بضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب الفاخرة. وإنما لتعتمد الزينة الداخلية، ليكون قلبها متزينا بروح الوداعة والهدوء. هذه هي الزينة التي لا تفنى، وهي غالية الثمن في نظر الله! وبها كانت تتزين النساء التقيات قديما، فكانت الواحدة منهن تتكل على الله وتخضع لزوجها. فسارة، مثلا، كانت تطيع زوجها إبراهيم وتدعوه: ((سيدي)). والمؤمنات اللواتي يقتدين بها، يثبتن أنهن بنات لها، إذ يتصرفن تصرفا صالحا، فلا يخفن أي تهديد.))

~ 1تيموثاوس 2/9-10: ((كما أريد أيضا، أن تظهر النساء بمظهر لائق محشوم اللباس، متزينات بالحياء والرزانة، غير متحليات بالجدائل والذهب واللآلئ والحلل الغالية الثمن، بل بما يليق بنساء يعترفن علنا بأنهن يعشن في تقوى الله، بالأعمال الصالحة!))

لقد منعت هذه الأحكام المرأة من:

o       كلّ زينة خارجيّة لإظهار الجمال.

o       ضفر الشعر.

o       الحليّ الذهبيّ.

o       الثياب الفاخرة.

o       الحلل غالية الثمن.

وهي محرّمات قد وردت على سبيل المثال لا الحصر, كما أنّها عناوين لأصناف كثيرة من اللباس؛ مما يعني أنّ النصرانيّة تمنع المرأة صراحة من (التعبير) عن جمالها أمام الرجال ..

 كما ظهر هذا الضبط السلوكي في الملبس, في التشريع الكنسي المبكّر؛ فقد جاء في ((الدسقوليّة)) :

o       ((إن أردتِ ان تكوني مؤمنة ومرضية لله فلا تتزيني لكي تُرضي رجالاً غرباء.))

o       ((لا تشتهي لبس المقانع والثياب الخفيفة التي لا تليق إلاّ بالزانيات.))

o       ((لا تزوقي وجهك الذي خلقه الله. فليس فيه شيء ينقص زينة, لأن كل ما خلقه الله فهو حسن جدًا, ولا يحتاج إلى زينة. وما زيد على الحسن فإنّه يُغير نعمة الخالق.))

لقد رفضت الكنيسة الأولى أن تتحوّل المرأة إلى دمية ملوّنة لاجتذاب الأعين النهمة, أو كيان (متوحّد) في ذاته لا يرى من نفسه إلا الأصباغ والجدائل؛ فكانت شديدة الحزم في رسم حدود لباس المرأة وزينتها إذا خرجت من البيت. وقد أحكمت الجزم بالالتزام برسم دائرة مغلقة من الأحكام التي تمنع ظهور التسيّب الأخلاقي بين الجنسين, وإن لم يبلغ ذلك درجة الاستواء التشريعي؛ فقد كان همّ مقاومة نزوع المرأة إلى أن تتبذّل في اللباس وتفارق سبيل الحشمة, هاجسًا قويًا لدى أئمة الكنيسة, جعلهم يتحسسون من كلّ  فعل أو خاطرة عابرة من النساء ..

استمرّ أمر الدعوة إلى العفّة في اللباس في شغل حيّز كبير من اهتمامات آباء الكنيسة وتشريعاتها.. غير أنّه مع تململ الغربيين من سلطان الكنيسة المتجبّرة, وفساد رجال الدين؛ فارقت النصرانيّة الحاليّة التراث الآبائي القديم, وانخرطت على مراحل في معايشة أعراف حديثة لا تستند إلى أصول عريقة في تكوينها الجنيني المبكّر والجيني الأصيل.

ولأنّ النصرانيّة هي :

(1) نصوص مقدّسة.

(2) تفاسير مقدّسة لهذه النصوص ممن تعتقد الكنيسة أنّ روح القدس كان يسدّد أفهامهم.

فسننظر في هذه النصوص المعتقد لها القداسة, والتفاسير المعتقد لها العصمة؛ لنستبين من خلال ذلك الموقف الأصيل للنصرانيّة الأولى من الحجاب ..

****

 الحجاب في العهد الجديد:

جاء في رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس 11/4-10: ((فكل رجل يصلي أو يتنبأ، وعلى رأسه غطاء، يجلب العار على رأسه.وكل امرأة تصلي أو تتنبأ، وليس على رأسها غطاء، تجلب العار على رأسها، لأن كشف الغطاء كحلق الشعر تماما. فإذا كانت المرأة لا تغطي رأسها، فليقص شعرها! ولكن، مادام من العار على المرأة أن يقص شعرها أو يحلق، فلتغط رأسها. ذلك لأن الرجل عليه ألا يغطي رأسه، باعتباره صورة الله ومجده. وأما المرأة فهي مجد الرجل. فإن الرجل لم يؤخذ من المرأة، بل المرأة أخذت من الرجل؛ والرجل لم يوجد لأجل المرأة، بل المرأة وجدت لأجل الرجل. لذا يجب على المرأة أن تضع على رأسها علامة الخضوع، من أجل الملائكة.))

صرّح ((بولس)) في النصّ السالف أنّه لا يجوز للمرأة أن تكشف شعرها داخل الكنيسة إذا كانت تصلّي أو تتنبّأ .. ونقول: تبعًا لذلك فمن باب أولى عدم كشفه خارجها .. إذ الفتنة خارجها أشدّ .. فإذا كان المنع مقررًا داخل دور العبادة حيث الأصل أن تكون الأنفس أكثر استعدادًا لمواجهة فتنة الشيطان؛ فمن باب أولى حرمة هذا الأمر في الخارج حيث عوامل الاستثارة والاستجابة أكبر  .. وهو نفس ما قرّره ((ترتليان)) إذ قال في الفصل 22 من كتابه ((حول الصلاة)) ((De Oratione)) –وإن كان قد طرحه بصورة عكسيّة؛ إذ إنّ من النساء في زمانه من كن يرتدين الحجاب في الشارع, ويعرين رؤوسهن في الكنيسة- : ((لماذا تكشفن أمام الله, ما تغطينه أمام الرجال؟ هل أنتن محتشمات في الشارع أكثر من الكنيسة؟))  .. إنّ العفّة بارتداء الحجاب عند ((ترتليان)), فريضة في الشارع كما في الكنيسة!

ومما يؤكّد أنّ ((بولس)) كان يرى وجوب الحجاب, أنّ الفيلسوف والمؤرّخ ((ديو ذهبي الفم)) ((Dio Chrysostom)) -وكان من معاصري  ((بولس))- قد أشار إلى أن النساء في طرسوس-بلد ((بولس))- كنّ يغطين أنفسهن عندما يكنّ في الشارع فلا يظهر منهن شيء ..

كما أنّ أهل كورنثوس الذين تنصّروا, والذين وجه إليهم ((بولس)) رسالتيه, كانوا في الأساس على قسمين: اليونان الأمميين, واليهود المتنصّرين (كما هو ظاهر من الحديث عن الرجال الذين ختنوا والآخرين الذين لم يختنوا في 1كورنثوس 7/18) ..

 ونعلم تاريخيًا أنّ لباس النساء اليونانيات كان معتنيًا بصورة كبيرة بالستر؛ إذ إنّ أشهر أنواعه والمسمّى  ((peplum)), هو رداء تضعه المرأة على رأسها؛ فلا يظهر منها شيء, كما أنّه كان من عادة اليونانيات أن يغطين وجوههن فلا تبدو منهن إلاّ عين واحدة  .

لقد ((كانت عادة (اليونانيات) أن يغطين أنفسهن في الحياة العامة (كما تؤكّد ذلك المنحوتات), على خلاف أمرهن في بيوتهن أو في علاقاتهن داخل بيوتهن. ما كان حال اليهوديات قاصراً على عقد شعورهن, وإنمّا كنّ يغطينها بطريقة آمنة عندما يكنّ خارجًا, لقد كنّ بالتأكيد مغطيّات في الأماكن العامة, وما كنّ يتكشفن في الهيكل.))  

أمّا فيما يتعلّق بنساء الإمبراطوريّة الرومانيّة, فكنّ يغطين رؤوسهن دلالة على أنّهن نساء محترمات, وكنّ يلبسن إمّا النقاب أو غطاء رأس, وهنّ في ذلك يُعلِمن من يراهن من الرجال أنّه لا يجوز لهم الاقتراب منهن, وأنّ أيّ فعل متعد منهم سيكلّفهم عقوبة زاجرة. 

ويعلّق المؤرّخ اليوناني المشهور ((بلوتارك))  –وقد عاش في اليونان وروما- بعد ذكره لأعراف زمانه عند الحِداد على الميت وأنّ الأبناء كانوا يغطون رؤوسهم فيما تكشف البنات رؤوسهن: ((ينتمي الحِداد إلى المخالف للعادة)) ؛ وفي ذلك دلالة على موافقة حجاب النساء للمألوف والمقبول في القرن الأول ميلادي؛ فليس كشف النساء رؤوسهن علامة على الحزن عند وفاة قريب إلاّ استثناءً مخالف لأصل الستر.

وقد كان مجتمع ((قمران)) الذي ساهمت مخطوطاته المكتشفة في منتصف القرن العشرين, في تحقيق فهم أفضل للبيئة التي ظهر فيها المسيح, يرى أن المرأة غير المحجّبة أشبه بمن يعاني إعاقة بدنيّة؛ ممّا يلزم منه أن تقصيها جماعة الناس عن المجتمع؛ احترامًا للملائكة.

في ظلّ هذه الأجواء, لا يمكن أن نتصوّر أنّ ((بولس)) كان يقول لأهل كورنثوس: على نسائكم أن يغطين رؤوسهن في الكنائس, فإن لم يفعلن ذلك؛ فلتُقصّ شعورهن إهانة لهن, أمّا في الشارع أمام جماهير الرجال؛ فلهنّ أن يتبرّجن!!!

إنّ أسلوب الأمر والزجر الوارد في كلام ((بولس)) يظهر أنّه يدعو إلى مزيد حشمة والتزام, وما كان بصدد تخفيف ما يفرضه العرف في بيئته وزمانه.

إنّ آفة عامة التفاسير المعاصرة- كما اعترف بذلك بعض النقاد الغربيين المحققين - أنّها تفسِّر بعقليتها الغربية الأوروبيّة المعاصرة, كتبًا شرقيّة كتبت في أزمنة قديمة ..

إنّ وَصْلَ كلام ((بولس)) إلى أهل كورنثوس, ببيئتة الطرسوسية, وخلفيّته اليهوديّة, وأعراف من وجه إليهم رسالتيه؛ ليجعلنا ندرك معنى حديثه عن حكم الحجاب داخل الكنيسة بصورته الأجلى والأوسع ...

كما أنّه من غير المنطقي أن نتحدّث عمّا قرّره العهد الجديد من حرمة النظر إلى النساء بشهوة, وأنّ ذلك فعل قبيح يستدعي من المرء أن يقلع عينه لأجل تفاديه-سواء أكان الحديث على الحقيقة أم على المجاز- , وما أعلنه النصارى في القرن الثاني للميلاد بأنهم يتميّزون بالعفّة والتباعد الشديد عن دواعي إثارة الشهوة ولو بالنظر  من (جهة) .. ثمّ نقول من (جهة أخرى) إنّ النصرانية تعلن مع ذلك في قرونها الأولى أنّها قد قررت مخالفة شريعة اليهود وأعراف الرومان واليونانيين التي تفرض على النساء الحجاب!!!

كيف تتميّز النصرانيّة –على ألسنة دعاتها الأوائل- بالدعوة إلى العفّة, ثم تخالف كلّ شرائع البيئة التي وجدت فيها وأعرافها, بإباحة السفور الذي كان يعدّ في ظلّ ذاك الواقع اجتراءً على الثوابت الأخلاقيّة للمجتمع؟!!

كيف يصحّ أن تكون النصرانيّة في القرون الميلاديّة الأولى أرقى أخلاقيًا من شرائع الأمم الأخرى وأعرافها؛ باستبشاعها الشديد للتبذّل الجنسي إلى حدّ اعتبار نظرة الرجل إلى المرأة مهلكة من المهالك, وزنى قد اكتملت أركانه .. ثمّ هي تقرّر مخالفة ما استقرّت عليه الأمم التي ظهرت فيها؛ بإباحة السفور للمرأة؟!!

أين المنطق؟!

ثمّ إنّ المنطق الاستنباطي والترتيبي ((لبولس)) في حديثه عن حجاب المرأة في الكنيسة؛ ليدلّ بذاته على أنّ ((بولس)) كان يرى فريضة الحجاب ملزمة للمرأة في الكنيسة وخارجها؛ إذ إنّه قد أكّد على أنّ المرأة خاضعة للرجل: ((فكما أن الكنيسة قد أُخضِعت للمسيح، فكذلك الزوجات أيضًا لأزواجهن، في كل شيء.)) (أفسس 5/24), ورتّب على هذا الخضوع إلزام المرأة بوضع علامة له, وهو الحجاب كما هو متبادر من السياق: ((لذا يجب على المرأة أن تضع على رأسها علامة الخضوع، من أجل الملائكة .)) (1كورنثوس 11/10 )  .. فكان (الخضوع) و(الحجاب) متلازمين .. ولمّا علمنا من كلام ((بولس)) أنّ المرأة خاضعة للرجل في جميع شأنها, كما أنّ الكنيسة خاضعة للمسيح في جميع أمرها؛ أدركنا أنّ هذا الحجاب ملازم لها دائمًا ملازمة خضوعها المتواصل للرجل.

****

 الحجاب عند آباء الكنيسة وقدّيسيها:

إجماع آباء الكنيسة على فريضة الحجاب:

إنّ القول إنّ فريضة التزام الحجاب داخل الكنيسة, يلزم منها من باب أولى إلزام المرأة بالحجاب خارجها؛ ليس اجتهادًا إسلاميًا مُسقَطاً على النصرانيّة, وإنّما هو قول أعمدة الكنيسة وآبائها؛ فإنّه كما قالت الناقدة ((جويس إ. سالزبوري))  ((Joyce E. Salisbury)): ((كان شعر المرأة رمزًا وتعبيرًا عن جانبها الجنسي (her sexuality) ونوعها (her gender), وهو ما جعل آباء الكنيسة يقولون دائمًا إنّ على النساء أن يغطّين رؤوسهن.))  وقرّرت الباحثة ((دي أنجلو)) ((D’Angelo))  أنّ: ((المفسّرين (للكتاب المقدس) منذ ترتليان كانوا يرون أنّ بولس يقرّر أنّه لا بدّ أن يُغطى رأس المرأة بحجاب؛ حتى لا يتمّ إغواء الملائكة.))

وقد جاء في معجم : (( A Dictionary of Christian Antiquities )): ((بما أنّ التعليم الرسولي وعرف الشرق قد اعتَبَرا أنّه غير لائق بالمرأة أن تُرى برأس غير مغطّى؛ فإنّ النساء في كنائس الشرق وإفريقيا قد غطين رؤوسهن, لا فقط في المجامع, بل عامة لمّا كنّ يظهرن في الأماكن العامة.))

وقال ((ألفن شميت)): ((طلب كلّ من آباء الكنيسة والعديد من المجامع الكنسيّة بصورة مقنّنة من المرأة المتزوجة أن تتحجّب.)).

إنّها الحقيقة الدينيّة/التاريخيّة التي يعمل اليوم أرباب الكنائس عامة, والتقليديّة خاصة, على تغييبها عن وعي النصراني وذاكرته, والزعم أنّ الحجاب هو رمز ديني إسلامي وافد على المجتمعات النصرانيّة .. وفي التالي من الحديث تفصيل مُسْنَدٌ للأقوال ..

ترتليان: 

ولد ((ترتليان)) سنة 160م وتوفي سنة 220م .. وعاش في مرحلة تكوّن معالم الكنيسة الأولى, وتشكُّلِ المفاهيم الأخلاقيّة والسلوكيّة المبكّرة .. سُمِّي بأبي الكنيسة اللاتينيّة .. كان غزير التأليف, وله كتابات في الرد على اليهود والوثنيين والهراطقة .. كما كانت له عناية خاصة بالمواضيع الأخلاقيّة وقضايا المرأة .. 

 الحجاب عند ترتليان:

يُعدّ حرص ((ترتليان)) على إلزام المرأة بالحجاب, من الحقائق التاريخيّة الذائعة المعلومة؛ فهو القائل في كتابه: ((حول حجاب العذارى)) ((De Virginibus Velandis)) إنّ على العذراء أن تلبس الحجاب في الشارع كما في الكنيسة دون فارق, وقال أيضًا في نفس المؤلَّّف: كما أنّها مطالبة بالحجاب من أجل الملائكة, فهي كذلك مطالبة به من أجل الرجال حتى لا يفتنوا بها.

ومدح في نفس الكتاب المرأة العربية لأنها تغطّي كلّ وجهها إلا عينًا واحدة: ((الإناث الوثنيات في بلاد العرب سيكنّ الحاكمات عليكن, فهن لا يغطين فقط الرأس, وإنّما يغطين الوجه أيضًا, فهن مغطيات بصورة كاملة؛ حتّى إنهن قانعات بعين واحدة غير مغطاة؛ ليتمتعن بنصف الضوء على أن يعرين وجوههن كاملة. الأولى بالأنثى أن ترى غيرها لا أن تُرى من غيرها.))

وقال: ((غطِّي رأسكِ! إن كنت أمًّا؛ فلأجل ابنك, وإن كنت أختًا؛ فلأجل إخوتك.))

وقال في مؤلّفه ((الإكليل)) ((De Corona)) إنّ على المرأة أن تتحجّب؛ لأنّ ذلك يتوافق مع قوانين الله ((المنحوتة في الطبيعة))؛ معتبرًا أنّ ((بولس)) كان في شأن الحجاب يقدّم القانون الطبيعي والقانون الكاشف للطبيعة. فالنواميس الكونية والشرعية تتوافق مع بعضها ولا تتنافر, والتقاؤها في فرض الحجاب على المرأة ظاهرٌ معاينٌ. 

ويفهم من كلامه أنّ النصرانيات كنّ يرتدين الحجاب في الأماكن العامة في زمانه؛ فقد قال في كتابه: ((حول الصلاة)) ((De Oratione)) موبخًا النساء اللواتي يذهبن إلى الكنيسة غير محجّبات: ((لماذا تكشفن أمام الله, ما تغطينه أمام الرجال؟ هل أنتن محتشمات في الشارع أكثر من الكنيسة؟))  ..  وهذا إخبار عن واقع الحجاب وإقرار له, والإقرار وجه من أوجه الموافقة والتأييد.

 كلمنت السكندري:

ولد ((كلمنت السكندري)) سنة 150م وتوفي سنة 215م .. كان من أعظم اللاهوتيين في زمانه .. وقد تتلمذ عليه اللاهوتي البارز ((أريجن))  .. تميّز بكثرة اقتباساته من الكتاب المقدس في أطروحاته المكتوبة, وعنايته بتقديم النصرانيّة في ثوب علمي جذّاب .. كانت له عناية بالقضايا اللاهوتيّة في زمانه, كما انشغل بالتأصيل للجانب الأخلاقي للطائفة النصرانيّة الآخذة في النمو .. ألّف ثلاثة أبحاث هامة موصولة بالجانب الأخلاقي: ((Paedagogus)) و((Protrepticus)) و((Stromata)).

الحجاب عند كلمنت السكندري:

 كتب قديس الكنيسة ((كلمنت الاسكندري)) مؤلَّفه ((المعلّم)) ((Paedagogus)), وهو يعتبر مع كتاب ((Symposion he peri hagneias)) لقديس الكنيسة ((ميثوديوس ألمبوس)) ((Methodius of Olympus))  أبرز كتابين ألّفا في القرون النصرانيّة الأولى في أمر واجبات المرأة ومقامها.

يتكوّن هذا المؤلّف من ثلاثة كتب: تحدّث ((كلمنت الاسكندري)) في الكتاب الأوّل عن المعلّم وأصول التعليم: حبّ المعلّم للناس, وعالميّة التعليم ومكافأته وعقوبته. وخصّص الكتابين الثاني والثالث للقضايا الجزئيّة التفصيليّة, وقد عرضها في أسلوب شديد لاذع, وتطرّق فيهما إلى أمور: الأكل والشرب, والنوم, والاتباع, والجنس, والنظافة الشخصيّة, والملكيّة وأمور أخرى ...

لمّا تطرّق قديس الكنيسة ((كلمنت السكندري)) إلى قضيّة ما يجوز للمرأة أن تكشفه من جسدها, قال بصراحة, وصرامة, ووضوح: ((لا بدّ للمرأة  أن تغطّي جسدها بصورة كاملة, ما لم تكن موجودة في بيتها؛ لأنّ هذا الطراز من اللباس  وقور, وهو يحميها من حملقة العيون في جسدها ...  وهي أيضًا بتغطيتها وجهها لا تدعو غيرها ليسقط في الخطيئة.))

أوغسطين:

ولد قديس الكنيسة ((أوغسطين)) سنة 354م وتوفي سنة 430م  .. هو أحد لاهوتيي الكنيسة الأوائل, وأهم من ساهم في صياغة اللاهوت الكنسي, وقد امتد تأثيره على الكنائس الغربيّة منذ القرن الخامس إلى اليوم, ويعتبر من أهم روافد الفكر البروتستانتي في كتابات ((مارتن لوثر)) ..

الحجاب عند أوغسطين:

تحدّث قديس الكنيسة ((أوغسطين)) عن الحجاب في رسالته: ((حول العذريّة)) ((De virginitate)) حيث أعلن النكير الشديد واللوم والتأنيب على من تلبس حجابًا رقيقًا أو تلفّ رأسها بطريقة جذابة للرجال, معتبرًا أنّ  ذلك ينافي العفّة . وقد ورد هذا التنبيه الأخلاقي بصورة تعميميّة تنفي أن يكون خاصًا بالعذارى فقط؛ إذ جُعلت علّته العفّة, وهي واجبة على العذارى وغيرهن. وجاء النهي عن ترك احترام المواصفات الدينيّة للحجاب؛ مما يعني أنّ الحجاب فرضٌ في ذاته!

وصرّح قديس الكنيسة ((أوغسطين)) في رسالته إلى قسيس اسمه ((بوسيديو)) ((Possidio)) أنّ الذين هم ((من العالم))-أي المنشغلين عن الآخرة بلذائد الدنيا الدانية-يبحثون عن الطريق لإرضاء زوجاتهم إن كانوا رجالاً, ويبحثن عن الطريق لإرضاء أزواجهن إن كنّ نساءً, أمّا النساء اللواتي يعملن بما أمر به الرسول , فإنهن يغطين رؤوسهن وإن كنّ متزوجات. ((illi autem cogitant quae sunt mundi, quo modo placeant vel viri uxoribus vel mulieres maritis, nisi quod capillos nudare feminas, quas etiam caput velare Apostolus iubet, nec maritatas decet)

وقرّر في مؤلّفه ((حول أعمال الراهب)) ((De Opere Monachorum))–كغيره من الآباء-أنّ على المرأة أن تغطي جسدها, بما فيه الرأس؛ لأنّها ليست صورة الله, بخلاف الرجل الذي قرّر الكتاب المقدّس أنّه صورة الله؛ ليكون ذلك علّة أخرى -مع الدعوة إلى العفة-, لفرض الحجاب على النساء.

يوحنا ذهبي الفم:

ولد قديس الكنيسة ((يوحنا ذهبي الفم)) ((Ιωάννης ο Χρυσόστομος)) سنة 347م وتوفي سنة 407م .. كان رئيس أساقفة القسطنطينية .. اشتهر ببراعته في الخطابة .. كان كثير التأليف .. من أهم كتاباته, تعليقاته المطوّلة على أسفار من الكتاب المقدس .. تعتبر أقواله المحفوظة إحدى أهم المراجع المعتمدة في الكنائس التقليديّة لنصرة مذاهبها, ويكثر الاستدلال بكتاباته في مؤلّفات رجال الدين الكنيسة المصريّة المرقسيّة الأرثودكسيّة ..

الحجاب عند يوحنا ذهبي الفم:

لقديس الكنيسة ((يوحنا ذهبي الفم)) مواعظ شهيرة, تعرّض خلالها لشرح نصّ الرسالة الأولى إلى كورنثوس 11/4-5 : ((فَكُلُّ رَجُلٍ يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ، وَعَلَى رَأْسِهِ غِطَاءٌ، يَجْلِبُ الْعَارَ عَلَى رَأْسِهِ. وَكُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ، وَلَيْسَ عَلَى رَأْسِهَا غِطَاءٌ، تَجْلِبُ الْعَارَ عَلَى رَأْسِهَا))

 وقد قال في التعليق على هذا النصّ إنّ ((بولس)) لم يأمر الرجل بكشف الرأس طوال الوقت, وإنّما فقط حال صلاته, لكنّه ((أمر المرأة أن تكون كامل الوقت مغطاة.)

وقال أيضًا في نفس الموضع: ((إذا كان حلق شعر المرأة مخز دائمًا؛ فإنّ كشفها شعرها يعدّ أمرًا يستحقّ دائمًا التوبيخ)).  في تأكيد على وجوب ملازمة المرأة لارتداء الحجاب!

وعلّق على نصّ الرسالة الأولى إلى كورنثوس 11/10: ((لِذَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَضَعَ عَلَى رَأْسِهَا عَلاَمَةَ الْخُضُوعِ، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ.)) بقوله: ((يعني أنّه ليس فقط في وقت الصلاة, وإنّما عليها أن تكون دائمًا مغطاة)).

وأضاف في وصف شكل حجاب المرأة في تعليقه على الرسالة الأولى إلى كورنثوس 11/6؛ بأنّ على المرأة أن تكون: ((محميّة من النظر, من كلّ جهة.)) , وفي ترجمة انجليزية أخرى لنفس النصّ : ((ملفوفة من كلّ جهة.)) ؛ مما يعني أنّ قديس الكنيسة ((يوحنا ذهبي الفم)) يرى وجوب النقاب على المرأة النصرانيّة!

وقرّر في تعليقه على 1 كورنثوس 11/16 أنّ من عارض أحكام ((بولس)) -التي شرحها ((ذهبي الفم)) سابقًا-؛ فهو معارض بذلك للكنيسة نفسها.

أمبروز:

ولد قديس الكنيسة ((أمبروز)) سنة 337م وتوفي سنة 397م .. كان أسقفًا لمدينة ميلانو .. يعتبر من أئمة اللاهوتيين في القرن الرابع .. كان له اهتمام بالجانب الأخلاقي النصراني, بالإضافة إلى اللاهوت والليتورجيات .. من أهم مؤلّفاته : ((De officiis ministrorum)) وهو في ثلاثة كتب حول الأخلاق النصرانيّة ..

الحجاب عند أمبروز:

تحدّث قديس الكنيسة ((أمبروز))  عن الحجاب في مؤلفه ((حول العذارى)) ((De Virginibus )) .. ودلّت عبارته فيه على أنّه يراه إلزاميًا لكلّ النساء؛ فقد قال في لغة صارمة, محذّرة : ((هل يوجد شيء أكثر إثارة للشهوة من الحركات غير اللائقة لعرض عري هذه الأعضاء التي غطّتها الطبيعة أو أمر العرف بتغطيتها, واللهو بإطلاق النظر, وإدارة العنق, وإرسال الشعر)).

وقال في كتابه ((حول التوبة)) ((De Paenitentia)): (( لندع العرف نفسه يعلّمنا. تغطّي المرأة وجهها بنقاب للسبب الآتي؛ وهو أن يكون احتشامها محميًا في المكان العام, وألا يلتقي وجهها بسهولة مع تحديق الشباب فيه... إذا كانت تغطّي رأسها بالخمار حتّى لا تَرى أو تُرى (ولو) عن غير قصد (لأنّه إذا كان الرأس مغطى؛ كان الوجه مغطى), فكم بالأحرى أنّه عليها أن تغطي نفسها بثوب الحشمة؛ حتى إنّها تتخذ لنفسها في المكان العام مكانًا منزويًا secret   place.)) 

توما الأكويني:

ولد ((توما الأكويني)) سنة 1225م وتوفي سنة 1274م .. أكبر لاهوتي كاثوليكي في القرون الوسطى .. كان من أبرز الداعين إلى التعمّق في فهم تراث آباء الكنيسة , خاصة ((أوغسطين)), وله اطّلاع واسع على أقوالهم ومذاهبهم .. دَوَّن عامة أفكاره في كتابه ((الخلاصة اللاهوتيّة)) ((Summa Theologica)) حيث تعرّض إلى عامة القضايا اللاهوتية التي كانت تشغل أهل زمانه .. قرّر البابا ((ليون الثالث عشر)) سنة 1879م في وثيقته ((Æterni Patris)) أنّ أفكار ((توما الأكويني)) معبّرة عن المعتقد الرسمي للكنيسة الكاثوليكيّة ..

الحجاب عند توما الأكويني:

نقل قدّيس الكنيسة ((توما الأكويني)) الجزء الخاص بالحجاب في رسالة قديس الكنيسة ((أوغسطين)) إلى صاحبه ((بوسيديو)) –الذي ذكرناه سابقًا- دون أن ينكر معناه أو يردّ دلالته, وإنما أضاف أنّ المرأة إذا كانت تعيش في بيئة ترى وجوب الحجاب, فإنّها آثمة إن نزعته. وإذا كان العرف لا ينكر نزع الحجاب؛ فإنّ هذا العرف ((non sit laudabilis)) أي: ((غير جدير بالثناء)), وإن لم تكن هي آثمة في هذه الحال.

ولا شكّ أنّه يلزم ممّا قاله ((توما الأكويني)) تأثيم النصرانيات في البلاد العربيّة؛ لأنّهن لا يرتدين الحجاب في بيئة ترى وجوبه!

***

لم تحافظ الكنيسة بعد عصر الآباء على فريضة الحجاب, ونشأت فيها الرخاوة في الأحكام المحدثة. ولمّا ظهر التيّار البروتستانتي, شنّع أعلامه على الفساد الأخلاقي المستشري في البلاد بسبب فساد البابوات, وطُرِح أمر العفّة بالنسبة للنساء من جديد, وأبرَزَ عدد من أعلام البروتستانت أهميّة العناية باللباس كمظهر نصراني جدير بالعناية, وقد كان لهذا الفكر حضور في حياتهم الخاصة, فهذه ((Katharina von Bora)) زوجة ((مارتن لوثر)) قد التزمت بارتداء غطاء للرأس حتى بعد تركها للرهبنة, وكان كبار أعلام مؤسسي المذهب البروتستانتي يكبرون فضيلة الحجاب ((كجون نوكس)) ((John Knox)), و((كالفن)) الذي قال: ((إذا سُمِح للنساء أن يكنّ كاشفات للرأس, فسيؤول بهن ذلك إلى أن يستبحن كشف كامل صدورهن, وسيقمن بعرض أنفسهن وكأنّهن في استعراض وقح, سيكنّ صفيقات إلى درجة أنّه لن يكون هناك مجال للعفّة والحياء. ))

****

 الحجاب في المجامع الكنسيّة:

قرّر القانون الخامس في مجمع إيرلندي عقد في منتصف القرن الخامس ميلاديًا, بقيادة قديس الكنيسة ((باتريك)), أنّ زوجة القسيس: ((لا بدّ أنّ تتحجّب عندما تخرج من البيت.))  في مراعاة لحرمة عورة زوجة القسيس.

****

 الحجاب في التقليد الكنسي :

مما يعجب له العاقل أنّ المنصّرين لا يستنكفون من التشهير بالمسلمات لتغطيتهن شعورهنّ؛ رغم أنّ هؤلاء المنصّرين أنفسهم يملؤون بيوتهم ودور العبادة التي يقومون عليها بصور ((مريم)) أمّ المسيح وهي ترتدي الزيّ الإسلامي .. مسبلة لباسها على عورتها  .. فهلاّ سخر القوم, إن كانوا من أهل (العدل) و(الإنصاف), من (أمّ إلههم) التي ترتدي نفس زيّ المسلِمات؟!!

وبالنظر في أهم الكتب القديمة التي تمثّل الأحكام التي فرضتها الكنيسة على النصارى في القرون الأولى؛ سنلاحظ بجلاء حضور (الحجاب) كفريضة ربّانية لا تعفى منها المرأة إذا تجاوزت عتبة بابها وكانت في محضر الرجال.

الدسقولية:

يعتبر كتاب ((الدسقولية))  أحد أهم المراجع التعبّدية والتشريعية والسلوكية للكنائس الأولى وللكنيستين الأرثودكسية المصرية  والحبشيّة اليوم؛ وهو يضم –كما يزعم القوم-تعاليم عباديّة وسلوكيّة كثيرة لرسل المسيح الاثنى عشر  , وقد جاء فيه إلزام المرأة بالحجاب:

 ((لا تتشبهن بهؤلاء النساء أيتها المسيحيات إذا أردتن أن تكن مؤمنات. اهتمي بزوجك لترضيه وحده. وإذا مشيت في الطريق فغطي رأسك بردائك فإنك إذا تغطيت بعفة تُصانين عن نظر الأشرار.))

بل جاء التصريح بأمر النقاب: (( لا تستحم امرأة مؤمنة مع ذكور. واذا غطت وجهها فتغطيه بفزع من نظر رجال غرباء. )) !!   وتبدو الترجمة السريانيّة أكثر وضوحًا في قولها: ((إذا كانت هناك حمّامات للنساء في المدينة أو الحي؛ فلا تذهب المرأة المؤمنة لتغتسل في الحمّامات مع الرجال؛ إذا كنتِ تغطين وجهك أمام الرجال الأجانب بغطاء العفّة, فكيف تذهبين مع الرجال الأجانب إلى الحمّامات؟))

وجاء أيضًا في ((الدسقوليّة)): ((يكون مشيكِ ووجهك ينظر إلى أسفل, وأنت مطرقة مغطاة من كلّ ناحية.))! 

التراث الرسولي:

كتاب ((التراث الرسولي)) ((Apostolic Tradition)) هو كتاب ينسبه التقليد الكنسي إلى قديس الكنيسة اللاهوتي الروماني ((هيبوليتوس)) , وتعتبره الكنيسة الأرثودكسية المصرية أحد أهم مراجعها في العبادات الطقوسية, وهو ((يتحدث عن الأحكام الكنسية, وطقوس الرسامات, والرتب الكنسية, وخدمة الافخارستيا, والعماد))  ويعكس حالها في القرن الثاني وبداية القرن الثالث.

جاء في كتاب ((التراث الرسولي)) أنّ الحجاب الذي على المرأة أن ترتديه أثناء العبادة, لا بد أن يكون ثخينًا: ((وليس مجرد قطعة من الكتان؛ لأنّ ذلك ليس تغطية)).  ويقول صاحبا كتاب ((أصول المسيحيّة)) ((The Origins of Christianity)) إن الإلزام بارتداء الحجاب هنا, هو ((في كلّ وقت على الظاهر)) ؛ أي أنّه غير مخصوص بحضور القداس.

المراسيم الرسولية:

جاء في كتاب: ((المراسيم الرسولية)) ((The Apostolic Constitutions))  –وهو يعرف أيضًا في بعض المراجع العربيـة باسم ((الفرائض الرسولية))- ويعود إلى القرن الرابع , وتعتبره الكنيسة الأرثودكسية المصريّة أحد مراجعها التشريعية الأولى :

((ولمّا تكونين في الشارع, غطِّي رأسكِ؛ لأنّك بهذه التغطية ستتحاشين أن يراك المتسكّعون.)

 ((إذا أردتِ أن ترضيه (عريسك السماوي)؛ غطِّي رأسك لمّا تكونين في الشارع, غطّي وجهك لتمنعي النظرات الطائشة.)) 

وجاء في هذه الوثيقة في سياق آخر في عدم السماح للمرأة أن تستحم في أماكن يوجد فيها رجال: ((فإذا كان على المرأة أن تغطّي وجهها وأن تخفيه بحشمة عن الرجال الأجانب؛ فكيف تتعرّين في الحمام أمام رجال.))

المجموع الصفوي:

جاء في كتاب ((المجموع الصفوي)) الذي يعدّ أحد أهم المراجع التشريعيّة للكنيسة الأرثودكسيّة المصريّة: ((إذا مشيت في الطريق فغطّي رأسك بردائك وتغطي بعفة؛ فإنك تصونين نفسك من الناس الأشرار, ولا تزوّقي وجهك فليس فيك شيء ينقص زينة. وليكن وجهك ينظر إلى أسفل مطرقة وأنت مغطاة من كلّ ناحية.))  .. وعلّل ذلك بقوله: ((لئلاّ تكون سببًا في إثارة الشهوة الرديئة في من ينظر إليها؛ فتجلب عليه الخطية؛ لأنه يكون مخالفاً للوصيّة: ((من نظر إلى امرأة ليشتهيها؛ فقد زنى بها في قلبه)) (متّى 5/27) ))

شبهة:

قد يقول قائل من النصارى إنّ ما قرّره آباء الكنيسة وما أثبته التقليد الكنسي, هو (1) مجرّد اجتهاد ظرفي, وهو (2) خاص بالبيئة التي عاش فيها السابقون!

الجواب:

هذا الاعتراض هو في حقيقته هروب من مواجهة الحقيقة؛ لأنّ:

      أقوال آباء الكنيسة, خاصة إذا كانت مما هو مجمع عليه بينهم, تعتبر مصدرًا من مصادر التشريع المعصوم في الكنيسة الكاثوليكيّة والكنائس الأرثودكسيّة .. ولم نر من الآباء من نصّ صراحة على إباحة كشف الرأس, وقد نقل النقّاد الغربيون-ممن لا صلة لهم بالإسلام- إجماع الآباء على هذه الفريضة.

      لو فرضنا-جدلاً- وجود أقوال لآباء آخرين يرون وجوب السفور أو استحبابه أو جوازه, فإنّ ذلك لا ينفي أنّ أعظم الآباء كانوا يرون وجوبه. والأصل أن يؤخذ قول أئمة آباء الكنيسة, ولا تتبّع الاجتهادات التي يقول بها قلّة –إن وجدت أصلاً-!

      تؤمن طائفة البروتستانت -الرافضة لقداسة أقوال آباء الكنيسة- بحتميّة تسديد الروح القدس لكلّ اجتهاد حتّى يوافق الصواب .. وهاقد علمنا أنّ الآباء الذين هم أئمة الكنيسة وعظماؤها وأطهر من فيها (كما هو مُعتقد أئمة البروتستانت أنفسهم), قد أجمعوا على أمر الحجاب, فهل كان روح القدس غائبًا عنهم لمّا قالوا ما قالوا؟!!

      لا توجد أيّة حجّة من كلام آباء الكنيسة أنهم كانوا يفتون لواقعهم فقط؛ بل كانت أقوالهم صريحة في أنّ اللباس الذي يتحدثون في شأنه, هو لباس المرأة في كلّ زمان ومكان .. وهو أيضًا نفس الأمر فيما يتعلّق بالتشريع الكنسي المبكّر ..

      العلّة الكبرى لضبط الآباء لحدود اللباس الشرعي للمرأة في النصرانيّة, هي منع الفتنة وردع التسيّب الجنسي, وهي علّة لا ينسخها تغيّر الزمان ولا تبدلّ المكان؛ لأنّ الفتنة بين الرجال والنساء, هي نفس الفتنة في كلّ زمان ومكان, ولأنّ الانحلال الجنسي مرذول في كل وقت وبيئة ..

السؤال الذي يلحّ في فرض نفسه الآن هو: لماذا لا ترتدي المرأة النصرانية الأرثودكسية في مصر النقاب -أو تغطي جسدها كلّه عدا الوجه-؛ مادام الحكم بوجوب التقيّد بالحجاب قد ورد بصيغة الإلزام والجزم في التقليد المتلقى من الرسل, هذا التقليد الذي قال في تعريفه بابا الكنيسة المصرية الأرثودكسيّة ((شنودة الثالث)): ((هو كلّ تعليم وصل إلينا عن طريق التسليم الرسولي والآبائي, غير الكلام الذي ترك لنا كتابة في الكتاب المقدس, في موضوعات ربما لم تذكر في الكتاب, ولكنها لا تتعارض معه في شيء ما.))  ووصفه بأنّه: ((حياة الكنيسة, أو هو الكنيسة الحيّة))؟!!  ألا يعتبر –إذن- ترك الحجاب أو النقاب من طرف النساء النصرانيات في مصر؛ هدمًا للدين, وقتلاً ((للكنيسة الحيّة))؟!!!

****

 الحجاب في التاريخ النصراني:

شهد معجم ((Dictionnaire des antiquités chrétiennes)) عند حديثه عن لباس النصارى الأوائل أنّه: ((عامة, كان الرجال يظهرون في الأماكن العامة برأس مكشوف, وكان النساء يرتدين الحجاب.)) ((En général, les hommes se montraient en public tête nue, et les femmes voilées)) , وفصّل معجم ((A Dictionary of Christian Antiquities)) الأمر بقوله إنّ النساء النصرانيات كنّ يلبسن غطاءً للرأس يوافق أعراف بلادهن ومقامهن.

وتذكر الموسوعة البريطانيّة –الإلكترونيّة-لسنة 2008م في مقال: ((خمار)) ((wimple)) أنّ النساء في أوروبا منذ آخر القرن الثاني عشر إلى بداية القرن الرابع عشر, قد ارتدين-بصور واسعة- خمارًا يغطّي الرأس ويلتفّ حول الرقبة والخدين والذقن؛ متأثّرات في ذلك –كما تقول هذه الموسوعة- بالمسلمات, بعد عودة الجنود الصليبيين من بلاد المسلمين.  ولم يكن هذا الشكل في اللباس بذلك مخالفًا لأحكام الكنيسة, بل هو موافق لأوامر الحجاب فيها من قبل, وقد استُجلِب من ناحية الشكل (كموضة) جديدة واردة من العالم الإسلامي.

وكانت المرأة المصرية الأرثودكسية طوال تاريخها حتى بداية القرن العشرين, ترتدي الحجاب, كما نقلته ((فيبي أرمانيوس))-التي يظهر من اسمها أنّها نصرانية- في مقالها عن المرأة في مصر  ضمن  كتاب: ((موسوعة النساء والثقافات الإسلامية)) ((Encyclopedia of Women and Islamic Cultures)) ((تاريخيًا, كان كل من النساء القبطيات والمسلمات يرتدين النقاب حتى بداية القرن العشرين.)) ((Historically, both Coptic and Muslim women wore the veil until the turn of the twentieth century)).  ونقلت لنا الموسوعة الإنجليزية ((The English Cyclopaedia)) الصادرة سنة 1867م أنّ عامة النساء النصرانيات في مصر (القبطيات كما تسميهن) يرتدين النقاب في ذاك الزمان.

بعض الفرق النصرانية اليوم – (المينوتيين)   و(الآمش)  على سبيل المثال -لازالت تحافظ على أمر ارتداء غطاء الرأس بأمر من رؤساء الكنيسة؛ بدعوى أنّ غطاء الرأس ما هو إلا رمز لخضوع المرأة للرجل وللربّ , وهو نفس التفسير الذي قدمه ((بولس)) في العهد الجديد.

امرأتان من (الآمش) في اجتماع صيفي

ولنا أخيرًا أن نطرح سؤالاً منطقيًا لعامة النصارى: ((أيهما يوافق العقل والمنطق: قول الكاثوليك والأرثودكس إنّ الراهبة تغطي رأسها وتلبس الجلباب الواسع غير الملوّن؛ لأنّها تعتقد أنها ستكون عروس إلهها يسوع المسيح (!!!؟) يوم القيامة!!؟ أم قول المسلمين إنّ تغطية المرأة نفسها هو أمر بالعفّة لكلّ امرأة صالحة, وغايته منع افتتان الرجال بالنساء, وحراسة الفضيلة بين الناس في الدنيا؟!!))

سؤال يحتاج إلى إجابة عاقلة.. من فتاة أو امرأة واعية!!

إذن؛ إذا كان النصارى يزعمون الإخلاص إلى دينهم واليقين في صلاح أحكامه, فعليهم أن يعملوا بأوامر الحجاب الواردة فيه, بدل الالتفاف حوله, والتشهير بالحقّ الوارد في القرآن المجيد!!!

وأخيراً .. أقول لكِ أيّتها المحجّبة :

سيري لمجدكِ تحت ظل عفافِ        ***       وتجملي بمطارف الألطافِ

ما الدرّ وهو مجرد عن حرزه        ***       بمقدر كالدّر في الأصداف

اللهم هل بلّغت ..؟  اللهم فاشهد!

اللهم هل بلّغت ..؟  اللهم فاشهد!

اللهم هل بلّغت ..؟  اللهم فاشهد!

أيقونات نصرانيّة ((لمريم)) عليها السلام

 -رمز العفّة عند الكنيسة-

وهي ترتدي الحجاب في جميعها!

كلمة في الختام

{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَم}[إبراهيم: 22-23]

كتب أخرى للمؤلّف

المرأة بين إشراقات الإسلام وافتراءات المنصّرين

موسوعة إسلاميّة في الردّ على شبهات المنصّرين حول مقام المرأة في الإسلام

 جولة بين كتب النصارى بلغاتها الأصلية,  ومؤلّفات آباء الكنيسة,  والدراسات الأكاديميّة المحقّقة ... في أكثر من 800 صفحة

تقديم العلامة (د. محمد عبد المقصود)

محمد صلى الله عليه وسلّم في الكتب المقدسة

أوّل كتاب باللغة العربيّة في بحث البشارة بالرسول صلّى الله عليه وسلّم في الكتب المقدسة للنصارى واليهود والهندوس والصابئة والبوذيين والمجوس, في أكثر من أربعمائة صفحة

بشرى موسى عليه بمحمد صلى الله عليه وسلّم لا بيسوع

تعريب لكتاب الشيخ أحمد ديدات رحمه الله, ودفع تفصيلي لاعتراضات المنصرين عليه

قيامة المسيح من الموت .. حقيقة أم خرافة؟

رد علمي تفصيلي على أشهر كتاب في المكتبة النصرانيّة العربيّة في إثبات أهم عقيدة نصرانيّة .. وجولة في كتابات كبار اللاهوتيين الغربيين في أحدث دراساتهم النقديّة في موضوع (قيامة المسيح من الموت): عقيدة, ونصاً, وتاريخاً ...

نقض شبهة اقتباس القرآن الكريم من كتب اليهود والنصارى

أوّل كتاب في المكتبة العربيّة الإسلاميّة مخصّص للردّ على شبهة عمرها أربعة عشر قرنا!!

دراسات مقارنة وحقائق جديدة مذهلة

الحقائق العلميّة الحديثة .. بين إعجاز القرآن الكريم وأخطاء التوراة والإنجيل

بحث علمي في كتب أهل الكتاب بلغاتها الأصليّة ومخطوطاتها الأقدم, ومقارنتها بما ورد في القرآن الكريم,, في موضوع الحقائق العلميّة الثابتة اليوم

رأيك يهمنا