كيف نعيش رمضان؟

نبذة مختصرة

كيف نعيش رمضان؟: رسالةٌ ألقت الضوء على كيفية استقبال شهر رمضان، وما هي طرق استغلاله في تحصيل الأجور والحسنات.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 كيف نعيش رمضان؟

عبد الله الصالح


 مقدمـة

أخي المسلم.. أختي المسلمة

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

وبعد:

أبعث إليكم هذه الرسالة محملة بالأشواق والتحيات العطرة، أزفُّها إليكم من قلب أحبكم في الله، نسأل الله أن يجمعنا بكم في دار كرامته ومستقر رحمته، وبمناسبة قدوم شهر رمضان أُقدم لكم هذه النصيحة هدية متواضعة، أرجو أن تتقبلوها بصدر رحب وتبادلوني النصح، حفظكم الله ورعاكم.

 كيف نستقبل شهر رمضان المبارك:

قال تعالى: }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ{ [البقرة: 185].

أخي الكـريم:

خص الله شهر رمضان عن غير من الشهور بكثير من الخصائص والفضائل منها:

* خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.

* تستغفرُ الملائكة للصائمين حتى يفطروا.

* يُزين الله في كل يوم جنته ويقول: (يوشك عبادي الصالحون أن يُلقوا عنهم المؤونة والأذى ثم يصيروا إليك).

* تُصفد فيه الشياطين.

* تُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق أبواب النار.

* فيه ليلة القدر هي خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ الخير كله.

* يُغفر للصائمين في آخر ليلة من رمضان.

* لله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة من رمضان.

فيا أخي الكريم:

شهر هذه خصائصه وفضائله بأي شيء نستقبله؟ بالانشغال باللهو وطول السهر؟ أو نتضجر من قدومه ويثقل علينا، نعوذ بالله من ذلك كله.

ولكن، العبد الصالح يستقبله بالتوبة النصوح، والعزيمة الصادقة على اغتنامه، وعمارة أوقاته بالأعمال الصالحة، سائلين الله الإعانة على حسن عبادته.

وإليك أخي الكريم أقدم هذه الصفحات.


 الأعمال الصالحة التي تتأكد في رمضان

 1- الصوم:

* قال صلى الله وسلم: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. يقول الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان؛ فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». [أخرجه البخاري ومسلم].

* وقال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». [أخرجه البخاري ومسلم].

لا شك أن هذا الثواب الجزيل لا يكون لمن امتنع عن الطعام والشراب فقط، وإنما كما قال النبي ﷺ‬: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» [أخرجه البخاري].

وقال ﷺ‬: «الصوم جُنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل، فإن سابّه أحد فليقل إني امرؤ صائم» [أخرجه البخاري ومسلم].

فإذا صُمت –يا عبد الله- فليصم سمعك وبصرك ولسانك وجميع جوارحك، ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء.

 2- القيام:

* قال ﷺ‬: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غُفر له ما تقدم من ذنبه» [أخرجه البخاري ومسلم].

* وقال تعالى: }وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا{ [الفرقان 63-64].

* وقد كان قيام الليل دأب النبي ﷺ‬ وأصحابه، قالت عائشة رضي الله عنها: (لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله ﷺ‬ لا يدعه، وكان إذا مرض أو كَسِلَ صلى قاعدا).

* وكان عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- يُصلي من الليل ما شاء حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، ثم يقول لهم الصلاة الصلاة.. ويتلو هذه الآية: }وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى{ [طه: 132].

* وكان ابن عمر يقرأ هذه الآية: }أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ{ [الزمر: 9]. قال: ذاك عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال ابن أبي حاتم: وإنما قال ابن عمر ذلك لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان بالليل وقراءته حتى أنه ربما قرأ القرآن في ركعة.

* وعن علقمة بن قيس قال: بت مع عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- ليلة فقام أول الليل، ثم قام يصلي فكان يقرأ قراءة الإمام في مسجد حيه يرتل ولا يُرجِّع يسمع من حوله ولا يرجع صوته، حتى لم يبق من الغلس إلا كما بين أذان المغرب إلا الانصراف منها ثم أوتر.

* وفي حديث السائب بن زيد قال: كان القارئ يقرأ بالمئين –يعني بمئات الآيات- حتى كنا نعتمد على العِصي من طول القيام قال: وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر.

تنبيه: ينبغي لك أخي المسلم أن تكمل التراويح مع الإمام حتى تكتب في القائمين، فقد قال ﷺ‬: «من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة» [رواه أهل السنن].

 3- الصدقة:

* كان رسول الله ﷺ‬ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود بالخير من الريح المرسلة.. وقد قال ﷺ‬: «أفضل الصدقة صدقة في رمضان» [أخرجه الترمذي عن أنس].

* روى زيد بن أسلم عن أبيه، قال سمعت عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- يقول: أمرنا رسول الله ﷺ‬ أن نتصدق ووافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، قال فجئت بنصف مالي- قال: فقال لي رسول الله ﷺ‬: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: فقلت مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال له رسول الله ﷺ‬: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا.

* وعن طلحة بن يحيى بن طلحة، قال: حدثتني جدتي سُعدى بنت عوف المرية، وكانت محل إزار طلحة بن عبيد الله قالت: دخل عليّ طلحة ذات يوم وهو خائر النفس فقلت: ما لي أراك كالح الوجه؟ وقلت: ما شأنك: أرابك مني شيء فأعينك؟ قال: لا، ولنعم حيلة المرء المسلم أنت، قلت: فما شأنك؟ قال: المال الذي عندي قد كثر وأكربني، قلت: ما عليك اقسمه، قالت: فقسمه حتى ما بقي منه درهم واحد. قال طلحة بن يحيى فسألت خازن طلحة كم كان المال؟ قال: أربعمائة ألف.

فيا أخي:

للصدقة في رمضان مزية وخصوصية فبادر إليها واحرص على أدائها بحسب حالك ولها صور كثيرة منها:

أ- إطعام الطعام:

قال الله تعالى: }وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا{ [الإنسان: 8-12]. فقد كان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام ويقدمونه على كثير من العبادات. سواء كان ذلك بإشباع جائع أو إطعام أخ صالح، فلا يُشترط في المُطعم الفقر، فقد قال رسول الله ﷺ‬: «أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمنا على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم» [الترمذي بسند حسن].

وقد قال بعض السلف: لأن أدعو عشرة من أصحابي فأُطعمهم طعاما يشتهونه أحب إليّ من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل!!

وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- وداود الطائي ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يُفطر إلا مع اليتامى المساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يُفطر في تلك الليلة.

وكان من السلف من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم.. منهم الحسن وابن المبارك.

قال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، و إلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه.

* وعبادة إطعام الطعام، ينشأ عنها عبادات كثيرة منها: التودد والتحبب إلى إخوانك الذين أطعمتهم فيكون ذلك سببا في دخول الجنة: «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا». كما ينشأ عنها مجالسة الصالحين واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك.

ب- تفطير الصائمين:

قال ﷺ‬: «من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء». [أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني]. وفي حديث سلمان: «ومن فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء» قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يُفطر به الصائم، فقال رسول الله ﷺ‬: «يُعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على مذقة لبن، أو تمرة، أو شربة ماء، ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربه لا يظمأ بعدها، حتى يدخل الجنة».

 4- الاجتهاد في قراءة القرآن:

سأذكرك يا أخي هنا بأمرين عن حال السلف الصالح:

- كثرة قراءة القرآن.

شهر رمضان هو شهر القرآن فينبغي أن يُكثر العبد المسلم من قراءته وقد كان من حال السلف العناية بكتاب الله، فكان جبريل –عليه السلام- يدارس النبي ﷺ‬ القرآن في رمضان، وكان عثمان بن عفان –رضي الله عنه- يختم القرآن كل يوم مرة، وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، فكانوا يقرؤون القرآن في الصلاة وفي غيرها، فكان للشافعي في رمضان ستون ختمة، يقرؤها في غير الصلاة، وكان الأسود يقرأ القرآن كل ليلتين في رمضان، وكان قتادة يختم في كل سبع دائما، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة، وكان الزهري إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ويُقبل على تلاوة القرآن من المصحف، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.

قال ابن رجب: إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يُطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيُستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما لفضيلة الزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم، كما سبق ذكره.

ب- البكاء عند تلاوة القرآن أو سماعه:

لم يكن من هدي السلف هذُّ القرآن هذَّ الشعر دون تدبر وفهم، وإنما كانوا يتأثرون بكلام الله عز وجل ويحركون به القلوب.

* ففي البخاري عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ‬: «اقرأ عليَّ» فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت }فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا{ قال: «حسبك»، فالتفت فإذا عيناه تذرفان.

* وأخرج البيهقي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: لما نزلت }أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ{ بكى أهل الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله ﷺ‬ حسّهم بكى معهم، فبكينا ببكائه، فقال رسول الله ﷺ‬: «لا يلج النار من بكى من خشية الله». وقد قرأ ابن عمر سورة المطففين حتى بلغ }يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ{، فبكى حتى خرّ، وامتنع من قراءة ما بعدها.

وعن مزاحم بن زفر قال: صلى بنا سفيان الثوري المغرب، فقرأ حتى بلغ }إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{ بكى حتى انقطعت قراءته ثم عاد فقرأ الحمد.

وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت فضيلا يقول ذات ليلة – وهو يقرأ سورة محمد، وهو يبكي ويردد هذه الآية: }وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ{، وجعل يقول: ونبلو أخباركم، ويردد: وتبلو أخبارنا؟ إن بلوت أخبارنا فضحتنا، وهتكت أستارنا، إنك إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا، ويبكي.

 5- الجلوس في المسجد حتى تطلع الشمس:

كان النبي ﷺ‬ إذا الغداة – أي الفجر- جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس.. [أخرجه مسلم].

وأخرج الترمذي عن أنس عن النبي ﷺ‬ أنه قال: «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة» [صححه الألباني]. هذا في كل الأيام فكيف بأيام رمضان؟

فيا أخي.. رعاك الله استعن على تحصيل هذا الثواب الجزيل بنوم الليل، والاقتداء بالصالحين، ومجاهدة النفس في ذات الله وعلو الهمة لبلوغ الذروة من منازل الجنة.

 6- الاعتكاف:

كان النبي ﷺ‬ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوما.. [أخرجه البخاري].

فالاعتكاف من العبادات التي تجمع كثيرا من الطاعات؛ من التلاوة، والصلاة، والذكر، والدعاء، وغيرها.

وقد يتصور من لم يجربه صعوبته ومشقته، وهو يسير على من يسره الله عليه، فمن تسلح بالنية الصالحة، والعزيمة الصادقة، أعانه الله.

وآكد الاعتكاف في العشر الأواخر تحريا لليلة القدر، وهو الخلوة الشرعية، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يُقر به منه، فما بقي له هم سوى الله وما يرضيه عنه.

ونظرا لأن الكثير من الناس اليوم يجهل أحكام الاعتكاف فإنني أُقدم هذه المعلومات المبسطة عن الاعتكاف.

أولا: تعريف الاعتكاف

في اللغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه.

وفي الشرع: لزوم المسجد والإقامة فيه من شخص مخصوص بنية التقريب إلى الله تعالى.

ثانيا: حكمة التشريع في الاعتكاف

قال ابن القيم رحمه الله مُبينا بعض الحكم من الاعتكاف ما نصه:

(لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفا على جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى؛ فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام؛ مما يزيده شعثا ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يضعفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة عن سيره إلى الله، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده، بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولي عليه بدلها...).

ثالثا: حكم الاعتكاف

الاعتكاف قربة وطاعة وفعله سنة، وهو في رمضان آكد وآكده في العشر الأخيرة منه؛ لكنه يجب بالنذر.

ودليل ذلك ما يلي:

1- قوله تعالى: }طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ{.

2- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (كان النبي ﷺ‬ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوما) [رواه البخاري].

3- عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله ﷺ‬ يعتكف في كل رمضان فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه...) [متفق عليه]. وفيه: (حتى اعتكف في آخر العشر من شوال) [متفق عليه].

4- وعنها -رضي الله عنها-: (أن النبي ﷺ‬ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده) [متفق عليه].

5- أما وجوبه بالنذر فلقوله ﷺ‬: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» [متفق عليه].

ولهما عن ابن عمر –رضي الله عنهما- أن عمر سأل النبي ﷺ‬ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: «أوف بنذرك».

رابعا: شروط الاعتكاف

1- 2- 3- الإسلام والعقل والتمييز.

4- النية.

5- المسجد.

6- الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس.

واختلف في اشتراط الصيام وتحديد المدة للمعتكف ولعل الأرجح عدم اشتراطهما وهو الذي رجحه الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله.

خامسا: ما يستحب للمعتكف

1- الإكثار من الطاعات: كالصلاة وتلاوة القرآن [وقراءة كتب أهل العلم وغير ذلك].

2- اجتناب ما لا يعنيه من الأقوال فيجتني الجدال والمراء والسباب ونحو ذلك.

3- أن يلزم مكانا من المسجد لما ثبت في صحيح مسلم عن نافع قال: (وقد أراني عبد الله –يعني ابن عمر- المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ‬ من المسجد).

سادسا: ما يباح للمعتكف

1- الخروج لحاجته التي لابد منها: لما ثبت عن عائشة –رضي الله عنها- أنها قالت: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد له منه) [رواه أبو داود، وقال الحافظ: ولا بأس برجاله].

2- وله أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه مع المحافظة على نظافته وصيانته.

3- الكلام المباح لحاجته أو محادثة غيره.

4- ترجيل شعره وتقليم أظافره وتنظيف بدنه ولبس أحسن الثياب والتطيب بالطيب؛ فعن عائشة –رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله ﷺ‬ يكون معتكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلل الحجرة فأغسل رأسه) وفي رواية (فأرجله) [متفق عليه].

5- خروجه من معتكفه لتوديع أهله؛ لحديث صفية أن النبي ﷺ‬ فعل ذلك.

سابعا: ما يكره للمعتكف

1- البيع والشراء.

2- الكلام بما فيه إثم.

3- الصمت عن الكلام مطلقا إن اعتقده عباده.

ثامنا: مبطلات الاعتكاف

1- الخروج من المسجد لغير حاجة عمدا ولو قل.

2- الجماع.

3- ذهاب العقل بجنون أو سكر.

4- الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة لفوات شرط الطهارة.

5- الردة أعاذنا الله منها.

تاسعا: وقت دخول المعتكف والخروج منه:

متى دخل المعتكف المسجد ونوى التقرب إلى الله بالمكث فيه صار معتكفا حتى يخرج، فإن نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس ويخرج بعد غروب الشمس آخر يوم من الشهر.

عاشرا: تنبيهات

1- من شرع في الاعتكاف متطوعا ثم قطعه استحب له قضاؤه؛ لفعله ﷺ‬ حيث قضاه في شوال كما تقدم في حديث عائشة.

أما من نذر أن يعتكف ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه.

2- للمرأة الاعتكاف في المسجد إن أمنت الفتنة، وبشرط إذن زوجها، فإن اعتكفت بغير إذنه فله إخراجها؛ قال النووي: بلا خلاف. اهـ.

والأحكام المتعلقة بالاعتكاف بالنسبة للمرأة كالرجل إلا أنها إذا حاضت بطل اعتكافها، فإن طهرت عادت فأكملته. ويُسن استتار المعتكفة بخباء في مكان لا يصلي فيه الرجال.

3- من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام لم يجز له الاعتكاف في غيره، وإن نذره في المسجد النبوي وجب عليه الاعتكاف فيه أو في المسجد الحرام، وإن نذره في المسجد الأقصى وجب عليه الاعتكاف في أحد هذه المساجد الثلاثة.

وأما من نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة لم يتعين، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء؛ لأن الله تعالى لم يجعل لعبادته مكانا معينا، ولأنه لا فضل لمسجد على مسجد آخر إلا الثلاثة.

وأخيرا أخي المسلم.. بادر بإحياء هذه السنة ونشرها بين أهلك وأقاربك وبين إخوانك وزملائك وفي مجتمعك، لعل الله أن يكتب لك أجرها وأجر من عمل بها.

فقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ‬ قال لبلال بن الحارث: «اعلم» قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: «إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا».

إضافة إلى ما في سنّة الاعتكاف من الفوائد في تربية النفس وترويضها على طاعة الله عز وجل، فما أحوج المسلمين عامة والدعاة منهم خاصة إلى القيام بهذه السنّة.

 7- العمرة في رمضان

ثبت عن النبي ﷺ‬ أنه قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» [أخرجه البخاري ومسلم]، وفي رواية: «حجة معي». فهنيئا لك –يا أخي- بحجة مع النبي ﷺ‬.

 8- تحري ليلة القدر

قال الله تعالى: }إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ{ [القدر: 1-3].

وقال ﷺ‬: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» [أخرجه البخاري ومسلم].

وكان النبي ﷺ‬ يتحرى ليلة القدر ويأمر أصحابه بتحريها، وكان يوقظ أهله في ليالي العشر رجاء أن يدركوا ليلة القدر.

وفي المسند عن عبادة مرفوعا: «من قامها ابتغاءها، ثم وقعت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» وللنسائي نحوه، قال الحافظ: إسناده على شرط الصحيح.

وورد عن بعض السلف من الصحابة والتابعين الاغتسال والتطيب في ليالي العشر تحريا لليلة القدر التي شرفها الله ورفع قدرها.

فيا من أضاع عمره في لا شيء، استدرك ما فاتك في ليلة القدر، فإنها تحسب من العمر، والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر سواها، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ.

وهي في العشر الأواخر من رمضان، وهي في الوتر من لياليه أحرى، وأرجى الليالي ليلة سبع وعشرين، لما روى مسلم عن أبي بن كعب -رضي الله عنه-: (والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ‬ بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين).

وكان أبي يحلف على ذلك ويقول: (بالآية والعلامة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ‬، أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها).

وفي الصحيح عن عائشة قالت: (يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

 9- الإكثار من الذكر والدعاء والاستغفار

أخي الكريم: أيام وليالي رمضان أزمنة فاضلة فاغتنمها بالإكثار من الذكر والدعاء وبخاصة في أوقات الإجابة ومنها:

* عند الإفطار، فللصائم عند فطره دعوة لا ترد.

* ثلث الليل الآخر. حين ينـزل ربنا تبارك وتعالى ويقول: (هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له).

* الاستغفار بالأسحار: قال تعالى: }وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{.

* تحري ساعة الإجابة يوم الجمعة وأحراها آخر ساعة من نهار يوم الجمعة.


وأخيرا.. أخي الكريم..

وبعد هذه الجولة في رياض الجنة نتفيؤ ظلال الأعمال الصالحة، أنبهك إلى أمر مهم.. أتدري ما هو؟ إنه الإخلاص.. نعم الإخلاص.. فكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش؟ وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب؟ أعاذنا الله وإياك من ذلك.

ولذلك نجد النبي ﷺ‬ يؤكد على هذه القضية بقوله... «إيمانا واحتسابا».

وقد حرص السلف على إخفاء أعمالهم خوفا على أنفسهم...

فهذا التابعي الجليل أيوب السختياني يحدث عنه حماد بن زيد فيقول: (كان أيوب ربما حدث بالحديث فيرق، فيلتفت فيتمخط ويقول: ما أشد الزكام؟ يظهر أنه مزكوم لإخفاء البكاء).

وعن محمد بن واسع قال: لقد أدركت رجالا كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بلَّ ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جنبه.

وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.

وعن ابن أبي عدي قال: صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله، وكان خرازًا يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدق به في الطريق ويرجع عشيا فيفطر معهم.

قال سفيان الثوري: بلغني أن العبد يعمل العمل سرا، فلا يزال به الشيطان حتى يغلبه فيُكتب في العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحب أن حُمد عليه فيُنسخ من العلانية فيُثبت في الرياء.

 10- اللهو في رمضان

أخي، أظن أني قد أطلت عليك وأنا أحثك على اغتنام الوقت.. قطعت عليك الوقت.. ولكن أستأذن لي أن نعرج سويا على ظاهرة خطيرة وبخاصة في رمضان..

* إنها ظاهرة إضاعة الوقت وتقطيعه في غير طاعة الله.. إنها الغفلة والإعراض عن الرحمات والنفحات الإلهية قال تعالى: }وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى{.

كم تتألم نفسك ويتقطع قلبك حسرات على ما تراه من شباب المسلمين الذين امتلأت بهم الأرصفة والملاعب في ليالي رمضان الفاضلة.

كم من حرمات الله ومعاصيه التي يُجاهر بها في ليالي رمضان المباركة.

نعم إن المسلم ليغار على أوقات المسلمين وعلى زهرة شبابهم أن تبذل في غير طاعة الله..

ولكن..!! لا بأس عليك.. إن الطريق لسعادتك وسعادة إخوانك الدعوة والدعاء.

نعم دعوة من غفل من أبناء المسلمين وهدايتهم الصراط المستقيم. والدعاء لهم بظهر الغيب لعل الله أن يستجيب فلا نشقى أبدا..

وداعا. وإلى لقاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رأيك يهمنا