رجال ومناهج في الفقه الإسلامي [ الأئمة الأربعة ]

نبذة مختصرة

تناول هذا الكتابُ بالدراسة والتحليل زوايا عديدة مما نحتاجه في فهم قضيةٍ من أهم القضايا المثارة؛ كالاجتهاد، والتقليد، والاتّباع، ونحوها من خلال الدراسة للأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في سيرتهم، وحياتهم الخاصة بما تفيض به من استقامةٍ وطُهْرٍ، ودورهم العلمي وما بذَلوا فيه من جهدٍ وما تركوا من تراث عظيم وأثر كريم.
وجهادهم في سبيل الحق وصبرهم عليه، وبلائهم فيه، مع التركيز على قواعدهم في الاجتهاد، وأصولهم في الاستنباط ومناهجهم في الفتوى.

تنزيــل

تفاصيل

 رجال ومناهج في الفقه الإسلامي "  الأئمة الأربعة"

تأليف

محمد زكي الدين محمد قاسم

التقديم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد :

فإن وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت قد وضعت في حسابها مسئوليتها عن بيان منهج الإسلام السوي وطريقه الحق الذي لا يعرف الضعف والتخاذل.

 ولا يقر الجموح والشطط في شتى القضايا ومختلف الجوانب التي يعيشها المسلم، وفي كل أطواره وأحواله.

ولما كانت قضايا الحياة الإنسانية ومشاكلها ومطالبها لا تكاد تتوقف ولا تنتهي إلى حد معين.

وإنما هي متجددة تجدد الليل والنهار، متطورة تطور الحياة الإنسانية بكل ما يواكبها من سنن التطور الفكر ي، والحضاري، والصناعي.

ثم إنها تعيش – ولا شك – مشكلة التقارب العجيب الناشئ من كل ما أنتجه العلم من وسائل في عالمي المواصلات والاتصال ونقل الفكر والثقافة بكل ما له من تأثير على سلوكيات المجتمعات وأخلاقيات الأسر والأفراد.

وكان طبيعياً ما نراه من يقظة إسلامية تدب في أوصال كل أطراف المجتمع الإسلامي وخاصة في الشباب المستنير منهم.

بل لا نبالغ إذا قلنا : إن هذه اليقظة الرائعة باتت موضوع الدراسة والترقب في كثير من مراكز الدراسة والتتبع في شتى بلاد العالم.

الأمر الذي يجعل رعاية هذه اليقظة أمراً حتمياً، وتوجيهها إلى أن تؤتى ثمارها اليانعة فريضة لازمة على كل قادر عليها في أمة الإسلام، وعلى الأخص الجهات المعنية برعاية الشئون الإسلامية، ونشر ثقافة الإسلام وتراثه الفكري، والتمكين له بما يحقق له الذيوع والانتشار أملاً في استضاءة الدنيا كلها بنور الله وهديه العظيم.

وهذه الوزارة تعمل جاهدة في أن تقوم بدورها في هذا المجال العظيم، وندعو الله تعالى تمام التوفيق فيه وحسن المثوبة عليه.

وكان من ملاحظتها لمجريات الأحداث رؤيتها لكثير من صور الفهم الذي قد يحتاج إلى كشف بعض الزوايا لتصحيح فكرة فيه،  أو بيان خطأ في تقديره، أو ردّ إلى منهج الإسلام السمح الذي يقوم على عدالة الحكم ونصاعة الفهم، وتقدير الفضل لأهله، و ردّ الأمر إلى أصحابه، الأمر الذي حدا بالوزارة العمل على إصدار سلسلة من الكتب المبسطة والرسائل الموجزة تحت عنوان :

(ثقافتك الإسلامية)

تراعي في تقديمها إلى جانب أن يكون الموضوع مما تمس الحاجة إليه جوانب محددة منها :

-       جودة المادة

-        سهولة العرض

-        يسر  الأسلوب

-        وضوح الهدف

 ذاك لأن القضايا المطروحة على الساحة، والمسائل التي قد تصل في بعض الأحيان من خلال التمسك بها أو المعارضة لها إلى حد المشكلات، ليست إلا إعادة لمسائل قديمة، وفكر درس – أو على الأقل –قياسًا عليها وتشبهًا بها.

وإن الرد عليها ومناقشة أبعادها وحسم الأمر ببيان وجه الحقيقة  أمر موفور المصادر غني المآخذ وفي المكتبة الإسلامية من ذلك الكثير.

لكن القارئ الحديث – بكل ما يموج به العصر – لم يعد قادراً أو على الأقل متفرغاً لدراسة المصادر والبحث في الأمهات والأصول. فكان لابد من تقديم هذا الزاد له، بالأسلوب الذي يناسبه، ومن المصدر الذي يثق به ويطمئن إليه.

ولهذا فقد عهدت الوزارة بهذه المهمة إلى مجموعة مختارة من العلماء المتخصصين في الفكر الإسلامي ودراسة قضاياه، أملاً في الوصول إلى ما نرجوه من رفعة للإسلام وخير للمسلمين.

وإنه ليسعدنا أن نقدم في مستهل هذه السلسلة هذا الكتاب (رجال ومناهج في الفقه الإسلامي)- للشيخ محمد زكي الدين قاسم وقد تناول الكتاب بالدراسة والتحليل زوايا عديدة مما نحتاجه في فهم قضية من أهم القضايا المثارة : كالاجتهاد، والتقليد، والاتّباع، ونحوها من خلال الدراسة للأئمة الأربعة – رحمهم الله تعالى – في سيرتهم، وحياتهم الخاصة بما تفيض به من استقامة وطهر، ودورهم العلمي وما بذلوا فيه من جهد وما تركوا من تراث عظيم وأثر كريم.

وجهادهم في سبيل الحق وصبرهم عليه، وبلائهم فيه، مع التركيز على قواعدهم في الاجتهاد، وأصولهم في الاستنباط ومناهجهم في الفتوى.

فجزاهم الله عن الإسلام ودينه خير الجزاء، ورضي الله عنهم و أرضاهم.

وجزى الله كاتب هذه الرسالة على ما بذل فيها من جهد جزاء الصادقين.

كما نسأله تعالى أن يهيئ لنا وله ولجميع المسلمين إخلاص المقصد. وحسن الختام.

وهو حسبنا ونعم الوكيل

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية


 مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وإمام المرسلين.. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه : الهداة المهديين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..

وبعد :

فهذه وريقات في سيرة الأئمة الأربعة – رضوان الله تعالى عليهم – أعددتها بادئ ذي بدء بطلب من إذاعة القرآن الكريم بدولة الكويت.

راعيت في إعدادها المنهج الإذاعي. والوقت المحدد للإذاعة لمثل هذا البرنامج.

فكان لابد – والحالة هذه – أن يجيء البحث موجزًا والدراسة مختصرة، وأن يستهدف ذلك خطوطً معينة، وآفاقاً محددة. في حياة هؤلاء العمالقة العظام. الذين أخلصوا لله تعالى عملهم، وبذلوا في سبيل مرضاته وإعلاء كلمته جهدهم وطاقاتهم، وتحملوا في سبيل ذلك شتى صنوف البلاء، وأقسى ألوان المحن ( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل، وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ) ([1]) فجزاهم الله تعالى عن دينه، وشريعته أحسن الجزاء.

ولقد كانت الخطوط البارزة التي استهدفتها الدراسة إنما تعني:  نسبهم  وبيئتهم  ونشأتهم  وعصورهم  ومعيشتهم.. بالإضافة إلى معارفهم وشيوخهم، ومناهجهم في استنباط الأحكام، وقواعدهم في استخراج المسائل، ومذاهبهم في المناظرة والفتوى.. مع الإشارة إلى تلامذتهم الذين كان لهم دور بارز في نشر مذاهبهم، ومع إيضاح العوامل التي حدت بهم إلى أن يكونوا أصحاب ( مذاهب) معينة في الفقه. أو (مدارس) محددة في الاجتهاد والاستنباط.

كل ذلك في عرض موجز، وأسلوب سهل: لا يستعصي على العامة، ولا ينبو عن الخاصة.

وإن كان – في الحقيقة – غير مستوعب لأطراف المسائل ــ وإنما يشير إليها ، ولا مستقصٍ لجوانب الموضوعات ، وإنما يُلمح إلى أهم مطالبها ومصادرها.

وشاء الله تعالى أن يتم إعداد هذه الدراسة في ثلاثين حلقة إذاعية، ثم تسجيلها وإذاعتها ( من إذاعة القرآن الكريم )ثم رؤي أن تعاد إذاعتها مرة أخرى في ( البرنامج العام والبرامج الموجهة باللغة الأردية ).

وكنت – والحمد لله وحده- في كلتا الحالتين أرى من المستمعين إليها : على مختلف أعمارهم، وثقافتهم، واتجاهاتهم ، وسواء أكان ذلك بالمشافهة، أم الاتصال الهاتفي، أم المراسلة،  ما يعطي هذا الجهد من التقدير فوق ما قدرته له، ومن الثناء عليه فوق ما أظن أنه يستحقه.

ثم كان – من فضل الله تعالى علي – ما طلبه مني كثير من الإخوة في الله تعالى من نشرها مكتوبة لزيادة الفائدة وتيسير النفع.

مما حدا بي إلى إعادة النظر فيها من جديد :ليربط بعضها ببعض لكي تناسب النشر المكتوب، مع التقدمة لها ووضع العناوين اللازمة لإيضاح  جزئياتها وتعليق هوامشها.. ونحو ذلك.

ولعله من دوافع هذه الدراسة – منذ إعدادها للإذاعة – ثم وفي حالة إعدادها للنشر :

أن تعطي مفهوماً صالحاً للشباب المسلم، لمسألة يكثر الخلاف حولها والتصارع من أجلها وهي : ( مسألة الاجتهاد والتقليد )

حتى لقد وصل الأمر بالبعض إلى رفض كل ما نسب إلى الأوائل  وإن تعذر عليه ذلك من أمرهم – والنيل مما قدم أولئك الأماثل  وإن كبر شأنهم على أن ينال الناس منهم.

ذلك أنهم – رضوان الله عليهم – بما قدموا من جهد، وما أبلوا من بلاء حسن  فوق طعن الطاعنين وقدح القادحين.

فكان شأن كل من يحاول الانتقاص منهم ما قال القائل:

 كناطح صخرة يوماً ليوهنها

                                      فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

بل ولقد بلغ من بعض الناس – لسبب أو لآخر  أن ينسب إلى المذاهب الفقهية  أنها السبب في عدم تطبيق الشريعة الإسلامية  !

نعم لقد بلغ الأمر هذا الحد من غمط الحق، وإلباسه ثوب الباطل.

أو بهرجة الباطل وتزويره في ثوب الحق، ( والله من ورائهم محيط).([2])

على أن ذلك المنهج قد دفع كثيرًا من الشباب المسلم، والدعاة الصادقين إلى التصدي لهذه الفِرَى بالتمحيص والرد، وإيضاح جوانب الحقيقة.

بما أخذ عند النقل عنهم، صورة الطرف المناهض للفريق الأول أو المعادي له.

وإن كنا لا نشك أن في هؤلاء وأولئك رجالا صادقين مخلصين لدينهم وربهم، وإن اختلفت المعايير وتباعدت أوجه النظر.

وبهذا انتقلت المسألة إلى صورة الخلاف في المجتمع الإسلامي، وبين الشباب المسلم الذي يحمل لواء البعث والحركة من جديد.

وكأن المسلمين ما زالوا في حاجة إلى ألوان جديدة من الصراع والتحزب، وإلى أنماط جديدة من الخلاف والتمزق.

والعجيب حقًا في المسألة : إن الكل ([3]) إنما يدعو إلى تطبيق الكتاب والسنة.

وهنا يأتي سؤال مُلح :

وهل كانت المذاهب الفقهية يوماً من الأيام تسلك منهجاً غير الكتاب والسنة.

أو كانت – يوماً – تدعو إلى العمل بخلافهما  متى اتضحت مفاهيمُ الكتاب. إن كانت قد خفيت عليهم ، أو صحّت السنة  إن لم تكن قد ثبتت لديهم،

ولقد كان الأمر الذي ينبغي التعاون عليه – فيما أرى – هو ضرورة التداعي إلى إبراز التشريع الإسلامي المشرق.. وبيان أهمية الحاجة إليه.

ومن وسائل ذلك ما يلي : -

 أولاً :تكثيف الجهود على تحقيق مصادر السنة، وتصنيفها وفهرستها واستخدام الأساليب والوسائل العلمية الحديثة في تقريبها وتيسير التعرف عليها.

ولا شك أن ذلك العمل فوق طاقة الأفراد مهما أوتوا من طاقة، وإخلاص.

وأن العمل الجماعي فيه أجدى للإسلام والمسلمين في كل مواطنهم وأزمانهم من كل ما عداه.

ولقد كان من دواعي السرور : ما تم الإعلان عنه : من أن دولة قطر قد تبنت مسئولية الموسوعة الحديثة، وبدأت بالفعل في تنفيذ الفكرة بأسلوب علمي مخطط، نرجو  الله تعالى أن يأجر الساعين فيها، وأن يعين العاملين بها، وأن يتمم لهذا العمل التوفيق والنجاح.

 ثانياً : تخريج ما استند إليه الفقهاء من أدلة النقل، وإيضاح أوجه الاستدلال بها مع بيان الأحكام التي لم يصل قائلوها إلى الأدلة من النقل الصحيح، والتي قد وصلت إلى غيرهم، أو أنها لم تثبت لديهم وإنما ثبتت عند من عداهم.

ثم يأتي دور الأحكام التي ليس لها دليل من النقل، وتمت إقامتها على أصول الاستنباط الأخرى كالقياس والمصالح المرسلة.. أو غيرها ، وذلك ولا شك دور الموسوعات الفقهية وهي والحمد لله تقوم بدور مشكور وعمل مأجور إن شاء الله تعالى.

وسوف يبين ذلك – ولا شك – مقدار عظمة الأئمة السابقين. ومبلغ ما بذلوا من جهد، أو حققوا من مقاصد تنقطع دونها الهمم، وتكل دون بلوغها شم العزائم.

 ثالثاً : توحيد الجهود في العمل على ما يحقق الفصل بين المذاهب ومناهجها.

وبين ما ألحقته بها عصور التخلف والانحطاط العلمي، التي جعلت من المذاهب  مناهج للتعصب الحاقد، والشقاق الممقوت، وخلقت بذلك فتناً ومعارك تبرأت منها المذاهب وأصحابها ويمقتها الإسلام ومنهجه المعصوم.

ولقد كان أصحاب المذاهب، وحواريُّوهم، ومن حذا حذوهم : أشد الناس تحذيراً من هذه الانحرافات باسم المذهبية والاتباع، وأقوالهم في ذلك مشهورة موفورة.

 رابعاً : التعريف بقواعد الاجتهاد وأدواته، وحقيقة المجتهد، ووسائله، ومعنى المقلد، وحدوده... الخ.

وبيان هذه المسائل بصورة تضع كل شيء في موضعه الصحيح،  وترد كل ذي غاية إلى حجمه المعقول.

وذلك حتى لا تكون الأمور على الحال الذي نراه، والذي من أمثلته :

أنك ما تفتأ ترى طاعنًا على المذاهب وأئمتها. أو من يرى في نفسه القدرة على الاجتهاد، ويدعي الفقه والانتصار للسنة.

وهو لا يحفظ شاهدة من الكتاب على مسألة، ولا يتقن مجرد قراءة نص ما يحتج به من حديث في قضية.

فضلًا عن أن يكون عالماً -بل ملماً- بما ينبغي أن يعلم من معرفة الناسخ والمنسوخ، والمقدم والمؤخر، والمطلق والمقيد والمجمل والمفصل، والعام والمخصص، والمنطوق والمفهوم و.. و.. الخ.

ولو أننا  على سبيل المثال، وتقريبًا لمنهج الحق قد استعرضنا في جدول موجز أصول المذاهب الأربعة لما وجدنا أحداً منهم يقدم على الكتاب والسنة شيئاً.

بل لقد أعلن جميعهم  في تأكيد وحزم أنه لا اجتهاد مع النص، وكان من الضوابط الأصولية الثابتة قول بعضهم :

والاجتهاد إنما يكون            في كل ما دليله مظنون

أمّا الذي فيه الدليل القاطع     فلا اجتهاد فيه، ولا منازع

وإليك على سبيل المثال سرد أصولهم لترى وجهة الحق فيما يراد بالإسلام بالنيل منهم.. رضي الله عنهم وأرضاهم.

وذلك حسب ترتيبها عندهم :

 المذهب

أصول وقواعد الاستنباط في المذاهب

المذهب الحنفي

الكتاب

السنة

فتاوى الصحابة

القياس

الاستحسان

العرف

المذهب المالكي

الكتاب

السنة

إجماع أهل المدينة

 القياس

قول  الصحابي

المصالح المرسلة

العادات

سد الذرائع

الاستصحاب

الاستحسان

المذهب الشافعي

الكتاب   والسنة

الإجماع

قول بعض الصحابة دون مخالف

قول بعض الصحابة عند الاختلاف

القياس

المذهب الحنبلي

الكتاب

السنة

الإجماع

فتاوى الصحابة

الاستصحاب

المصالح المرسلة

سد الذرائع

ومن هنا نعلم ما يلي :

أولاً : أنه لا خلاف بين أحد منهم على الكتاب والسنة أو تقديمهما على كل ما عداهما.

ثانياً :أن الاتفاق بعد ذلك قائم على الأخذ عند عدم وجود الدليل من الكتاب أو السنة بما يلي :

فتاوى  الصحابة – الإجماع – القياس – وإن قدم بعضهم ما أخره الآخر منها.

ثالثاً : أن الأصول الأخرى – التي قد اختلفوا فيها – مردودة غالبًا إلى ما سبق من الأصول.

رابعاً : أن وجود الاختلاف في وجهات النظر بالنسبة للنص قد يكون قائماً على تقديم القياس على الحديث الضعيف، أو عكسه.حسب ما هو مبين في صلب الرسالة، وهو في المصادر الأصيلة للمذاهب أوفى وأشفى.

هذا ولا يسعني هنا – إنصافاً للحق وتقديراً لأهله- إلا أن أسجل اعترافي البين : بأنني عندما كنت أُعد هذه الدراسة.. وكلما رجعت إلى مرجع وانتهيت إلى إثبات شيء منه.وجدت الإمام المرحوم أبا زهرة قد سبق إليه :

عرضاً وتمحيصاً ونقداً وموازنة ثم انتهى فيه إلى الرأي العلمي المحقق الحاسم.

ومن هنا فلا أبالغ إذا قلت :إن ما كتبه رحمه الله عن الأئمة الأربعة إنما يمثل جوهر هذه الدراسة ومرجعها الأصيل.

فجزاه الله عن الإسلام وحملته والدعاة إليه خير الجزاء.

وختامًا :

فإنني بقدر ما بذلت من جهد، فإنني لا أدّعي أنني قد أوفيت على الغاية في التعريف بهم.

أو أنني قد وفيت هؤلاء القمم الشوامخ بعض حقهم في التعريف بمناهجهم.

وإنما هي عجالة يسيرة، بمثابة إرشاد إلى الغاية.. أو تشويق إلى البحث.

وإن كنت أظن أنها كافية في حسم الخلاف لمن أراد وجه الحق وجمع الكلمة لمن ابتغى إلى ذلك سبيلاً، ودحض الشبه والمفتريات  عند من أراد الحقيقة، وتجرد من الهوى والتعصب للرأي

فإن كان فيما سطرته في هذه الرسالة خير

فهو من الله  وله الحمد والمنة،

وإن كان غير ذلك ،

فهو من الشيطان ومني،

وأسأله تعالى العفو عنه والمغفرة له.

سائلا الله جل وعلا  أن يجعلها مقبولة عنده نافعة لي وللمسلمين

والله من وراء القصد

وهو حسبي ونعم الوكيل

الكويت في مساء يوم الأحد : 21 من رجب الحرام 1404هـ  - 22 من أبريل 1984

محمد زكي الدين محمد قاسم


 بين يدي الكتاب

 أمة تميزت بصنع الرجال

 تطور الفقه الإسلامي ونشأة

 المذاهب الفقهية

 ظاهرة التقليد.. وأسبابه


 أمة تميزت بصنع الرجال :

الناظر المتدبر في تاريخ الأمم والديانات والمذاهب لا يجد أمة حفلت بالرجال، وصنع الأجيال من الأبطال وصناع الحضارة وقادة الأمم كما يجد ذلك في أمة الإسلام التي تأدبت بأدب القرآن الكريم، وتربت في مدرسة النبوة على هدي محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم – معلمها الأول.

ويمكننا أن نتعرف على هذا الإعجاز في هذا الدين 

إذا ما رجعنا إلى بداية نزوله،

وتعرفنا على الفئات الأولى التي تلقته بالقبول وأخذت على عاتقها مسؤولية الدفاع عنه، وحمل رسالته، والتبشير بهدى دعوته.

إذ إنه من الأمور البدهية المجمع عليها .

إن هذه الرسالة نزلت على النبي الأمي – صلى الله عليه وسلم – الذي يخاطبه ربه تبارك وتعالى فيقول :

" وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون"  ([4])

وقد كانت بوادر هذا الدين وتكاليف وأعباء هذه الرسالة إلى قوم أميين تغلب عليهم الأمية والرعي، وتسيطر عليهم البداوة والجفوة.

والقلة القليلة منهم هي التي كانت قد تعرفت على أطراف يسيرة من حضارات الأمم المجاورة لهم  في رحلات التجارة المحدودة، التي لم يستوعبوها لعدم قناعتهم بها.. أو لعدم ملاءمتها لهم.

واحتفظوا على التاريخ الطويل ببداوتهم، وعروبتهم و أميتهم حتى ليقول القرآن الكريم فيهم :

( هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عيهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين* وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ) ([5]

وقد كانت تلك الدعوة بالفعل مفتاح الإشعال لكل تلك الطاقات الكامنة في الإنسان العربي.

وإشارة البدء لعمل العقل لديه بعد أن زكاه الله بالإسلام ، وأشرقت جوانبه بنور القرآن، ودربه على العمل المثمر هدي النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم.

فانطلق العرب الأميون في كل بقاع الأرض، وكل آفاق الدنيا وشتى ميادين المعرفة والحياة يقودون الناس بنور الإسلام.

فكان منه من لا تستطيع الأجيال أن تأتي بمثله ،

فمنهم خالد بن الوليد  القائد المنتصر الذي لم يهزم في معركة قط  وما استعصت عليه في الحرب مشكلة، ولا حالت بينه وبين تحقيق النصر معضلة،  حتى ُسمّي بحق

" أستاذ السرعة والمفاجأة " بأحدث ما وصلت إليه نظريات  الحرب في العصور الحديثة، وحتى قال عنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه :

أعجِزتْ النساء أن يلدن مثل خالد؟

بل وقد بلغ به ذلك أن نال أسمى أوسمة القيادة بما سماه به الرسول صلى الله عليه وسلم : ( سيف من سيوف الله ). ([6]

ومنهم عمرو بن العاص رضي الله عنه : المثال البارز في السياسة والكياسة والدهاء حتى قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد أوفده في إحدى المهام البالغة إلى الروم:

( رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب. فانظر عما تنفرج )

وكان منهم علي بن أبي طاب كرم الله وجهه :والذي كان في علمه، وفهمه وإدراكه لفقه القضايا ومشكلات المسائل وإدراك حلولها ما جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما يعرض عليه الأمر المشكل الذي يصعب حله يقول :

( قضية ولا أبا حسن لها )

وهكذا أخرج الإسلام من هذه النماذج المضيئة ما أعجز التاريخ أن يأتي بمثله.

ثم جاء الذين من بعدهم وقد ولدوا على مائدة الإسلام ورضعوا من المهد معارفه، ونشؤوا على موائد هدايته،

فيسر لهم ذلك أن يستوعبوا إلى جانب معارف العرب ثقافات الفرس والرومان، وحضارات مصر واليونان وفلسفات الإغريق وغيرهم.

ثم تحولت المعرفة في مجتمع الإسلام إلى مدارس متنوعة.

في كل مجالات المعارف الإنسانية والعملية، إيذانًا ببدء مرحلة التخصص في العلوم والفنون ،

فهذه مدارس للقرآن وعلومه، وتلك مدارس للحديث والرواية والنقل والجرح والتعديل، وأخرى للفقه والأصول واستنباط الأحكام. ورابعة للطب، وغيرها للكيمياء والطبيعة وأخرى للفلك ثم للفلسفة والجدل وهكذا.

ولكل مدرسة من المدارس رجالها المسلمون الذين لا يجارون، وعلماؤها البارزون الذين لا يبارون.

ولقد انقضت عصورهم، وانتهت آجالهم وأجيالهم، وما زالوا عمالقة  يقودون الدنيا بعلمهم، ويتعلم الباحثون من بعض معارفهم ما يصلون به إلى مناصب القيادة وكراسي الريادة.

أرأيت إلى من يتيسر له القيام بتحقيق كتاب من كتبهم أو رسالة من رسائلهم؟

إنه يحصل بذلك على أعلى الدرجات العلمية في العصور الحديثة : " درجة الدكتوراه "

نعم لقد ذهب أولئك العباقرة ، ماتت أجسادهم.. ولكنهم خلدوا بنتاج عقولهم، وأضاؤوا الدنيا بثمرات فكرهم وصدق القائل :

كم راحل سكن القبور وذكره

                             باق يطاول منكب الآباد

ومعمر سكن القصور فما رنا

                             طرف إليه ولا بكى لبعاد

وإذا كان لنا أن نقترب ملياً من تلك النماذج الرائعة، وأن نلم قليلًا بتلك المثل الرفيعة. فلنأخذ كمثال لها بعض رجالات المدارس الفقهية تلك المدارس التي حققت الأصول، وفرعت المسائل، ووضعت الفروض، وقننت الأحكام، وفصلت القواعد.

حتى إن أعلمنا اليوم : هو من يعرف مناهجهم، أو من يسلك مسالكهم ويقتفي آثارهم أو يقترب من رحابهم. وقليل ما هم ‍‍.

تلك المدارس التي خرجت لنا أمثال : أئمة المذاهب الأربعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والأئمة : ابن القيم، وابن حزم وغيرهما.

ومن قبلهم سفيان بن عيينة، والليث، وغيرهم، وغيرهم ([7])  

ولئن كان أولئك وأمثالهم حملوا جميعاً لواء الفقه في الدين وقادوا مدارس  الاجتهاد والفتوى.

فلقد تلقت الأمة بالقبول من هذه المذاهب ما وصل إليها منها، والتي كان لها حواريون  دونوا مسائلها وصنفوا نفائسها وشرحوا حواشيها وقننوا أصولها وفروعها،

ولعله من أبرز هذه المدارس  هذه المذاهب الأربعة،  والتي نشأت مع اقتراب نهاية القرن الأول الهجري، ثم توالت وتتابعت حتى وصل إلينا تراثها، ونفائس مصنفاتها

ورواد هذه المذاهب إنما هم الأئمة الأربعة المجتهدون  :

أبو حنيفة النعمان واليه ينسب المذهب الحنفي

ومالك بن أنس إمام دار الهجرة وإليه ينسب المذهب المالكي

ومحمد بن إدريس بن شافع المطلبي وإليه ينسب المذهب الشافعي

وأحمد بن محمد بن حنبل الإمام المحدث الصابر الممتحن،وإليه ينسب المذهب الحنبلي. رضي الله عنهم و أرضاهم.

متى وكيف نشأت المذاهب الفقهية؟

وهنا وقفة لابد منها وهي :

كيف تفرقت الأسماء، وتشعبت المذاهب، حتى صارت في فترة من الزمان أشبه ما تكون بالأحزاب المتناحرة، والفرق المتصارعة :

يطعن بعضهم في بعض، ويكيل كل فريق التهم جزافاً للفرق الأخرى.

كيف حدثت هذه الفرقة تحت اسم الإسلام. الذي لا تعرف مبادئه الفرقة ولا تقر التفرق؟

هذا الإسلام الذي يقول كتابه الحكيم :

( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) ([8]

والحقيقة : أن الإسلام في جوهره والمذاهب الفقهية في نشأتها وتطورها، والأئمة في مناهجهم وأصولهم التي أقاموا عليها مذاهبهم وفقههم فيها .

كل هؤلاء بريئون كل البراءة من عمى المتعصبين وحمق المقلدين، وتمزيق الجاهلين.

يقول الشيخ سيد سابق:

" فلما جاء أئمة المذاهب الأربعة تبعوا سنن من قبلهم ، يعني في الالتزام بمنهج الاستنباط من الكتاب والسنة.

ثم يقول :

إلا أن بعضهم أقرب إلى السنة – كالحجازيين – الذين كثر فيهم حملة السنن ورواة الآثار.

والبعض الآخر  كان أقرب إلى الرأي كالعراقيين  الذين قل فيهم حفظة الحديث لتنائي ديارهم عن منزل الوحي.

بذل هؤلاء الأئمة أقصى ما في وسعهم، في تعريف ا لناس بهذا الدين وهدايتهم إليه،

وكانوا ينهون عن تقليدهم..ويقولون:

[ لا يجوز لأحد أن يقول قولنا من غير أن يعرف دليلنا ]

وصرحوا أن مذهبهم هو : الحديث الصحيح، لأنهم لم يكونوا يقصدون أن يُقلَدوا كالمعصوم صلى الله عليه وسلم.

بل كان قصدهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله. إلا أن الناس بعدهم فترت هممهم، وضعفت عزائمهم، وتحركت فيهم غريزة المحاكاة والتقليد.

فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه ويعوّل عليه ويتعصب له، ويبذل كل ما أوتى من قوة في نصرته، وينزل قول إمامه منزلة قول الشارع،

ولا يجيز لنفسه أن يفتي في مسألة بما يخالف ما استنبطه إمامه.

وقال أيضاً :

وبالتقليد، والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتاب والسنة، 

وحدث القول بسد باب الاجتهاد وصارت الشريعة  هي أقوال الفقهاء مبتدعاً....!!

إلى أن قال: وكان من آثار ذلك : أن اختلفت الأمة شيعاً وأحزاباً.

كما كان من آثاره  انتشار البدع، واختفاء معالم السنن، وخمود الحركة العقلية، ووقوف النشاط الفكري، وضياع الاستقلال العلمي.

الأمر الذي أدى إلى ضعف شخصية الأمة، وأفقدها الحياة المنتجة، وقعد بها عن السير والنهوض.

ووجد الدخلاء بذلك ثغرات ينفذون منها إلى صميم الإسلام ا هـ. كلامه ([9]


 الإمام الأعظم

 أبو حنيفة النعمان

 رضي الله عنه


 بعد تلك المقدمة الموجزة حول أثر المدرسة الإسلامية في تخريج الرجال ومنهج الإيمان في صنع الأبطال.

وبعد هذه الإشارة الخاطفة إلى أساس المدرسة الفقهية، وأسباب ما يبدو في أفق الحياة الإسلامية من صور التعدد والخلاف المذهبي نعود إلى أساس مطلبنا وهدفنا الذي استهدفناه من هذه الدراسة وهو : التذكير بتلك الشخصيات الفريدة من أسلافنا والقمم الشامخة في تاريخنا من الأئمة المجتهدين :أئمة المذاهب الأربعة.

 نسب أبي حنيفة. ونشأته:

ولا شك أن أسبقهم إنما هو الإمام الأعظم أبو حنيفة.

إمام أهل الرأي، وفقيه العراق.

واسمه : النعمان بن ثابت بن زوطى الفارسي

كان جده من أهل " كابل " فهو فارسي النسب، التقى أبوه ثابت بن زوطى بالإمام على كرم الله وجهه، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته.

والمشهور أن أبا حنيفة النعمان  ولد بالكوفة، في سنة ثمانين من الهجرة. وتوفي سنة خمسين ومائة من الهجرة عن عمر بلغ سبعين عاماً. أمضاها في طلب العلم، وتحصيله

والبراعة فيه.

حتى بلغ فيه  وبه  مبلغًا يفوق شرف النسب ومجد الأصل.

إذ هو المولى الذي استطاع بجده ومواهبه في هذا الميدان أن يصل إلى ما وفقه الله تعالى له، وأعانه عليه من منزلة الإمامة.. ومكانة الأسوة في الاجتهاد.

وأن يكون أحد ملامح البشرى للموالي الصادقين في الإسلام :

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :

كنّا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة :

( وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم )

قال : قلت : من هم يا رسول الله؟

فلم يراجعه حتى سأله ثلاثاً – وفينا سلمان الفارسي – وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا لنا له رجل من هؤلاء ([10]

وقد نشأ – رضي الله عنه – في مدينة الكوفة، في بيت إسلام حسن، ويسار، إذ تفيد الأخبار أن أباه ولد مسلماً وأنه كان من التجار، كما يغلب على الظن أنه كان تاجر خز كما يقول الباحثون، وعنه ورث أبو حنيفة هذه المهنة، فقد بدأ بالتجارة قبل التفرغ للعلم والدراسة والبحث.

ثم بقي طوال حياته تاجرًا للخز وارثاً لهذه المهنة عن أبيه "

ولقد حفظ القرآن الكريم، وأخذ القراءة عن الإمام عاصم  أحد القراء السبعة،

وكان مدمنًا لقراءة القرآن ملازمًا لها خاصة في شهر رمضان المعظم.

كيف سلك طريقه إلى العلم؟

لقد كانت العراق في عهده – وخاصة مدينة الكوفة – مجالاً نشطاً لحركة مدنيات قديمة، ومدارس مختلفة :

انتشرت فيها – إلى جنب المدارس الإسلامية – فلسفة اليونان، وحكمة الفرس، ومدارس الجدل، ومختلف النحل، والمذاهب الكلامية، والفرق الدينية.

وكان أبو حنيفة يسمع ذلك كله ويراه، ولا يأبه له  قبل أن يتجه إليه.

وإنما كان مشغولا بتجارته، وإن كانت ملامحه وصفاته تنم عن ذكاء مزخور، وذهن متوقد، وفكر قادر على اجتياز اللجج، والسبح  في تيار العطاء السخي.

يقول أبو حنيفة :

مررت يوماً على الشعبي وهو جالس، فدعاني فقال لي :

إلى من تختلف؟

قلت : اختلف إلى السوق

قال: لم أعن الاختلاف إلى السوق إنما عنيت الاختلاف إلى العلماء؟

فقلت له : أنا قليل الاختلاف إليهم. فقال لي : لا تفعل، وعليك بالنظر في العلم، ومجالسة العلماء فإني أرى فيك يقظة وحركة.

قال : فوقع في قلبي من قوله، وتركت الاختلاف إلى السوق، وأخذت في العلم، فنفعني الله بقوله.

كيف اختار منهجه وطريقته؟

لقد تحول أبو حنيفة عن التفرغ للتجارة إلى طلب العلم.

وان كانت علاقته بالتجارة، وصلته بها قد بقيت معه ما عاش حياته، ولكن كيف كان منهجه في الدراسة؟ وكيف كانت طريقته في تحصيل العلم والمعرفة؟

كيف برع في ذلك؟ ونبغ في فنونه- وخاصة فن الفقه – وكيف توجه إليه ذلك التوجه الذي جعل منه إماماً؟

وإذ أؤكد – سلفا – أن كل ما ذكرناه في هذا الصدد إنما تم عرضه في إيجاز شديد وإلماح خاطف إلى تلك الحياة السامقة العملاقة المليئة بالدروس والعبر.

فإنما نشير إلى أننا إنما نعرض ذلك ليرى أبناؤنا : كيف كان أسلافهم؟ وكيف كانت أمجادهم؟

فتمتلئ نفوسهم بعزة الإسلام، وتمتلئ حياتهم بالمثل الأعلى من سلف المسلمين.

وعندها يقف أحدهم  شامخ الرأس، علىّ النفس  ليتحدى فكر الدنيا وحضارات الأمم وهو يقول :

( أولئك آبائي.. فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع )

ونعرض ذلك أيضاً لتكون تلك الملامح الوضيئة من سلفنا الصالح منهجاً يحتذى للعمل، ومسلكا يرتاد للتفوق والسبق والإبداع.

وشعارنا في ذلك ما قال القائل.

إنا وإن أحسابنا كرمت

                                      لسنا على الآباء نتكل

نبني  كما كانت أوائلنا تبني

                                      ونفعل مثلما فعلوا

وإذن.. فماذا فعل أبو حنيفة وهو يبني الحياة لنفسه ولأمته؟

كيف اختار منهجه وطريقته؟

لقد رأيناه يحفظ القرآن، الكريم على إمام في القراءة وهو الإمام عاصم أحد القراء السبعة،

ثم تتحول حياته إلى المجال العلمي بنصيحة الشعبي.

ثم إذا به يعرف قدراً من الحديث.. وقدرًا من النحو، والأدب والشعر، ومن علم الكلام. ومناهج الجدل في مسائل الاعتقاد كان يرحل في سبيل هذا الجدل وتلك المناقشة إلى البصرة فيقيم بها من أجل ذلك السنة ونحوها؛ ليستطيع بعد ذلك أن يحدد مساره إلى المستقبل.

منهج يصاحبه التوفيق..

وتحدد مساره لفتات القدر.

نعم لقد مكنه أخذه من أطراف العلوم أن يحدد لنفسه مجال التخصص بتوفيق الله تعالى. وما يجعله مفتاحه إلى طريق الفقه في الدين والتبحر في علوم الشريعة.

يروى تلميذه أبو يوسف- رحمه الله – عنه أنه سئل كيف وفقت إلى الفقه؟

فقال للسائل : أخبرك.. أمّا التوفيق فكان من الله ، وله الحمد كما هو أهله ومستحقه.

إني لما أردت تعلم العلم جعلت العلوم كلها نصب عيني فقرأت فناً منها وتفكرت في عاقبته، وموضع نفعه.

فقلت : آخذ في الكلام،

ثم نظرت : فإذا عاقبته عاقبة سوء، ونفعه قليل وإذا كمل الإنسان فيه، لا يستطيع أن يتكلم به جهاراً ويرمى بكل سوء، ويقال صاحب هوى.

ثم تتبعت أمر الأدب والنحو،

فإذا عاقبة أمره أن أجلس مع صبي أعلمه النحو والأدب ثم تتبعت أمر الشعر،

فوجدت عاقبة أمره المدح، والهجاء، وقول الكذب، وتمزيق الدين،

ثم تفكرت في أمر القراءات،

فقلت : إذا بلغت الغاية فيه  اجتمع إلى أحداث يقرؤون علىّ والكلام في القرآن ومعانيه  صعب.

فقلت : أطلب الحديث.

فقلت : إذا جمعت منه الكثير احتاج إلى عمر طويل حتى يحتاج الناس إليّ، وإذا احتيج إلي ّلا يجتمع إليّ إلا الأحداث.

ولعلهم يرمونني بالكذب، وسوء الحفظ فيلزمني ذلك إلى يوم الدين.

ثم قلبت الفقه،

فكلما قلبته.. وأردته لم يزدد إلا جلالة ولم أجد فيه عيباً ورأيت الجلوس مع العلماء، والفقهاء، والمشايخ البصراء والتخلق بأخلاقهم.

ورأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض، وإقامة الدين، والتعبد إلا بمعرفته، وطلب الدنيا والآخرة إلا به ومن أراد أن يطلب به الدنيا  طلب به أمراً جسيما وصار إلى رفعة منها،

ومن أراد العبادة والتخلي  لم يستطع أحد أن يقول : تعبد بغير علم، وقيل : إنه فقيه، وعمل بعلم.

وأبو حنيفة في هذا الاستقصاء والتحري والبلوغ في النهاية إلى هذا الاختيار، إنما كان موفقا من الله إليه ومهدياً – بفضله – إلى اختياره.

وحسبه بذلك شرفاً ومنزلة.. ،فإن الله تعالى يجمع لصاحب الفقه أطراف الخير كلها في الدنيا والآخرة:

فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

" من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده " 

كيف اختار أستاذه ؟

وإذا كان ذلك منهجه في اختيار مجال تخصصه فكيف اختار أستاذه فيه؟ وكيف كانت منزلته عنده؟ وكيف كانت منزلته عند أستاذه؟

أمّا كيف اختار شيخه؟

فقد كان ذلك بلفتة من تلك اللفتات التوجيهية التي أرادها الله تعالى له، ولازمته في كثير من أطوار حياته.

فلقد تحولت همته من التجارة إلي طلب العلم والإمامة فيه بلفتة من التوفيق أجراها الله تعالى إليه على لسان الشعبي.

فكيف كان الأمر هنا؟

يحدثنا تلميذه زفر – رحمه الله – بالرواية عنه فيقول :

كنت أنظر في الكلام. حتى بلغت فيه مبلغاً يشار إلي ّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان.

فجاءتني امرأة يوما فقالت : رجل له امرأة، أراد أن يطلقها للسنة.كم يطلقها؟

يقول أبو حنيفة : فأمرتها أن تسأل حماداً ثم ترجع إليّ فتخبرني.

فسألت حماداً فقال : يطلقها وهي طاهرة من الحيض والجماع  تطليقة.

ثم يتركها حتى تحيض حيضتين. فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج. فرجعت يعني فأخبرته.

فقال :لا حاجة لي في الكلام.

يقول : وأخذت نعلي فجلست إلى حماد.

منزلته عند أستاذه.

وقد بين لنا كيف كانت منزلته عند شيخه بقوله بعد ذلك :

فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله. ثم يعيدها من الغد فأحفظ ويخطئ أصحابه.

فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة.

ومنزلة أستاذه عنده.

ويحدثنا هو رضى الله عنه عن ذلك – أيضاً – فيقول :

صحبته عشر سنين ، ثم نازعتني نفسي الطلب للرياسة، فأردت أن اعتزله، وأجلس في حلقة لنفسي.

فخرجت يوما بالعشي وعزمي أن افعل.

وهنا تعرض له أيضاً لفتة قدرية تكبح لديه جماح هذه الرغبة حتى لا يفعل ما اعتزمه من ذلك.

وحتى يبقى تابعاً لشيخه ينهل من علمه ومعرفته حتى يتم نضجه ويكتمل فقهه فيقول:

فلما دخلت المسجد ورأيته  لم تطب نفسي أن أعتزله،فجئت وجلست معه،

فجاءه في تلك الليلة نعى أحد قرابة له قد مات بالبصرة، وترك مالاًوليس له وارث غيره.

فأمرني أن أجلس مكانة، فما هو إلا أن خرج حتى وردت مسائل لم أسمعها منه،

فكنت أجيب واكتب جوابي، ثم قدم فعرضت عليه المسائل وكانت نحواً من ستين مسألة 

فوافقني في أربعين وخالفني في عشرين.

فآليت على نفسي ألا أفارقه حتى يموت، فلم أفارقه حتى مات رحمه الله.

منهجه في المناظرة والجدل.

إذا كان أبو حنيفة قد اختار مدرسته وأستاذه - المدرسة الفقهية، وحماد بن أبي سليمان- فإنه في نفس الوقت لم يكن بمعزل عن بقية المعارف والعلوم وإنما كان له فيها باعة وطوله خاصة فيما يتعلق بالجدل ومذاهب المتكلمين وأهل الأهواء.

وإن، كان لا يجادل في العقائد إلا عندما  تضطره الظروف أو تلجئه الضرورة إلى إحقاق حق أو إبطال باطل.

بل ربما نهى عن الجدل، وحض على عدم مقارفته.

يروى أنه رأي ابنه حماداً يناظر في الكلام فنهاه،

فقالوا : رأيناك تناظر فيه وتنهانا عنه،

فقال : كنا نناظر وكأن على رؤسنا الطير مخافة أن يَزِلّ صاحبنا وأنتم تناظرون وتريدون زلّة صاحبكم.

ومن أراد أن يزل صاحبه فقد أراد أن يكفر صاحبه.

نعم هكذا يكون علم العلماء وورع المتقين.

إنهم كانوا يخافون على مناظرهم أن يزل فيأثم.

فما بالكم بمن يفعل ذلك وهو يتعمد تخطئه صاحبه حتى يزل فيكفر؟

ولقد حفظ لنا التاريخ العديد من أنماط مناظراته رضي الله عنه إحقاقاً للحق وإنصافاً لأهله دون تأثر بهوى، أو ميل إلى  اللجاج والمراء، أو محاولة التغلب على الخصم من أجل الغلبة وحدها.

ومن ذلك ما يروى أنه جاءه جماعه من الخوارج وقالوا له :

هاتان جنازتان على باب لمسجد:

أمّا إحداهما فجنازة رجل شرب الخمر حتى كظته وحشرج بها فمات.

والأخرى جنازة امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحبل قتلت نفسها.

فقال : رضى الله عنه : من أي الملل كانا؟ من اليهود؟

قالوا : لا

قال فمن النصارى؟

قالوا : لا

قال أفمن المجوس؟

قالوا : لا

قال : من أي الملل كانا؟.

قالوا : من الملة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.

قال : فأخبروني عن هذه الشهادة أهي من الإيمان : ثلث. أو ربع. أو خمس؟

قالوا : إن الإيمان لا يكون ثلثا ولا ربعاً ولا خمسا.

قال : فكم هي من الإيمان؟

قلوا : الإيمان كله.

قال : فما سؤالكم إياي عن قوم زعمتم، وأقررتم  أنهما كانا مؤمنين؟

قالوا : دعنا عنك. أمن أهل الجنة هما؟ أم من أهل النار؟

قال : أمّا إذا أبيتم فإني أقول فيهما ما قاله نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرما منهما " فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " ([11]

وأقول فيهما ما قاله نبي الله عيسى بن مريم في قوم كانوا أعظم جرما منهما " أن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم"  ([12])

وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح إذ قالوا : " أنؤمن لك وأتبعك الأرز لون "

قال :" وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين " ([13])

وأقول ما قال نوح عليه السلام :

" ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم إني إذاً لمن الظالمين  "

فعندما سمع الخوارج ذلك ألقوا السلاح.

وهكذا نجد مناظرة أبي حنيفة إرشاداً هادياً يأخذ بيد الخصم في رفق ولين، ولكي ينقذه من مذلات الهوى، ومز الق التعصب ليسترشد بنور الحق ويهتدي بأشعة اليقين، ويقصد الأخذ بيد صاحبه إلى ساحة النجاة، قبل أن يقصد قهره والظهور عليه.

 ولكنه لما متعه الله به من رجاحة العقل وقوة الحجة ونقاء البصيرة كان يكر عليهم دائما بما يلجئهم إلى التسليم له، أو يلجمهم عن مخاصمته.

ورحم الله الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه إذ يقول في حقه: لو أراد أبو حنيفة أن يقيم الحجة على أن هذه السارية من ذهب لفعل.

ومن صور التحدي التي واجهها أبو حنيفة ما يرويه الخطيب عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة أنه قال :

دعا الخليفة المنصور أبا حنيفة.

فقال الربيع حاجب المنصور، وكان يعادي أبا حنيفة :

يا أمير المؤمنين : هذا أبو  حنيفة يخالف جدك، كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول : إذا حلف على اليمين  ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء،

ويقول أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلا باليمين.

فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جندك بيعة.

قال : وكيف؟

قال : يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم.

فضحك المنصور وقال : يا ربيع لا تعرض لأبي حنيفة. فلما خرج قال له الربيع أردت أن تشيط بدمي.

قال أبو حنيفة : لا ولكن أردت أن تشيط بدمي فخلصتك وخلصت نفسي.

ومن ذلك ما ينقله- أيضاً – الإمام أبو زهرة عن الخطيب فيقول :إن أبا العباس الطوسي كان سيء الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على أبي جعفر، وكثر الناس.

فقال الطوسي اليوم أقتل أبا حنيفة.

فأقبل عليه فقال : يا أبا حنيفة إن أمير المؤمنين يأمر الرجل منا بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو ،أيسعه أن يضرب عنقه؟

فقال أبو حنيفة : يا أبا العباس أمير المؤمنين يأمر بالحق أم بالباطل؟

فقال : بالحق

فقال أبو حنيفة أنفذ الحق حيث كان ولا تسل عنه.

ثم قال أبو حنيفة رضي الله عنه لمن قرب منه : إن هذا أراد أن يوثقني فربطته.

هكذا كان أبو حنيفة الإمام العالم اليقظ، الذي لا يخدع، والذي تنهزم في ساحته الأقران، وتغرق في بحر علمه الربان، وتدين له الأعلام بقوة العارضة، وبلاغة الحجة، وصدق اللهجة.

 منهج معيشته:

كان العلماء والأئمة في القرون الأولى من الإسلام يعتمدون في معيشتهم على كسب أيديهم ونتاج عملهم.

وأما عملهم العلمي، وقيادتهم الدينية فقد كانت احتساباً لوجه الله تعالى.

وكانت الحياة الاجتماعية في إطارها التنظيمي والاجتماعي على حالة  من المرونة والبساطة بما يسمح بمثل ذلك ويعين عليه.

ويحدثنا الشيخ أبو زهرة رحمه الله عن ذلك الجانب في حياة أبي حنيفة فيقول ما خلاصته:

إن الاستنباط التاريخي يؤدي بنا إلى أن أبا حنيفة نشأ في بيت من بيوت أهل اليسار.

فأبوه، وجده كانا تاجرين ويغلب على الظن أن تجارتهما كانت في الخز وهي تجارة تدر على صاحبها الخير الوفير.

وقد أخذ أبو حنيفة عنهما هذه التجارة فنشأ أول نشأته يختلف إلي السوق إلى أن لفت الشعبي نظره إلى العلم فاتجه إليه، دون أن ينقطع عن التجارة.

ويذكرون أنه كان له شريك في تجارته  مما أعانه على الاستمرار في طلب العلم وخدمة الفقه والدين.

دقته في تنظيم أوقاته :

ومن الملاحظات الجديرة بالتسجيل في حياة الإمام العظيم تنظيمه لحياته، وتقسيمه لأوقاته:

بما يشمل الوفاء بحاجة  العلم، وحاجة التجارة، وحاجة الأهل والبيت، وحاجة الأصدقاء والخلان.

وقد جاء في المناقب للمكي :

أنه كان يجعل السبت لحوائجه، لا يحضر في المجلس، ولا يحضر في السوق وإنما يتفرغ لأسبابه في أمر منزله وضياعه.

وكن يقعد في السوق من الضحى إلى الأولى- يعني صلاة الظهيرة – وكان يوم الجمعة له دعوة، يجمع أصحابه في بيته، ويطبخ لهم ألوان الطعام.

 من سمات أبي حنيفة : التاجر :

يقول أبو زهرة :

اتصف أبو حنيفة التاجر بأربع صفات لها صلة بمعاملة الناس في التجارة، تجعله مثلًا كاملًا للتاجر المستقيم.

كما هو في الذروة بين العلماء.

-       فقد كان ثري النفس، لم يستول عليه الطمع الذي يفقر النفوس.

-       وكان عظيم الأمانة شديداً على نفسه في كل ما يتصل بها.

-       وكان سمحا : قد وقاه الله شح نفسه.

-       وكان بالغ التدين، شديد التنسك، عظيم العبادة، يصوم النهار، ويقوم الليل.

فكان لهذه الصفات مجتمعة أثرها في معاملاته التجارية حتى أصبح  غريباً بين التجار.

وحتى لقد شبهه الكثيرون بأبي بكر الصديق رضي الله عنه وكان في شرائه كبيعة، يجري على حكم الأمانة :

جاءته امرأة بثوب من الحرير تبيعه له.

فقال : كم ثمنه؟

فقالت : مائة.

فقال : هو خير من مائة.. بكم تقولين؟

فزادت مائة.. مائة... حتى قالت: أربعمائة

قال : هو خير من ذلك.

فقالت : تهزأ بي؟

فقال : هاتي رجلًا يقوّمه.

فجاءت برجل فاشتراه بخمسمائة.

ألا تراه مشتريا يحتاط للبائع.

قبل أن يحتاط لنفسه، وفاءً لحق دينه عليه، وأمانته عنده.

نعم كان هكذا أبو حنيفة التاجر  الذي عرف ربه، وعرف حق مجتمعه عليه، وعرف أن وراءه يوماً لابد أنه صائر إليه، ومحاسب فيه على كل ما اكتسبت يداه.

فأعد لهذا اليوم عدته، وتأهب للقاء ربه فيه، بما يجعله على رجاء النجاة والسلامة.

بل لقد تجاوز ذلك إلى التنازل عن الربح الذي يسعى إليه التجار ويتلمسون له المداخل والمخارج حتى يحصلوا عليه، وأكثرهم لا يبالي إن كان ما حصلوا عليه من حلال أو من حرام.

لكن أبا حنيفة كان في هذا نسيجا وحده.

لقد كان يعطف على ذي الحاجة الفقير، ويصل ذا الصلة الصديق، ويدفعه الورع إلى تطهير ماله ونفسه بأسلوب قد يفوق  بالقياس إلى أساليب الناس وصنيع التجار آفاق الخيال.

وينقل أبو زهرة – رحمه الله – عن تاريخ بغداد من تلك الصور العجب العجاب. ومن ذلك :

أنه جاءته يوما امرأة فقالت :

إني ضعيفة.. وإنها أمانة.. فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك.

فقال أبو حنيفة : خذيه بأربعة دراهم.

فقالت : لا تسخر بي وأنا عجوز.

فقال : إني اشتريت ثوبين..فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم فبقى هذا الثوب على أربعة دراهم.

أرأيت كيف تكون الدقة في الأمانة؟

إنها تريد الثوب بما عليه من ثمن من غير كسب.

فلا يتأوّل بأن يجعل لكل ثوب ثمناً مستقلاً لأنها قالت له : وإنها أمانة

ففرضت عليه أمانته أن يحتسب الثمن كله، وينظر ما بقى من صفقة الشراء فيجعله ثمنا لما بقى من الثياب. ويدفع الثوب إلى المرأة ،به راضية نفسه طيباً بذلك قلبه.

وصورة أخرى :

جاءه يوما رجل صديق له يطلب ثوب خزَّ، على وصف معين، ولون معين.

فقال له : أصبر حتى يقع وآخذه لك إن شاء الله تعالى.

فما دارت الجمعة حتى وقع الثوب المطلوب بيده، فمر به الصديق فأخبره بوجود مطلبه، وأخرج له الثوب.

فقال : كم ثمنه؟

قال أبو حنيفة : درهم..

فقال الرجل : ما كنت أظنك تهزأ بي.

فقال أبو حنيفة: ما هزأت، إني اشتريت ثوبين بعشرين ديناراً ودرهم، وإني بعت أحدهما بعشرين ديناراً وبقى هذا بدرهم.

ومن روائع صور تحرجه عن كل ما خالطه شبهة الإثم  مهما كانت بعيدة:

ما يروى أنه بعث شريكه حفص بن عبد الرحمن بمتاع وأعلمه أن في ثوب منه عيباً. وأوجب عليه أن يبين العيب عند بيعه.

فباع حفص المتاع، ونسى أن يبين العيب، ولم يعلم الذي اشترى ذلك الثوب المعيب.

فلما علم أبو حنيفة : تصدق بثمن المتاع كله.

ومع ذلك، فقد كان كثير الكسب، وفير الربح وتلك طبيعة الحلال  ينمو، ويزدهر مع أمن العطب، والسلامة من البوار.

والعجيب في الأمر أن أبا حنيفة كان يجعل الربح لسد حاجة العلماء والمحدثين، وقضاء حوائجهم، ودفع خلتهم.

فيجمع الأرباح من سنة إلى سنة فيشتري بها حوائجهم، وأقواتهم، وكسوتهم.

ويدفع باقي الأرباح إليهم فيقول :

أنفقوا فىحوائجكم، ولا تحمدوا إلا  الله، فإني ما أعطيتكم من مالي شيئاً، ولكن من فضل الله عليّ فيكم.

العوامل البارزة في تحديد سمات عظمته، وملامح شخصيته:

لعله من أبرز ملامح عظمة الإمام، وسمات إمامته.. التي خلدت على التاريخ فقهه، وسجلت بمداد من نور على صفحات الزمن ذكره، وما يمكن إضافته إلى ما سبقت الاشارة إليه

من ذكاء عقله، ونفاذ بصيرته، ونباهة بيته، ومنهج معيشته:

نقول : لعله من أبرز ما يضاف إلى ذلك  عصره الذي نشأ به وعاش فيه، وشيوخه الذين أخذ عليهم وتلقى عنهم.

 عصر أبي حنيفة:

فأما عصره : فأنه نشأ رضي الله عنه في عصر بني أمية، وبني العباس، فقضى من عمره اثنتين وخمسين سنة في العصر الأموي، وثماني عشرة سنة في العصر العباسي.

بمعنى : أنه عاش عهد بني أمية في عنفوانه وشدته، وفي انحلاله وضعفه، وزوال دولته،

وعاش الدعوة العباسية يُسعى بها في السر.. وهي تقوى وتشتد، وتغلب على الأمر بني أمية، ثم تقوم دولة ذات سلطان، تفرض كيانها رغباً ورهباً.

وكانت عاطفته في كل ذلك مع آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وهواه معهم.

وإن كان لم يخرج على السلطان، أو يعلن التمرد عليه.

ثم أنه في ذلك كله لم يكن الرجل المغمور  أو حتى الرجل العادي ، وإنما كان من علو المنزلة، ونباهة الشأن بحيث يشار إليه بالبنان، ويطلب رأيه في معضلات المسائل، وكبريات القضايا والمشاكل.

ثم أنه إلى جانب ذلك كله  كان يضع الحق دائما نصب عينيه، فلا يجامل في حق، ولا يركن إلى ظلم، ولا يميل إلى باطل أو حيف مما كلفه الكثير من المشقة والعنت، وعرضه للبلاء في كلا العهدين جميعاً ولم يقبل في ذلك كله نصح الناصحين، أو محاولات المشفقين أو استمالة الحاكمين.

ودائما المحنة ضريبة الصدق.

يقول المكي في مناقبه ما خلاصته:

أن ابن هبيرة كان والياً على الكوفة في عهد بني أمية، فظهرت الفتن في العراق.

فجمع فقهاء العراق فأسند إلى كل واحد منهم صدراً من عمله، وأرسل إلى أبي حنيفة  فأراد أن يجعل الخاتم في يده، ولا ينفذ كتاب إلا من تحت يد أبي حنيفة،

فامتنع أبو حنيفة من ذلك.

فحلف ابن هبيرة : أنه إن لم يقبل أن يضربه.

فقال الفقهاء للإمام : إنا ننشدك الله أن تهلك نفسك، فإنا إخوانك، وكلنا كاره لهذا الأمر ولم نجد بداً من ذلك.

فقال أبو حنيفة: والله لو أرادني أن أعد له أبواب المسجد، لم أدخل في ذلك.

فكيف وهو يريد مني أن يكتب بدم رجل يُضربُ عُنُقه،وأختمُ أنا على ذلك الكتاب فو الله لا أدخلُ في ذلك أبداً.

فقال الفقيه ابن أبي ليلى  دعوا صاحبكم فهو المصيب وغيره المخطئ.

فحبسه صاحب الشرطة  وضربه أياماً متتالية،

فجاء الضاربُ إلى ابن هبيرة وقال له : إن الرجل ميت.

يشير إلى أنه لا يتأثر موقفه بالبلاء، وأنه لا يزيده التعذيب إلا إصراراً وثباتاً، وأنه إن استمر على ذلك فسوف يموتُ تحت العذاب.

فقال ابنُ هبيرة : قل له تخرجنا من يميننا  يعني : أن يقبل ولو لمجرد إبرار قسم الوالي حتى يكف عنه،

فسأل صاحب الشرطة أبا حنيفة  الإمام السجين المعذب.

فماذا كان جوابه؟

لقد كان جوابه،

لقد قال لرسول الوالي وجلاده : لو سألني أن أعد له أبوب المسجد ما فعلت،

فلما بلغ ذلك ابن هبيرة قال : ألا ناصح لهذا المحبوس أن يستأجلني فأؤجله،

فأخبر أبو حنيفة بذلك.

فقال : دعوني أستشير إخواني، وأنظر في ذلك.

فأمر ابن هبيرة بتخلية سبيله.

فركب دوابه وفر بدينه إلى مكة لائذاً بالبيت الحرام، آمنا في جناب الله عن جناب أهل الدنيا عائذا بسلطانه عن ظلم الذين غفلت قلوبهم عن ذكر الله من سلاطين الأرض.

أرأيت كيف تكون المعرفة بالله؟ والزهادة فىكل ما من شأنه أن يجر إلى غضب الله أو ميل عن الحق.

وتذكر الروايات عن ثباته عند البلاء وصبره على المحن في هذه الواقعة: أنه ضرب ضرباً شديداً حتى تورم رأسه، ولم تضعف نفسه، ولم تدمع عيناه إلا عندما علم بشدة وجد أمه وألمها عليه وإشفاقها لما ناله.

خطيب العلماء ومقدمهم:

ولقد استمر بمكة حتى قام أمر العباسيين، وكان هو صدر العلماء وخطيبهم والمتحدث باسمهم عند دخول أبي العباس بالكوفة، وأخذ البيعة للخليفة العباسي بالكوفة .. وقد كان على ولاء لهم.

رأيه في عطايا الخلفاء:

وكان المنصور يدنيه ويعليه ويرفع قدره ويبذل له العطاء، إلا أنه ما كان يقبل عطايا الولاة السخية، ولا هداياهم ومنحهم الجزيلة وإنما يردّها بلطف.

يذكر الإمام أبو زهرة من ذلك ما خلاصته.

أنه وقع يوماً خلاف بين أبي جعفر المنصور وبين زوجته الحرة، أدى إلى شقاق بسبب ميله عنها، وطلبت العدل منه.

فقال لها بمن ترضين في الحكومة بيني وبينك؟

فقالت : بأبي حنيفة.

فرضى هو به أيضاً- فأحضره. وقال له:

الحرة تخاصمني فأنصفني منها.

قال أبو حنيفة : ليتكلم أمير المؤمنين.

فقال : كم يحل للرجل أن يتزوج من النساء فيجمع بينهن؟

قال : أربع.

قال وكم يحل له من الإماء؟

قال الإمام : ما شاء ليس لهن عدد.

قال : وهل يجوز لأحد أن يقول خلاف  ذلك؟

قال : لا.

قال أبو جعفر : قد سمعت – يعني سمعت مقالتي وحجتي – فقال أبو حنيفة رضى الله عنه :

إنما أحل الله هذا لأهل العدل، فمن لم يعدل. أو خاف ألا يعدل، فينبغي ألا يجاوز الواحدة، قال تعالى ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)

فينبغي لنا أن نتأدب بأدب الله، ونتعظ بمواعظه.

فسكت أبو جعفر وطال سكوته،فقال أبو حنيفة وخرج.

فلما بلغ منزله أرسلت إليه زوجة الخليفة خادماً ومعه مال وثياب وجارية وحمار.

فردها، وقال للخادم أقرئها سلامي وقل لها إنما ناضلت عن ديني، وقمت ذلك المقام لله، لم أرد بذلك تقربا إلى أحد، ولا التمست به دنيا.

بل لقد كان من ورعه وتقواه وحرصه على دينه وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما أدى به إلى المحنة التي انتهت عندها حياته محتسباً أجره على الله تعالى.

 عزيمته في الحق

لقد كان عندما يرى – رحمه لله – أن الحق لا يقبل إلا المواجهة الصريحة بكلمة الحق  يجهر بها ويعلنها دون مواربة متحملا ضريبة ذلك لله، محتسبا للجزاء عنده.

ولقد كانت تجربته مع ابن هبيرة : التي سبق أن أوردنا طرفاً منها كافية له، ليرتب عليها فيما بعد ما هو مؤمن به ومستقر في نفسه.

ومن ذلك : ما روي أن أهل الموصل كانوا قد خرجوا على المنصور، وكان المنصور قد اشترط عليهم أنهم إذا انتقضوا تحل دماؤهم له.

فجمع المنصور الفقهاء ، وفيهم أبو حنيفة ، فقال المنصور للفقهاء :

أليس يصح أنه عليه السلام قال : ( المؤمنون عند شروطهم ([14]))؟

وأهل الموصل قد شرطوا ألا يخرجوا علي ّ وقد خرجوا على عاملي، وقد حلت لي دماؤهم؟

فقال رجل : يدك مبسوطة عليهم، وقولك مقبول فيهم، فإن عفوت فأنت أهل العفو، وإن عاقبت فبما يستحقون.

فقال المنصور لأبي حنيفة : ما تقول أنت يا شيخ؟ ألسنا في خلافة نبوة، وبيت إمامة؟

فقال أبو حنيفة : إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه، وشرطت عليهم ما ليس لك، لأن دم المسلم لا يحل إلا بأحد معان ثلاثة ([15]) فإن أخذتهم، أخذت بما لا يحل، وشرط الله أحق أن توفي به.

فأمرهم المنصور بالقيام فقاموا ثم دعاه، وقال يا شيخ القول ما قلت، أنصرف إلى بلادك. ولا تفق الناس بما هو شين على إمامك فتبسط أيدي الخوارج.

وعند سياق المٌبرد لهذه الرواية ذكر أن بعض العلماء تكلموا وأبو حنيفة ساكت فلما سأله قائلاً  : أراك ساكت يا شيخ؟ فقال : يا أمير المؤمنين أباحوا مالا يملكون. أرأيت لو أن امرأة أباحت فرجها بغير عقد نكاح أو ملك يمين أكان يجوز أن توطأ ؟

قال: لا، وكفَّ عن أهل الموصل.

ولقد كان ذلك نهج أبي حنيفة في كل ما يراه تجاوزاً للحق، أو ميلاً إلى الباطل أو حكماً بخطأ.

لا يبالي عند كلمة الحق إن وقعت على خصم أو صديق، حاكم أو قاض أو خليفة.

ولا يبالي هو عند ذلك إن وقع على الموت أو وقع الموتُ عليه.

حكم ابنُ أبي ليلى يوماً على امرأة مجنونة قالت لرجل: يا ابن الزانيين.

فأقام عليها حدَّ القذف في المسجد، قائمة، وحدها حَّدين: أحدُهما لقذف أبيه والآخر لقذف أمه.

فبلغ ذلك أبا حنيفة فقال : أخطأ – يعني القاضي – في ستة مواضع:

أقام الحد في المسجد، والحدود لا تقام في المساجد.

وضربها قائمة والنساء يُضربن قعوداً.

وضرب لأبيه حداً ولأمه حداً، ولو أن الرجل قذف جماعة كان عليه حد واحد.

وجمع بين حدين ولا يجمع بين حدين ,حتى يخف أحدهما.

والمجنونة ليس عيها حد.

وحد لأبويه، وهما غائبان ، ولم يحضرا فيدعيا.

فبلغ ذلك القاضي ابن أبي ليلى، فدخل على الأمير فشكاه، فحجر الأمير على أبي حنيفة وقال : لا يفت.

فلم يفت أبو حنيفة أياماً حتى قدم رسول من ولي عهد الخليفة، فأمر أن يعرض مسائل على أبى حنيفة حتى يفتي فيها.

فأبي أبو حنيفة وقال : أنا محجور عليّ.

فذهب الرسول إلى الأمير: فقال الأمير :قد أذنت له  فقعد فأفتى.

وهكذا كان أبو حنيفة( كما يقول أبو زهرة ): لا يفرق بين حكم يحكم به قاض، ويلزم به العامة في خطئه وصوابه، وبين فتوى يفتي بها الفقيه ولا يلزم به أحداً.

وقد استمر به الحال على ذلك حتى بلغت به جرأته وقوة إيمانه إلي الابتلاء والمحنة.

فقد استقدمه أبو جعفر المنصور إلى بغداد ليوليه القضاء فأبى..

فحلف أبو جعفر : ليفعلن..

فحلف أبو حنيفة: ألا يفعل.

وكرر المنصور حلفه، وكرر أبو حنيفة.

فقال الربيع – حاجب المنصور- لأبي حنيفة:

ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟

فقال أبو حنيفة : أمير المؤمنين أقدر مني على كفارة يمينه

وأبى أن يلي القضاء.

فأمر به فحبس..

ولقد حفظ لنا التاريخ أخباراً عجباً في رفض أبي حنيفة للقضاء، تدل على الفقه الدقيق عنده لأحكام الإسلام والتزامه بها.

كما تدل على الورع المشرق لديه الذي يدفعه عن البعد عن مظان الآثام، ومواضع الشبه ومواطن الريب.

أبو حنيفة يرفض القضاء.

ويحدد سمات القاضي.

وحسبنا أ ن نعرض هنا للدلالة على صورتين – فقط – تدلان على ما نشير إليه.

إحداهما يرويها صاحب تاريخ بغداد عن الربيع بن يونس إذ يقول:

رأيت أمير المؤمنين ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء وهو يقول :

إتق الله !ولا ترع أمانتك إلا من يخاف الله.. والله ما أنا بمأمون الرضا.. فكيف أكون مأمون الغضب؟

ولو اتجه لحكم عليك.. ثم هددتني أن تغرقني في الفرات  أو أن لي الحكم.. لأخترت أن أغرق

لك حاشية، يحتاجون إلى من يكرمهم لك فلا أصلح  لذلك.

فقال له : كذبت  أنت تصلح.

فقال قد حكمت على نفسك. كيف يحل لك أن تولّي قاضياً على أمانتك وهو كذاب؟

والرواية الأخرى ينقلها أبو زهرة – أيضاً- عن المكي في المناقب:

أن أبا حنيفة لما أشخص إلى بغداد، خرج ملتمع الوجه وقال :

إن هذا دعاني للقضاء فأعلمته :أني لا أصلح، وأني لأعلم أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر

ولكنه لا يصلح للقضاء إلا رجل تكون له نفس يحكم بها عليك، وعلى ولدك، وقوادك.

وليست تلك النفس لي.. إنك لتدعوني فما ترجع نفسي حتى أفارقك.

لماذا لم يقبل أبو حنيفة هدايا الخلفاء؟

ومتى يجوز أن تقبل؟

فقال أبو جعفر المنصور : فلم لا تقبل صلتي؟

فقلت : ما وصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء فرددته.

ولو وصلني بذلك لقبلته.

إنما وصلني أمير المؤمنين من بيت مال المسلمين، ولا حق لي في بيت مالهم.

إني لست ممن يقاتل من ورائهم فآخذ ما يأخذ المقاتل.

ولست من ولدانهم فآخذ ما يأخذ الولدان.

ولست من فقرائهم فآخذ ما يأخذ الفقراء.

فقال : فأقم حتى تأتك القضاة فيما لعلهم أن يحتاجوا إليك فيه.

وهكذا حتى يرتحل مطية البلاء إلى الشهادة !

ولقد انتهت به هذه المحنة – كما يقول المحققون – إلى أن سُجن وعُذب ومات متأثراً ببلاء امتحانه في سجنه.. أو بعد الخروج متأثراً به.

شهادة الفحول له بالسبق والإمامة.

إن ما ذكرناه عن فقه أبي حنيفة – آنفا – لا يمثل من سماته وفضله إلا ومضات قليلة من شمس معرفته ، وقطرات يسيرة من بحر علمه وفضله ولقد أكد الباحثون المدققون في تاريخه.

أنه كان فقيها مستقلاً قد سلك في تفكيره مسلكا استقل به، وتعمق فيه، مما صار منهجا خاصاً به ومذهباً منفرداً منسوبا إليه.

ورغم محاولات بعض حاسديه، أو جاهلي منزلته، أو قاصدي النيل منه، فإنه يشهد التاريخ له بعلو المنزلة، وسعة الأفق وذكاء الخاطر وإثراء العلم والفقه بما كان له من فضل وعمل.

يقول عنه معاصره العالم الورع الفضيل بن عياض:

كان أبو حنيفة رجلا فقيهاً معروف بالفقه، واسع المال، معروفا بالأفضال على كل من يطيف به، صبوراً على تعلم العلم بالليل والنهار، حسن الليل كثير الصمت، قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام فكان يحسن أن يدل على الحق، هارباً من مال السلطان.

وقال عنه جعفر بن الربيع : أقمت على أبي حنيفة خمس سنين : فما رأيت أطول صمتاً منه، فإذا سئل عن شيء من الفقه تفتح وسال كالوادي وسمعت لـه دوياً وجهارة  بالكلام.

وقال عنه معاصره مليح بن وكيع : كان والله أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان في قلبه جليلا كبيرا عظيماً، وكان يؤثر رضا ربه على كل شئ ولو أخذته السيوف في الله  لاحتمل ورضي عن الله رضي الأبرار، فقد كان منهم.

ووصفه عبد الله بن المبارك الورع التقي بقوله : أنه مخُّ العلم.

وقال عنه بعض معاصريه: كان أبو حنيفة عجباً من العجب، وإنما يرغب عن كلامه من لم يقو عليه.

وقال عنه الإمام مالك رضي الله عنه لو جاء إلى أساطينكم هذه – يعني السواري – فقايسكم على أنه خشب لظننتم أنها خشب.

ويقول الإمام أبو زهرة بعد إيراده للكثير من هذه الأقوال والشهادات :

لا نستطيع أن نحصي أقوال من أثنوا على أبي حنيفة.

فهذا الذي سقناه غيض من فيض، وكل من عاصره سواء أكان موافقا أم كان مخالفاً – وصفه بأنه كان فقيها.

ثم قال ما خلاصته : أصاب من العلم اللباب، ووصل فيه إلى أقصى مداه، وكان يستنطق المسائل ويتعرف أصولها ويبني عليها.

ولقد شغل عصره بفكره وعلمه ومناظراته.

يناقش المتكلمين ويدفع أهواء ذوي الأهواء ويناقش الفرق المختلفة.

وله في الحديث مسند ينسب إليه حتى قال عنه بعض معاصريه : إنه لم يعرف أحداً  أحسن فهماً للحديث منه.


دعائم تكوين شخصية الإمام :

ولقد أعانه على بلوغ تلك المنزلة، والوصول إلى هذه الدرجة من العلم والفهم والاستنباط  صفات جليلة كانت فيه زوده بها. وطاقات ذاتية مكنه الله تعالى منها ومكنه بها.

بالإضافة إلى الرجال الأفذاذ الذين التقى بهم وأخذ عنهم فاستقى من بحار علمهم، ومن تجاربهم، وحكمتهم عللا بعد نهل واستطاع أن يقتبس من مناهجهم ما يذكي به شعلة فكره المتقدة. أو أن يلقح بها في ذاته ما صار مثلا أعلى لذوي الفكر والدراية فيما بعد من عباقرة القرون.

أضف إلى ذلك حياته وممارساته الشخصية والعملية.

وعصره الذي ماج بالتغيير وغص بالفرق واضطربت فيه الآراء والمذاهب والاتجاهات الفكرية والدينية.

وقد انصهرت كل هذه العوامل وكل تلك الثقافات في بوتقة ذاته، وصفاته.التي تميز بها.

ومنها ضبط النفس :

ولقد كان من سيطرته على مشاعره أنه لا تحرجه الكلمات العارضة، ولا المواقف الشاذة مهما كانت مقاييسها لدى غيره.

فكان يقول :

اللهم من ضاق بنا صدره، فإن قلوبنا قد اتسعت له.

فكره المستقل:

ومنها ما كان لديه أيضاً من استقلال في التفكير جعله يحدد ملامح شخصيته ويبرزها عن كل ما سواها من شخصيات أساتذته وشيوخه.

يقول أبو زهرة عنه : أنه كان لا يأخذ فكرة من غير أن يعرضها على عقله.. مما جعله يرى ما يرى حراً غير خاضع إلا لنص من كتاب أو سنةٍ أو فتوى صحابي.

أمّا التابعي فله أن ينظر في قوله لأن رأيه ليس واجب التقليد.

وقد كان – أيضاً – عميق التفكير بعيد النظر عميق الغور لا يقف عند ظواهر الأمر، وإنما يقلبه على وجوهه، ويعجم أعواده.

فيبحث عن علل ما اشتمل عليه من أحكام مستعينا بإشارات الألفاظ ودلالات العبارات، وملابسات الأحوال.

كما كان حاضر البديهة، سريع الخاطر، واسع الحيلة، يفحم خصمه من أيسر السبل  وأقربها.

ومن ذلك مثلا أنه كان بالكوفة رجل يقول عن عثمان بن عفان رضي لله عنه: أنه كان يهودياً.

ولم يستطيع العلماء إقناعه في تغيير رأيه.

فأتاه أبو حنيفة فقال : أتيتك خاطباً

قال لمن؟

قال لابنتك، رجل شريف، غني بالمال، حافظ لكتاب الله، سخي، يقوم الليل في ركوع، كثير البكاء من خوف الله.

فقال الرجل، في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة.

قال : إلا أن فيه خصلة.

قال: وما هي؟ قال : يهودي.

قال الرجل : سبحان الله تأمرني أزوج ابنتي من يهودي؟

قال : ألا تفعل؟

قال لا.

قال أبو حنيفة : فالنبي صلى الله عليه وسلم زوج ابنته من يهودي.

فقال الرجل : استغفر الله. إني تائب إلي الله عز وجل.

ومع علمه رضي الله عنه وسبقه كان جم التواضع  والأدب مع الله، ومع العلم.

فكان يقول : قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه،  فمن جاءنا بأحسن من  قولنا لهو أولى بالصواب منا.


 المذهب الحنفي

 أصوله وقواعده


 أبو حنيفة.. مذهبا

نقف في هذه اللمحة الخاطفة مع أبي حنيفة صاحب المذهب.

ذلك المذهب الذي أذعن له الكثيرون، ودانوا به منهجاً في دينهم ودنياهم- من جانب-

والذي ظفر – من جانب آخر – بالكثيرين من الخصوم الذين وصفوه بأنه مذهب ( أهل الرأي) بعداً به عن مصادر التشريع الأساسية من الكتاب والسنة اللذين هما الأساس الأصيل، والمورد النقي للإسلام:

عقيدةً.. وعبادةً.. وسلوكاً... وحياةً..

فأين مذهب أبي حنيفة  على الحقيقة من مدح المنبهرين به، وقدح الطاعنين عليه؟

وإن كنا منذ البداية نشير إلى أن منهجنا في هذه الدراسة ألا نسهم في مشاركة ما.  يكون من شأنها الميل إلى رأي فريق بعينه،أو المساهمة في توسيع رقعة الشقاق.

وإنما حسبنا من ذلك ما انتهت إليه بحوث المنصفين من العلماء الأثبات الثقات، وما سجّلوه من خلاصات النتائج والحقائق.

أصول المذهب الحنفي :

ومن ذلك ما انتهى إليه المغفور له محمد أبو زهرة رحمه الله من أن مذهب الإمام أبي حنيفة حسب ما جاء في أقواله، وما لوحظ في مدونات تلاميذه، وعلى تقاريره في مسائله وفتواه.

إنما يقوم على سبعة أصول هي :

الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة والإجماع والقياس والاستحسان والعرف.

ويتناولها بالتحليل والتفصيل بما يجلِّي عنها كل غموض، ويذهب كل شبهة:

ولعله من أول ما يمكن الاعتماد عليه في قبول ذلك :

ما نقل عن أبي حنيفة رضي الله عنه في بيان أصوله، كما جاء في تاريخ بغداد من قوله: ما نصه:

آخذ  بكتاب الله.

فإن لم أجد، فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،

أخذت بقول الصحابة ، آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم.

فإذا ما انتهى الأمر – أو جاء – إلى إبراهيم، وابن الشعبي، وابن سيرين، والحسن.،

فقوم : اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا.

ونقل  أبو زهرة  عن ابن عبد البر في الانتقاء مثله.

كما جاء في المناقب للمكي ما نصه:

كلام أبي حنيفة: أخذ بالثقة، وفرار من القبح، والنظر في معاملات الناس، وما استقاموا عليه وصلحت عليه أمورهم، يمضي الأمور على القياس.

فإذا قبح القياس يمضيها على الاستحسان ما دام يمضي له..

فإذا لم يمض له رجع إلى ما يتعامل المسلمون به.

وكان يوصل الحديث المعروف الذي قد اجمع عليه.. ثم يقيس عليه ما دم القياس سائغاً. ثم يرجع إلى الاستحسان أيهما كان أوفق رجع إليه

قال سهل : هذا علم أبي حنيفة رحمه الله.

وجاء في المناقب أيضاً :

أن أبا حنيفة كان شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ.

فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه، وكان عارفاً بحديث أهل الكوفة، شديد الاتباع لما كان عليه الناس ببلده.

يقول أبو زهرة بعد إيراد هذا النصوص الثلاثة ما خلاصته:

إن النص الأول يفيد : اعتماد أبي حنيفة على الكتاب أولاً، ثم السنة، ثم ما أجمع عليه الصحابة.

وما اختلفوا فيه اختار من أقوالهم ما هو أقيس في نظره وأكثر موافقة للكتاب والسنة، ولا يخرج من قولهم إلى قول غيرهم.

وإن النص الثاني يفيد : أنه إذا لم يجد المسالة في شيء من ذلك : لجأ إلى القياس على ماله أصل ثابت من ذلك، فإن لم يستسغ ما يؤدي إليه القياس لجأ إلى الاستحسان فإن لم يستقم له أخذ بما يتعامل به الناس أي : العرف العام.

وإن النص الثالث يفيد أنه كان يتبع ما عليه الناس ببلده وأنه بهذا أولى أن يتبع ما عليه الفقهاء جميعاً.

أي أنه كان يأخذ بإجماع الفقهاء.

ومن ذلك كله يتضح بجلاء: أن أبا حنيفة من أئمة سلف هذه الأمة لا يقدّم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم شيئاً.

ذلك أن القرآن الكريم، إنما هو مصدر المصادر لهذه الشريعة، وأنه كما يقول عبد الله بن عمر : من حمل القرآن فقد حمل أمراً عظيماً.

ولأنه شمل أصول الأحكام ومبادئها الأساسية، فلا بد له من بيان السنة المطهرة.

وإذا كان بعض خصوم أبي حنيفة قد أشاعوا  أنه يقدّم القياس على السنة.

فلقد رد أبو حنيفة نفسه على هذه الفرية بقوله : " كذب والله، وافترى علينا من يقول : إننا نقدم القياس على النص.

وهل يحتاج بعد النص إلى قياس؟

بل لقد صرح رضي الله عنه بقوله : نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة.

وذلك أننا ننظر في دليل المسألة من الكتاب أو السنة أو  أقضية الصحابة، فإن لم نجد دليلاً قسنا – حينئذ – مسكوتاً عنه على منطوق به .

ويقول : أيضاً إنّا نأخذ أولاً بكتاب الله، ثم بالسنة، ثم بأقضية الصحابة، ونعمل بما يتفقون عليه، فان اختلفوا  قسنا حكما على حكم بجامع العلة بين المسألتين حتى يتضح المعنى.

وكان يقول : ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس – بأبي وأمي – وليس لنا مخالفته.

وما جاء عن أصحابه تخيرنا.

وما جاء عن غيرهم : فهم رجال ونحن رجال.

ويروى  أن أبا جعفر المنصور كتب إلى أبي حنيفة يقول له : بلغني أنك تقدم القياس على الحديث؟

فرد عليه أبو حنيفة برسالة جاء فيها.

ليس الأمر كما بلغك يا أمير المؤمنين.

إنما أعمل أولاً بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بأقضية أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي – رضي الله عنهم –

ثم بأقضية بقية الصحابة ثم أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا.

وليس بين الله وبين خلقه قرابة.

والمصادر الثابتة وأقوال الثقاة، تؤكد أن أبا حنيفة كان من أكثر الفقهاء قبولًا لخبر الواحد فضلا عن المشهور والمتواتر.

وكان يحتج بأحاديث الآحاد، ويعدل آراءه على مقتضاها.

قد أخذ هو وتلاميذه من بعده بشرطي العدالة والضبط في الرواة وإن كانوا قد شددوا في شروط الضبط أكثر من غيرهم.

ولهذا فقد كانوا يقدمون حديث من عرف بالفقه من الرواة عند معارضته بحديث من لم يعرف بفقهه من باب الترجيح.

كما في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه  إلا عند افتتاح الصلاة وعارضته بحديث تكبيره صلى الله عليه وسلم عند الافتتاح والركوع والسجود ([16])   وذلك كما جاء في مناظرة أبي حنيفة للاوزاعي في مسألة رفع اليدين في الصلاة قال صاحب إعلاء السنن ما نصه :

قلت وقد ذكر الحارثي في مسنده قصة للإمام مع الأوزاعي تتعلق بهذا الحديث فقال : حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي. عن سليمان الشاذ كوتي  قال :

سمعت سفيان بن عيينة يقول.

اجتمع أبو حنيفة والأوزاعي في دار الحناطين بمكة، فقال الأوزاعي لأبي حنيفة مالكم لا ترفعون أيديكم في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه؟

فقال أبو حنيفة: لأنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء.

فقال : كيف لم يصح؟ وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان يرفع يديه إذا أفتتح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه.

فقال له أبو حنيفة : وحدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود رضي الله  عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود لشيء من ذلك "

فقال الاوزاعي : أحدثك عن الزهري عن سالم عن (أبيه ) عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول حدثني حماد عن إبراهيم؟

فقال أبو حنيفة : كان حماد افقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم وعلقمة ليس دون ابن عمر في الفقه وان كانت لابن عمر صحبة وله فضل الصحبة، والأسود له فضل كثير، وعبد الله بن مسعود له فضل كثير في الفقه والقراءة وحق الصحبة منذ صغره عند النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن عمر.

فسكت الاوزاعي.  ([17])  

 ثم لماذا لم يؤلف أبو حنيفة  كتباً ؟

في خاتمة لقائنا مع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان- رضي الله عنه- لا بد لنا من وقفة موجزة عن آثاره التي خلفها وتراثه الذي استبقاه، ومن أعجب العجب أن رجلا كأبي حنيفة  في علمه وفقهه، وفي ذكائه، وقدرته، وفي بلاغته وحجته. وفي ممارساته العلمية، وتجاربه.

في كل ذلك : ولا يخلّف كتباً من مؤلفاته يرجع إليه فيها.

تلك هي البادرة العجيبة في حياة هذا الإمام وكأنه مثل ذلك العالم من علماء السلف الذي عندما سئل لماذا لا تؤلف كتبا؟ قال : كتبي أصحابي.

وحقيقة لعل هذه العبرة ليس لها من تنطبق عليه مثلما تنطبق على الإمام الأعظم.

خاصة في مجال إمامته وهو الفقه.

إذ أن ما نسب إليه من كتب إنما هو في العقيدة وما حولها  كما يقول الشيخ أبو زهرة وهي :

الفقه الأكبر، ورسالة العالم والمتعلم، ورسالة إلى عثمان البتي وكتاب الرد على القدرية، والعلم شرقا وغرباً وبعداً وقرباً.

قال والذي عثر عليه العلماء منها رسائل صغيرة.

ولكنه لم يؤلف كتاباً في الفقه يمكن أن يضم قواعده ويحفظ أصوله ويحوي مسائله وفتاواه.

وقد كان هذا المنهج منهج ذلك العصر إذ لم يبدأ عصر التدوين إلا بعد انقضاء عهد أبي حنيفة.

وقد كان المجتهدون في عصر الصحابة يمتنعون عن التدوين لفتاواهم.

وما تم في عهد التابعين من جميع فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن كتباً مبوبة وإنما كانت أشبه بالمذكرات الخاصة التي يرجع إليها المجتهدون أنفسهم، ولا يعرضونها للنشر على الناس، ثم صارت نواة للتأليف بعد ذلك.

ولعله من أول ما عرف من هذه المؤلفات إنما هو الموطأ للإمام مالك، والخراج لأبي يوسف.

ثم جاء محمد بن الحسن فأوفي على الغاية.. ودوّن فقه العراق كاملًا.

تلامذة أبي حنيفة وناشرو مذهبه.

أمّا وقد علمنا أن أبا حنيفة لم يؤلف كتباً في الفقه فكيف نقل عنه فقهه وقواعده ومنهجه؟

لقد كان تلاميذه يدونون أراءه وربما كان ذلك أحياناً بإملائه.

بل قد جاءت بعض الأخبار بأنه كان يراجع ما دونوا – أحيانا – ليقره أو يغيره.

كما جاء في كتاب المناقب للمكي من قوله:

وضع أبو حنيفة رحمه الله مذهبه شورى بينهم لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهاداً منه في  الدين ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين.

فكان يلقى مسالة مسألة.. يقلبها ويسمع ما عندهم ويقول ما عنده ويناظرهم حتى يستقر أحد الأقوال فيها.

ثم يثبته أبو يوسف في الأصل حتى أثبت الأصول كلها.

وكان تلاميذ أبي حنيفة الذين أخذوا عنه ونقلوا فقهه عدداً كبيراً ،كثيرون منهم أولئك الذين كانوا يرتحلون إليه فيأخذون عنه ثم يعودون إلى بلادهم بعد أن أخذوا طريقته ومنهاجه.

وبعضهم قد استقر إلى جواره ولازمه.

ومما يؤثر عنه قوله فيهم أكثر من مرة :

هؤلاء ستة وثلاثون:

منهم ثمانية وعشرون : يصلحون للقضاء.

وستة : يصلحون للفتوى.

واثنان : أبو يوسف وزفر : يصلحان لتأديب القضاة وأرباب الفتوى.

ولا شك أن السبب في عدم ذكر محمد بن الحسن – وهو من أشهر أصحاب أبي حنيفة فيما بعد – إذ لم يذكر في هذه الفئة الممتازة – أن سنه إذ ذاك لم تكن تؤهله لهذه المرتبة.

فقد توفي أبو حنيفة وعمر محمد بن الحسن ثمانية عشر عاما وإن كان الباحثون يقررون  أن فقه أبى حنيفة مدين لمحمد بن الحسن بكتبه التي حفظته على مر الأزمان والدهور.

ولقد كان من  أشهر تلاميذ أبي حنيفة :

[ أبو يوسف  يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري ]

نشأ بالكوفة ....و أقام بها، وقد جلس إلى ابن أبي ليلى، ثم صاحب أبا حنيفة وانقطع  إليه.

وكان فقيهاً عالماً حافظاً وكان يعرف بحفظ الحديث، وأنه كان يحضر المحدث فيحفظ خمسين أو ستين حديثاً ثم يقوم فيمليها على الناس،وولي القضاء لثلاثة من الخلفاء هم : المهدي، والهادي، والرشيد.

وقد ألف- رحمه الله – كتباً كثيرةً في فروع العبادات والمعاملات والأحكام، ومن بينها كتاب " الخراج" وهو رسالة كتبها إلى الرشيد في مالية الدولة وأبواب الدخل على أساس القرآن والسنة وفتاوى الصحابة.

ومنها كتاب " الآثار" يرويه عن أبيه عن أبي حنيفة يوصله إلى رسول الله صلى الله  عليه وسلم أو الصحابي، أو التابعي.

ومنها كتاب " اختلاف" أبي حنيفة وابن أبي ليلى، وموضوعه ظاهر من عنوانه.

وتمتاز كتابته كما يقول أبو زهرة : بجمال التعبير، والوضوح، والجزالة، ودقة القياس، وإحكام الفكر، إلى جانب أحكام فقهية  تصور فكر أبي حنيفة، وإن لم تكن من تعبيره ومن تلاميذ أبي حنيفة : [ محمد بن الحسن الشيباني]

وقد سبق القول بأنه كان صغيرا عند وفاة أبي حنيفة، ولم يتلق عنه طويلا.

وإنما أتم دراسته بالعراق على أبي يوسف، وأخذ عن سفيان الثوري، والأوزاعي، ورحل إلى مالك فأخذ عنه فقه الحديث والرواية، وولي القضاء للرشيد.

وكانت له دراية واسعة باللغة والأدب.

وكان يعني بملبسه.. وكان جميل المنظر حتى قال الشافعي عنه : كان محمد بن الحسن يملأ العين والقلب.

وقال عنه : كان أفصح الناس، وكان موفور الكرامة معتزاً بالعلم.

يروي الخطيب البغدادي  أن الرشيد أقبل يوماً، فقام الناس كلهم إلا محمد بن الحسن.

فخرج الحاجب ينادي عليه، فجزع أصحابه.

فلما خرج سألوه عما كان فقال :

قال : مالك لم تقم مع الناس؟

فقال : كرهت أن أخرج من الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم، فكرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة.

وكتبه : هي المرجع الأول للفقه الحنفي ومنها.

كتب ظاهر الرواية وهي :

المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والسير الصغير، والسير الكبير، غير كتب ظاهر الرواية. وهي ليست متصلة الأسانيد وثابتة عنه كسابقتها.

ومن تلاميذ أبي حنيفة : [ زفر بن هزيل]

وهو أقدم صحبةله حتى من أبي يوسف، وكان  عربي الأب، فارسي الأم وكان أحدَّ أصحابه قياساً.

ولم تؤثر عنه كتب معروفة، ولم تطل حياته.

إذ قد توفي بعد شيخه بنحو ثمان سنوات.

ولكن يظهر أنه عمل على نشر المذهب بلسانه، وإن لم يدون كتباً.

وهناك غير هؤلاء الأعلام :

[ عيسى بن أبان] و [ محمد بن سماعة ] و [ هلال بن يحي البصري ] و [ أحمد بن عمر بن فهير الخصاف ] و [ أحمد بن محمد الطحاوي] وغيرهم.. رضي الله عنهم وأرضاهم.


 إمام دار الهجرة

 مالك بن أنس رضي الله عنه


 مولده وبيئته ونشأته

نحن الآن على موعد في لقاء جديد مع إمام من أئمة الإسلام وعلم من أعلام الفقه، ورائد من رواد الفكر ممن شهد لهم الأوائل والأواخر، ودانت لهم القرون بالتوقير والتقدير.

ذلك هو إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه، الإمام، الفقيه، المحدث. نتلوا به لقاءاتنا مع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه.

وجميل أن يتناسق الحديث عنهما متصلاً، فقد كانت حياتهما كذلك، وفقههما كذلك، وعصرهما كذلك.

بل ولقد كان تقدير كل منهما للأخر يبرز ما كان عليه أولئك السلف الصالح من علم وفهم، ومن عقل وعدل.

يقول الليث بن سعد : لقيت مالكاً في المدينة فقلت له : إني أراك تمسح العرق عن جبينك.

فقال : عرقت مع أبي حنيفة. إنه لفقيه يا مصري.

ثم لقيت أبا حنيفة فقلت له : ما أحسن قول هذا الرجل فيك، يعني مالكاً فقال أبو حنيفة :

ما رأيت أسرع منه بجواب صادق ونقد تام،ومشهور الروايات وراجحها

  عن نسبه ومولده رضي الله عنه.

إن اسمه مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي اليمني.

واسم أمه : العالية بنت شريك الأزدية.

فأبوه وأمه عربيان يمنيان.

ولد رضي الله عنه بالمدينة المنورة سنة ثلاث وتسعين من الهجرة نشأ بها.

فرأي بها ثاني الحرمين وقبر المصطفى صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين.

ووجد المدينة، وما لها في نفوس الناس من إجلال وتقدير وتوقير ،وقد كانت مهد العلم، ومبعث النور، ومنهل المعرفة.

فأنطبع ذلك في وجدانه حتى كان له الأثر البارز في فقهه ومعرفته.

ولذلك استقر بها، ولم يرغب في الرحلة عنها.

ومن هنا فإنه لم يشتهر عنه حب النقلة والترحال أسوة بقرينيه أبي حنيفة والشافعي.

كما أنه كان شديد الإجلال للمدينة وأهلها.

حتى أنه كان لا يرى فيها راكباً، وجعل عمل أهلها مصدراً من مصادر فقهه، وأصلًا من أصول استنباطه.

وقد كان لأصلة رابطة وثيقة بالتيميين عن طريق المصاهرة والحلف.

فقد رحل إلى المدينة جده الأعلى أبو عامر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موقعة بدر، حتى ذكر أنه شهد مع الرسول عليه السلام المشاهد كلها عدا بدراً.

وكان ابنه مالك : أبو أنس من كبار التابعين، ذكر ذلك غير واحد وأنه كان يروي عن عمر وطلحة وعائشة وعن أبي هريرة وحسان بن ثابت رضى الله عنهم.

ومن مناقبه : أنه كان أحد الأربعة الذين حملوا عثمان رضى الله عنه ليلا إلى قبره وكفنوه.

ويشير إلى هجرة جده إلى المدينة ومصاهرته بها ، وإلى أصله  ما روي عن أبي سهيل عن الإمام مالك أنه قال : نحن قوم من ذي أصبح قدم جدنا المدينة فتزوج بها في  التيميين فكان معهم، ونسبنا إليهم تلك الرواية التي يذكرها الكثيرون، وإن كان البعض يرى أن أبا عامر تابعي إذ أن الذي قدم المدينة إنما هو مالك " جد مالك بن أنس وهو الذي رجحه أبو زهرة"

مكونات شخصيته:-

ولقد تكونت شخصية الإمام مالك العلمية من ثلاث شعب أساسية هي :

البيئة العامة في المدينة المنورة.

وأسرته التي نشأ فيها.

واستعداده الشخصي ونهمته في إقباله على العلم.

العامل الأول : بيئة المدينة المنورة :

وذلك أن المدينة المنورة هي مشرق الإسلام ومبعث النور، ومنزل الوحي، وموطن الشرع.

إذ كانت مهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم التي أحبها ولزمها ودعا لها ولأهلها وأخبر أن الإيمان يأرز إليها كما تأرز الحية إلى جحرها.

 وقد كانت حاضرة الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم  وعهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.

وحتى بعد أن انتقلت منها دار الخلافة إلى العراق أو الشام، فقد بقيت هي بغير منازع موئل الشريعة ومرجع العلماء حتى من الصحابة أنفسهم.

فقد كان عبد الله بن مسعود يسأل عن الأمر وهو في العراق فيفتى فيه.

فإذا جاء إلى المدينة ووجد ما يخالف رأيه عاد إلى العراق، فلا يحط رحلة عن راحلته حتى يرجع إلى الذي أفتاه فيخبره.

وكان عبد الله بن عمر يستشار من عبد الله بن الزبير، ومن عبد الملك بن مروان  المتنازعين على الإمارة.

فكتب إليهما إن كنتما تريدان المشورة فعليكما بدار الهجرة.

وقد حفلت المدينة إبان نشأة الإمام مالك بالعلماء والمحدثين.

فكان لذلك أثره في تكوين شخصيته العلمية.

 العامل الثاني أسرته:

ذلك أنه رضى الله عنه نشأ في بيت علم، وفقه، وحديث، ورواية.

فجده مالك من كبار التابعين كما أسلفنا وروى عن كثير من الصحابة وكبارهم، وروى عنه أبناؤه أنس  أبو مالك  وأبو سهيل – وأسمه نافع- والربيع.

وواضح أن أكثرهم اهتماماً بالرواية وأخذاً لها  إنما هو نافع أبو سهيل وقد عُدّ من شيوخ الزهري، وكانت رواية مالك عنه كثيرة.

إلى جانب ما علم أنه لم يرو عن أبيه إلا خبراً ضعيفا مما يشير إلى عدم اشتغال أبيه بالرواية.

وكان النضر أخو مالك من المهتمين بالعلم والمترددين على مجلس العلماء، حتى كان يعرف مالك في بداية عهده بهذه المجالس بأنه أخو النضر لشهرته ومعرفته.

وكانت أم مالك تحب العلم، وتدفع إليه ولدها مبكراً، وتشجعه عليه، وتحرضه على مجالسة كبار أهله.

حتى قال بعض معاصريه لقد رأيت مالكا في حلقة الربيع وفي أذنة شنف. ([18])

وروى أنه طلب من أمه أن يذهب  إلى مجالس العلماء ليكتب العلم ويدرسه فألبسته أحسن الثياب وعممته ثم قالت له فاكتب الآن.

وكانت تقول له : اذهب إلى ربيعة فتعلم علمه قبل أدبه.

ومن هنا فقد جلس مالك مبكراً إلى ربيعة الرأي فأخذ عنه فقه الرأي وهو حدث صغير على قدر طاقته.

 العامل الثالث: استعداده ومواهبه:

ولعل من أبرز مكونات شخصيته، استعداده الفطري لحمل هذه الرسالة الضخمة، وتلك المسئولية الكبيرة.

وحسبنا للدلالة على ذلك  أن يطلب من أمه وهو صبي لم يعد قادراً على أن يعمم نفسه  أو أن يصلح من شأنه، أن يذهب إلى مجلس العلماء ليكتب العلم-كما سبق أن أسلفنا –

وقد حفظ القرآن الكريم في صدر حياته، ثم أتّجه بعد ذلك إلى منهج سلفه وأهله في حفظ الحديث، فوجد من بيئته محرضاً ومشجعاً وحافزاً.

يروى عن نفسه فيقول : كان لي أخ، فألقى أبي علينا مسألة، فأصاب أخي وأخطأت.

فقال لي أبي : ألهتك الحَمام عن طلب العلم.

فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين لم أخلطه بغيره واتخذت " تباناً  ([19]) "  محشواً للجلوس على باب ابن هرمز.

أي ليتقي به برد الحجر هناك أو برد الحجر في المسجد حيث كان مجلس ابن هرمز.

على أن ذلك العامل يستوجب منا أن نقف عنده قليلا نستجلي جوانبه، ونستوضح آفاقه، لنعرف أننا أمام أي رجل نقف وعن أي شخص نبحث وندرس.

وأول هذه الأفاق التي نستطلعها : استعداده الشخصي وعقله الذكي، وحرصه العجيب على التحصيل، والتلقى، والاستيعاب الرائع، ومن ذلك قوله رضي الله عنه : كنت آتي نافعاً نصف النهار وما تظلني الشجرة من الشمس أتحّين خروجه.

فإذا خرج أدعه ساعة حتى إذا دخل أقول له : كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ ثم أحبس عنه، وكان فيه حده.

يقول الإمام أبو زهرة في تعليقه على هذه الرواية : وهذا الخبر يدل على عظيم ما كان يبذله مالك في طلب العلم، ففي تلك البلاد الحارة يخرج في الظهر إلى منزل نافع وهو في البقيع.

خارج المدينة – يعني إذ ذاك –  يترقب خروجه من منزله ثم يصطحبه إلى المسجد حتى إذا استقر نافع واطمأن : ألقى عليه أسئلة في الحديث والفقه.

فأخذ عنه حديثا كثيراً، وتلقى عليه فتاوى ابن عمر، ولابن عمر مكانته في فقه الأثر والتخريج عليه واستنباط الأحكام على ضوء الحديث النبوي الشريف.

ومن دلائل حرصه على العلم الذي رأيناه جلياً عليه منذ نعومة أظافره، وقبل أن يدرك إصلاح ملابسه، وتعميم نفسه، ما نراه في حاله مع الزهري، كما كانت حاله مع نافع رضي الله عنهم أجمعين.

فيقول عن نفسه : شهدت العيد فقلت : هذا يوم يخلو فيه ابن شهاب، فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه، فسمعته يقول لجاريته: انظري من بالباب؟

فنظرت، فسمعتها تقول : مولاك الأشقر مالك.

قال : أدخليه فدخلت.

فقال : ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك؟

قلت : لا.

قال : هل أكلت شيئاً؟

قلت: لا

قال : اطعم

قلت لاحاجة لي فيه.

قال : فما تريد؟

قلت : تحدثني؟

قال : هات

فأخرجت ألواحي فحدثني بأربعين حديثاً..

فقلت زدني.

قال : حسبك، إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفاظ

قلت : قد رويتها (يعني أنه قد حفظها)

يقول فجبذ الألواح من يدي ثم قال : حدّث

فحدثته بها. فردها إليّ وقال:

قم فأنت من أوعية العلم.

نعم هكذا حرصه، وهكذا حفظه، أنه يتحين أوقات الخلوة والفراغ ليحصل على طلبته من العلم وحاجته من الرواية حيث يخلو أولئك الشيوخ الأجلاء من تلاميذهم وإلحاح الناس على مجالسهم.

وهو في نفس الوقت دلالة على مقدار ما وهبه رضوان الله عليه من قوة الحافظة، وقدرة الملاحظة، واستيعاب الرواية، فإنه ليكتب أربعين حديثاً بأسانيدها فما أن يفرغ من كتابتها حتى يعيدها عن ظهر قلبه، والألواح في يد شيخه.

الأمر الذي مكنه من الحصول على هذه الشهادة السامقة: " قم فأنت من أوعية العلم"يعني : أن قلبه يمثل موطنا صالحاً لاستيعابه وحفظه ورعايته.

وصورة أخرى للدلالة على هذه الخاصة:

فقد روي أنه قال :

قدم علينا الزهري فأتيناه ومعنا ربيعة فحدثنا نيفا وأربعين حديثا.

فأتيناه في الغد فقال : انظروا كتاباً حتى أحدثكم، أرأيتم ما حدثتكم به الأمس؟

يعني : ما مدى استيعابكم لما حدثتكم به بالأمس؟

فقال له ربيعة : ههنا من يرد عليك ما حدثت به أمس.

قال ومن هو قال ابن أبي عامر – يعني- مالكاً رضي الله عنه.

قال : هات.

فحدثته بأربعين حديثا منها.

فقال الزهري : ما كنت أرى أنه بقي أحد يحفظ هذا غيري.

ومن الطريف في الأمر أن ابن شهاب الزهري- رضي الله عنه – رغم إشادته بمالك وتنبيهه إلى مكانته في العلم والحفظ فقد كان يحفزه حفزاً إلى الاستمرار والمزيد، ويدفعه دفعاً إلى السبق والاكتمال.

ورغم ما كان عليه مالك من الحرص والتدقيق فيما يسمع لكي لا يفوته من ذلك شيء، حتى أنه كان يحضر مجلس ابن شهاب ومعه خيط، يعقد فيه عقدة كلما حدّث شيخه بحديث حتى يعلم عدة الأحاديث التي رواها، وحتى يعرف مقدار حفظه لها.

يقول مالك رضي الله عنه : كان ابن شهاب إذا جلس يحدث ثلاثين حديثاً

فحدث يوماً وعقدت حديثه، فنسيت منها حديثا، فلقيته فسألته عنه.

فقال : ألم تكن في المجلس؟

قلت : بلى.

قال : فما لك لم تحفظ؟

قلت: ثلاثون إنما ذهب عني منها واحد.

فقال : لقد ذهب حفظ الناس، ما استودعت قلبي شيئا فنسيته، هات ما عندك.

فسألته فأنبأني فانصرفت.

ويعلق أبو زهرة على هذه الأخبار بما يشير إلى أن مالكاً رضي الله عنه كان يضبط عدة الأحاديث بعقد الخيط.

فإذا ندَّ عنه حديث عاد إلى استماعه، لا تمنعه من ذلك مرارة الرد وشدة اللوم.

ثم يستمع إلى نيف وأربعين حديث، فلا يذهب إلا النيف ويبقى الأربعون.

ويسمع ثلاثين حديثا فلا يذهب عنه منها إلا واحد.

ثم يقول : وإن ذلك فوق دلالته على قوة الحافظة الواعية عنده، حتى وصفه ابن شهاب بأنه من أوعية العلم.

يدل على مقدار عناية القوم بالحفظ وحرصهم على الضبط.

وفي ذلك تزكية للقلب وتقوية لمواهب النفس.

كما أنه كان دؤوباً على طلب العلم قد صرف نفسه إليه في جد ونشاط وصبر، لا تمنعه شدة الحر والجو اللافح من أن يخرج من منزله يترقب أوقات خروج العلماء.

ولا تمنعه حدة بعضهم من أن يأخذ عنه ويتحمل في ذلك غلظة اللوم أحيانا ويتجنب بهدوئه وكياسته ورفقه أن يثير حدتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

فهل يا ترى يتعلم شباب الإسلام من سلفهم تلك الصفات؟

ليستطيعوا أن يفعلوا فعلهم، ويسلكوا مسلكهم، وينالوا من فضل اتباعهم، أم هل يكتفون بفتات الموائد؟

ويعيشون عالة على أمجاد الماضين وجهود الآخرين.

متى.. وكيف جلس للفتيا؟

تعرفنا فيما سبق على مالك الناشئ العربي.

النابت المترعرع في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم في بيت علم وفقه ورواية، وبيئة تدفع إلى التعلم والتحصيل والاستزادة.

وعرفنا مالكاً ذا الحافظة الواعية، والقلب الذكي التقي المتحفز إلى مجالسة الرجال، ومذاكرة الأفذاذ الفحول من العلماء الأعلام مما هيأ له أن يجلس للإفتاء مبكراً.

وبعد أن تم نضجه العلمي وثبت لدى العلماء الاجلاء نبوغه العقلي.

حتى أن الروايات ا لصحاح تذكر أنه لم يجلس للإفتاء إلا بعد أن استشار سبعين من شيوخه.

ذلك لأنه يعلم أن الذي يتصدى للتدريس، والرواية، والفتوى، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يؤمه أفواج الناس من شتى البقاع، وأطراف الأرض. وفيهم العلماء الأئمة، والرواة الأجلة، والمصلحون البررة ، فيجلسون إليه، ويأخذون عنه، ويقتدون به.

لا يصلح إلا أن يكون على مستوى من العلم والفقه والمعرفة يؤهله لأن يجلس ذلك المجلس، ويمكنه من أن يبذل ما هو مأمول فيه ومنوط به من الفقه والعطاء.

وهذه مرتبة – ولا شك – لا يمكن للمرء أن يصل إليها بتقديره لنفسه، أو أن يحكم على نفسه ببلوغها بذاته.

ولهذا فقد كانت ترد في كلامه كثيراً تلك العبارة البليغة الرائعة : " لا خير فيمن يرى نفسه في حال لا يراه الناس لها أهلا".

ويقول أبو زهرة تعليقاً على ذلك :

ولقد قال رحمه الله في هذا المقام، وفي بيان حاله عندما نزعت نفسه إلى الدرس والإفتاء:

" ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس.

حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل والجهة من المسجد.

فإن رآوه أهلا جلس.

وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أني موضع لذلك "

وكان رضي الله عنه شديد الحرص على توجيه تلاميذه للأخذ بذلك المنهج.

دقيقاً في لفت أنظارهم إلى خطورة الفتيا قبل الإجازة من العارفين.

بالغ الزجر لهم عند تعاطي ذلك الأمر قبل الإجازة فيه ، وإن كانوا من النابهين شأناً السابقين علماً القادرين عطاء.

يقول أبو زهرة :

وجاء رجل يسأل مالكاً عن مسألة  فبادر ابن القاسم فأفتاه.. فأقبل عليه مالك غاضباً.. وقال له :

" جسرت على أن تفتي يا أبا عبد الرحمن؟ يكررها عليه.. ثم يقول : ما أفتيت حتى سألت هل أنا للفتيا موضع؟

فلما سكن غضبه قيل له : من سألت؟

قال : الزهري وربيعة..

 شدته في التأسي بالصحابة (رضي الله عنهم).

كان رضى الله عنه شديد التأسي بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في مجلسه ومسكنه.. شأنه في ذلك في فتاواه ومسائله..

ولذلك كان مجلسه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يجلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه للشورى والحكم والقضاء.

كما تأثر به في فتاواه وأقضيته.

بالإضافة إلى أن هذا المكان كان موضع جلوس النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك كان اختياره لمسكنه.

فقد روى أن داره التي كان به بالمدينة هي دار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي كان يحب أن يقتفي أثره، ويتتبع أخباره.

كما أنه كان شديد الاتّباع والتأسي، كثير الأخذ والتلقي عن التابعين لفتاوى الصحابة.

ويخص منهم ذوي الرأي بالعناية من أمثال عمر، وابن مسعود وغيرهما من فقهاء الصحابة وأهل الفتوى من بينهم.

منهج معيشته رضي الله عنه

لابد لنا من أن نقدم هنا عجالة موجزة عن أسلوب معيشة  الإمام مالك ابن أنس رضي الله عنه، ومدى علاقته بالخلفاء والأمراء في عصره ,

أذ قد يكون ذلك مفيداً في تحديد مسيرة حياته أو ذا اتصال بمنهجه :

هل كان مالك تاجرا؟

فقد جاءت الأخبار بأن والده كان يصنع النبال، وأن أخاه النضر كان يتاجر في البز.

ولم يرد أن مالكا احترف مهنة أبيه، أو أخيه، أو ما يؤكد من قريب أو بعيد هذا الاتجاه عنده.

وإن كانت قد جاءت بعض الأخبار التي تفيد أنه كان يتكسب من التجارة كما يقول تلميذه ابن القاسم:

كان لمالك أربعمائة دينار يتجر فيها , فمنها كان قوام معيشته.

موقفه من هدايا الخلفاء وغيرهم.

يضاف إلى ذلك ما أثر عنه أنه كان يرى حل هدايا الخلفاء للعلماء.

ولا يخامره الشك في قبولها.

وإن كان يتعفف عن قبولها ممن هم دون الخلفاء.

ويرى أنها من إنصاف أهل المروءة وحفظ مروءتهم أن يتنزلوا بها إلى ما في أيدي الناس.

وإن كان كلام أبي زهرة يشير إلى أنه كان يأخذه على مضض ؛ ليحفظ بها مروءته، ويقيم بها معاشه.

وينقل في ذلك  أنه سئل عن الأخذ من السلاطين.

فقال أمّا الخلفاء فلا شك يعني أنه سئل كثيرا عن هدايا السلطان فكان ينهي عنها خشية ألا يكون للآخذ مثل نيته.

فيقول للسائل لا تأخذها. فيقول له : أنت تقبلها.

فيقول لسائله : أتريد أن تبوء بإثمي وإثمك؟

إلى آخر ما يروى عنه من ذلك !

شده عسره في بداية أمره:

تشير بعض الروايات: إلى أنه كان يمر في بداية أمره بعسرة شديدة، جعلت ابنته تبكي من شدة الجوع.

ومن طرائف أمره، أنه وعظ يوماً المنصور بما يلزمه من تتبع أحوال رعيته، واقتفاء أخبارهم، فأراد المنصور أن يعلمه بقيامه بذلك، فقال له :

أليس إذا بكت ابنتك من الجوع تأمر بحجر الرحى فيحرك لئلا يسمع الجيران؟

فقال مالك : والله ما علم أحد بهذا إلا الله.

فقال له المنصور : فعلمت هذا، ولا أعلم أحوال رعيتي؟ يعني إذا كنت قد علمت هذا الأمر على ما فيه من المبالغة في التكتم والتستر، فكيف يخفي عليّ ما دون ذلك  من أحوال الرعية؟

ومن صور ذلك العسر أيضاً  ما يذكره ابن القاسم من قوله: أفضي بمالك طلب العلم  إلى أن ينقض سقف بيته فباع خشبه.

تيسر أحواله فيما بعد ومنهجه في الحالين :

وهكذا نراه رضي الله عنه : مرت به أحوال الضيق والشدة فعالجها بالصبر ، وقابلها بالتعفف.

إلى أن بسط الله عليه النعمة، ومحا عنه المحنة، فاتسعت حاله، وانبسطت أرزاقه، وهو في الحالين راض بأمر الله، لاهج بحمده والثناء عليه.

وكان حاله عند انبساط نعمته اعترافاً عملياً بفضل الله عليه، وحتى ليقول  ما أحب لامرئ انعم الله عليه، ألا يرى أثر نعمته عليه، وخاصة أهل العلم.

وكان يقول : أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب، ولذلك فقد كان أثر النعمة بادياً عليه في طعامه وشرابه، وفي ملبسة ومركبه.

حاله في ملبسة ومركبه :

كان – رضي الله عنه – يختار الطيب من الطعام من غير تجاوز لحد الوسطية والاعتدال.

فجعل مقرره من اللحم كل يوم بدرهمين وواظب على ذلك حتى قال أحد تلاميذه:

لو لم يجد مالك في كل يوم درهمين يأتدم بهما لحماً إلا أن يبيع في ذلك بعض متاعه لفعل وكان يعني بملابسه،ويحب منها الجديد،ويختار من ألوانها البياض وكان يلبس الثياب العدنية،والخرسانية والمصرية الغالية الثمن وكان يعنى بنظافتها وقال ابن أخيه :ما رأيت في ثياب مالك حبرا قط، وكان يعنى بأثاث بيته وترتيبه،وكان يستعمل الطيب الجيد من المسك وغيره.   

.

.

 وقاره وهيبته :

وكان رضي الله عنه : لين الجانب، بسيطاً مع أصحابه في غير هذر ولا إسفاف إلا في مجالس العلم  فإنه يكون بحال من الهيبة والوقار تملأ بالخشية والرهبة كل من حوله.

ومع ذلك فإنه لم يؤثر عنه الضحك إلا في أحوال محدودة.

حتى حصرها بعضهم في مرة أو مرتين.

ولم يأخذ أحد عليه لغوا في قول، أو مزاحاً أو تندراً بنادرة بل  كان درسه هو الجد كل الجد لا يتعداه إلى ما سواه.

قال بعض تلاميذه :

كان مالك إذا جلس معنا كأنه واحد منا، يتبسط في ا لحديث وهو أشد تواضعاً منا له،

فإذا أخذ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيبنا كلامه  كأنه ما عرفنا ولا عرفناه.

علاقته بالدولة ومنهجه فيها :

أمّا فيما يتصل بعلاقته بالدولة ونظامها فيمكن إجماله في أن مالكاً عاش العصرين : الأموي والعباسي وشهد ما فيهما من عدل أحياناً وظلم غالباً.

ورأي فتن الخوارج، وثورات العلويين وسمع بأحداث الحروب الأموية ضد عبد الله بن الزبير، والحسن بن علي رضي الله عنه.

وسمع عن استباحة المدينة، وانتهاك حرمات الحرم.

وهو وإن كان يرى أن الحكم ليس بمستوى من العدل يستوجب الدعوة له ومناصرته فقد كان يرى أن الخروج عليه هو مدعاة للفساد ومنهج للفتن والقاعد فيها خير من القائم.

وكان يرى – والحالة هذه –أن المنهج الأمثل هو إصلاح حال الرعية ليصلح الراعي بصلاحها.

وقد سئل يوما عن حكم الخروج على الخليفة فقال :

إن كان الخليفة الذي خرجوا عليه مثل عمر بن عبد العزيز في تقواه، وعدله وإقامة الحدود، ورفقه بالناس فليقاتلوا، وإلا فليزروهم في غيهم يعمهون.

وسئل عن قتال الخارجين على الخليفة فقال : إن خرجوا علي مثل عمر بن عبد العزيز.

فقال السائل : فإن لم يكن مثله؟

فقال : دعهم، ينتقم الله من ظالم بظالم. ثم ينتقم من كليهما.

متى كانت محنته؟ ولماذا؟

ولكن : شاء الله تعالى لهؤلاء الرجال أن يبتلوا دائما.

فلم تدم لمالك الحظوة عند الحاكمين، وإنما تعرض للبلاء والمحنة في عهد أبي جعفر المنصور.

وذلك لما نقله إليه الكائدون والحاسدون لمالك وأكثروا عليه عنده.

وقالوا عنه :إنه يرى أن أيمان بيعتكم هذه ليست بشيء !

ذاك لأنه رضى الله عنه كان يحدث بحديث ( ليس على مستكره طلاق).

وتصادف ذلك مع وقت خروج محمد بن عبد الله بن حسن (النفس الزكية) بالمدينة وقد استغل مروجو الفتن هذا الحديث، ومنزلة مالك رضى الله عنه في الطعن على خلافة المنصور.

فنهاه عن التحديث به فلم يفعل مما أدى إلى وقوع المحنة به.

بعده عن كل ما يثير الفتنة أو يؤدي إلى المحنة :

والمتتبع لسيرته رضوان الله عليه يجد أنه كان أبعد الناس عن مشاحنة السلطان أو ما يثير القلاقل والفتن.

إذ أنه كان لا يشارك في أمر من أمور الفرق، ولا يتحزب لفئة على فئة، ولا يفتي فيما هو من خاصة السلطان أو سلطة القضاء.

بالإضافة إلى ما كان له في ذاته من هيبة تبسط سلطانها على السلاطين، وتبلغ بقوتها ما يتهيبه الخلفاء وأبناؤهم، وما يصرحون بأنهم لا يبلغون مثله.

وأيضا ما كان له لدى الخلفاء والأمراء من المنزلة العالية والمكانة السامية والجلالة البالغة، فكيف والحال كذلك يبلغ الأمر أن تنزل به المحنة؟ وأن يتعرض مثله للضرب، والسجن والتعذيب؟

اللهم لا شيء إلا أنها ضريبة الجهاد في سبيلك، والاعتزاز بجاهك، حتى لا يبقى لدى هؤلاء لرجال من مظنة أجر إلا ويسلكونها، ولا منزلة من منازل الفضل إلا وينزلون بها وصدق الله العظيم ( أم حسبتُم أن تدْخُلُوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ).آل عمران 142

 كان إخلاصه كله للعلم والفتيا لوجه الحق :

ولقد كان لا يركن إلا للعلم والحديث والفتوى تلك التي وهبها حياته، وأفرغ فيها جهده وجهاده  ولقد دفعه حرصه على كرامة العلم والعلماء أن يبتعد عن كل ما يراه ينزل بمرتبه العالم أو أن يمس بوقاره وهيبته.

لذلك فقد كان أبعد الناس عن الجدل إلا لضرورة وفي الحدود التي لا تمس ذلك المنهج الذي ارتضاه.

قال له الرشيد يوماً : ناظر أبا يوسف.

فقال مالك :إن العلم ليس كالتحريض بين البهائم والديكة.

وكان ينهى عن الجدل ويقول المراء والجدال في الدين يذهب بنور العلم من قلب العبد. يقول إن الجدال يقسي القلب ويورث الضغائن.

ومن منهجه في حياته أيضاً أنه كان لا يجيب عن مسائل تتصل بالقضاة.

يقول تلميذه ابن وهب : سمعته يقول فيما يسأل عنه من أمر القضاة:

هذا من متاع السلطان.

ويوضح أبو زهرة رحمه الله مذهبه في ذلك فيقول :

لأن التعرض لأحكام القضاة بالنقد على ملأ من التلاميذ والأصحاب يجرّئ الناس على عصيانها أو  على الأقل يذهب بما تستحق من مهابة وإجلال لتجتث المنازعات من جذورها، ولكيلا تفتح على الناس باب الطعن في الأحكام بالحق وبالباطل.

 جهره بالحق عند وجود بواعثه:

ولئن كان إخلاصه للحق يدفعه إلى أن يترك القضاة وأحكامهم ويعد ذلك من متاع السلطان.

فإنه كان إن استشير : أشار وإذا استفتى من قبل السلطان أفتى.

إذن فهو ما كان يفعل ذلك جبنا أو خوفاً، وإنما كان ورعاً وعلماً.

ومما يؤكد ذلك دوره في وعظ الخلفاء ووصاياه لهم التي كان يصدع فيها بالحق لوجه الله تعالى وطلباً لما عنده، ومواقفه العظيمة في مواجهة الخلفاء وفي مجالسهم ومن ذلك قوله : حق على كل مسلم ورجل جعل الله في صدره شيئاً من العلم أو الفقه أن يدخل إلى ذي السلطان.

أن يأمره بالخير وينهاه عن الشر، حتى يتبين دخول العالم عن غيره فإذا كان ذلك فهو الفضل الذي لا بعده فضل.

وكان يطبق هو ذلك المنهج تطبيقاً رائعاً ومن ذلك قوله لهارون الرشيد : ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب كان في فضله وقدمه ينفخ لهم على الرمادة  النار تحت القدر حتى يخرج الدخان من لحيته، وقد رضى الناس منكم بدون هذا.

وقال لأحد الولاة : تفقد أمور الرعية فإنك مسئول عنهم، فإن عمر ابن الخطاب قال : والذي نفسي بيده لو هلك جمل بشاطئ الفرات ضياعاً لظننت أن الله يسألني عنه يوم القيامة.

وسأله المهدي يوماً أن يوصيه. فقال : أوصيك بتقوى الله وحده، والعطف على أهل بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيرانه،أنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المدينة مهاجري وبها قبرى، وبها مبعثي، وأهلها جيراني، وحقيق على أمتي حفظي في جيراني فمن حفظهم كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة ).

مما كان من أثره أن أخرج المهدي عطاءً كثيراً وطاف بنفسه على دور المدينة به.

احترامه لنفسه... وهيبته..

يروى أنه كان رضى الله عنه يحترم نفسه إذا لقي الخلفاء حتى يكون أبلغ لعظته وأوقع لقوله:

قدم المهدي يوماً المدينة فجاء الناس يسلمون عليه، وأخذوا مجالسهم ثم استأذن مالك فقال الناس : اليوم يجلس مالك آخر الناس ! فلما دنا ونظر إلى ازحام الناس قال يا أمير المؤمنين أين يجلس شيخك مالك.؟

فقال : عندي يا أبا عبد الله.

فتخطى الناس حتى وصل إليه فرفع المهدي ركبته اليمنى وأجلسه بجواره.

وإلى جانب ذلك فقد تميز رضوان الله عليه بهيبة أختص بها عمن عداه حتى أن الرجل ليدخل في مجلسه فيلقى السلام فلا يرد عليه أحد إلا همهمة.. وإشارة، ويشيرون ألا يتكلم مهابة وإجلالاً فينكر هو عليهم ذلك.

وكان يهابه الحكام حتى ليحسون بالصغر في حضرته ويهابه أولاد الخلفاء لجلالته ووقاره.

كان مرة في مجلسه مع أبي جعفر المنصور وإذا صبى يخرج ثم يرجع فقال أتدري من هذا؟

قال : لا

فقال : هذا ابني وإنما يفزع من شيبتك.

ويذكر أن مجلسه كان أقوى تأثيرا من مجلس السلطان.

حتى قيل فيه.

يأتي الجواب فلا يُراجع هيبة

                   والسائلون نواكس الأذقان

أدب الوقار وعز سلطان التقى

                   فهو المطاع وليس ذا سلطان.

ومع كل ذلك فقد نزل الامتحان بإمام دار الهجرة عندما حدّث بحديث : ( أن طلاق المكره لا يقع ).

واستغل ذلك ضد السلطان مروجو الفتن ومثيرو القلاقل.

كما استغلها ضد مالك حساده والشانئون عليه فوشوا به، وصادف ذلك ثورة العلويين بقيادة النفس الزكية مما ظن أنه يحرض الناس على بيعته وحلهم من بيعة السلطان.

فطلب منه المنصور  ألا يحدث الناس بهذا الحديث ،ثم دس عليه من سأله فتحدث به في مجلسه، فأخذه واليه على المدينة فحبسه وضُرِب بالسياط ومدت يداه حتى انخلع كتفه.

وإن كان ذلك قد حدث له من قبل والي المنصور ، والمظنون أنه لا يفعله إلا بإيحاء من المنصور أو علم برضاه على الأقل:

فقد جاء المنصور متنصلاً من ذلك معتذراً للإمام مالك رضي الله عنه.

يقول الإمام مالك لما دخلت على المنصورة وقد عهد إليّ أن آتيه في الموسم – يعني موسم الحج- فقال لي : والله الذي لا اله إلا هو ما أمرت بالذي كان ، ولا علمته.

إنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم وإني أخالك أماناً لهم من عذاب ،ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة فإنهم أسرع الناس إلى الفتن.

ولقد أمرت بعد والله أن يؤتى به - يعنى بالوالي الذي امتحن مالك على يديه-  على قتب- يعنى على إكاف صغير على سنام البعير – إذلالًا له .

وأمرت بتضييق محبسه والاستبلاغ في امتهانه ، ولابد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما ناله منك.

يقول مالك فقلت : عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله ﷺ‬ وقرابته منك . فقال عفا الله عنك ووصلك.

ملازمة العلل له آخر عمره:

ولقد شاء الله تعالى أن تلازمه العلل في أخريات أيامه، حيث قد مد الله له في  العمر ، وبارك له فيه حتى أوفى على التسعين عند وفاته.

ولذلك فقد حول مكان درسه من المسجد إلى منزله.

وقد انقطع عن الخروج للناس وإن لم ينقطع عن الدرس والعلم والحديث والإفتاء.

ويروي ابن فرحون عن الواقدي أن مالكاً كان يأتي المسجد ويشهد الصلوات ، والجمعة ، والجنائز ، ويعود المرضى ، ويقضي الحقوق ، ويجلس في المسجد : فيجتمع إليه أصحابه.

ثم ترك الجلوس في المسجد ، فكان يصلي وينصرف إلى منزله.

وترك حضور الجنائز فكان يأتي أصحابها فيعزيهم.

ثم ترك ذلك كله، فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ، ولا الجمعة ، ولا يأتي أحداً يعزيه وبقى على ذلك حتى مات عليه.

وربما كان يقال له في ذلك فيقول : (ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره).

ويذكر : أنه لم يصرح بعذره إلا يوم وفاته.

فقد قال : لولا إني في آخر يوم ما أخبرتكم.

مرضي سلس بول ، كرهت أن آتي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير وضوء، وكرهت أن أذكر علتي فأشكو ربي.

نعم هكذا يكون الرجال علماً ، ومعرفة ، وورعاً وتقوى.

نعم هكذا يكون العلماء تقديراً  لجلال بيوت الله وإجلالاً وتوقيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهو أمر ليس بغريب على إمام دار الهجرة الذي جعل عمل أهل المدينة أصلاً من أصول مذهبه، باعتبارهم تناقلوا العمل وتوارثوه عن آبائهم وأجدادهم، وهم أشد الناس تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقربهم إليه ،وأكثرهم معرفة بما كان عليه.

وهو الذي كان لا يمشي في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم راكباً إجلالا لمكان مشى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهو الذي كان يُجل مجلس الحديث والرواية عن كل مجلس ، فلا يأتيه إلا وقد استعد له وتهيأ  مظهراً ، وحالا ووجداناً .

يروي أحد تلاميذه عن حاله عندما انتقل درسه إلى بيته فيقول: كان مالك إذا أتاه الناس ، خرجت إليهم الجارية فتقول لهم :

يقول لكم الشيخ : أتريدون الحديث أم المسائل ؟

فإن قالوا المسائل خرج إليهم  فأفتاهم.

وإن قالوا: الحديث  قال لهم: اجلسوا ، ودخل إلى مغتسله فاغتسل، وتطيب ، ولبس ثياباً جدداً ولبس ساجة- هي ما يشبه تيجان الملوك- وتعمم، وتلقى له المنصة، فيخرج إليهم قد لبس وتطيب وعليه الخشوع، ويوضع عود ، فلا يزال يبخر حتى يفرغ من الحديث، وقد كان رضوان الله عليه في سمته، وخشيته لله وإخلاصه للعلم وبعده عن اللغو.

بالإضافة إلى ما خصه الله به من قوة الروح، وعزة النفس شديد الهيبة ، فإذا تكلم لا يراجع ، وإذا أفتى لا يسأل من أين هذا ؟

وقد صاحبته تلك الهيبة منذ حداثة عهده بالتدريس والفتيا حتى قال بعض معاصريه: دخلت المدينة سنة أربع وأربعين ومائة، ومالك أسود الرأس واللحية ، والناس حوله سكوت لا يتكلم أحد هيبة له .


 قواعد الفقه المالكي

 وأصول مذهبه


 الثابت من دراسات المحققين أن الإمام مالكاً لم يدون أصول مذهبه، ولم يحددها أيضاً. المأثور من قوله:

شأنه في ذلك شأن معاصره الإمام أبي حنيفة.

ومن هنا فإن أصول مذهب مالك إنما استقاها علماء المذهب من قضاياه، ومسائله وفتاواه، ومن منهجه في كتابه الموطأ إشارة حيناً وتصريحا ًحيناً آخر.

ولعل ذلك هو سبب الاختلاف في عد هذه الأصول.

فبينما يراها بعضهم ستة عشر أصلاً فإن البعض الآخر كالسبكي يعدها خمسمائة أصل.

ويذكر أبو زهرة  أن أدق إحصاء لهذه الأصول هو ما ذكره القرافي في تنقيح الأصول، وأنها : -

القرآن، والسنة، والإجماع، وإجماع أهل المدينة، والقياس، وقول الصحابة، والمصلحة المرسلة، والعرف والعادات، وسد الذرائع، والاستصحاب، والاستحسان (أثنا عشر أصلاً)

ومع أن أبا زهرة يستوجه ذكر القرافي لهذه الأصول، فإنه يستوجه- أيضاً – اختصاره إلى أربعة فقط هي :

الكتاب – السنة – والإجماع – والرأي

وذلك القصر له وجهة.

 وذلك لأن عمل أهل المدينة، وقول الصحابي، إنما أخذ بهما مالك على أنهما من شعب السنة.

وكلمة الرأي تشمل بعمومها : المصالح المرسلة، وسد الذرائع، والعادات، والاستحسان، والاستصحاب.

لأن هذه من وجوه الرأي.

وبيان هذه الأصول على التفصيل، أو الوفاء به أمر فوق المستطاع في مثل هذه الرسالة الموجزة، وقد تناولته الشروح والمؤلفات العديدة الخاصة بهذا الفن على الإجمال، أو الخاصة بالفقه المالكي على التفصيل.

وإنما حسبنا هنا الاشارة – فقط – إلى هذه الأصول بما يمكن أن يعطي لمحة ولو خاطفة عنها بصدد الكلام عن هذا المذهب العظيم.

فأمّا القرآن الكريم:

فهو كما يقول الشاطبي المالكي في الموافقات : إن الكتاب قد تقرر أنه كل الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور ا لأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره ولا تمسك بشيء يخالفه.

وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير، أو استدلال.

لأنه معلوم من دين الأمة بالضرورة. إلى آخر ما ذكره من ذلك.

وقد ذكر الإمام أبو زهرة في المسالة السادسة والستين من كتابه عن الإمام مالك ما خلاصته:

أن علماء المذهب المالكي ذكروا أنه كان يأخذ بنص القرآن ( ظاهره ودليله ) أي : مفهوم المخالفة ومفهوم الموافقة، وأنه كان يأخذ بالعلة التي ينبه عليها.

وأما بالنسبة للسنة :

فإن مالكاً كما يقول أبو زهرة ما خلاصته :

كان رضى الله عنه إماماً في الحديث، كما كان إماما في الفقه، وموطؤه  كتاب  حديث وكتاب فقه.

ولعله أوضح الأئمة المجتهدين جمعيا بين الإمامة في الفقه والحديث من غير خلاف.

فهو راو من الطبقة الأولى في الحديث.

وهو فقيه ذو بصيرة بالفتيا، واستنباط الأحكام، وقياس الأشباه بأشباهها ومعرفة مصالح الناس، وما يكون ملائماً لها.

وذكر من شهادات أئمة الحديث له :

أن يعد البخاري كتابه أصح كتب الحديث ، كما يعتبر أصح الأسانيد سند مالك عن أبي الزناد عن أبي هريرة.

وما قاله أبو داود صاحب السنن : من أن أصحاب الأسانيد  مالك عن نافع عن ابن عمر.

ثم مالك عن الزهري عن سالم، عن أبيه.

 ثم مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.

ولم يذكر أحداً غير مالك.

والواقع الذي تؤكده الدراسات المحققة :

أنه رضى الله عنه كان جديراً بذلك كله، إذ أنه كان شديد التحري عمن يأخذ عنهم الحديث، دقيق الاختيار، روى عنه ابن أخته قوله : ( إن هذا العمل دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ) لقد أدركت سبعين ممن يقول : قال فلان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :عند هذه الأساطين و أشار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فما أخذت عنهم وإن أحدهم لو أؤتمن على بيت مال لكان به أمينا.

إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.

هذا ويلاحظ على منهج الإمام مالك في الأخذ بالحديث أنه ربما يرفض في العمل حديثا رواه وأخرجه.

ولعل ذلك إنما كان بعد أن علم علة في الحديث أو سببا اقتضى رده.

كما يلاحظ أيضاً أنه كان يقبل المرسل من الحديث والبلاغات.. بالإضافة إلى أنه كان يقدم القياس على خبر الواحد عند تعارضهما.

وأما بالنسبة لفتوى الصحابي :

فقد كان لها مكان من استنباطه  يأخذ بها ولا يخرج عليها.

ولقد كان أخذه لما عليه أهل المدينة لأن الصحابة كانوا بها، كما كان يرى أن السنة فيما كان عليه أهل المدينة لأن الصحابة كانوا بها، كما كان يرى أن السنة فيما كان عليه الصحابة، وكان يروي قول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في ذلك: سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب  الله واستكمال لطاعته وقوة  على دينه، ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها فمن اقتدى بما سنّوا ، فقد اهتدى، ومن استنصر بها فمنصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما  تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.

وكان مالك يعجب بهذا الكلام ويستمسك به، ويرى أن الأخذ به هو السنة المحكمة.

هذا ولكنه لم يكن يجعل قول التابعي في مقام من السنة كقول الصحابي، سوى بعض التابعين الذين كان لأقوالهم اعتبار عنده، لمقامهم من الفقه، أو لتحريهم الصدق، أو لمناقبهم وسابقتهم في الإسلام  كعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري، ونافع، ومن في درجتهم.

وكان رضى الله عنه أكثر الأئمة الأربعة ذكراً للإجماع واحتجاجاً به. فكان يقول : ما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه قول أهل الفقه والعلم ولم يختلفوا فيه.

وكان يعتبر عمل أهل المدينة مصدرا فقهيا يعتمد عليه في فتاواه، ويستشهد لذلك بقوله تعالى ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) حيث أن عمل أهل المدينة هو نقل لما كان عليه أولئك الأصحاب، وهو ما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم واجمعوا عليه.

ويقول أبو زهرة :

وأساس هذه الحجة : أن القرآن المشتمل على الشرائع وفقه الإسلام نزل به، وأهلها  هم أول من وجه إليهم التكليف، ومن خوطبوا بالأمر والنهى، وأجابوا داعي الله فيما أمر، وأقاموا عمود الدين، إلى آخر ما ذكره من ذلك. وكان كثيراً ما يرجع إلى هذا الأصل في مناظراته وفتاواه.

فقد  سأله أبو يوسف عن مقدار الصاع فقال خمسة أرطال وثلث.

فقال أبو يوسف: ومن أين قلتم ذلك؟

فقال مالك لبعض

 أصحابه : احضروا ما عندكم من الصاع، فأتى أهل المدينة وعامتهم من أبناء المهاجرين والأنصار وتحت يد كل واحد منهم صاع يقول : هذا صاع ورثته عن أبي عن جدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال مالك : هذا الخبر الشائع عندنا أثبت من الحديث.

فرجع أبو يوسف إلى قوله

وكان مالك يأخذ بالقياس ، بإلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه لعلة جامعة بينهما مشتركة فيهما.

بل كان يقيس أيضاً على المسائل المستنبطة بالقياس.

وقد كان يأخذ بالاستحسان،ويروي ابن القاسم عن مالك أنه قال : الاستحسان تسعة أعشار العلم، وكان يقول بالاستصحاب ،وهو استدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفيا حتى يقوم دليل على تغير حالته،

وكان يأخذ بمبدأ المصالح المرسلة واعتبارها أصلاً قائماً بذاته.

كما كان يقول بسد الذرائع بمعنى أن وسيلة المحرم محرمة ووسيلة الواجب واجبة.

وكان يأخذ بالعادات والعرف فيما لا يكون فيه نص قطعي ولكن كيف تم نشر هذا المذهب حتى عم أقطاراً بأسرها؟

عوامل انتشار المذهب المالكي :

لقد انتشر المذهب المالكي حتى عم أقطاراً بأسرها، وحتى أنه بلغ كما يقول القاضي عياض : غلب على الحجاز، والبصرة، ومصر، وما تلاها من بلاد أفريقية، والأندلس وصقلية، والمغرب الأقصى، إلى بلاد من أسلم من السودان، إلى وقتنا هذا.

وظهر ببغداد ظهوراً كبيراً وضعف بها بعد أربعمائة سنة.

وظهر بنيسابور وكان له بها وبغيرها أئمة ومدرسون.

فكيف تم انتشار هذا المذهب بهذه الصورة الغالبة؟

ويمكننا أن نرجع ذلك إلى عوامل ثلاثة : -

العامل الأول : مركز دعوته وعطائه العلمي .

فقد كان مقره الدائم  المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وبها كان مجاور كثير من طلبة العلم.

واليها تهفوا نفوس المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها  للصلاة في مسجدها، وزيارة قبر نبيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بها، ومشاهدة منزل الوحي، ومشرق الدعوة ومنشأ الأمة التي اختارها الله تعالى لتكون خير أمة أخرجت للناس.

وما أن تبلغ هذه الأفواج مدينة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون من أهم ما تصبوا إليه نفوسهم  علماؤها وورثة رسالة الدعوة فيها.

وكان  مالك رضى الله عنه قد انتهت إليه رئاسة الفقه، والحديث، والفتوى.

فما يكون لهم من أمل أكثر من اللقاء به، أو الاستماع إليه والأخذ عنه.

ونُقل ذلك كله إلى الناس في شتى بقاع الأرض.

حتى أن المحققين يؤكدون أن  انتشار مذهب مالك في مصر كان في حياته رضى الله عنه على يدي عبد الرحمن بن القاسم أو ابن فرحون، أو هما معا.

وكما يقول أبو زهرة :

وعلى أي حال كانت مصر بعد الحجاز أول بلاد انتشر بها علم مالك وكثر تلاميذه حتى صدر العلم المالكي عنهم من بعده.

فابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وأصبغ، وغيرهم من المصريين كانوا حملة العلم المالكي وناشريه، وحسبك أن تعلم أن المدونة التي تعد الكتاب الأول لمسائل مالك وفتاواه صدرت عن ابن القاسم بمصر. إلى آخر ما يقوله من ذلك.

العامل الثاني : مؤلفاته:

وذلك أن الإمام مالكاً لم يكن كمعاصري أبي حنيفة تستغرق وقته المحاضرة والمناظرة والفتوى وما بقى فهو للتجارة، ونحو ذلك، ولم يخلف كتباً.

وإنما كان رضى الله عنه متفرغا لمهمته، وقد عاصر بداية عصر التدوين والحاجة إلى التصنيف.

فكان صاحب أول مؤلف علمي على النمط الفني الممتاز عرف وبقى حتى  اليوم وهو موطأ الإمام مالك، الذي بدأ في تأليفه على عهد المنصور وبطلب منه  لما شاعت آراء الفرق وتعددت فتاوى المفتين واختلف القضاة والفقهاء.

وكان يريد أن يجعل علم مالك في هذا الشأن قانوناً عاماً وإن كان قد عارض مالك في  ذلك بقوله : إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في البلاد، فأفتى كلٌ في مصره بما رأى.

وإن لأهل هذا البلد – يعني مكة المكرمة – قولاً ولأهل المدينة قولاً ولأهل العراق قولاً قد تعدوا فيه طورهم.

إلى آخر ما دار في تلك المناظرة.

وعلى كلٍ فقد وجدت الدواعي، وجاء طلب الخليفة متفقاً معها.

تلك الدواعي التي ارتأها مالك أجاب نداءها من تلقاء نفسه.

ويقال : إنه أمضى في جمعه وتأليفه نحواً من إحدى عشرة سنة وقد قيل : إنه بقي يمحص فيه إلى أن مات، فكلما راجعه حذف منه بعض ما سبق أن أثبته فيه.

ولم يدرك المنصور نهايته ليحمل الناس عليه، وقد عزم الرشيد على ذلك كما عزم عليه المهدي.

يقول السيوطي في مناقب مالك :

أخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن الحكم قال : سمعت مالك بن أنس يقول : شاورني هارون الرشيد في ثلاث :

أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه.

وفي أن ينقض منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجعله من جوهر وذهب وفضه.

وفي أن يقدم  نافع بن أبى نعيم إماما يصلى بالناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقلت يا أمير المؤمنين :

أمّا تعليق الموطأ في الكعبة  فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وافترقوا في البلدان وكل عند نفسه مصيب.

وأما نقض المنبر فلا أرى أن تحرم الناس أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما تقديمك نافعاً يصلى بالناس فإن نافعاً إمام في القراءة، لا يؤمن أن تبدر منه في المحراب بادرة، فتحفظ عنه.

فقال وفقك الله يا أبا عبد الله.

ولم يكن الموطأ وحده هو كل ما ألف مالك رضى الله عنه بل كانت له مؤلفات أخرى.

يقول الإمام السيوطي :

والذي دلت عليه الأخبار : أن مالكاً صنف كتباً متعددة غير الموطأ، ولقد رأيت له تفسيراً مفيداً فيحتمل أن يكون من تأليفه، وأن يكون علّق عليه.

ورأيت لابن وهب كتاب المجالسات عن مالك، فيه ما سمع من مالك في مجالسه، وهو مجلد مشتمل على فوائد جمة من أحاديث، وآثار، وآداب، ونحو ذلك.

ثم رأيت القاضي عياضاً قال في المدارك.

له أوضاع كثيرة وتآليف غير الموطأ مروية عنه، أكثرها بأسانيد صحيحة في غير فن من العلم.

إلى أن يقول : ومن أشهرها رسالته إلى ابن وهب في القدر والرد على القدرية وهو من خيار الكتب في هذا الباب، ومنها كتاب في النجوم، وحساب دوران الزمان ومنازل القمر، ومنها رسالته في الأقضية، ومنها تفسير غريب القرآن، إلى آخر ما ذكره من ذلك فيما أوردناه ملخصاً.

العامل الثالث : تلاميذه :

وهذا العامل هو أكثر العوامل تأثيراً في نشر هذا المذهب في الأمصار، وتقرير قضاياه ومسائله ويتلخص في أن تلاميذه كانوا يدونون ما يفتي به في المسائل، وكان أحياناً ينهاهم عن الإفراط في الكتابة، وفي أكثر الاحيان يتركهم يكتبون  يحضرهم ولا ينهاهم وقد كانوا من الكثرة بحيث لا يحصون عدا.

كما يقول أبو زهرة.

ولا نستطيع أن نحصي تلاميذ ذلك الإمام الجليل نترجم لهم.

وأشار إلى أن كتابيّ المدارك والديباج المذهّب فيهما الكفاية من ذلك.

ومن أشهرهم :

( عبد الله بن وهب)

وهو بربري أصلا ونسباً وقرشي ولاء، لازم مالكا نحو عشرين سنة. ونشر فقهه بمصر وكان يقول : لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت.

وكان مالك يحبه ويعظمه وما نجا من زجره أحد من أصحابه إلا ابن وهب وكان يلقبه بالفقيه.

ومنهم ( عبد الرحمن بن القاسم )

وهو من أصحابه الذين لهم أثر بالغ في التدوين، حتى عُدّ في مذهب مالك كمحمد بن الحسين في المذهب الحنفي.

وقد لازم مالك بن أنس نحواً من عشرين سنة، وتفقه بفقهه وكان ابن وهب يقول عنه : أن أردت هذا الشأن يعني الفقه فعليك بابن القاسم فإنه انفرد به وشغلنا بغيره.

وكان جواداً زاهداً عابداً ولا يقبل جوائز السلطان ومنهم :

أشهب بن عبد العزيز القيسي العامري.

وله مدونة تسمى بمدونة أشهب.

ومنهم ( أسد بن الفرات بن سنان الخراساني ) وله كتب سماها الأسدية وهي الأصل لمدونة سحنون.

ومنهم ( عبد الملك بن الماجشون ) كما أن منهم ( عبد الله بن الحكم ) ( وسحنون) ( وعبد الملك بن حبيب) ( والعتبي) وغيرهم كثير رضي الله عنهم أرضاهم أجمعين.


 عالم قريش

 الإمام

 محمد بن إدريس الشافعي

 رضي الله عنه


مولده، ونسبه، ونشأته :

موعدنا في هذه العجالة مع علم من أعلام الإسلام، وإمام من أئمة الفقه، وجهبذ من جهابذة العلم، خلدّ الله تعالى على التاريخ ذكره، ونسأله تعالى أن يجزيه عن الإسلام والفقه خيراً وأن يعظِّم له ولأمثاله من رجال العلم أجرهم وأجره.

لقاؤنا مع الإمام الشافعي رضي الله عنه :

واسمه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ينتهي نسبه في جده السابع إلى هاشم بن المطلب بن عبد مناف.

يعني أنه يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف. وجده المطلب هو الذي ربى هاشماً جد النبي صلى الله عليه وسلم.

والمشهور من الروايات التي تشهد لها أقواله هو : أن أمه من الأزد.

وقد نشأ رضوان الله عليه من أسرة فقيرة كانت تقيم بالأحياء اليمنية من أرض فلسطين.

وثمة روايات عن الشافعي تفيد أن أباه مات وهو صغير، وأن أمه انتقلت به إلى مكة خشية أن يضيع نسبه الشريف.

يقول رضي الله عنه : ولدت بغزة سنة خمسين ومائة، وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين

وإن كانت هنالك رواية أخرى تقول : أنه ذهب إلى مكة وهو ابن عشر سنين.

ويجمع بينهما إمكان تردد أمه على أهلها، وأن بداية عهده بمكة كانت في سنته الثانية، وأنه عاد إليها للتثقيف والتعميم وهو في سنته العاشرة.

وتجمع الروايات على أنه عاش عيشة اليتيم الفقير الذي يحس بشرف أصله، وعلو نسبه.

يقول أبو زهرة رحمه الله فهذه النشأة الفقيرة مع النسب الرفيع تهيأ بها للشافعي تهذيبٌ كامل.

لا يتسامى في معاملاته عن العامة فيبعد عنهم، ولا يهوي في مباذلهم فيصغر في نظرهم فكان لنسبه عزته ولفقره طيبة.

وكان لجماعهما أثره عندما فَكُه في بحبوحة العيش.

يهدي إليه الوزير الهدية فيرفضها لأنها ممن دونه.

ويعطيه الخليفة العطية فيوزعها قبل أن يغادر الطريق أو يبقها فيفرقها على الفقراء ممن لهم به رحم.

نعم هكذا كانت همة الشافعي التي رعتها عناية الله وصاحبها التوفيق.

فقد عرف عنه منذ حداثته  قوة ذكائه وتوقد ذاكرته، وحرصه على العلم                        فقد حفظ القرآن الكريم مبكرا، وكان لقوة حفظه له ما يشير إلى ما وهبه الله من هذه الحافظة الواعية المستوعبة.

ثم أخذ في حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يحفظ الحديث بالسماع، ثم يدونه كتابة على الخزف والجلود وما يظفر به من أوراق الدواوين من ظهور الصحائف المكتوبة.

رحيله إلى البادية.. وسببه :

رحل الشافعي إلى البادية ليقوّم لسانه، ولينأى عن اللحن والعجمة التي غزت الأمصار فلزم قبيلة ( هزيل)

يقول رضي الله عنه إني خرجت من مكة فلازمت هزيلاً بالبادية أتعلم كلامهم، وكانت أفصح العرب أرحل برحيلهم، وأنزل بنزولهم فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الأدب والأخبار.

ولقد شهد للشافعي الأصمعي الشاعر اللغوي المعروف حتى  قال فيه :

لقد صحت أشعار هزيل على لسان فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس.

ولم تقتصر همته على الشعر والأخبار والأدب، وإنما ضم إلى ذلك في سنواته العشر التي قضاها في البادية إجادة الرمي ومن قوله في ذلك :

كانت همتي في شيئين : في الرمي، والعلم، فصرت أرمي بحيث أصيب من عشرة عشرة، ثم سكت عن العلم.

فقال بعض الحاضرين : أنت والله في  العلم أكثر منك في الرمي.

عودته من البادية، ومواصلته لطلب العلم :

ولما عاد إلى مكة لازم من فيها من العلماء، وأخذ عمن بها من المحدثين  والفقهاء، يحفظ ما يسمع، ويدون ما يحفظ ، ويستوعب ما يأخذ، حتى استطاع أن يبلغ مبكراّ في العلم والفقه شأناً عظيما نادراً وحتى قال له شيخه مسلم بن خالد الزنجي: ألا أفت أبا عبد الله، فقد آن لك أن تفتي.

هجرته مجاوراً للإمام مالك بالمدينة :

ولم يقف الشافعي عند هذا الحد من العلم والاستيعاب والمنزلة التي استحق بها أن يفتي

وإنما رحل إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام للأخذ والتلقي عن الإمام مالك رضي الله عنه بعد أن تزود لذلك بحفظ الموطأ، وكان معه كتاب توصية من والى مكة إلى الإمام مالك بواسطة والى المدينة.

الأمر الذي أغضب مالكاً حتى رمى الكتاب من يده وهو يقول : سبحان الله !أو صار علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ بالوسائل؟

يقول الشافعي : فرأيت الوالي قد تهيبه أن يكلمه، فتقدمت إليه وقلت :أصلحك الله إني رجل مطلبي، ومن حالي وقصتي.....،فلما سمع كلامي قال يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي فإنه سيكون لك شأن من الشأن .. إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية.

نعم هكذا أدرك الإمام مالك بفراسة المؤمن وحاسة التقوى وذكاء العالم الخبير  ملامح النجابة على الشافعي، وإمارات نور العلم الكامن فيه على محيّاه، فبشّره.. وحذّره.

ثم قال له إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء ما يقرأ لك.

يقول الشافعي : فقدمت عليه وابتدأت أقرأ ظاهراً والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكاً وأردت أن أقطع  أعجبه حسن قراءاتي وإعرابي فيقول : يا فتى زد، حتى قرأته عليه في أيام يسيرة  ويعني بالكتاب هنا موطأ الإمام مالك.

ثم لازم الشافعي مالكاً يأخذ عنه ويدارس فيه من المسائل ولم يبارحه إلا في الرحلات التي كان يقوم بها متطلعاً إلى آفاق الحياة، متفحصاً لأحوال الناس أو زائراً لأمه بمكة يأخذ عنها ما توجهه به من أدب، وما تنصحه به من حكمة توفرت لديها أسبابها.

ولم يفارق الشافعي مالكاً في غير ذلك حتى انتقل مالك إلى جوار ربه.

رحلته إلى اليمن...والياً :

لقد تهيأ  للشافعي بعد وفاة شيخه الإمام مالك أن قدم والي اليمن إلى الحجاز، فكلمة بعض القرشيين في أن يصحبه الشافعي، فأخذه معه.

يحدثنا رضي الله عنه عن حاله في معيشته آنذاك فيقول :

ولم يكن عند أمي ما تعطيني ما أتحمل به، فرهنت داراً فتحملت معه فلما قدمنا عملت له على عمل.

وتشير الروايات إلى أن عمله في الولاية كان بنجران.

وفي هذه الفترة التي قضاها الشافعي في هذا العمل برزت في حياته ناحيتان:

أمّا  إحداهما فهي : نبوغه، وذكاؤه وعلمه، وحصافته في إدارة الأعمال وتسيير شئونها.

وأما الأخرى : فتلك هي عدله الذي لا يعرف الشفاعة، أو الوساطة، وخشيته لله في ولايته التي لا تعرف الجور ولا تميل عن الحق.

يقول رضي الله عنه وليت نجران وبها بنو الحارث بن عبد المدان وموالي ثقيف وكان الوالي إذا أتاهم صانعوه فأرادوني على نحو ذلك فلم يجدوا عندي.

وهكذا كان في ولايته يرعى الله تعالى ويراقبه فما كان والأمر كذلك لتصل إليه المداهنة أو لينال من عدله الملق والزلفى.

محنته وسببها :

ومن كان مثل محمد بن إدريس في علمه وعدله فلا بد أن يعرض له ما يجعله يبرئ لله ساحته وإن كان في ذلك فقد صلته بالوالي نفسه أو الاعتراض على فعله، وتصرفه.

الأمر الذي ألهب حفيظة الوالي عليه و أحنقه منه، وجعله يتربص ولا شك به الدوائر.

إلى أن سنحت الفرصة فاهتبلها الوالي ضد الشافعي بذكاء وحذق.

إنه يعلم أن العلويين يطالبون بالخلافة، ويرون أنهم أهلها وأحق بها من العباسيين : الذين بيدهم السلطان، وتدين لهم بالتبعية كل أطراف الأمة، ويعملون على الاستمساك بأهداب هذه السلطة.

وفي سبيل المحافظة عليها يهون كل شيء، وإن أريقت دماء، وانتهكت حرمات وقيم.

فأرسل الوالي إلى الرشيد يقول : إن تسعة من العلوية تحركوا ,إني أخاف أن يخرجوا.

وإن ههنا رجلًا من ولد شافع المطلبي لا أمر لي معه ولا نهي.

وبعض الروايات تذكر أنه قال عن الشافعي:

إنه يعمل بلسانه ما يقدر عليه المقاتل بسيف.

فارسل ا لرشيد إليه أن يحضر أولئك النفر التسعة من العلويين ومعهم الشافعي.

فبعث بهم إليه ليبلغوا قدر الله فيهم.

وليلقى الشافعي مستقبلاً مليئا بالعلم والجد والمعرفة ينتقل به فيما بعد إلى عالم الإمامة ومقام الاجتهاد.

نجاته من المحنة ومجاورته لمحمد بن الحسن بالعراق:

يقول أبو زهرة :

ويقول الرواة : إن الرشيد قتل التسعة ونجا الشافعي بقوة حجته، وبشهادة محمد بن الحسن.

فأما حجته : فكانت بقوله للرشيد :

ما تقول في رجلين أحدهما يراني أخاه والآخر يراني عبده، أيهما أحب إلي؟

قال الذي يراك أخاه!

قال فذلك أنت يا أمير المؤمنين.

إنكم ولد العباس، وهم ولد علي ونحن بنو المطلب.

فأنتم ولد العباس  تروننا إخوتكم، وهم يروننا عبيدهم.

قال : وأما شهادة محمد بن الحسن.

فذلك أن الشافعي استأنس لما رآه في مجس الرشيد عند الاتهام إذ أن العلم رحم بين أهله، فذكر أن له حظاً من العلم والفقه وأن القاضي محمد بن الحسن يعرف ذلك.

فسأل الرشيد محمداً.. فقال : إن له من العلم حظا كبيراً وليس الذي رفع عليه من شأنه.

فقال الرشيد : فخذه إليك حتى أنظر في أمره وبهذا نجا .

وهذه المحنة التي مر بها الشافعي أو مرت به حتى أن بعض الروايات تقول أنه استقدمه إلى بغداد مع من معه مغلولة أيديهم إلى أعناقهم.

وهذه المحنة على ما بها من ألم على نفس الشافعي بل من ألم على نفس كل حر مؤمن يعرف للعلم مكانته، وللعلماء حقهم  شاء الله تعالى لهذه المحنة أن تكون نقلة للشافعي من حياة الولاية والعمل في خدمة الولاة إلى أن يتفرغ للبحث والدرس، وأن يهب حياته كلها للفقه والعلم والرواية والاستنباط والتأليف.

فبقى عند محمد بن الحسن الذي كان يسمع عنه من قبل، وإنه حامل فقه العراقيين وناشره، فقرأ عليه كتبه وتلقاها عنه، وضم بهذا  فقه العراق من أثرى منابعه وأوثق مصادره إلى فقه الحجاز الذي تلقاه عن صاحب شأنه وحامل لوائه إمام دار الهجرة مالك بن أنس.

وكان له من عقله وذكائه وموهبته ما يجعله يتمثل ذلك كله ويستوعب جوانبه، ليفرزه بعد ذلك فهما جديداً، وفقهاً مفيداً له، وللأمة كلها على اختلاف أجيالها ومناهجها.

لقد جمع بين فقه النقل والعقل من أوثق وجوهه وأفضل مصادره

يقول الإمام ابن حجر :

انتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه،

وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حملاً – يعني حمل بعير من كتب العراق - ليس فيه شئ إلا وقد سمعه عليه.

فاجتمع لديه علم أهل الرأي، وعلم أهل الحديث، وتصرف في ذلك حتى أصّل الأصول وقعّد القواعد، وأزعن له الموافق والمخالف واشتهر أمره، وعلا ذكره وارتفع قدره حتى صار منه ما صار.

وكان الشافعي يجلّ محمد بن الحسن ويراه أستاذه ويثني عليه وعلى علمه فيقول :

ما رأيت أحداً سئل عن مسألة فيها نظر، إلا رأيت الكراهية في وجهه، إلا محمد بن الحسن.

وقد تلقى الشافعي عنه وناظره بأمر منه، وناظر تلاميذه، حتى تخرج على أهل الرأي ومدرستهم بعقلية من فَقِه فِقْه الحجاز وعرف مدرسة النقل ومناهجها وبفكر من يستطيع الاستيعاب والاستنباط.

عودته إلى مكة وظهور شأنه :

وبعد أن أمضي في بغداد نحواً من عامين مجاوراً لصاحب أبي حنيفة وناشر فقهه محمد بن الحسن فقد عاد الشافعي إلى مكة  كما يقول أبو زهرة ، وأخذ يلقي دروسه في الحرم المكي، والتقى به أكابر العلماء في موسم الحج واستمعوا إليه.

وفي هذا الإبان التقى به الإمام أحمد بن حنبل وقد أخذت شخصية الشافعي تظهر بفقه جيد  لا هو فقه أهل المدينة وحدهم، ولا هو فقه أهل العراق وحدهم، بل هو مزيج منهما وخلاصة عقل ألمعي أنضجه علم الكتاب والسنة، وعلم العربية، وأخبار الناس، والقياس، والرأي.

ولذلك كان من يلتقي به من العلماء يرى فيه عالماً هو نسيج وحده.

وينقل – أبو زهرة – عن معجم ياقوت ما  نصه :

قال إسحاق بن راهوية :كنا عند سفيان بن عيينة نكتب أحاديث عمرو ابن دينار فجاء أحمد بن حنبل فقال  : قم يا أبا يعقوب حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله.

فقمت فأتي بي فناء زمزم.

فإذا هناك رجل عليه ثياب بيض تعلو وجهه السمرة، حسن السمت، حسن العقل وأجلسني إلى جانبه فقال له : يا أبا عبد الله هذا إسحاق بن راهوية الحنظلي، فرحب بي وحياني فذاكرته وذاكرني فانفجر لي منه علم فلمّا طال مجلسنا قلت يا أبا عبد الله قم بنا إلى الرجل.

قال :هذا هو الرجل.

فقلت : يا سبحان الله أقمت من عند رجل يقول حدثنا الزهري...فما توهمت إلا أن تأتينا برجل مثل الزهري أو قريب منه فأتيت بنا إلى هذا  الشاب.

فقال لي :يا أبا يعقوب اقتبس من الرجل فإنه ما رأت عينان مثله.

رحلته إلى بغداد مرة ثانية :

هذا وقد بقى الشافعي بمكة نحوا من تسع سنين يَدرُس ويُدرّس، ويقارن ويستنبط، حتى قدم إلى بغداد مرة ثانية، وله شخصيته العلمية، وقواعده الفقهية، وأسسه ومناهجه الفكرية، فاجتمع عليه العلماء والتف حوله الفقهاء والطلاب أهل الرأي.

ويقول الرازي في مناقبه :

إن عبد الرحمن بن مهدي التمس منه - يعني من الإمام الشافعي رضي الله عنه –أن يضع له كتاباً يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقرآن الكريم والسنة والإجماع والقياس وبيان الناسخ والمنسوخ، ومراتب العموم والخصوص، فوضع الشافعي له كتاب الرسالة وبعث به إليه.

ويقول الرازي : وقد صنف الشافعي الرسالة وهو في بغداد، فلما رجع إلى مصر أعاد تصنيف الرسالة وفي كل منهما علم كثير.

عدم استقراره في بغداد

وحنينه إلى مصر.. واستقراره بها. ووفاته:

والذي تؤكده الروايات أن الشافعي لم تطل إقامته  في بغداد هذه المرة.

ويرجع أبو زهرة ذلك لسببين : -

أحدهما غلبة الطابع الفارسي على الحكم مما لم تطب نفسه به، ولم يسترح قلبه إليه.

وثانيهما : أن الغلبة في هذه الفترة كانت لفلاسفة المتكلمين، حيث كان الخليفة المأمون نفسه منهم، والذي قرب إليه المعتزلة وبسط الأمر لهم، وجعلهم المحكمين في العلم وأهله.

الأمر الذي انتهي إلى فتنة القول بخلق القرآن.

لذلك لم يطب للشافعي الإقامة في بغداد.

واتجهت همته إلى الرحيل إلى مصر، حيث دعاه إليها – كما يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان – واليها العباس بن عبد الله بن العباس.

وفي نفس الوقت كانت نفسه تتوق إليها.

ومما يؤثر عنه في ذلك قوله :

لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر

          ومن دونها قطع المهامة والقفر

فوالله ما أدري  أللفوز والغنى

          أساق إليها أم أساق إلى القبر

سبب وفاته :

ولا شك أن القدر – كما يقول أبو زهرة رحمه الله – قد أجابه عن سؤاله فساقه إليهما معاً.

فقد نال الغني بما كان يأخذه من سهم ذوي القربى الذي ناله بنسبه الشريف، ونال الفوز بنشر علمه وآرائه وفقهه.

ثم ناله الموت فكان مسوقاً إلى قبره بمصر، فقد مات في آخر ليلة من صفر سنة أربع ومائتين من الهجرة وقد بلغ من العمر أربعة وخمسين عاماً.

أمّا العلة التي مات بسبها فهي بواسير أصابه منها نزف شديد. فلقي ربه راضياً مرضياً.

ذلك الذي يرجحه أبو زهرة عقب أن أورد رواية عن معجم ياقوت في سبب وفاته تشير إلى أمور عدة :

أولها : سعة علم الشافعي وقدرته في المناظرة.

وثانيها : سعة صدره، وعظم صبره، ورحابة حلمه، التي اشتهر بها وكانت  سمة له، وعلامة عليه.

وثالثها : ما ناله الشافعي في مصر من المنزلة والمكانة والتقدير والتوقير.

ورابعها : ما لابد منه للعلماء العاملين النابهين من التعرض لداء حسد الصغار وتصرفاتهم التي تتسم بالحمق والطيش وسوء الأدب.

يقول ياقوت :كان بمصر رجل من أصحاب مالك بن نس يقال له (فتيان ) فيه حدة وطيش، وكان يناظر الشافعي كثيراً ويجتمع الناس عليهما.

فناظره يوما في مسألة بيع العبد المرهون إذا اعتقه الراهن ولا مال له غيره.

فأجابه الشافعي بجواز بيعة على أحد أقواله.

ومنع فتيان منه لأنه يمضي عتقه بكل وجه وهو أحد أقوال الشافعي.

فظهر الشافعي عليه في الحجاج فضاق فتيان لذلك ذرعاً فشتم الشافعي شتما قبيحا.

فلم يرد عليه الشافعي حرفا.

ومضى في كلامه في المسألة.

فرفع ذلك رافع إلى الوالي.

فدعي الشافعي وسأله عن ذلك  وعزم عليه، فأخبره بما جرى، وشهد الشهود على فتيان بذلك، فقال الوالي لو شهد آخر مثل الشافعي على فتيان  لضربت عنقه.

وأمر بفتيان فضرب بالسوط، وطيف به على جمل، وبين يديه مناد ينادي : هذا جزاء من سب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم !

ثم  إ ن قوماً تعصبوا لفتيان من سفهاء الناس، فقصدوا حلقة الشافعي حتى خلت من أصحابه وبقى وحده.

فهجموا عليه وضربوه !

فحمل إلى منزله فلم يزل عليلاً حتى مات رضي الله عنه.

نبذة من شهادات الفحول بفضله:

لقد بلغ الشافعي بما وهبه الله تعالى من صفات جليلة وما انضم إليه من جهده، ورحلاته، وحرصه على طلب العلم والاستزادة منه ما وصل به إلى الإمامة في العلم والفقه، مما شهد له به أقرانه.

بل وقد توالت به شهادات القرون من بعده حتى قيل عنه:

لقد شغل الشافعي الناس بعلمه وعقله .

شغلهم في بغداد، وقد نازل أهل الرأي.

وشغلهم في مكة، وقد ابتدأ يخرج عليهم بفقه جديد  يتجه إلى الكليات بدل الجزئيات. وإلى الأصول بدل الفروع.

ويقول أبو زهرة  أيضاً :أجمع شيوخه وقرناؤه وتلاميذه الذين تلقوا عليه أنه كان علماً بين العلماء لا يجارى ولا يبارى،وسجلوا ذلك في شهادات دوّنها التاريخ،

وننقل عنه بعض ما نقل من هذه الشهادات ومنها :

ما قاله عبد الرحمن بن مهدي  بعد أن قرأ رسالته في الأصول :

هذا كلام شاب مفهم

ويقول محمد بن الحكم  أحد تلاميذه بمصر :

لولا الشافعي ما عرفت كيف أرد على أحد وبه عرفت  ما عرفت، وهو الذي علمني القياس – رحمه الله – فقد كان صاحب سنة، وأثر، وفضل، وخير، ولسان فصيح، وعقل صحيح رصين.

وقال فيه الإمام أحمد بن حنبل:

ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلاً يقيم لها دينها "

فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة و أرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى.

وذكره أيضاً عنه الشيخ محمد شمس الحق العظيم أبادي في شرحه لسنن أبي داود، وأورد بالإضافة إلى ذلك ما أخرجه البيهقي من طريق أبي بكر المر وزي قال:

قال أحمد بن حنبل :

إذا سألت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً  قلت فيها بقول الشافعي  لأنه إمام عالم من قريش.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

" عالم قريش يملأ الأرض علما"

وذكر في الخبر : " أن الله يقيض على راس كل مائة سنة من يعلم الناس دينهم "

فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة وأرجوا أن يكون  الشافعي على راس المائة الأخرى.

وقال عنه داود بن علي الظاهري :

للشافعي من الفضائل  ما لا يجتمع لغيره  من شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحيح الحديث وسقيمه، وناسخه ومنسوخة، وحفظ الكتاب والسنة، وسيرة الخلفاء، وحسن التصنيف.

وقد كان رضي الله عنه لما له من المنزلة، والمعرفة بالسنة وعلوم العربية يسأله شيوخه أحيانا في بعض ذلك.

يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان.

تحدث ابن عيينة في مجلسه بحديث عن النبي صلى  الله عليه وسلم :

" أقِرّوا الطير على مَكِنَاتها "

وكان الشافعي إلى جنب ابن عيينة فالتفت إليه فقال :

يا أبا عبد الله.. ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أقِرّوا الطير على مكناتها "؟

فقال الشافعي :

إن علم العرب كان في زجر الطير والحظ والاعتياف  كان أحدهم إذا غدا من منزله يريد أمراً نذر بأول طير يراه،فإن سنح عن يساره فاجتاز عن يمينه، قال : هذا طير الأيامن، فمضى في حاجته ورأى أنه يستنجحها.

وإن سنح عن يمينه فمر على يساره، قال : هذا طير الأشائم، فرجع.

وقال :هذه حالة مشئومة.

فيشبه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقروا الطير على مكناتها )

أي لاتهيجوها فان تهييجها وما تعملون به من الطيرة لا يصنع شيئا وإنما يصنع فيما توجهون قضاء الله عز وجل.

ويؤكد تلك الشهادات ما كان عليه حاله ومجلسه رضوان الله عليه.

يقول الربيع ابن سليمان كان الشافعي رحمه الله يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن.

فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل الحديث فيسألونه تفسيره ومعانيه.

فإذا ارتفعت الشمس قاموا.

فاستوت الحلقة للمذاكرة والنظر.

فإذا ارتفع الضحى تفرقوا وجاء أهل العربية والعروض والنحو والشعر فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار.

أسباب نبوغه، وعوامل إمامته :

نلخص عن الإمام أبي زهرة ما شرحه بإطناب وتفصيل في أسباب بلوغه تلك المنزلة والعوامل التي أعانته على تبوء تلك الدرجة العالية الرفيعة.

ما خلاصته : أنها تنحصر في أربعة عوامل هي : -

مواهبه، وشيوخه، ودراساته الخاصة وتجاربه، وعصره.

العامل الأول : مواهبه :

ذلك إن الله آتاه حظاً من المواهب يجعله في الذروة العالية من قادة الفكر، ومن ذلك : مداركه، وحضور بديهته، وعمق، تفكيره.

( ومنها ) قوة بيانه، ووضوح تعبيره، مع فصاحة لسانه، وبلاغة عبارته، وقوة جنانه وعمق تأثير صوته، حتى كان  مالك رضي الله عنه يقول له وهو يقرأ الموطأ كلما أراد أن يقطع : يا فتى زد !

وكان إذا قرأ القرآن أبكى سامعيه.

يقول بعض معاصريه :

كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا بعضنا لبعض : قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرآن.

فإذا أتيناه استفتح القرآن، حتى يتساقط الناس بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء، فإذا رأي ذلك أمسك عن القراءة.

ولقد بلغ من قوة بيانه أن سماه ابن راهويه  خطيب العلماء، وكان رضي الله عنه نافذ البصيرة، قوي الفراسة في أحوال الرجال وما تطيقه نفوسهم، مما كان له تأثيره العظيم في التفاف الناس حوله واجتماعهم عليه.

يروي أنه عندما دخل بغداد، كان يكتنف به ستة من أصحابه، ولكنه ما أن دخل المسجد الجامع حتى اتسعت حلقة درسه فما بقيت في المسجد حلقة لغيره، وكانت قبله تقارب الخمسين.

وكان صافي النفس من أدران الدنيا وشو اغلها وشوائبها ولهذا تفرغ للعلم، واستصفى إخلاصه له وحده.

ومن هنا أيضاً فقد كان يعلن برأيه في جرأة وقوة، ما دام ذلك في سبيل الحق الذي أخلص له.

ومن هنا كان تأكيده على أصحابه في طلب الحديث والأخذ به وعدم تجاوزه.

يقول الربيع بن سليمان : سمعت الشافعي ،وقد سأله رجل عن مسألة فقال:

يروى  عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا.

فقال له السائل: يا  أبا عبد الله أتقول بهذا؟

فارتعد الشافعي واصفر لونه، وحال، وتغير، وقال :أي ارض تقلني؟

وأي سماء تظلني؟ إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أقل نعم على الرأس والعينين.

العامل الثاني شيوخه :

فقد تلقى الفقه والحديث عن شيوخ تباعدت أماكنهم، واختلفت مناهلهم ومناهجهم.

لقد أخذ عن شيوخ في مكة، والمدينة، وشيوخ باليمن، وشيوخ بالعراق.

وقد ذكر الفخر الرازي المشهورين منهم، وعدهم تسعة عشر:خمسة مكيون، وستة مدنيون، وأربعة يمانيون، وأربعة عراقيون.

العامل الثالث دراساته الخاصة وتجاربه :

ويتجلى ذلك في  نشأته، ورحلته إلى البادية ومجاورة قبيلة هزيل، ثم رحلته إلى المدينة، ثم إلى اليمن، ثم إلى العراق. فمكة فالعراق مرة أخرى ثم إلى مصر.

وقد أثّّر ذلك كله في توجيه رأيه وفهمه للناس وأثره فيهم.

فوضع المقاييس لذلك، وجدّ، واستنبط، وله في السفر أثار جليلة ومنها قصيدته المشهورة.

سافر تجد عوضا عمن تفارقه

          وانصب، فان لذيذ العيش في النصب

ومنها قوله :

سأضرب في طول البلاد وعرضها

          أنال مرادي أو أموت غريبا

فإن تلفت نفسي فلله درها

          وإن سلمت كان الرجوع قريبا

الدعامة الرابعة : عصره

ولد الشافعي رحمه الله تعالى في العصر العباسي كما يقول أبو زهرة وعاش فيه وكانت الفترة التي استغرقت حياة الشافعي من ذلك العصر هي فترة استقرار الأمر لهذه الدولة، وتمكن سلطانها وازدهار الحياة الإسلامية فيها.

وقد امتاز هذا العصر بميزات كان لها أكبر الأثر في إحياء العلوم ونهضة الفكر في المجتمع الإسلامي، واقتباس العلماء من فلسفة اليونان، وآداب الفرس، وعلوم الهند.

ومن معالم ذلك العصر : ما كانت تموج به الأمصار من مختلف العناصر والثقافات. وما نشطت فيه من حركة الترجمة والنقل،وما تعدد فيه من الفرق، والفلسفات، والمذاهب. وما تطور فيه من حركة التدوين والتأليف،وما اتسع فيه من رقعة الدولة الإسلامية من الأندلس غرباً وإلى الصين شرقاً.

بالإضافة إلى ما كان للخلفاء العباسيين أنفسهم من نزعة دينية، إلى جانب الاتجاهات الفلسفية والعلمية.

وما كان في هذا العصر من انتشار الجدل، والمناظرة والمساجلة، وقد كان لذلك كله أثره الطبيعي والمباشر على شخصية الإمام الشافعي بماله  من عقل واسع، وبصر نافذ، وحافظة واعية، وذكاء فوق العادة.

وقد مارس الحياة بشتى صنوفها وألوانها وشتى مستوياتها وآفاقها، فتراه متنقلا  بين الشام والحجاز والعراق واليمن ومصر.

وتراه متلقيا  على أهل الحديث، وأهل فقه النقل،و أهل فقه الرأي.

وتراه :متمرساً بالشعر، خبيراً باللغة والأنساب والأيام.

وتراه : مجادلاً أهل الأهواء من أصحاب الفرق المختلفة، والمذاهب والاتجاهات المتنوعة

وتراه إلى جانب ذلك له من نسبه ما يدفعه إلى المعرفة، ومن حياته ما يعزز ذلك كله بالتجربة.

وكان معنيا بدراسة الفقهاء الذين سبقوه أو عاصروه ونقد ما عندهم.

وأختار من بينها ما يتفق مع نزعته، ولا يكون منافياً للروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد تتبع أبو زهرة رحمه الله مسائل الخلاف التي كانت سائدة في ذلك العصر، والتي تعد ينابيع الفقه الإسلامي ومصادره ومن بينها :

السنة، والرأي، وفتوى الصحابي، وما عليه عمل أهل المدينة، والجدل حول الإجماع، وعبارات النص.

فأما السنة والرأي فقد وجد منذ وفاة النبي صلى الله عيه وسلم إلى العصر الذي عاشه الشافعي جماعة ممن اشتهروا بالرواية وأخرى أشتهرت بالرأي سواء في ذلك عهد الصحابة أو التابعين، أو تابعيهم، أو أئمة المذاهب المجتهدين.

وإن كان الذي يعنينا هنا بالدرجة الأولى إنما هو خلاف الفقهاء المجتهدين وأن أهل العراق وعلى رأسهم أبو حنيفة قد اشتهروا بالرأي لقلة الحديث الصحيح لديهم، إذ كانوا يرفضون الأخذ بالأحاديث الضعيفة.

أمّا أهل الحديث فقد قبل بعضهم الأخذ بها  ما لم يقم دليل على وضعها،

وقد كان الإمام مالك رضي الله عنه يأخذ بالمنقطع، والمرسل، والموقوف، وعمل أهل المدينة.

كما يقول الإمام ابن القيم ، وأما مالك فإنه يقدم  المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي.

ومما هو جدير بالذكر أنه  وجدت في هذا العصر طائفة أنكروا الاحتجاج بالسنة والأخبار المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يجوز طروء الشك على بعضها في نظرهم.

وكان بينهم وبين الشافعي مناظرات في هذا الشأن..

والجدير بالذكر- أيضاً – كما يقول أبو زهرة  أنه في عصر الشافعي أخذ المنهجان يتقاربان – يعني منهج الأخذ بالرواية والأخذ بالرأي – وذلك لالتقاء الفريقين واجتماعهما للمذاكرة والمناظرة.

كما التقى المنهجان في فكر الشافعي ذاته، إذ أنه لم يأخذ بالاستدلال المرسل للأحكام من غير نقل يعتمد عليه.

كما أنه رأى أنه لا رأي في الشريعة إلا إذا كان أساسه القياس.

وذلك بأن يلتحق أمر غير منصوص على حكمه بالأمر الآخر المنصوص على حكمه.

فالمذهب هنا حمل على النص وليس بدعاً في الشرع.

وقد وضع الشافعي للقياس ضوابطه، وموازينه، ودافع عنه، حتى فاق الحنفية في تحريره وإثباته.

وأما في مسألة فتوى الصحابي، وعمل أهل المدينة فقد كان مذهبه رضي الله عنه، الأخذ بفتوى الصحابي أسوة بمن سبقه من المجتهدين في ذلك.

ولرأي الصحابي مقامه في اجتهاده.

كما أنه كان يجل عمل أهل المدينة ويقول ما نقله عنه يونس بن عبيد في مناقبه .

ناظر رضي الله عنه في ذلك فقال لمناظره:

والله ما أقول لك إلا نصحاً إذا وجدت أهل المدينة على شيء فلا يدخلن قلبك شك أنه الحق، وكل ما جاءك وقوي كل القوة لكنك لم تجد له أصلا وإن ضعف فلا تعبأ به ولا تلتفت إليه.

يقول  أبو زهرة تعليقا عليه :

ويرى من هذا  أنه أخذ بعمل أهل المدينة، وعد مخالفته للحديث قدحاً فيه توجب عدم الالتفات إليه.

ويظهر أن ذلك القول كان قبل أن يقر مذهباً في الاجتهاد والاستنباط.

فإنه بعد تقرير مذهبه كان لا يقدم على الحديث شيئا.

وأما بالنسبة للإجماع فقد أخذ به، إذ وجد الحقائق الشرعية تحمله على الآخذ بأن الإجماع حجة.

وكان شديد التمسك بالإجماع لدى المناظرة.

والتقى الشافعي رضي الله عنه بالفِرق في عصره وتلقى الحديث عن بعضهم، ودرس آراءهم، ولكنه مع ذلك فقد اشتهر ببغضه لعلم الكلام  شأن الفقهاء والمحدثين في عصره وكان يقول : إياكم والنظر في الكلام، فان الرجل لو سئل عن مسألة في الفقه وأخطأ فيها كان أكثر شيء أن يضحك الناس منه.

كما لو سئل عن رجل قتل قتيلاً، فقال ديته بيضه،

ولو سئل عن مسألة  في الكلام وأخطأ فيه نسب إلى البدعة.

وكان يقول : رأيت أهل الكلام يكفِّر، بعضهم بعضا.

والتخطئة أهون من الكفر.

وروى عن المزني أنه قال : كنا على باب الشافعي رحمه الله نتناظر في الكلام،

فخرج إلينا الشافعي  فسمع بعض ما كنا نتناظر فيه فرجع عنا،

ثم خرج إلينا وقال : ما منعني عن الخروج إليكم إلا أنني سمعتكم تتناظرون في الكلام.

أتظنون أني لا أحسنه؟

لقد دخلت فيه حتى بلغت مبلغاً عظيماً.

إلا أن الكلام لا غاية له، تناظروا في شيء إذا أخطأتم فيه يقال : أخطأتم.

متى وكيف كوّن الشافعي مذهبه؟

مما تجدر الاشارة إليه : أن الشافعي رضي الله عنه لم يتجه إلى تكوين مذهب مستقل منذ البداية.

وإنما نشأ ذلك لديه بعد فترة طويلة.

أو أنه قد اتجه إلى ذلك بعد مغادرته لبغداد من رحلته الأولى إليها التي سيق فيها إلى بغداد متهما بالخروج على الدولة. وممتحنا  فيها بما جعل الله تعالى ثمرته وعائده فضلا عليه وخيراً للمسلمين من بعده.

وكان ذلك سنة أربعة وثمانين من الهجرة.

أمّا فيما قبل ذلك فقد كان الشافعي من أصحاب مالك  يدافع عن آرائه ويناهض أهل الرأي دفاعه عن فقهه حتى سمى  ناصر الحديث.

فلما ذهب إلى العراق والتقى هناك بحامل راية الفقه الحنفي آنذاك ، وهو الإمام محمد بن الحسن الشيباني.

فقد تلقى عنه وناظره وناظر أصحابه وقرأ من فقه أهل العراق حمل بعير ليس فيه إلا ما سمعه منه.

وهنا تلقح لديه فقه النقل بفقه العقل ، أو فقه الحجاز بفقه العراق.

وبعد أن تمثل ذلك خرج من عقله فقهاً جديدً وفكراً جديداً وبدأه منذ عاد إلى مكة المكرمة واتخذ فيها حلقته في المسجد الحرام، ثم أخذ ينمو ويزدهر ويثمر حتى انتهى به إلى مذهبه الجديد في مصر..

الشافعي : أول من وضع أصول مذهبه :

إن الدراسة المتفحصة تؤكد أن الشافعي هو أول من وضع أصول منهجه، وقواعد مذهبه.

حتى أنه ليقرر القاعدة ثم يتبعها بالمسألة، والأصل ثم يردفه بالفرع وذلك على خلاف ما كان عليه من سبقه من الأئمة.

فقد عرفنا – فيما سبق – أن أبا حنيفة ومالكاً لم يضعا قواعد مذهبيهما ولا أصول فقههما، وإنما استنبطت استنباطاً مما كانوا يقولون به، أو من فتاواهم التي أُثرت عنهم.

لكن الشافعي قرر قواعده وأصوله بنفسه، وحدد معالمها في حياته، ولهذا فقد قيل عنه: إنه واضع علم الأصول.

قاعدة عامة حول علم الشريعة :

وقبل أن نتجه إلى ذكر  ما يتيسر من  قواعده في الأحكام  نحب أن نشير إلى قاعدة عامة وضعها رضي الله عنه لمنهج العلم بالشريعة :

إذ يقسم علم الشريعة إلى قسمين :

قسم للعامة : وهو مالا يسع مسلماً جهله، بل يجب على كل مسلم علمه

وقسم للخاصة : وهو ما ليس فيه نص من  كتاب ولا سنة أو فيه سنة غير متواترة، ويجعل ذلك العلم هو مجال عمل أهل الاجتهاد.. وأنه فرض كفاية على المسلمين.

لكنه يصبح فرض عين على من تعين عليهم  عملاً بقوله تعالى :

( وما كان المؤمنون لينفروا كافة.. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون )122التوبة


 المذهب الشافعي

 أصوله وقواعده


فعلم الخاصة : هو موضوع بحث الفقهاء، وهو الذي يجتهد المجتهدون فيه، وهو الذي توضع له الضوابط. وتؤصل الأصول.

مجمل أصول مذهبه :

ومن هنا نجد الإمام الشافعي يحدد أصول مذهبه وضوابط فقهه في خمسة أنواع مرتبة على خمس مراتب، كل مرتبة مقدمة على ما بعدها – كما يقول أبو زهرة – ونلخصها عنه فيما يلي:

المرتبة الأولى : الكتاب والسنة.

ويضع السنة مع الكتاب في المرتبة الأولى لأنها في كثير من الاحيان مبينة للكتاب.

فإذا صحت – وإن كانت أخبار آحاد – فإنه يعمل بها ويكتفي بالقرآن إن لم يحتج إلى بيانها.

والمرتبة الثانية : الإجماع، فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والمراد بالإجماع : إجماع الفقهاء الذين أوتوا علم الخاصة.

والمرتبة الثالثة : قول بعض أصحاب النبي  صلى  الله عليه وسلم الذي لا يعرف له مخالف.

ويقول : رأي الصحابة خير لنا من رأينا.

المرتبة الرابعة : عند اختلاف الصحابة في مسألة، فإنه يأخذ قول بعضهم مما يراه أقرب إلى الكتاب والسنة، أو يرجحه قياس.

ولا يتجاوز أقوالهم إلى غيرها.

والمرتبة الخامسة : القياس لما لم يعلم حكمه على أمر عرف حكمه من  الكتاب أو السنة أو الإجماع أو قول الصحابي  حسب ذلك الترتيب وقد نص رضي الله عنه على هذه الأصول في كتابه " الأم ".

فقال :

العلم طبقات شتى :

الأولى : الكتاب والسنة إذا تثبتت.

ثم الثانية : الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنه.

والثالثة : أن يقول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قولا ولا نعلم له مخالفا منهم.

والرابعة : اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

والخامسة : القياس على بعض الطبقات.

ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان، وإنما يؤخذ العلم من أعلى.

معنى اعتباره الكتاب والسنة أصلا واحدا:

وقد سبق أن أشرنا إلى أن الكتاب والسنة الثابتة عنده في مرتبة واحدة من حيث الاستنباط، وأخذ الأحكام.

ولكن ليس معنى ذلك أنه يجعل – مطلقا – السنة في مرتبة الكتاب.

وإنما يجعلها – دائما – في غير ذلك في مرتبة تالية له، مقترنة به.

والمقصود : أن مصادر الاستدلال كلها – مهما تعددت- إنما ترجع إلى أصل واحد مكون من شعبتين : هما الكتاب والسنة.

وأما ما عداهما فراجع إليهما.. أو قياس عليهما.

وبيّن رضي الله عنه سبب جعلهما من حيث الاستنباط مرتبة واحدة فيقول:

إن الكتاب والسنة كلاهما عن الله. وإن تفرقت طرقهما وأسبابهما.

ولأن  السنة علم الأخذ بها من الكتاب ، فهي ملحقة به.

وهي معه : يتممان شرعاً واحدا ً.

فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه  قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمة.

ومن قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن الله قبل، لما  افترض الله من طاعته،

فيجمع القبول لما في كتاب الله، ولسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القبول لكل واحد منهما عن ا لله وإن تفرقت فروع الأسباب  التي قيل بها عنهما  كما أحل وحرم، وفرض وحدّ  بأسباب متفرقة – كما شاء جل ثناؤه – ( لا يُسْأل عما يفعل. وهم يُسْألون ).23 الأنبياء

موقفه – رضي الله عنه – من القائلين بعدم حجية السنة إلا بعد العرض على القرآن.

وينبغي أن نشير هنا إلى مسألة هي في غاية الأهمية في عصرنا هذا..

كما كان لها أهميتها في عصره رضي الله عنه، وقد أخذت منه جهداً كبيراً في مناقشتها وبيان فساد الرأي فيها، وإيضاح وجه الحق في شأنها.


 العرض على القرآن.

محتجين في ذلك بحديث.

( ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته , وإن خالف كتاب الله. فأنا لم أقله.

وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني؟ )

فقد واجه الشافعي رضي الله عنه الفرق القائلة بهذا القول وفندّ مزاعمهم، وناظرهم فأفحمهم. وبين في كتابه " الأم " إن الذين فارقوا الإجماع سلكوا ثلاثة مذاهب :

أحدها : إنكار حجية السنة جملة..

والثاني : إنكار حجيتها  إلا إذا كان معها قرآن.

والثالث : إنكار حجية خبر الآحاد جملة، ولا يعتبرون إلا الأخبار المتواترة.

كما تولى في شرح الرسالة  شرح هذه الاتجاهات، وإيراد الحجج على بطلانها مما لا يتسع المقام لذكره.

ونكتفي هنا رداً على ورثة أولئك المارقين الذين يتبعون ضلالهم، ويسلكون مناهج الملحدين الذين لا خلاق لهم بإيراد ما أورده الشاطبي.

في موافقاته في هذا وما خلاصته :

إن الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم خارجين على السنة، وعولوا على أن الكتاب فيه بيان كل شيء فاطرحوا السنة فقادهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة، وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله.

وربما ذكروا حديثا  فلا يلتفتون إليه إلا إذا وافق كتاب الله تعالى ثم ذكر استشهادهم بالحديث السابق وقال :

قال عبد الرحمن بن المهدي :

إن الزنادقة والخوارج. وضعوا هذا الحديث.

قال : وهذه الألفاظ  لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بصحيح النقل.

وقال قوم : نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء.. ونعمد على ذلك.

فلما عرضناه وجدناه مخالفا

لأنا وجدنا كتاب الله يطلق التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم، والأمر بطاعته، ويحذر من مخالفته.

العوامل التي ساعدت على انتشار مذهبه.

لقد انتشر المذهب الشافعي حتى عمّ بقاعاً وجوانب من الأرض بأسرها وتلقاه كثيرون من الأئمة بالقبول، فأخذوا به وقلّدوه فيه وتولوا نشره والدفاع عنه.

فكيف تم ذلك؟

لقد حدد الباحثون لذلك الانتشار طريقين : هما تلاميذه، وكتبه.

وقبل أن نسترسل في تلخيص ما ذكروه منهما فإننا نضيف إليهما عاملًا ثالثاً مهماً ، وهو كثرة تنقله وتعدد رحلاته.

أولاهما : أسفاره ورحلاته :

فقد ترك رضي الله عنه في كل موضع حل فيه ذكراً طيباً وأثراً كريماً ينوه به عقلاً وعلماً وفضلاً وتقى.

ويدعو إلى الاعتناء بمذهبه منهجاً وفكراً.

فقد ولد رحمه الله بالشام  ومنزله في مولده، ومكان أسرته غير خاف على أحد.

ثم انتقل إلى مكة المشرفة فحفظ بها القرآن الكريم، وتلقى العلم على شيوخها.

ثم لحق بقبيلة هزيل فجاورها وتلقى فيها خبرتها ومعرفتها.

ثم رحل إلى المدينة المنورة فكان صاحب قصب السبق في مجلس الإمام مالك وصاحب الحظوة من بين تلاميذه.

ثم لحق باليمن عاملاً عادلاً وعالماً مقنعاً ومتحدثاً بارعاً حتى ليقول عنه واليه :

إنه يصنع بلسانه مالا يصنع الناس بسيوفهم.

ثم رحل إلى العراق وكان رحيله إليه ولا شك موضع الحديث والتتبع،ثم كان نموذجاً فذّا في أصحاب محمد بن الحسن  يناظرهم، ويناظرونه ويتلقى عنه وعنهم،ثم رحل إلى مكة المكرمة مرة أخرى مدرسا ًمؤسساً لمذهب،

ثم يعود إلى العراق من جديد لينقطع الناس إليه، وليجتمعوا عليه حتى أن خمسين حلقة انتهت إلى حلقته.

ثم رحل إلى مصر لينال بها الفوز والغنى، وتستقر بها رفاته وورثة مذهبه.

ومن هنا فقد ترك رضي الله عنه في كل مكان  علاقة، ونسباً تتصل بها معارفه وتنتشر عن طريقها آراؤه وفكره ومبادئه.

ثم كانت تبعاً لذلك العوامل الأخرى والتي من أشهرها تلامذته وكتبه  التي صارت لدى الباحثين العوامل المباشرة للانتشار .

وإن كان في الحقيقة إفرازاً طبيعياً للعامل الأصيل في حياته وهو الرحلة وإدمان السفر والنقلة.

العامل الثاني : تلاميذه.

والحق يقال : إنهم كثيرون أولئك الذين نقلوا فقهه، وعملوا على نشره في أطوار ثلاثة :

الطور الأول : الذين تلقوا عنه بمكة.

والطور الثاني : الذين تلقوا عنه ببغداد في رحلته الثانية.

والطور الثالث : الذين تلقوا عنه بمصر.

فقد صحبه بمكة :

أبو بكر الحميدي : وكان فقيهاً محدثاً ثقةً حافظاً.

وصحبه بها  كذلك أبو إسحاق  إبراهيم بن محمد بن العباس ،وكان حافظاً للحديث ثقة فيه ،وأبو بكر  محمد بن إدريس،وأبو الوليد  موسى بن الجار ود  تلقى عنه وكتب كتبه، واخذ بقوله قبل خروجه إلى بغداد.

ومن بين أصحابه ببغداد :

أبو علي الحسن الصباح الزعفراني قيل : ولم يكن بين تلاميذه أفصح منه لساناً ولا أبصر باللغة والقراءة.

روى عنه أنه قال : قدم علينا الشافعي، واجتمعنا عليه.

فقال : التمسوا من يقرأ لكم فلم يجترئ عليه غيره وكنت أحدث القوم سناً ما كان في وجهي شعرة.

غير أني لأتعجب اليوم من انطلاق لساني بين يدي الشافعي، أتعجب من جسارتي يومئذ.

ومنهم أبو على  الحسين بن  على الكرابيسي وكان عالماً مصنفاً متقناً وكانت فتوى السلطان تدور عليه، وكان نظاراً جدلياً.

ومنهم أبو عبد الرحمن : أحمد بن محمد بن يحيى الأشعري البصري، وكان يوصف بالشافعي لذبه عن مذهبه ومناظرته عنه.

وكان من جلة العلماء وحذاق المتكلمين، وكان عارفاً بالإجماع والاختلاف، رفيعاً عند ذوي السلطان عالماً بالحديث و الأثر.

وممن أخذ عنه وإن لم يعف بالتبعية له الإمام أحمد بن حنبل وابن راهوية.

ومن أصحابه بمصر :

حرملة بن بجير.

وكان جليلا نبيل القدر يقال إن  الشافعي نزل عليه،ومنهم أبو يعقوب يوسف بن يحي البويطي.

وقد استخلفه الشافعي في حلقته، وآثره على محمد بن عبد الحكم مع محبته له.

وكان البويطي عالماً فقيهاً زاهداً اتهم بمخالفته للمعتزلة في القول بخلق القرآن فحبس حتى مات في بغداد.

قال السبكي : يرحم الله أبا يعقوب لقد قام مقام الصديقين .

يقول ساجنة : كان يغتسل كل يوم جمعه ويتطيب ويغسل ثيابه ثم يخرج إلى باب السجن إذا سمع النداء فيرده السجان ويقول : أرجع يرحمك الله.

فيقول البويطي اللهم إني أجبت داعيك فمنعوني،ومنهم أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني كان عالما، فقيها ،راجح المعرفة ،عارفا بوجوه الجواب، حسن البيان.

ومنهم محمد بن عبد الله بن الحكم.

روى عن ابن حجر عن الصيرفي فيه.

أن أهل مصر كانوا لا يعدلون به أحدا.

وقال المزني : نظرا إليه الشافعي فاتبعه بصره وقال :وددت لو أن لي ولدا مثله.

قال الشيرازي وقد انتهت إليه رياسة العلم بمصر.

ومنهم الربيع بن سليمان الجيزي.

كان فقيها صالحا.

ومنهم الربيع بن سليمان المزادي المؤذن ،كان يؤذن في الجامع الكبير (جامع الفسطاط) إلى أن مات ولم يؤذن أحد في المنارة قبله.

صحب الشافعي كثيرا وأخذ عنه كثيرا. وخدمه، وكان الناس يرحلون إليه في طلب كتب الشافعي، وكان جليلا مصنفا حدث بكتب الشافعي كلها ونقلها الناس عنه.

فهؤلاء هم بعض أصحاب الشافعي الذين تلقوا عنه ورووا مذهبه.

العامل الثالث كتبه ومصنفاته:

إن الروايات الموثوقة تؤكد أن الشافعي بعد أن استقل بطريقته في الاجتهاد أخذ يؤلف كتبه ويدون مبادئه وأراءه، ويدون السنن والخلاف بين الصحابة.

ولعله كان يؤلف كتبه بمكة ولكنه لا يرويها.

فلما وصل إلى بغداد  أعلنها للناس ونشرها بين تلاميذه وصحابته، ومن بين ما أعلنه بها :

الرسالة ، وقد سميت كتبه التي كتبها بالعراق في الفقه والأصول  الحجة ،قيل عنه : مؤلف ضخم ألفه بالعراق، وإذا أطلق القديم في مذهبه فإنه يراد به هذا المصنف،وبعد أن يناقش أبو زهرة ذلك يقول  ما خلاصته:

وإن يصح لنا أن نقول : إن كتاب الحجة الذي هو القديم عند ( ملا كاتب جلبي) الذي سماه ابن النديم في فهرسه بالمبسوط وهو الذي يسمى بالأم بعد أن غير فيه الشافعي وبّدل وزاد ونقّص بمصر.

ثم يقول : فإنه عندما جاء إلى مصر أعاد النظر في كتبه وفي آرائه ومذهبه فغيّر وبدّل، ووضع كتبه الجديدة، وقد أثر عنه في مصر كتاب الأم. وروي عنه كتاب السنن.

ونقل عن السيوطي أن الشافعي صنف بمصر كتبه الجديدة كالأم والأمالي الكبرى والملاء الصغير.

ويروي ابن حجر بإسناده عن الربيع قال. أقام الشافعي ههنا ( أي بمصر ) أربع سنين. فأملاني ألفا وخمسمائة ورقة، وخرج كتاب الأم ألفي ورقة، وكتاب السنن وأشياء كثيرة كلها في مدة أربع سنين.


 الإمام الصالح الممتحن

 أحمد بن حنبل

 رضي الله عنه


السمات الغالبة عليه :

ونلتقي في هذه الرحلة الميمونة مع علم من أعلام الإسلام، وقمة من قمم العلم، والعمل، والجهاد والبلاء والورع والتقوى.

مع الإمام المحدّث الفقيه الصالح الممتحن أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه.

ولئن كان لكل رجل من  الأفذاذ ما يميزه عن أقرانه في الفقه والعلم ، فأبرز ما يتميز به أحمد بن حنبل صفتان كانتا فيه بمثابة العلامة البارزة، والسمة الواضحة وهما الصلاح، والبلاء.

فأمّا صلاحه فيقربه إلينا ما يقول أبو ثور :

لو أن رجلًا قال : إن أحمد بن حنبل من أهل الجنة ما عنف على ذلك.

وذلك أنه لو قصد رجل خراسان ونواحيها لقالوا : أحمد بن حنبل رجل صالح.

وكذلك لو قصد الشام ونواحيها لقالوا : أحمد بن حنبل رجل صالح.

وكذلك لو قصد العراق ونواحيها لقالوا : أحمد بن حنبل رجل صالح.

فهذا إجماع، ولو عنف هذا  على قوله بطل الإجماع.

ويقول أبو زهرة تعليقا على هذه الصفحات فيه وغلبتها عليه بقوله : كان أحمد رجلًا صالحاً.

تلك الكلمة الصادقة التي رددتها الأقطار الإسلامية وأحمد حي،ثم سجلها التاريخ بعد ذلك للأجيال، وهي التي توارثها الناس من بعده مكشوفة غير مستورة، وهي المفتاح الذي يكشف صورة أحمد.

فهو المحدث : لأنه الرجل الصالح.

وهو الفقيه : الذي غلب وصفه بالصلاح وصفه بالفقه، بل إن صلاحه كان يمنعه من السير في فقهه إلى أقصى مداه، فكان يتوقف حيث يسير غيره، ويتردد حيث يجزم سواه، وبحجم بالمعنى حيث ينطق غيره ويسكت عن الفتيا حيث يسارع سواه.

كان بلاؤه نضحا طبيعياً لصلاحه :

 لقد نضح هذا الوصف عليه بما جعله من أهل البلاء في جوانب شتى :

في معيشته، وزهده، وورعه عن صلاة الولاة وهدايا الأمراء.

وفي ثباته على ما يرى أنه الحق حتى امتحن بسبب ذلك بلاءً عظيما.

وحتى صار الناس إذا سمعوا كلمة ( الإمام الممتحن ) لا يترددون في معرفة المراد بها، وهو أنه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه.

فمن هو  أحمد بن حنبل؟ وكيف بلغ الأمر به ذلك المبلغ؟وأورده تلك الموارد؟

 نسبه ونشأته :

إنه أحمد بن محمد بن حنبل، من بني شيبان من زهل، لأبيه وأمه.

كان أبوه في زيّ الغزاة وشارة الجند، ووصفه ابن الجوزي عن الأصمعي  وبما أكده عبد الحليم الجندي أنه كان قائداً.

رحل محمد بن حنبل مع زوجه وهي حامل. من ( مرو) إلى ( بغداد). حيث ولد له أحمد في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة والستين بعد المائة الأولى من الهجرة النبوية الشريفة.

وتشير الروايات إلى أن  والد أحمد مات في سن الثلاثين من عمره، فلم يره طفله، و

وكان جد أحمد لأبيه وهو حنبل بن هلال  والياً على ( سرخس) وهو إقليم ذو شأن من أقاليم خراسان، وإليه نسب أحمد، وبرز اسمه إلى جانب اسمه، ولم يبرز لدى الجمهور اسم والده.

وكانت صفية أم أحمد من قبيلة شيبان أيضاً.

وكان جدها عبد ا لملك بن سوادة بن هند من وجوه بني شيبان، جواداً كريماً قد فتح بابه للعرب تنزل عليه القبائل فيضيفها.

وقبيلة أحمد  بنو شيبان، وهي قبيلة من ربيعة عدنانية الأصل تلتقي مع النسب النبوي الشريف في نزار بن معد بن عدنان، وكانت هذه القبيلة – كما يقول أبو زهرة ما خلاصته:

فيها همة، وإباء، وحمية.

كان منها المثنى بن حارثة، الذي تولى قيادة الجيوش الإسلامية عند مهاجمة العراق في عهد أبي بكر الصديق، وشهد له في ذلك بأحسن البلاء.

ولقد اشتهرت شيبان بالهمة والصبر، وحسن البلاء، في الجاهلية والإسلام حتى كانت أبرز القبائل الربعية وفخرها.

ولقد قيل : إذا كنت في ربيعة فأكثر بشيبان، وفاخر بشيبان، وحارب بشيبان وكانت شيبان قد نزلت البصرة وباديتها منذ بناها عمر بن ا لخطاب رضي الله عنه.

لهذا كانت نسبة الإمام أحمد إلى البصرة.. وكان هو يؤيد ذلك،

فقد روي أنه كان إذا جاء البصرة.. صلى في مسجد مازن وهو من بني شيبان،  فإذا سئل عن ذلك قال : إنه مسجد آبائي.

في هذا البيئة العريقة,ولد أحمد من الأبوين ا لعربيين الكريمين، وفي عروقه- كما يقول مؤرخوه- جرى ذلك الدم الأبي الكريم، وورث عن أسرته  عزة النفس، وقوة العزم، والصبر واحتمال المتاعب، والإيمان الراسخ القوي.

وكان ذلك كله ينمو كلما شب وترعرع، ويتبين في سجاياه كلما عركته الحوادث، وأصابته نيران الفتن.

وذلك أنه لم يكد يرى نور الوجود حتى رأي أنه يعيش فريداً فيه،قد فقد أباه، وكلأته أمه، فإن أباه قد مات وهو طفل ويذكر  أنه لم ير أباه ولا جده وقد حرصت أمه على تعليمه اللغة، والأدب، والقرآن والحديث والآثار منذ الحداثة، كما علمته الفارسية أو قليلاً منها.

ومن هنا كانت سمات تربيتها، ومعالم شخصيتها أبرز في حياة أحمد من معالم آبائه ذوي الولاية والقيادة.

وقد ولد رضي الله عنه كما أسلفنا في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة من الهجرة الشريفة لا يكاد يعارض في ذلك أحد يعتد برأيه،وتوفي رضي الله عنه سنة واحد وأربعين ومائتين من الهجرة، دون خلاف في ذلك.

ويعزي الباحثون سبب الإجماع في ضبط تاريخ وفاته لشهرته التي طبقت الآفاق، ومحنته التي بلغ صبره عليها، وثباته على ما يراه الحق فيها فوق ما تحتمله عزائم الأبطال، وعلمه الذي فاق به وفيه أفذاذ الرجال.

حتى لقد ذكروا أنه أحصى عدد من سار في جنازته فبلغ أكثر من ثمانمائة ألف مشيع.

وقد نشأ رضي الله عنه ببغداد نشأة تتميز بمعالم خاصة، تنم عن شخصيته، فهو الفقير، اليتيم، الذي يتسم بالعفة، والعزة والتواضع،وكان مطمئن النفس، كريم  السيرة ما ينزل إلى مباذل الناس،ولا يتسامى عليهم بشرف الأصل،ولا تنال من كرامته عوامل اليتم،  والفقر، حتى قيل عنه : ما رئي الفقير عزيزاً في مجلس كما كان في مجلس أحمد رضي الله عنه.

وقد نشأ في بيئة تزخر بشتى ألوان المعارف، وتموج بمختلف الفنون.

ففيها المحدّّثون، والفقهاء، والفلاسفة، والمتكلمون، والمتصوفة واللغويون.

وتختلف تبعاً لذلك مشارب الناس وأهواؤهم.

وقد وجهته أمه وأعمامه منذ صباه ليكون  عالم الدين الذي يتبحر في معارفه، ويغوص على جواهره إلى أعماقه، وصادف ذلك نازعاً ذاتياً واستعداداً طبيعياً في نفس أحمد بن حنبل، فحفظ القرآن الكريم، وعلم اللغة، ثم اتجه إلى الديوان؛ ليتمرن على التحرير والكتابة، كما قال أبو زهرة في تاريخه.

وينقل عنه أنه قال: كنت وأنا غلام أختلف إلى الكتّاب، ثم اختلف إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة.

ويقول-أيضاً- ما خلاصته:

وكان وهو صبي محل ثقة الذين يعرفونه من الرجال والنساء، حتى أنه ليروى أن الرشيد وهو بالرقة مع جنده كان أؤلئك الجند يكتبون إلى نسائهم بأحوالهم، فلا يجد النساء اللائى يعرفن أحمد غيره يقرأ لهن ما كُتب به إليهن ويكتب لهن الردود ولا يكتب ما يراه منكرا من القول،وكان نجبه واستقامته مطمح الأباء في أبنائهم، حتى قال بعضهم : أنا أنفق على ولدي، وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا فما أراهم يفلحون.

وهذا أحمد ابن حنبل غلام يتيم، انظروا كيف؟

وجعل يعجب من أدبه وحسن طريقته.

بل لقد كانت شهرته بالتقوى والجد والصبر والجلد واحتمال المشاق فوق ما يكون بعضه للرجال الكوامل فضلا عن الأقران!

وما كان له من ذلك جعله موضع تقدير أهل البصر والمعرفة وتنبئهم له ببلوغ أعلى منازل السبق والإمامة حتى قال فيه الهيثم بن جميل:إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه،وقد صدقت تلك الفراسة فيه،فقد عاش رضي الله عنه حتى بلغ منزلة الإمامة والسبق، متخذاً لها أطوارها الطبيعية، عارجاً إليها على سلم الذكاء الذاتي، والتوفيق الإلهي، والعمل الجاد.

إقباله على العلم. وشيوخه فيه ورحلاته في طلبه:

ما أن حفظ أحمد القرآن، وعلم اللغة، حتى اتجه إلى المعارف السائدة في عصره،

فنهل من مناهلها، وعرف مناهجها، ثم اتجهت به الرعاية إلى إمامة الدين فأخذ ينهل من الفقه والحديث اللذين تخصصت شعبهما في تلك الحقبة من التاريخ، وتميزت مدارسهما.

وبدأ بدراسة الفقه، وتلقى قواعده على إمام فقه أهل العراق حينئذ،وهو الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة،ثم اتجه إلى الحديث يحفظه ويردده ويرويه.

وكان رضي الله عنه يقول : أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف.

ومن هنا نستطيع أن نرى أن أول شيوخه فقهاً وحديثاً إنما هو أبو يوسف، وإن كان لم ينقطع إليه، ولم يقف عنده وحده وإنما انصرف إلى غيره من شيوخ الحديث في بغداد يأخذ عنهم، ويكتب كل ما يسمع منهم،حتى إذا بلغ الثانية والعشرين من عمره، بدأ مرحلة الرحلة في طلب الحديث،فرحل إلى البصرة، ثم إلى الحجاز، ثم توالت رحلاته إلى البصرة، والحجاز، واليمن، في طلب الحديث.

ولعل أبرز شيوخه الذين أخذ الحديث عنهم ببغداد إنما هم :

هشيم بن بشير الواسطي، وعمر بن عبد الله بن خالد، وعبد الله بن مهدي، وأبو بكر بن عياش.

يقول رضي الله عنه :

قدم علينا عبد الله بن مهدي، وقد خضب – يعني بلغ المشيب لحيته فخضبه- وهو ابن خمس ورأبعين سنة، وكنت أراه في المسجد الجامع.

وإن كان أعظم شيوخه وأكثرهم أخذا عنه، إنما هو هشيم بن بشير.

يقول ابنه صالح راويا عنه:

كتبت عن هشيم سنة تسع وسبعين، ولزمناه إلى سنة ثمانين، وإحدى وثمانين، وأثنين وثمانين ، ومات في ثلاث وثمانين.

كتبنا عنه كتاب الحج نحواً من ألف حديث، وبعض التفسير، وكتاب القضاء, وكتباً صغاراً.

ويسأله ابنه صالح  بعد ذلك القول  يكون ثلاثة آلاف؟

فيقول أحمد : اكثر  يعني أنه أخذ عن هشيم أكثر من ثلاثة آلاف حديث.

ثم توالت رحلاته بعد وفاة هشيم،فشملت البصرة، والحجاز، واليمن، وكان يريد الرحلة إلى الري.

ولقد كانت نهمته- بحق- لا تشبع من طلب العلم والاستزادة منه، صاحبته تلك الصفة منذ حداثة سنه، ورافقته حتى وفد على ربه.

يحدثنا رضوان الله عليه عن نفسه فيقول :

كنت ربما أردت البكور في الحديث، فتأخذ أمي بثيابي، حتى يؤذن الناس، أو حتى يصبحوا.

نعم هكذا تكون البدايات التي تبلغ بأصحابها منازل النهايات،وهكذا تبدأ ملامح القمم مع الرجال منذ وضع القواعد تراها ثابتة على الدرب، واثقة الخطى، محددة الغاية، واضحة المنهج.

إن أم أحمد كانت تحفزه إلى العلم، وتدفعه إلى مصاف الأئمة بجهد، وجد، وصدق.

فإذا به يسبق طموحاتها، ويندفع نحو الغاية بما يجعلها تكفكف رغبته، وتحنو عليه أن يشق على نفسه في إشباع نهمته.

إنه الناشئ الذي يسعى لطلب الحديث في جنح الليل جاداً نشيطاً فتأخذ أمه بثيابه، فتكبحه عن المسير  حتى يطلع الصباح ويؤذن الناس للصلاة.

من رحلاته في طلب العلم:

ولقد بقيت هذه الرغبة عنده حتى نهاية حياته طالباً وباحثاً وراحلاًمن هنا إلى هناك متلقياً وراوياً.

حتى لقد رآه بعض عارفيه في إحدى رحلاته، وقد كثر ما رواه من الحديث، وما حفظه وكتبه منه، فقال له معترضاً : مرة إلى الكوفة، ومرة البصرة. إلى متى.؟

وما كان مثل هذا الاعتراض ليكف أحمد عن مراده، فإنه في كل رحلة يزداد علماً ويستفيد أجراً.

نعم هكذا.

فهو متعبد بطلب الحديث، متعبد أيضاً بالرحلة في طلب الحديث.

ينقل أبو زهرة عن ابن كثير وابن الجوزي:

أن أحمد بن حنبل رسم لنفسه أن يذهب إلى الحج سنة ثمان وتسعين، وبعد الحج والمجاورة: يذهب إلى عبد الرزاق بن همام بصنعاء في اليمن.

وقد كاشف بهذه النية رفيقه إلى الحج، وصاحبه في العلم يحي بن معين،

وقد توافقت رغبتهما في ذلك، فدخلا مكة، وبينما هما يطوفان طواف القدوم إذا عبد الرزاق يطوف.

فرآه ابن معين- وكان يعرفه- فسلم عليه وقال له: ها أحمد بن حنبل أخوك.

فقال  عبد الرزاق: حياه الله وثبته، فإنه يبلغني عنك كل جميل.

فقال يحيى بن معين: نجيء إليك غداً إن شاء الله حتى نسمع ونكتب.

فلما انصرف، قال أحمد معترضاً لم أخذت على الشيخ موعدا.؟

فقال يحي:لنسمع منه، قد أربحك الله مسيرة شهر، وجوع شهر والنفقة!

فقال أحمد: ما كان الله ليراني وقد نويت نية أن أفسدها بما تقول، نمضي فنسمع منه، ثم مضى بعد الحج حتى سمع بصنعاء.

هَمَامة نفس أصغرت كل مطلب

                             فكلفت الأيام ما ليس يوهب

إنك لتعجب أذ تعلم  أن نفقة الرحلة من الحجاز إلى اليمن لم تكن في متناول يد الإمام أحمد، أو في طاقته، وإن السفر لم يكن سهلاً ولا ميسراً، وإنما ناله في سبيل غايته نفاد الزاد والنفقة، وحاول رفقاؤه في السفر أن يمدوا له يد العون، فعفت نفسه عن قبول تلك المعونة، وغطى مطالبة الضرورية بأن أكرى نفسه من بعض الحمالين، إلى أن وصل الى صنعاء، فلما بلغها وقد عرف عبد الرزاق بحاله حاول إعانته.

إذ قال له يا أبا عبد الله، خذ هذا الشيء فانتفع به، فإن أرضنا ليست بأرض متجر ولا مكسب، ومد إليه يده بدنانير.

فقال أحمد : أنا بخير، واعتذر عن قبول المنحة من شيخه، وبقي يكابد الشدة والمشقة سنتين سمع فيهما أحاديث عن طريق الزهري، وابن المسيب ما كان يعلمها من قبل.

يقول أبو زهرة رحمه الله-:

وقد استمر جده في طلب الحديث وروايته، حتى بعد أن بلغ مبلغ الإمامة.حتى لقد رآه رجل من معاصريه. والمحبرة في يديه يكتب ويسمتع.

فقال له : يا أبا عبد الله .....أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين.

فقال : أحمد بن حنبل: تلك العبارة الرائعة الجامعة: " مع المحبرة إلى المقبرة".

وكان رحمه الله يقول : أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر , وهكذا كان أحمد يسير على الحكمة المأثورة لا يزال الرجل عالماً ما دام يطلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل.انتهى كلامه بتصرف.

لماذا لم يجلس أحمد للفتوى والحديث مبكرا كأقرانه؟

ومع ذلك الجد الذي بدأ في حياة أحمد مبكراً حتى كانت تكبحه أمه عن الإغراق فيه، والذي لازمه حياته كلها، ومع ما وهبه الله تعالى من قوة الحافظة، ودقة الأخذ، وحسن الاستيعاب، والاستنباط.

فإنه ما جلس للتحديث والفتوى إلا بعد أن بلغ أربعين سنة من عمره.

ويعلل العلماء ذلك بأمرين:

أولهما: حرصه على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أثر عنه، حتى أنه كان يعطي الحجام ديناراً، لعطائه صلى الله عليه وسلم ديناراً لأبي هند عندما حجمه، وتسرّى مع عدم الرغبة الطبيعية لديه، بعد أن استأذن زوجته فأذنت له لتعينه على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ولهذا فلم يحدث ولم يجلس للفتوى، إلا بعد بلوغ الربعين، وهي السن التي بعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم.

والأمر الثاني: أنه لم يستسغ أن يحدّث وأن يفتي وشيوخه أحياء.

محنته رضي الله عنه،أسبابها وأطوارها

لابد لأي دارس لحياة الإمام أحمد من أن يتعرف على زاوية أصيلة في حياته، وسمة باقية من سماته، وهي أنه الإمام الممتحن.

فلم وصف بذلك؟

وما هي الأسباب التي بلغت به ذلك المبلغ؟

لقد واكب أحمد رضي الله عنه فترة كانت  من أخصب الفترات في اتساع المعرفة، وانتشار الفلسفة والترجمة، وتكاثر المذاهب والفرق.

وكان المأمون من الخلفاء الذين نهلوا من العلوم، وأخذ عن الأفذاذ الكبار في  عصره فقهاً وحديثاً ولغةً، وأدباً وفلسفة.

وكان مما يأخذ به ويميل إليه القول بأن القرآن مخلوق، شأنه في ذلك كشأن المعتزلة الذين قربهم عنده وأدناهم إليه، وجعل منهم وزراءه وخاصته، وصفوة جلسائه.

وقد دعا المأمون العلماء من الفقهاء والمحدثين ليقولوا برأيه في خلق القرآن.

فمنهم من أجاب.

ومنهم من لجأ إلى التقيا إلا قلة منهم كان في مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه فإنه لم يستجيب لرأي المأمون، ولم يقبل به.

ولقد اتصلت محنة أحمد في هذه المسألة في ثلاثة عهود متتابعة : هي عهد المأمون، وفي عهد المعتصم، والواثق، الذي قيل إن المأمون أوصى إليهما  بذلك القول والأخذ به،ويفصل لنا الإمام الراحل أبو زهرة رحمه الله قضية القول بخلق القرآن، والمراحل التي مرت بها فيقول ما خلاصته:

إن أول من قال بأن القرآن مخلوق:

(الجعد بن درهم) في العصر الأموي، فقتله  خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالكوفة،

 إذ أتى به مقيدا في الأغلال عند صلاة العيد، فصلى خالد، وخطب، ثم قال في آخر خطبته:

اذهبوا وضحوا بضحاياكم تقبل،فإني أريد أن أضحى بالجعد بن درهم، فإنه يقول، ما كلم  الله موسى تكليماً ولا اتخذ الله إبراهيم خليلاً تعالى الله عما يقول علواً كبيرا"

ثم نزل فقتله.

ثم قال ذلك القول ونفى صحة الكلام عن الله تعالى(الجهم بن صفوان).

فلما جاء(المعتزلة) نفوا الصفات، وبالغوا وأنكروا أن يكون الله تعالى متكلماً وخاضوا في ذلك خوضا عظيما.

وشاركهم في مقالتهم بعض الفقهاء، ومنهم(بشر بن غياث المريسى) فنهاه أستاذه أبو يوسف فلم ينته فطرده من مجلسه.

فلما جاء المأمون والتف حوله المعتزلة وغلبوا في  المناظرة لطول باعهم في المعارف العقلية فكانت لهم عنده المنزلة والزلفى، وخص منهم(أحمد بن أبي دؤاد) بالرعاية والعطف حتى أنه أوصى أخاه المعتصم أن يشركه  معه في أمره اذ قال في وصيته:

" وأبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع لذلك منك.

فحفز ذلك المعتزلة إلى أن يزينوا له إعلان القول بخلق القرآن، وحمل الناس عليه،فقال المأمون بذلك في العام الذي توفي فيه.

إذ قد بدا له أن يحمل الناس على ذلك قسراً مبتدءاً بمن لهم شأن في مناصب الدولة،

فكتب بذلك إلى نائبه في بغداد إسحق بن إبراهيم الذي سارع إلى تنفيذ رغبته،

فأحضر المحدثين والفقهاء والمفتين، ومنهم أحمد بن حنبل.

وأنذرهم بالعقوبة، وتهددهم بالوعيد إن لم يقروا بما طلب منهم فاستجابوا له غير أربعة ربط الله على قلوبهم، واطمأنوا إلى حكم الله، وآثروا الباقية على الفانية هم : أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والقواريري، وسجادة.

فأنهم رفضوا ذلك القول، أعلنوا رأيهم في إصرار، وصارحوا. بما رأوا أنه الحق، مصارحة جريئة فشدوا في الوثاق، وكبلوا في الحديد، والقوا في محبسهم مصفدين في الأغلال فرجع (سجاده) بعد ليلة عن قوله ثم ( القواريري) بعد ليلتين.

وسيق أحمد، وابن نوح إلى المأمون في قيود الحديد في طر سوس، فاستشهد ابن نوح في الطريق‍

وقبل أن يصل أحمد إلى طر سوس: وافي النعي بموت المأمون.

إلا أنه كان قد أوصى إلى أخيه المعتصم، بما مات عليه، ودان به من القول بخلق القرآن.لهذا لم تنقطع محنة أحمد بموت المأمون، بل لقد اتسعت بولاية المعصتم إذ قد بلغ البلاء به أشده، والمحنة أقصاها في عهده، ثم امتدت إلى عهد الواثق.

ويقول أبو زهرة ما خلاصته:

إن المعصتم لم يكن رجل علم، بل كان رجل سيف، لا يضعه عن عاتقه، فترك الأمر في القول بخلق القرآن لابن أبي دؤاد.

فسيق أحمد من بغداد إلى المعصتم، فلم يفد فيه إغراء ولا إرهاب، وما أجدى فيه ترغيب ولا ترهيب لذا أخذوا في تنفيذ الوعيد فيه، فأخذوا يضربونه بالسياط المرة بعد الأخرى ولم يترك في كل مرة حتى يغمى عليه، وينخس بالسيف  فلا يحس.

وقد تكرر ذلك، مع حبسه نحواً من ثمانية وعشرين شهرا!

فلما استيئسوا منه ، وثارت في نفوسهم بعض نوازع الرحمة  أطلقوا سراحه ،و أعادوه إلى بيته ، وقد أثخنته الجراح وأثقله الضرب المبرح والإلقاء في غيابات السجن.

هذه بعض إشارات إلى تلك المحنة التي أصابت الإمام الصالح في أمر قال فيه رأيه خالصاً لربه، مخلصاً لعقيدته.

وقد كان من آثار تلك المحنة ، أن بقي أحمد في منزله يعلل من علله ، ويداوي من جراحه ، حتى برئ بعضها  أو كاد.

فخرج للناس يدرس ويروي ويفتي، إلى أن جاء الواثق ، فأعاد عليه المحنة بلون جديد، هو لون المصادرة الفكرية، والكبح العقلي، واحتباس الحرية،إذ قال للإمام الجليل أحمد بن حنبل: لا تجمعن إليك أحداً ولا تساكني في بلد أنا فيه.

فأقام أحمد مختفياً لا يُدَرِّس، ولا يفتي، ولا يخرج، إلا إلى الصلاة.حتى مات الواثق.

وإن كانت الأخبار تؤكد  أن المحنة قد شملت كثيرين غير أحمد، حتى مات بعضهم تحت المحنة.(كيوسف بن يحيى البويطي) و ( نعيم بن حماد) فإن أخباراً أخرى توحي بأن قول الواثق بخلق القرآن لم يكن كاعتقاد المأمون، أو متابعة المعتصم.

بل قد تحول الإكثار من القول في ذلك في عهده إلى نوع من ا لهزل والفكاهة.

يروي أنه دخل عبادة المضحك على الواثق، فقال:

يا أمير المؤمنين أعظم الله أجرك في القرآن.

فقال الواثق: ويلك  القرآن يموت؟

فقال : يا أمير المؤمنين كل مخلوق يموت.

بالله يا أمير المؤمنين  بم يصلي الناس التراويح؟

فضحك الواثق وقال له  قاتلك الله.. أمسك.

أحمد بن حنبل الإمام،وشهادة الفحول بفضله

لابد من وقفه أخرى في هذه الدراسة العاجلة معه رضي الله عنه إماماً فقيهاً وأستاذاً موجهاً.

فلقد بلغ في هذا الجانب من المنزلة ما أشاد به فيه الجهابذة بفضله، وشهد له فيه الأئمة الأفذاذ بسبقه وتفرده.

يقول عنه الإمام أحمد بن سعد الرازي:

ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أعلم بفقهه من أحمد بن حنبل.

ويقول له الإمام الشافعي : أنت أعلم بالأخبار الصحاح منا،فإذا كان خبر صحيح فأعلمني، حتى أذهب إليه كوفياً كان أو مصرياً أو شامياً.

ويروي المزني عن الشافعي قوله فيه : ثلاثة من عجائب الزمان :

عربي لا يعرب كلمة، وهو : أبو ثور.

وأعجمي لا يخطئ في كلمة وهو : الحسن الزعفراني.

وصغير كلما قال شيئا صدقه الكبار وهو : أحمد بن حنبل.

وقال علي ابن المديني:

ليس فينا أحفظ من أبي عبد ا لله أحمد بن حنبل.

ويقول فيه : أعرف أبا عبد الله منذ خمسين سنه، وهو يزداد خيراً.

ويقول يحي بن معين:

والله لا نقوى على ما يقوى عليه أحمد، ولا على طريقة أحمد.

ذكر ذلك وغيره مؤرخوه.. ما لا يتسع المقام لسرد بعضه، وما اكتفينا بذكر أمثلة يسيرة منه للدلالة على منزلته ومكانته.

وفي الجملة فهو أحمد بن حنبل : صاحب المذهب الحنبلي المنسوب إليه.

وإن كان رضي الله عنه، قد أثرت عنه أقوال في العقائد , مما يخالف فيه آراء أصحاب الفرق.

وإن كانت قد أثرت عنه لمحات حول السياسة، واختيار الخليفة، وترتيب الصحابة، والقول بفضلهم، فإنه ما مال إلى فتنة، و لا سعى إلى إثارة، ولا دعى إلى خروج على حاكم.

وكان يرى أن ما يرتكب من المآثم بسبب الخروج على الحاكم أكثر ضرراً على الأمة مما يرتكبه بظلمه الحاكم الظالم،وإذا كان مثل ذلك وغيره مما قيل في شأنه أو أثر عنه،فإن الواضح البّين في حياته ومنهجه  أنه إمام محدث فقيه.

لكن يؤكد المحققون أن إمامته في الحديث، أسبق منها لديه، وأعظم في كيانه من إمامته في الفقه.

بل إنهم ليؤكدون  أنه إمام في الحديث ومن طريق هذه الإمامة كانت إمامته في الفقه،ومن هنا عده ابن قتيبة في المحدثين، ولم يعده من الفقهاء، ولعله من علامات صدق تلك الإشارات عنه  أنه المحدث، الذي تناقلت الأجيال عنه مسنده المشهور الذي جمعه،والذي أراده ليكون للناس إماماً، كما أثر في بعض أقواله عنه..

ولكنه مع ذلك فهو الفقيه الذي لم يؤلف في الفروع الفقهية كتاباً ولم يمل على أصحابه وتلاميذه شيئاً منها.

بل هو كما يقول أبو زهرة:

كان يبغض أن ينقل عنه شيء ،ثم حمله أصحابه على أن يجيز نقل فقهه، وربما أمضى بتوقيعه فتياه تصديقاً على نقلها وإقراراً بصحة نسبتها إليه لتحري الصحة في الأخذ عنه.

ولهذا فلم يؤثر عنه في الفقه والفتوى من المؤلفات سوى ما ذكره بعض العلماء من أن له بعض كتابات في موضوعات فقهية يسيره منها المناسك الكبير، والمناسك الصغر ورسالة صغيرة في الصلاة. كتبها إلى إمام صلى هو وراءه فأساء ذلك الإمام في صلاته.

لذلك : فالاعتماد في فقه الإمام أحمد بن حنبل، وفي أصول مذهبه على تلاميذه، الذين تناولوا   فقهه وسردوا مسائله ونقلوا فتاواه، واصّلوا مذهبه.


 المذهب الحنبلي

  

 أصوله، وعوامل انتشاره


لعل جماع القول في أصول الاستنباط في المذهب الحنبلي ما يروى عن الإمام بن القيم ، وما خلاصته:

أن الأصول التي بني عليها الإمام أحمد فتاواه خمسة :

أحدها : النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه، ولذلك قدّم النص على فتاوى الصحابة.

والأصل الثاني : ما افتى به الصحابة ولا يعلم مخالف فيه، فإذا وجد لبعضهم فتوى، ولم يعرف مخالفاً لها  لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل إن ذلك إجماع، بل يقول من ورعه في التعبير: لا أعلم شيئا يدفعه.

والأصل الثالث : أنه إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب و السنة، ولم يخرج عن أقوالهم.

فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال  حكى الخلاف ولم يجزم بقول.

والأصل الرابع: الأخذ بالمرسل، والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس.

وليس المراد بالضعيف عنده  الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم، بحيث لا يسوغ الذهاب إليه.

والأصل الخامس: أنه إذا لم يكن في المسألة نص، ولا قول الصحابة أو واحد منهم، ولا أثر مرسل، أو ضعيف  ذهب إلى القياس فاستعمله للضرورة.

يقول أبو زهرة :

وإن المتتبع لكتب الأصول التي كتبها الحنابلة.

والمتتبع لكل ما كتب ابن القيم في شتى كتبه، لا بد أن يزيد على هذه الخمسة، وإن يدخل بعضها في بعض، وأن يفصّل مجمل هذه الأصول.

ثم انتهى إلى القول: بأن الأصول التي ذكرها ابن القيم نستطيع أن نعدها أربعة وهي : الكتاب والسنة، وفتوى الصحابي، والقياس.

وإذا أضفنا ما يذكره بعض الأصوليين وينسبونه إلى أصول أحمد، وما يجرى على السنة العلماء من أصول أحمد، وهي : الاستصحاب، والمصالح المرسلة، والذرائع ، زاد العدد.

ومن هنا فقد أخذ في تفصيلها على أنها ثمانية أصول، هي : الكتاب، السنة، الإجماع، وفتاوى الصحابة، والقياس، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، والذرائع.

لمحة عن نقلة فقهه، وناشري مذهبه:

سبق أن أشرنا إلى أن الإمام  أحمد بن حنبل رضي ا لله عنه لم يدون فقهه، ولم يقيد أصوله، ولم يؤلف كتباً في مذهبه. وإنما الذي جمع فتاواه، وقيّد مسائله، وفصّل فروعه، وأصّل أصوله،إنما هم تلاميذه الذين أخذوا عنه، وحملوا فقهه، وأقواله.

لذلك كان من حق هؤلاء الكرام علينا أن نشير إليهم ولو في عجالة يسيرة إتماما للفائدة، وإنصافا للحق وأهله.

وأصحاب أحمد جمهرة كثيرة،

منهم من روى الحديث عنه، ومنهم من روى الحديث والفقه، وقد أحصاهم صاحب كتاب(المنهج الأحمد) في عدد كبير.. وقارب في الإحصاء ولم يحدد.

يقول: وقال بعد ذكر كثير منهم، وبيان مراتبهم في النقل: ومنهم المقل والمكثر،

وهم أيضاً متفاوتون في المنزلة عند الإمام أحمد، وفي النقل عنه، والضبط، والحفظ.

وذكر من المكثرين عنه : (إبراهيم الحربي)(وإبراهيم بن هاني) و (ولده إسحاق)، و

( أبا طالب المشكاتي)و(أبا بكير المر وزي)و( أبا بكر الأثرم)و( أبا الحارث أحمد)و(إسحاق بن منصور الكوسج)و( بشر بن موسى)و( بكر بن محمد )و (حربا الكرماني)و(الحسن بن ثواب)، و(الحسن بن زياد)و (أبا داود السجستاني)و(عبد الله )و(صالح)و (عبد الله فوران)و(عبد الملك الميموني)، و(الفضل بن زيادة)و(أبا بكر ابن محمد بن الحكم)و(الفرج بن الصباح)، و(محمد بن إبراهيم)و(مثني بن جامع)و(مهنى بن يحي)و(هارون الجمال)و(يعقوب بن بختان)و(أبا الصقر ابن يحيى)وغيرهم..

ثم يقول ولسنا نذكر الذين نقلوا مسالة أو مسألتين،بل نذكر الذين أكثروا من نقل الفقه، أو على حد تعبير مؤرخي الفقه الحنبلي الذين نقلوا المسائل، لا الذين رووا الحديث عنه فقط.،

ويقول : وسنجد أن ا لذي جمع علمهم أحد علماء الطبقة الثانية، وهو أبو بكر الخلال.

ويذكر أنه هو الذي حرر المذهب ودونه، ويؤكد ما قاله العلماء عنه :

من أنه كان في ذلك المتحري الدقيق، والمراجع الفاحص.

وإذا كنا قد علمنا أن (الخلاّل) كان من علماء الطبقة الثانية، وأنه لم ير الإمام أحمد، وأنه هو الذي كان صاحب الجهد البارع في جمع المذهب ونشره، أسوة بنظرائه في المذاهب الأخرى، التي سبق الحديث عنها،فمن هم أصحاب الطبقة الأولى في هذا المذهب؟

يقول أبو زهرة في ذلك :

سمع أحمد كثيرون قد تجاوزا الحسبة عدداً كما قلنا.

ولعل الحنابلة يبالغون في العدد.

وأنه إذا ذهب قدر المبالغة يبقى العدد بعد ذلك كثيراً ولا يكون قليلا.. ثم ذكر جملة منهم كان لهم فضل في نشر علمه رضي الله عنه وهم :

(صالح بن أحمد)

وهو أكبر أولاد  الإمام أحمد رضي الله عنه، وكان أحمد معنياً بتربيته حفياً بأن يكون من الزهاد مثله.

وذكر أنه كان يربيه بالأسوة وكثرة مشاهدة ذوي الخلق القويم، فإذا زاره رجل من أهل التقى والورع أحضر ابنه صالحاً ليراه.

يقول صالح : كان أبي يبعث خلفي إذا جاءه رجل زاهد، أو رجل صالح متقشف لأنظر إليه، يحب أن أكون مثلهم، أو يراني مثلهم،

وكان صالح كثير العيال سخياً جواداً ولذا اضطر لولاية القضاء في طرسوس فلما جاءه كتاب الولاية بكى ثم قال:

الله تعالى يعلم ما دخلت في هذا الأمر إلا لدين قد غلبني،وكثرة عيال -أحمد الله تعالى-.تلقى صالح الفقه والحديث عن أبيه وعن غيره من معاصريه،وقال الخلال عنه : سمع من أبيه مسائل كثيرة وكان الناس يكتبون إليه من خراسان، يسأل لهم عن المسائل، يعني ليسأل عنها أباه.

ومنهم ( عبد الله بن أحمد بن حنبل)

اعتنى أبوه بتربيته كأخيه، وكان يرى فيه عناية خاصة بعلوم الحديث، فنمّاها فيه،

ولذلك كان يقول عنه أبوه رضي الله عنه" ابني عبد الله محظوظ من علم الحديث لا يكاد يذاكرني إلا بما لا أحفظ.،هو الذي روى المسند وتممه فزاد فيه ما رأى زيادته.

ومنهم أحمد بن محمد بن هانئ،وهو من أصحاب أحمد الذين التقوا به بعد النضج، يقول أبو زهرة عنه:

كان من قبله  يشتغل بالفقه والتخريج والاختلاف.

فلما التقى به اقتصر على علوم الأثر، ولذلك قال: كنت أحفظ الفقه والاختلاف، فلما صحبت أحمد بن حنبل تركت ذلك.

ومنهم  عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني سمع أحمد وغيره من معاصريه وقد كان أبو بكر الخلال معجبا بنقله عن أحمد أشد الإعجاب، وقد اعتمد عليه كثيراً في النقل، وقد كان يكتب مسائل أحمد بعلمه، وأحمد يستحي أن ينهاه.

ومنه أحمد بن محمد بن الحجاج المر وزي.

كان أخص أصحاب أحمد به،و أقربهم إليه، وأدناهم منه، وهو الذي تولى غسله لما مات،

وكان عنده أسيراً وهو الذي روى كتاب الورع عن الإمام أحمد، ومنهم حرب بن إسماعيل الحنظلي الكرماني،وقد ابتدأ حياته سالكا مسلك الصوفية، ولذلك تأخر في لقاء أحمد فلم يلقه إلا في سن متقدمة.

وقد نقل عن أحمد فقهاً كثيراً ولكنه لم يسمع عنه كل ما أذاع عنه،ومنهم إبراهيم بن إسحاق الحربي.

وقد وصفه ابن أبي يعلى بقوله كان إماماً في العلم، رأساً في الزهد، عارفاً بالفقه، بصيراً بالأحكام، حافظاً للحديث.

لازم أحمد نحواً من عشرين سنة، وأخذ عنه حديثه وفقهه وكان عالماً باللغة لا يغادر مجالسها إلا للحديث.

وغيرهم كثير رضي الله عنهم وأرضاهم ونفع المسلمين بعلمهم وأعان الخلف على أن ينهلوا من مناهلهم وأن يحذوا حذوهم ليحق للخلف أن يعتزوا بسلفهم ويقولوا كما قال القائل :

لسنا وإن أحسابنا كرمت

                                      يوماً على الأباء نتكل

نبني كما كانت أوائلنا تبني

                                      ونفعل مثلما فعلوا

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

رأيك يهمنا