وبشر الصابرين

نبذة مختصرة

وبشر الصابرين: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «هذه ورقات من دفتر الصبر، ونفحات من سجل الشكر، وومضات من ضياء الاحتساب، وحروف من ألَقِ الصابرين، وقصص الشاكرين، أزُفُّها إلى كل مسلم رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا، فإن الصبر درعٌ لكل مسلم، ووقاءٌ لكل مؤمنٍ، وملاذٌ - بعد الله - لكل مُوحِّد.
أبعثُها إلى كل من ابتُلِي ببلاء، أو تعرَّضَ لعناء، أو مرَّ به شَقَاء، فإن الصبرَ سلوةٌ له في الدنيا، ورفعةٌ له في الآخرة...
أُقدِّمها إلى كل أبٍ احترق فؤاده، وتمزَّق قلبه، وجزَعَت نفسه لغيابٍ لقُرَّة العين، أو فقدٍ لأحد المحبين، فإن له في ربه عزاء، وفي مولاه رجاء، وفي صبره ضياء.
إلى كل أمٍّ تنام الأعين ولا تنام، ويضحك الناس وتبكي، وتهدأ القلوب ولا يهدأ قلبها ولا يسكن حزنها، إما لنازلةٍ مؤلمةٍ، أو قارعةٍ مُزعجةٍ، أو فاجعةٍ مُحزِنةٍ، أو غيبةٍ لثمرة الفؤاد، ونور العين، وجلاء الحزن، أو أسرٍ لفلذة الكبد، أو قتل لعنوان السعادة، فإن الصبر والاحتساب يضمن اللقاء بالغائب، والاجتماع بالأحبة، والأنس بثمرات الأكباد، حينما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، إنه لقاءٌ في جنَّاتٍ ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مُقتدِر».

تنزيــل

تفاصيل

 وبشر الصابرين

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وبعد..

أخي القارئ:

أضع بين يديك هذه الرسالة الأولى من رسائلنا المتعلقة بمعالجة قضايا اجتماعية ساخنة. والذي يعتزم قطاع الشؤون الثقافية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية-ممثلاً بإدارة الثقافة الإسلامية إصدارها تباعاً-إن شاء الله .

ولما كانت قضية أسرانا تمثل أهم القضايا التي يعاني منها المجتمع الكويتي بأسره-وهي قضية محلية، وعربية، وإسلامية وعالمية، تهم كل محب للخير، منصف للعدالة-فقد أقامت الوزارة "أسبوع الأسرى والمفقودين” في الفترة الواقعة بين 6-10/5/2000م. والذي شارك فيه فضيلة الشيخ الدكتور ناصر بن مسفر الزهراني بمحاضرة عنوانها ”صبراً آل الأسير" ألقاها على مسرح جامعة الكويت مساء يوم الثلاثاء 9/5/2000م.

وهدفت الوزارة من وراء إقامة هذا الأسبوع إلى التعريف بقضية الأسرى والمفقودين، والتي طال أمدها. وتفاعلت آثارها السلبية، على أسرهم – فمعاناة والد الأسير، ووالدته، وزوجه، وأولاده، لا يدرك مداها إلا الله وحده-أين أسرى الكويت، هذا سؤال تستحي من جوابه الأخلاق.

وهذه الرسالة التي بين يديك-عزيزي القارئ-هي المحاضرة المشار إليها، والتي ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور/ناصر بن مسفر الزهراني-إمام وخطيب جامع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله في مكة المكرمة.

وقد عالج فيها فضيلته قضية أسرى الكويت-بأسلوب رصين، وعبارة منتقاة.. وحس إيماني صادق..ننشرها تحت عنوان مقتبس من قوله تعالى(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين)[البقرة:155-156].

وإنه لمن المؤسف حقا أن تأتينا سهام الغدر من جار لم يراع حق الجوار، ولا حق العروبة، ولا حق الإسلام، ولا حرمة الإنسان.

وقديما قال شاعرنا:

وظلم ذوي القربى أشد غضاضة

على النفس من وقع الحسام المهند

أخي القارئ:

وإننا إذ نضع هذه الرسالة بين يديك على يقين من أنك ستتفاعل مع قضية أسرانا، وتبذل جهدك من أجل التعريف بمأساتهم، وتحاول-ما استطعت إلى ذلك سبيلاً-أن تعمل على خلاصهم من أيدي النظام العراقي الغاشم.

وخالص الشكر والثناء لفضيلة الدكتور/ناصر بن مسفر الزهراني-راجين من الله سبحانه أن يجعل هذا الإصدار في ميزان حسناته.

كما نرجوه جلت قدرته أن يفك قيد أسرانا، ويجعل لهم فرجاً قريباً ومخرجاً، وأن يحفظ على الكويت أمنها وأمانيها تحت قيادة صاحب السمو الأمير-حفظه الله-وولي عهد الأمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ، ،

عبد العزيز بدر حسين القناعي

وكيل الوزارة المساعد للشؤون الثقافية


شكر وتقدير

أصدق حروف الشكر، وأجمل كلمات  الثناء، وأروع عبارات الدعاء، أهديها لبلدي الثاني، إلى درة الخليج، وكويت المحبة، ودولة السلام.

إلى حضرة صاحب السمو الشيخ جابر الصباح وفقه الله وبارك فيه، وإلى الأسرة الحاكمة عموماً جعلهم الله هداة مهتدين، ونصر بهم الدين.

والى لجنة شؤون الأسرى ممثلة في سمو الشيخ سالم صباح السالم الصباح وفقه الله ورعاه.

وإلى وزارة الأوقاف المبجلة، ممثلة في سعادة الوزير وأصحاب السعادة الوكلاء، على كريم دعوتهم، وجميل لطفهم، وحسن ظنهم.

فهذه الرسالة أصل لمحاضرة ألقيت بدولة الكويت بدعوة من الوزارة الموقرة، فلهم أجرها، وأجر طباعتها، وأجر من أفاد منها.

وإلى كل الأهل والأحبة في دولة الكويت، زادهم الله أمنا وأماناً، وحسناً وإحساناً، ونوراً وفلاحاً، وهدى وصلاحاً، وتوفيقاً ونجاحاً.. إنه سميع مجيب، ، ،


 المقدمة

هذه ورقات من دفتر الصبر، ونفحات من سجل الشكر، وومضات من ضياء الاحتساب، وحروف من ألق الصابرين، وقصص الشاكرين، أزفها إلى كل مسلم رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، فإن الصبر درع لكل مسلم، ووقاء لكل مؤمن، وملاذ بعد الله لكل موحد..

أبعثها إلى كل من ابتلي ببلاء، أو تعرض لعناء، أو مر به شقاء، فإن الصبر سلوة له في الدنيا، ورفعة له في الآخرة.

اصبر ففي الصبر خير لو علمت

لطبت نفساً ولم تجزع من الألم

أقدمها إلى كل أب احترق فؤاده، وتمزق قلبه، وجزعت نفسه لغياب لقرة العين، أو فقد لأحد المحبين، فإن له في ربه عزاء، وفي مولاه رجاء، وفي صبره ضياء.

إلى كل أم تنام الأعين ولا تنام، ويضحك الناس وتبكي، وتهدأ القلوب ولا يهدأ قلبها ولا يسكن حزنها، إما لنازلة مؤلمة، أو قارعة مزعجة، أو فاجعة محزنة، أو غيبة لثمرة الفؤاد، ونور العين، وجلاء الحزن، أو أسر لفلذة الكبد، أو قتل لعنوان السعادة، فإن الصبر والاحتساب يضمن اللقاء بالغائب، والاجتماع بالأحبة، والأنس بثمرات الأكباد، حينما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، إنه لقاء في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر(وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً)[الإنسان:12]، فمن كان صادقاً في حبه، مخلصاً في وده، فليصبر على فقد الأحبة ليضمن حسن اللقاء، وجميل الجزاء، وعظيم العطاء، من رب الأرض والسماء، فإن احتسابهم طريق اللقاء بهم.وإلى كل حبيب فارق حبيبه، وأليف فقد أليفه، فافترش الدموع، والتحف الأسى، فالجزع لا يسهم في عودة حبيب، ولا أوبة قريب.

إن الصبر مفتاح الفرج، وإن مع العسر يسراً، وإن لكل بلاء جلاء، ولكل غائب أوبة.

إذا ما أتاك الدهر يوما بنكبة

فأفرغ لها صبراً ووسع لها صدراً

فإن تصاريف الزمان عجيبة

فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسراً

فإذا عز في الدنيا اللقاء، فإن الصبر يجمع الأحبة، ويعيد الأفراح، حينما يغمس المؤمن غمسة في النعيم، فيقال له :هل مر بك بلاء قط، أو رأيت بؤساً قط؟فيقول:لا .هنالك يجتمع الأحباب حيث لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإن غداً لناظره قريب.

وكم لك من خفي اللطف لطف

يدق خفاه عن فهم الذكي

وكم يسر أتى من بعد عسر

وفرج لوعة القلب الشجي

وكم هم تعانيه صباحاً

فتعقبه المسرة بالعشي

إذا ضاقت بك الأسباب يوماً

فثق بالواحد الصمد العلي

إلى كل بلد من بلاد المسلمين هاجمته البلايا، وداهمته الرزايا، فشرد أربابه، وحورب أصحابه.

إلى كل أسير في قبضة الظلم، ومرتهن في زنزانات الطغاة، ومكبل في سجون الفجرة.

إلى كالمحارب في دينه، مطارد في بلده، مضطهد في عقيدته.

إلى هؤلاء جميعاً أهدي عبقاً من أريج الصبر، وشذى من بستان الاحتساب، وعطراً من ورود التحمل، وفنوناً من رسوم التجمل..(.. وبشر الصابرين)[البقرة:155].

د/ ناصر بن مسفر الزهراني

مكة المكرمة – العزيزية

جامع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز

في 25/2/1421هـ

الكويت

هذه مقطوعة من سجل الحب، وأغنية من حداء الود، وأنشودة من ترانيم الإخاء، شدوت بها في إحدى الدعوات الكريمة من وزارة الأوقاف بدولة الكويت للمشاركة في بعض المحاضرات والأمسيات في شهر رمضان لعام 1420هـ:

أتيت أتيت حباً يا كويت

ولولا فيض حبي ما أتيت

سرى عبق المودة في دمائي

ولو تفدين بالروح افتديت

هواك بمهجتي عذب وإني

لطيفك ما هجرت وما قليت

ولو لزم المقام بأن وصلي

لملهمتي على قدمي مشيت

وحسن قد سبا قلبي ولبى

وما زاغ الفؤاد وما طغيت

بلاد لونها لوني وإني

إذا أبصرت غرتها انتشيت

هنا قلبي وعاطفتي وحبي

هنا بعت المودة واشتريت

ولي في كل جزء من رباها

ذوو رحم وإخوان وبيت

أنا يا فيض حبي واشتياقي

شربت من الهوى حتى ارتويت

ولو أني أريد بيان حبي

لطال بي المقام وما انتهيت

ومهما صغت من غرر المعاني

لمجدك يا حبيبة ما وفيت

وماذا يبدع الشعراء فيك

ولو حضر الفرزدق  و الكميت

وقد عشق الديار الناس قبلي

وهام بحسنها حي وميت

وأما كالذي يحويه قلبي

فإني لا سمعت ولا رأيت


 الدنيا دار عناء

الحمد لله القائل(فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب)[الشرح:5-8].

والصلاة والسلام على رسوله القائل:"احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ماأخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً"[رواه أحمد].

وبعد .فإن الدنيا دار بلاء ونكد، وهم وغم، وتعب ووصب، وضيق وقلق، وخوف وضجر، وأرق وسهر، وإذا وصلت فتبعات موبقة، وإذا فارقت ففجعات محرقة، ليس لوصلها دوام وما من فراقها بد، فهي غرور خادع، وأمل كاذب، وظل زائل، ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء، فهي لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تخلي من محنة، نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وتبعاتها تبقى.

وإن امرأ قد جرب الدهر لم يخف

تقلب عصريه لغير لبيب

وما الدهر والأيام إلا كما ترى

رزية مال أو فراق حبيب

قال تعالى :(وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين)[القصص:60-61].

فمن نظر إليها بعين البصيرة أيقن أن نعيمها ابتلاء، وحياتهاعناء وعيشها نكد، وصفوها كدر، وأهلها منها على وجل:إما بنعمة زائلة أو بلية نازلة، أو منية قاضية .

أبني أبينا نحن أهل منازل

أبداً غراب البين فيها ينعق

نبكي على الدنيا وهل من معشر

جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا

أين الكاسرة الجبابرة الأولى

جمعوا الكنوز فما بقين ولا بقوا

كم ملك ضاق الفضاء بجيشه

حتى ثوى فحواه لحد ضيق

ومن حكمة الله تعالى أن جعل الدنيا منغصة مكدرة، غدارة متقلبة، أحزانها كثيرة، ومصائبها عديدة، ونكباتها مخيفة، فهاهم الناس مع كل ما يلقونه منها متعلقون بأذيالها، مغرورون بجمالها، مفتونون بزينتها، مخمورون بسكرتها، فهي خمر الشيطان، من شرب منها لم يصح إلا في عسكر الموتى، فكيف لو كانت داراً للسرور والهناء، والراحة والدعة، والأنس والسلوان؟إذا لنسي الناس ربهم وجنته، وإلههم وعبادته وديانتهم وآخرته.إلا من رحم ربك.

من فضله جل وعلا، وعظيم كرامته، وواسع فضله، وبديع لطفه، أنه لا يجمع على عبده عسرين، ولا يقرن له بين خوفين، فإن لحقه العسر أو الخوف في الدنيا، أو نزل به الهم أو خيم عليه الغم، أو قارعته الخطوب، أو صارعته الحتوف، أو تعرض لنازلة، أو داهمته قارعة، أوفجعته مصيبة، فإنه يرفع بذلك في الآخرة درجاته، ويعلي منازله، ويكرم مثواه، ويعطيه أجره بغير حساب، حتى الشوكة يشاكها فيصبر ويحتسب يكفر الله بها من خطاياه، فيرفعه إلى درجة يتمنى معها أهل العافية في الدنيا أن أجسامهم قرضت بالمقاريض لما يرونه من ثواب أهل البلاء.

فمن تعرض لشقاء أو مر به عنا، فليلجأ إلى رب الأرض والسماء، فإن فرجه قريب وجوده عظيم، وخيره عميم، يفرج الهم، ويكشف الكرب، ويغيث الملهوف، ويجيب الداعي، وينصر المظلوم.

هي الأيام والغير                   وأمر الله ينتظر

أتيأس أن ترى فرجاً                فأين الله والقدر؟


 ضعف الأمة من أعظم المصائب

إن مصائب الدنيا كثيرة، ونكباتها عديدة، وأحزانها عظيمة، وإن من أعظم المصائب وأشق الكوارث ما منيت به أمة الإسلام من ضعف وخور، وضياع وتيه، وذلة وهوان، وخوف واستكانة، وتفرق وتمزق، وتشتت وتخاذل، وتباعد وتباغض، وتدابر وتقاطع، وتحاسد وتنازع، وكره وبغضاء، وحقد وشحناء، نجحت فيهم خطط الأعداء، وفازت مؤامرات الألداء، فخانوا دينهم، وضيعوا إيمانهم إلا من رحم ربك-ونسوا أسباب عزتهم، أقبلوا على الدنيا، تنافسوا فى حبها، واقتتلوا لقربها. تركوا الجهاد، واشتغلوا باللذائذ، وأخذوا بأذناب البقر، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف فقيل اقعدوا مع القاعدين، استمرأوا الهوان، واستساغوا الذل، فسلط الله عليهم ذلاً لا ينزعه عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم، فإن دينهم هو مصدر قوتهم، وأساس عزتهم، وعنوان رفعتهم.


 ومضة من التاريخ المجيد

حينما كانت أمة الإسلام لائذة بربها متمسكة بدينها زلزلت عروش الكفر، ودمرت حصون الباطل، وغيرت وجه التاريخ، وأذهلت أبناء الزمان.يقول أحد المؤرخين الأجانب:(بقوة واحدة ونجاح واحد زحف العرب على خلفاء الروم وفارس، وأصبحت الدولتان المتنافستان العظيمتان في ساعة واحدة فريسة لعدولم يزل موضع الازدراء والاحتقار منها – في عشر سنوات من أيام حكم عمر-أخضع العرب لسلطانه ستة وثلاثين ألفا من المدن والقلاع، وأنشؤوا أربعة عشر ألفاً من المساجد، وعلى راس قرن من هجرة محمد من مكة امتد سلطان خلفائه من الهند الى المحيط الأطلانطي، ورفرف علم الإسلام على أقطار مختلفة نائية كفارس وسورية ومصر وإفريقية وإسبانيا).

ويقول مؤرخ عصري :(بعد مائة سنة حمل هؤلاء المتوحشون الخاملون لأنفسهم قوة عالمية عظيمة، إنهم فتحوا سورية ومصر ودخلوا فارس وملكوا تركستان الغربية وجزءاً من بنجاب، إنهم انتزعوا إفريقية من البيزنطيين والبربر، وأسبانيا من القوط، وهددوا فرنسا من الغرب، والقسطنطينية في الشرق، مخرت أساطيلهم البحر المتوسط، واكتسحت الجزر اليونانية، وتحدت القوة البحرية للإمبراطورية البيزنطية، إنهم شقوا طريقهم بسهولة حتى صعب في بداية القرن الثامن المسيحي أن يقف فى وجههم واقف، ويعرقل سيرهم في الفتح والاستيلاء، ووجدت الدول النصرانية نفسها من أقصى أوروبا إلى أقصاها منذرة مهددة بحضارة شرقية مبنية على دين شرقي).

والأمراء في اليرموك كتبوا الى عمر يعلمونه بما وقع من الأمر العظيم، وما يقابلونه من خطر داهم وعدد لا قبل لهم به، فكتب إليهم :(أن أجمعوا أمركم فكونوا صفاً واحداً والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله، والله ناصر من نصره وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها).

يقول هرقل لجنوده لما هزموا) ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم، قالوا :بلى، قال :فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا:بل نحن أكثر فى كل موطن، قال :فما بالكم تنهزمون ؟ فقال شيخ من عظمائهم:من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام، وننقض العهد، ونأمر بالسخط، ونفسد في الأرض، قال :أنت صدقتني).

إن أمة العرب اختارها الله لحمل كتابه، وصحبة نبيه، ورفعة دينه، ونشر هدايته، وأخبر تعالى أنه سائلهم عن هذا العز الذي حباهم، والمجد الذي آتاهم(وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون)[الزخرف:44]فماذا صار من حالهم، وبدا من مآلهم، جردوا سيوفهم ولكن فى نحور بعضهم، وأبدوا قوتهم ولكن على أنفسهم، وأعلنوا رجولتهم ولكن في بني عمهم، أقوياء ولكن على الأقرباء، وشجعان ولكن على الإخوان، وفرسان ولكن على الجيران.

أسد علي وفي الحروب نعامة

فتخاء تنفر من صغير الصافر

تعجب من أناس يتبجحون بسواعد مفتولة، وجيوش جرارة، وقوى جبارة، ولكنها تتضاءل جميعاً أمام أعداء الإسلام، ومنتهكي الحرمات، ومغتصبي المقدسات، يهدرون ويزمجرون ويهددون ويتوعدون ولكن على إخوانهم، وبني قومهم، وأرباب ملتهم.

يا قومنا قد تولى صاحب الفيل

أباده الله بالطير الأبابيل

لكن في عصرنا مليون أبرهة

للهدم قد هيؤوا شتى المعاويل

لهم فعائل سوءٍ ينزوي خجلاً

من مثلها لورآها صاحب الفيل

شجاعة فذة في أهل ملتهم

وإن رأوا الخصم بالوا في السراويل


محنة الكويت

على قدر فضل المرء تأتي خطوبه

ويحمد منه الصبر عما يصيبه

فمن قل فيما يلتقيه اصطباره

لقد قل فيما يرتجيه نصيبه

إن إخواننا في الكويت تعرضوا لمحنة كبيرة، وفتنة خطيرة، وداهية عمياء، وخيانة رعناء، أوذوا ممن عاش فى كنفهم، وتربى على فضلهم، وتزود من عطائهم بعد الله تعالى، وحوربوا ممن نصروه وآزروه، وأيدوه وأعانوه، وأخيفوا ممن كانوا له أمناً، وأوسعوه لطفاً‌ وحسناً.

(أيها الجار الذي كان مع الأيام جارا

يا الذي روعت آلاف المها

إن قتل الكحل في العينين، لا يُدعى انتصارا

إن ما مسيته ملحمة كبرى،

أسميه انتحارا..

أيها الجار الذي هدم داري

وأنا عمرت في قلبي له ركناً ودارا.

إنني مسكورة .مقهورة . ذاهلة.

تقذف الخيبة أحلامي يميناً ويسارا.

يا الذي أهديته الماء. وأهداني الصحارى

يا الذي أهديته الأفق. وأهداني . الحصارا

يا الذي أهديته نصراً من الله .

وأهداني احتلالاً.وانكسارا.

يا الذي أحرق اسراب العصافير.

وما قدم للريش اعتذارا

لا تؤاخذني، إذا جُنَّ جنوني

أنت لم تترك لإنسان خيارا.

أيها الماشون في الفجر على أجسادنا

إنني أسألكم، ماذا اقترفنا؟

هل كفرنا بمواثيق الهوى، ذات يوم

هل كفرنا؟

نحن في السراء كنا معكم

نحن في الضراء كنا معكم

فلماذا تزرعون السيف في خاصرتي؟

ولماذا تستبيحون حمى عائلتي؟

ولماذا تملؤون الوطن الامن موتاً ودمارا؟

أيها الماشون في الفجر علىأشلائنا.

ما الذي يجُدي صراخي؟

ما الذي يجدي كلامي؟

وأنا مسحوقة حتى عظامي

ومن ترى يسمع صوتي؟

وأنا مدفونة تحت الركام

عندما يطعنني في الظهر سيف عربي

يصبح التاريخ عارا‍.

عندما يذبحني أبناء عمي

في فراشي.

يصبح الحلم العروبي.غُبارا).

[سعاد الصباح-برقيات عاجلة إلى وطني]

لقد اعتدى ذلك الظالم على بلد مسلم بغير وجه حق، وبغى عليهم ظلماً وعدواناً دون احترام للدين، أو تقدير للجيرة، أو مراعاة للأخوة، قال تعالى(قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق.)[الأعراف:33].

وقال تعالى(إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق.)[الشورى:42]

وقال جل وعلا(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)[النحل:90].

لقد عكس مفهوم الآية، فنهى عما أمر الله به، وأمر بما نهى الله عنه، وذلك هو الخذلان المبين.


 حرمة المسلم

إن حرمة المسلم عند الله عظيمة، ومنزلته كبيرة، ولا يجوز حتى مجرد ترويعه، يقول صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً"[أخرجه أبو داود (5/274)حديث صحيح].

بل لا تجوز الإشارة بالسلاح إليه ولو كان ذلك من باب المزاح، يقول صلى الله عليه وسلم:"من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه"[أخرجه مسلم(4/2020) من حديث أبي هريرة].فكيف بمن يستحل دمه، ويستبيح حرمته، أو ينتهك عرضه، أو يخيف أمنه:"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"[أخرجه مسلم(4/1986)من حديث أبي هريرة].

نظر ابن عمر-رضي الله عنهما-يوماً الى الكعبة فقال:”ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك".

يقول أبو بكر-رضي الله عنه-في وصية لسلمان الفارسي-رضي الله عنه-:"واعلم أنه من صلى الخمس فإنه يصبح في ذمة الله ويمسي في ذمة الله، فلا تقتلن أحداً من أهل ذمة الله فتخفر الله في ذمته فيكبك الله فى النار على وجهك".

إن قتل النفس المسلمة بغير حق مما يضاعف به العذاب، ويدوم به الهوان، ويغضب له الرحمن، قال تعالى :(ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً)[النساء:93].

ويقول صلى الله عليه وسلم :”سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر”– حديث صحيح.

إن هذا الرأس من رؤوس البغي والفساد لم يأبه لهذه الأمور، أو يلتفت لتلك النصوص، والشوك لا يجتنى منه العنب.

(ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل لـه اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد)[البقرة:204-206].

أي فساد أكبر، وأي دمار أعظم، وأي إهلاك أشد وأنكى مما أنزله طاغية العراق بالعرب عموماً، وبأهل الكويت خصوصاً، أو ما حلّ بأطفال العراق وشعبه البائس من إخواننا المؤمنين الذين ذهبوا ضحية لهذا التصرف الأهوج، والسياسة الرعناء.

بقدر ما يؤلمنا ما حل بأهل الكويت يؤلمنا ما حل بالشعب العراقي المسلم، نَفَّسَ الله كربه، وفرّج همه، ورفع ضيمه.


ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله

هجمت جيوش البغي على بلد آمن، وجار مطمئن، فانتهكت حرمته، وأهانت كرامته، وكدرت سعادته، روعوا الآمنين، وأخافو المسملين، وسرقوا الفرحة من وجوه الفرحين، فعمت البلية، وكبرت الرزية، وتعقدت القضية، ولكن الله سلم، فهو الحكم العدل، الكريم العظيم، والحكيم العليم، يمقت الظلم وأهله، ويخزي الباغي لبغيه:(يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم..)[يونس:23]وينصر الحق وذويه:(إن تمسسك حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط)[آل عمران:120]، كانت عقوبتهم عاجلة، وعاقبتهم مخزية، يقول صلى الله عليه وسلم"... وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم.."[أخرجه البيهقي في السنة(10/35) من حديث أبي هريرة]-حديث صحيح.

أما أنتم يا أهل الكويت فقد استعنتم بالله فأعانكم، واستنصرتموه فنصركم وسألتموه فأعطاكم، وسخر لكم من رد لكم مجدكم، وأعاد عزمكم، وأزال همكم، وأمـن خوفكم، فإن شكرتموه فأنتم منه في مزيد، وإن كفرتموه-وحاشاكم-فقد خاب كل جبار عنيد. لقد رد الله كيد الكائد في نحره، وأثابه غما بغم، ورد الله الذين ظلموا بغيظهم لم ينالوا خيراً ولم يحققوا مأرباً إلا الخزي والعار، واللعنة والشنار:(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين امنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين امنوا  ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)[آل عمران:140-142].


سرور التحرير

هذه سعاد الصباح تصور حقيقة الفرحة وبهجة العودة، وسرور التحرير فتقول:(بعد مائتين وعشرة أيام وثماني ساعات، وعشرين دقيقة، وخمس ثوان، عددتها على أصابع يدي، كما يعد المساجين فتافيت الخبز، وأعقاب السجائر، وخيطان بطانياتهم.

دخلت عليّ رائحة الكويت من نافذة منفاي في لندن، فاخضر لون دمي وتسلق العشب على جدران ذاكرتي.

ما أطول زمن المحبوسين في زجاجة الأنظمة الفردية.. زمن من الخشب.

لا يتقدم.ولايتأخر. ولا يشيخ.

بعد مائتين وعشرة أيام

أكلت فيها نصف أظافري ونصف دفاتري.

استيقظت صباحاً لأجد مئات الهدايا مكومة فوق سرير.

القمر الكويتي في كيس.

أبراج الكويت في كيس..

دشداشتي الصيفية فى كيس.

ألعاب أولادي، ودفاترهم المدرسية في كيس.

صورة(مبارك الكبير) في كيس.

والبحر، والكورنيش، والسالمية، والجابرية، ومشرف، ودسمان، والشيوخ، والفحيحيل، والأحمدي. ووربة . وفيلكة.

كلها كانت ملفوفة بأوراق”السولوفان”والقصب تنتظر إلى جانب سريري.

رائحة الكويت تهاجمني من كل الجهات.

رائحة الشاي والقهوة في الديوانيات تخترقني من كل مكان.

تبللني . تثقبني. تحضرني.

كنت أتصور قبل احتلال بلادي، أن رائحة الحرية رائحة عاطفية، وشعرية، وكمالية . وأن الطغاة يمكنهم أن يمنعوا استيرادها بمرسوم صادر من مجلس قيادة الثورة، أسوة بكل مستحضرات الحرية الأخرى من أقلام وأوراق ودفاتر.

ولكنني اكتشفت أن رائحة الحرية هي من أقوى الروائح، وأعنفها، وأكثرها التصاقاً بأجسادنا وأرواحنا.

بعد مائتين وعشرة أيام على اختطافها.

عادت إلينا الكويت وجهاً مغسولاً بالدمع والحزن والكبريا.

عادت منهكة، محطمة، ممزقة الثياب، دامية الشفتين.

لن ندخل في تفاصيل خطفها . ولن نسجل إفادتها، ولن نجري معها حواراً صحافياً . لأنها تعاني من صدمة عصبية قوية، ولأن حالتها النفسية لا تسمح لها بالكلام مع أحد.

ثم لن نسألها عن اسم المعتدي، وعنوانه، وأوصافه. فهو معروف جداً . ومشهور جداً. ويظهر كل ليلة على قناة الـ(C.N.N)[راجع كتبا :هل تسمحون لي أن أحب وطني؟].

وهكذا خيمت ليالي السرور، وعادت أوقات البهجة، وأطلت سحائب الأمن.

أبى الله إلا أن يتمم نوره

ويطفئ نار الفاسقين فتخمدا

وينزل ذلاً باللئيم وجنده

كما نقضوا العهد الوثيق المؤكد

فكيف رأيت الله فرق جمعهم

ومزقهم عرض البلاد وشردا

بما نكثوا من بيعةبعد بيعة

إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا

وما أحدثوا من خدعة وعظمية

من الفعل لم تصعد الى الله مصعدا

كذاك يضل الله من كان قلبه

حقوداً ومن والى النفاق وألحدا


ولكن في العين دمعة

وبفضل الله تعالى فقد تجلت المعضلة، وانقشعت الكربة، وأزيحت الكارثة، ولكن بقي في النفس بقية، وفي الفؤاد حسرة، وفي القلب لوعة، وفي العين دمعة، وفي الأحشاء تمزق. إخوان وأحباب، وأهل وأصحاب، وأزواج وزوجات، وأبناء وبنات، تخطفتهم يد فاجرة، وسبتهم ثلة ماكرة، لا يعرف لهم خبر، ولا يدرى عنهم أثر، في دهاليز مظلمة، وغرف معتمة، وعيشة مزعجة، ومعاملة منكرة، لا يسمع أنينهم، ولا يفتر حنينهم، ولا تكف دموعهم، ولا يسكن هجوعهم، ولا يهدأ ولوعهم، ننام ولا ينامون، ونهدأ ولا يهدأون، ونسلوا ولا يسلون، ونضحك ويبكون، ونفرح ويحزنون، ونشبع ويجوعون، ونمرح ونسرح ويُكبلون.

هل رسول وكيف لي برسول

إن ليلي ليل السقيم العليل

هل رسول إلى أخي وشقيقي

ليت أني مكان ذاك الرسول

يا أخي لوترى مكاني فى الحبس

وحالي وزفرتي وعويلي

وعثاري إذا أردت قياماً

وقعودي فى مثقلات الكبول

لرأيت الذي يُغمّ بي الأعداء

أن يسلكوا جميعاً سبيلي

هذه جملة أراني غنياً

معها عن أذاك بالتفصيل

مرت سنوات عديدة، وأزمنة مديدة، وهم في هم وضيق، وخوف وقلق، وشوق والتياع:

لقد جمع الحداد بين عصابة

تُساءل في الأقياد:ماذا ذنوبها ؟

مقرنة الأقدام في السجن تشتكي

ظنابيب قد امسيت متينا علوبها

إذا حَرَسيُّ قعقع الباب أرعشَتْ

فرائص أقوام وطارت قلوبها

بمنزلة أما اللئيم فشامتٌ

بها وكرام الناس بادٍ شحوبها

وهذا أسير لم يجد من يشتكي له إلا القيد الذي في رجله

فناداه قائلاً:

قيدي:أماتعلمني مسلما

ابيت أن تشفق أوترحما

دمي شراب لك واللحم قد

أكلْتَه لا تهشم الأعظما

ارحم طفيلاً طائشاً لبُّه

لم يخش أن يأتيك مسترحما

وارحم أُخَيَّاتٍ له مثله

جرعتهن السم والعلقما

منهن من يفهم شيئاً فقد

خفنا عليه للبكاء العمى

والغير لا يفهم شيئا فما

يفتح إلا للرضاع فما

الأسرى : الدقيقة عندهم كاليوم عندنا، والساعة كالشهر، واليوم كالسنة، ليس لهم من الدنيا إلا أنهم أحياء يعيشون في ركن ضيق منها، ولسان حالهم يهتف قائلاً :

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها

فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا

إذا دخل السجان يوماً لحاجة

عجبنا وقلنا :جاء هذا من الدنيا

ونفرح بالرؤيا فَجُلُّ حديثنا

إذا نحن أصبحنا الحديثُ عن الرؤيا

فإن حسنت كانت بطيئاً مجيئُها

وإن قبحت لم تنتظر وأتت سعيا

كم من أم حنون رؤوم تمزق قلبها، وقرحت أجفانها، وذهب لبها، وضعف فرعها ؛ةليلها بكاء، ونهاره عناء، تبكي ثمرة فؤادها، وتندب أنيس حياتها وتشتاق لرؤية حبيبها، قديماً أسر أبو فراس الحمداني فتجرع مرارة البعد، وتلوع بنار الفراق، وكان أكبر همه وأكثر حزنه على أمه التي طار فؤادها جزعاً، وتمزق قلبها ألماً فهو يخاطب أمه قائلاً:

مصابي جليل والعزاء جميل

وظني بأن الله سوف يديل

جراح تحاماه الأساة مخوفة

وسقمان باد منهما ودخيل

وأسر أقاسيه وليل نجومه

أرى كل شيء غيرهن يزول

تطول بي الساعات وهي قصيرة

وفي كل دهر لا يسرك طول

وإن وراء الستر أمّاً بكاؤها

علي وإن طال الزمان طويل

فيا أمتا لا تعدمي الصبر إنه

إلى الخير والنجح القريب رسول

ويا أمتا لا تخطئي الأجر إنه

على قدر الصبر الجميل جزيل

أما لك في ذات النطاقين أسوة

بمكة والحرب العوان تجول

أراد ابنها أخذ الأمان ولم تجب

وتعلم علماً إنه لقتيل

وكوني كما كانت بأحُد صفية

ولم يشف منها بالبكاء غليل

ولو رد يوماً حمزة الخير حزنها

إذا ماعلتها رنّة وعويل

ومن لم يوقّ الله فهو ممزق

ومن لم يعزَّ اللهُ فهو ذليل

وما لم يرده الله في الأمر كله

فليس لمخلوق إليه سبيل

ويقول في قصيدة أخرى حينما بلغه أن أمه ذهبت إلى سيف الدولة تتشفع عنده ليفادي ابنها وينقذه من الأسر فهو ابن عمه:

يا حسرة  ما أكاد أحملها

آخرها مزعج وأولها

يا أيها الراكبان هل لكما

فى حمل نجوى يخف محملها

قولا لها إن وعت مقالكما

وإن ذكري لها ليذهلها

يا أمتا هذه منازلنا

نتركها تارة وننزلها

يا أمتا هذه مواردنا

نعلها تارة وننهلها

أسلمنا قومنا إلى نوب

أيسرها في القلوب أقتلها

ليست تنال القيود من قدمي

وفي اتباعي رضاك أحملها

بأي عذر رددت والهة

عليك دون الورى مُعَوَّلها

جاءتك تمتاح رد واحدها

ينتظر الناس كيف تُقْفلها

سمحت مني بمهجة كرمت

أنت على ياسها مؤملها

إن كنت لم تبذل الفداء لها

فلم أزل في رضاك أبذلها

تلك المودات كيف تهملها؟

تلك المواعيد، كيف تفضلها؟

تلك العقود التي عقدت لنا

كيف وقد أحجكمت تحللها؟

أرحامنا منك لم تقطعها ؟

ولم تزل دائبا تُوَصَّلها

أين المعالي التي عُرفْتَ بها

تقولها دائما وتفعلها؟

يا واسع الدار كيف توسعها

ونحن في صخرة نزلزلها

يا ناعم الثوب كيف تبدله ؟

ثيابنا  الصوف ما نُبدَّلها

يا راكب الخيل لو بصرت بنا

نحمل اقيادنا وننقلها

رأيت في الضر أوجها كرمت

فارق فيك الجمال أجملها

قد أثر الدهر فى محاسنها

نعرفها تارة ونجهلها

يا منفق المال لا يريد به

إلا المعالي التي يؤثلها

أصبحْتَ تشري مكارماً فُضُلاً

فداؤنا قد علمت أفضلها

لا يقبل الله قبل فرضك ذا

نافلة عنده تَنَفّلها

وهذا الشاعر الأندلسي ابن زيدون يخاطب من وراء القضبان أمه قالاً :

أمقتولة الاجفان مالك والهاً 

ألم تُرِكِ الأيام نجماً هوى قبلي

أقلي بكاء لَسْتِ أول حرة

طوت بالأسى كشحا على مضض الثكل

وفي أم موسى عبرة إذ رمت به

إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي

لعل المليك المجمل الصنع قادراً

له بعد يأس سوف يجمل صنعا لي

ولله فينا علم غيب وحسبنا

به عند جور الجهر من حَكَم َعْدل

طالت الغربة، وعظمت المدة، يرسلون الآهات فترتد كسيرة، ويطلقون الأبصار فتعود حسيرة.

كم من شيخ كبير أسر ابنه هدمته الأيام، ومزقته الآلام، شحب جسمه، وتغير لونه، وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، يعيش في ترقب، ويحيا على أمل، وينتظر أن يأتيه البشير بقميص الحبيب ليلقيه على وجهه عله يرتد بصيراً.

شكى للقريب، وبكى للحبيب والغريب، فلم يجد نتيجة، ولم يظفر بفائدة، فانطرح فى محرابه، ونثر دموعه، واشتكى الى سامع كل شكوى، ومزيل كل بلوى(قال إنما أشكوا بثىِ وحزني إلى الله)[يوسف :86].

قرة العين حبيبي ولدي

ضاع حيث الوجد أوهي جلدي

ليس لي في كربتي من فرج

غير ألطافك يا معتمدي

أنت يا رب ترى ما حل بي

من غرامي بفراقي ولدي

فأجمع الشمل وكن لي راحما

فرجائي فيك أقوى عُدَدِ

كم من زوجة فقدت زوجها، وحسناء أُخذ أليفها .

شوقي إليك على الزمان جديد

والدمع قرح مقلتي ويزيد

وإذا بكيت بكيت من ألم الجوى

إن الفراق على المحب شديد

إذا هدأت العيون لم تهدأ عينها، واذا سكنت القلوب لم يسكن قلبها، تقضي نهارها في بكاء وترقب، وأمل وتطلع، تقرأ الأخبار، وتتابع الأحداث، وتتأمل السطور، وتتفحص الكلمات، تذهب الى شُبَّاكها وتعود أملاً فى وصول الحبيب، وعودة الأنيس، يرن هاتفها فيسارع نبض قلبها، ويتلهف فؤادها عله صوت من الحبيب أو نداء من القريب، يقبل الليل وكل أليف بات في أحضان إلفه، وهي ترعى النجوم، وتسامر البدر، وتعاقر الأحزان.

بكت أن رأت إلفين ضمهما وِكْرُ

دماء وقد أحنى على إلفها الدهر

وناحت فباحت واستراحت بسرها

وما نطقت حرفاً يبوح به سر

لئن فرقت ما بيننا شُقة النوى

طويلاً وحالت دوننا نوب الدهر

فشخصك في عيني وذكرك في فمي

وحبك في قلبي وسرك في صدري

أقسمت أن لا يلذ لها طعام، ولا تهنأ بشراب، ولا تسعد بمنام إلا بعد أن تكتحل العين برؤية الغائب، ويأنس القلب بطلعة الحبيب، تناديه من وراء المسافات والآكام، تتحدث إليه وكأنها تسمع رجع أنينه، ولوعة حنينه.

لبيك يا داعي الأشواق من داع

أسمعت قلبي وإن أخطأت أسماعي

يا هل أراني بذاك الحي مجتمعاً

بأهل ودي من قومي وأشياعي؟

أظل فيها غريب الدار مبتئساً

نابي المضاجع من هم وأوجاع

يظنني من يراني ضاحكاً جذلا

أني خليٌّ وهمي بين أضلاعي

ولا وربك ما وجدي بمندرس

على البعاد ولا صبري بمطواع

لكنني مالك حزمي ومنتظر

أمراً من الله يشفي برح أوجاعي

أكف غَرْب دموعي وهْي جارية

خوف الرقيب وقلبي قلب ملتاع

وفي المقابل أسير حزين، وعاشق مدنف، ومحب واله، يتمنى أن يظفر من الأحبة ولو بنظرة عين، أو جرة قلم، أوطلعة محيا، شَفَّه الوجد، وأبلاه السهر، وقتله الفراق.:

شَفَّني وجدي وأبلاني السهرْ

وتغشتني سمادير الكدْر

فسواد الليل ما إن ينقضي

وبياض الصبح ما إن ينتظرْ

لا أنيس يسمع الشكوى ولا

خبير يأتي ولا طيف يمرْ

بين حيطان وباب موصد

كلما حركه السجان صَرْ

يتمشى دونه حتى إذا

لحقته نبأة مني استقر

كلما درتُ لأقضي حاجة

قالت الظلمة:مهلاً لا تَدُرْ

ظلمة ما إن بها من كوكب

غير أنفاس ترامي بالشرَرْ

فاصبري يا نفس حتى تظفري

إن حسن الصبر مفتاح الظفَرْ

هي أنفاس تقضي والفتى

حيثما كان أسير للقدَرْ

يهتف باسم حبيبته، ويتغنى بذكريات كلامها، ويداعب طيفها، ويتقوت بتخيلها:

أغائبة الشخص عن ناظري

وحاضرة في صميم الفؤاد

عليك السلام بقدر الشجون

ودمع الشئون وقدر السهاد

مرادي لقياك فى كل حين

فياليت أني أعطى مرادي

أقيمي على العهد ما بيننا

ولا تستحيلي لطول البعاد

ينام يناديها ويقوم يناجيها :

بكيت وعندي من فراقك ما عندي

وفي كبدي ما فيه من لوعة الوجد

أغائبة عني وحاضرة معي

لئن غبت عن عيني فإنك في كبدي

أقيمي على العهد الذي كان بيننا

فإن على ما تعلمين من العهد

إذا غرد عصفور أثار لاعج الحزن قلبه.

كأن قطاة علقت من جناحها

على كبدي من شدة الخفقان

وإن سمع نداء ظنه يعنيه:

دعي باسم ليلى غيرها فكأنما

أطار بليلي طائراً كان في صدري

وإن غردت حمامة هيجت دواعي الحنين، وذكرت بأيام الأنس:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة

أيا جارتا هل تشعرين بحالي؟

معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى

ولا خطرت منك الهموم ببال

أتحمل محزون الفؤاد قوادم

على غصن نائي المسافة عال؟

أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا

تعالى أقاسمك الهموم تعالي

تعالي ترى روحاً لدي ضعيفة

تردد في جسم يعذّب بال

أيضحك مأسور وتبكي طليقة

ويسكت محزون ويندب سال؟

لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة

ولكن دمعي في الحوادث غال

وهذا أسير آخر هيجت أشجانه حمامة الروض فيقول:

حمامة الروض قد هيجت أشجاني

لما شدوت بلحن منك أبكاني

نبت بك الدار حتى لا أنيس ولا

خل يواتيك في سر وإعلان

هل تسعفين بألحان مرجعة

من صوتك العذب ما قيست بميزان

نعم لأنك في الدنيا محررة

تمشين من فنن عال لأفنان

أما أنا فطريد الدار مبعدها

بالرغم مني أن أُرْمى بهجران

الأسر جحيم وعناء، وهم وغم، إنه موت بطيء، وإعدام على مهل:

أسجن وقيد واغتراب وعسرة

وفقد حبيب إن ذا لعظيم

وإن امراً تبقى مواثيق عهده

على كل هذا إنه لكريم

كم من بنية صغيرة، وطفلة بريئة، ووردة متفتحة، فارقها أبوها، وهي ترتفع وتلعب، ترتمي بأحضانه، تمشط شعره، تعبث بلحيته، تختبئ وراء ظهره، تتسلق على أكتافه، تستقبله إن جاء ضاحكة مستبشرة تقبل يديه، تتعلق بثيابه، وتحزن إذا أراد  الخروج من المنزل، وتتوسل إليه أن لا يخرج أو يتأخر، أو تحتال لتخرج معه، وتأنس بصحبته، ملأت حياته نوراً وسعادة، وملأ حياتها حباً وحناناً، ثم فجأة وإذا بها تفقد والدها الحنون، وحبيبها العطوف، وسرورها المألوف، تنادي بابا ولا بابا، وتهتف بابا ولا بابا ؛تهرع الى الأم تسأل عن بابا، فيأتي الجواب دموعاً حارة، ونحيباً مميتا، وعبرات منثورة، تسعى الى الجدة :أين بابا؟ فما الجواب إلا أنين موجوع، وصوت مفجوع، ونغم مقطوع، تغدو إلى الجد:أين بابا؟فتخور القوى، وتنهار الأعصاب، وتنهل الدموع، ويجيبها بعبارات يقطعها الأنين، ويمزقها الأسى، إن شاء الله يا حبيبتي بابا يجي، الله ينتقم من الجبار العنيد، الله يفرق شمله، ويمزق قلبه، ويهتك ستره، ثم تكبر الصغيرة الى ان اصبحت في سن الزواج، فيأتي المحبون، ويتهافت الخاطبون، وهي لا تطمح إلى عريس، أو ترضى بأنيس، لا زالت علىأمل عودة والدها ليشارك الفرحة، ويجمل البهجة، ويزين الحفلة:

أقول وفي فؤادي نار وجد

لها ما بين أحشائي اتقادُ

وللأحزان في صدري اعتلاج

وللأفكار في قلبي اطرادُ

ألا هل بالأحبة من لمام

وهل شمل السرور بهم مُعادُ

ولا والله ما اجتمعت ثلاث

فراقهمُ وجفني والرقادُ

قديماً جارت الصروف على رجل عظيم، فجردته من ملكه، وحرمته من مجده، عاش ملكاً عظيماً يصول ويجول، ويأمر وينهى، فعدى عليه الزمن، وخانته الأيام، فإذا به يسكن بعد القصر في قبضة الأسر، وإذا ببناته المعززات بعد أن أكلن الأطايب ومشين على الديباج، ولبسن الذهب إذا بهن يمشين حافيات، ويبتن جائعات، ويعشن فقيرات، فتنهمر دموعه، وتتمزق أحشاؤه، ويهتف قائلاً في أسره:

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس ما يملكن قطميرا

يطأن في الطين والأقدام حافية

كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا

أفطرت في العيد لا عادت إساءته

فكان فطرك للأكباد تفطيرا

قد كان دهرك أن تأمره ممتثلا

فردك الدهر منهياً ومأمورا

من بات بعدك فى ملك يُسَرُّ به

فإنما بات بالأحلام مغرورا

وقد سمع من يدعو له بالبقاء وطول العمر فقال :

دعا لي بالبقاء وكيف يهوى

أسير أن يطول به البقاء

أليس الموت أروح من حياة

يطول على الشقي بها الشقاء

أأرغب أن أعيش أرى بناتي

عواري قد أضر بها الحفاء

ولكن الدعاء إذا دعاه

ضمير خالص نفع الدعاء

سيسلي النفس عمن فات علمي

بأن الكل يدركه الفناء

أيام الأعياد عند الأسرى أيام أحزان، يشتد فيها الهم، ويعظم الغم، وتقوى حرقات الفؤاد .

لا فطر يبهج لا ولا ميلادُ

بان الصحاب فبانت الأعيادُ

عُوَّدْتُ أعيادا يجئن ضواحكاً

فبأي وجه جئت يا ميلادُ

كل يضاحك من يود وإنني

في غربة تُكوى بها الأكباد

والصدر من نكد أقاسي نفحه

كادت كادت تذيب ضلوعه الأنكاد

لا إخوتي سُرُّوا وإن غُمِروا بما

غمروا، ولا عرسي، ولا الأولاد.

يومي هموم كله فإذا أتى

ليل فحزن مقلق وسهاد

ما أن أزور ولا أزار كأنني

ذو عاهة عنه الخليط يُذادُ

يا رب لا فطر يسر لديهم

كلا ولا أضحى ولا ميلاد

حُلَّ الوثاق لكي أعاشر معشراً

أخلاقهم للذائقين شهاد

هم إخوتي وصحابتي وأقاربي

وعشيرتي والأهل والأولاد


واجبنا تجاه الأسرى

ثلاث يعز الصبر عند حلولها

ويذهل عنها عقل كل لبيب

خروج اضطرار من بلاد يحبها

وفرقة إخوان وفقد حبيب

إن الأسرى أمانة في أعناق إخوانهم المسلمين، ولا نعني هنا أسرى الكويت فقط، بل إن كل اسير مسلم له حق على إخوانه المسلمين فى كل مكان، وله واجب النصرة كل بحسبه، إذا أصيب أحد من أفراد أوروبا أو أمريكا تقوم الدنيا ولا تقعد، يهتم بأمره، ويناضل من أجله، ولا تهدأ ثائرتهم حتى ينصروا رجالهم أو نسائهم، أما المسلمون فيقتلون، ويمزقون، ويشردون، ويسجنون، ويؤسرون، وقل أن تجد لهم نصيرا أو عنهم مناضلا، أو باسمهم مطالباً.

إن الأسرى فى حاجة ملحة إليكم أيها المسلمون، أنتم بعد الله ملاذهم، أنتم سندهم، يجب أن نجتهد في فكاكهم، ونبذل الوسع لطلاقهم بكل وسيلة، وبأي طريقة، وما منا من أحد إلا وله وسيلة عظمى، وطريقة مثلى، ألا وهي استمرار الدعاء والانطراح لرب الأرض والسماء، والإلحاج لمن لا يخيب الرجاء.

ولما رأيت الأرض قد سد شطرها

ولم يبق الا بطنها لك مخرجا

دعوت الذي ناداه يونس بعدما

ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا

أما الزعماء والرؤساء  والأمراء وكل من كان له قوة، ويملك حيلة، فمن أوجب الواجبات عليهم السعي لفك أسر إخوانهم، وإزالة الهم، ودفع لغم، وهو أفضل لهم عند الله تعالى من صلاة النفل أوصوم التطوع، أو معاودة الحج والعمرة من أراد أن ينفس الله كربه فليسع لتنفيس كربة مسلم، ومن أراد أن يعتق الله رقبته فليجتهد لعتق رقاب إخوانه:”من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة”[أخرجه مسلم(2/2074) من حديث أبي هريرة]، ولا يجوز ظلم المسلم ولا إسلامه لمن يظلمه أو يهينه أو ينال من كرامته :”المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله فى حاجته"[أخرجه مسلم 4/1996].

ويقول صلى الله عليه وسلم :"أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سروراً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطعمه خبزاً”[أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج من حديث أبي هريرة(حديث حسن)]. وهل هنالك أعظم سرورا على المسلم من فك اسره واطلاق سراحه، وجمع شمله بهله وذويه، وإن التهاون في ذلك والتخاذل عنه مؤذن بخطر، وجالب لعقاب، يقول صلى الله عليه وسلم :”مامن امرئ يخذل امرءا مسلما فى موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته الا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب فيه نصره"[حديث حسن]

لكل دمع جرى من مقلة سبب.

وكيف يملك دمع العين مكتئبُ ؟

لولا مكابدة الأشواق ما دمعت

عين ولا بات قلب فى الحشا يجب

فيا أخا العذل لا تعجل بلائمة

عليّ فالحب سلطان له الغلب

إذا تنفست فاضت زفرتي شررا

كما استنار وراء القدحة اللهب

لم يبق لي غير نفسي ما أجود به

وقد فعلت فهل من رحمة تجب؟

كأن قلبي إذا هاج الغرام به

بين الحشا طائر في الفخ يضطرب

منازل كلما لاحت مخايلها

في صفحة الفكر مني هاجني طرب

فيا سراة الحمى ما بال نصرتكم

ضاقت علي ؟ وأنتم سادة نجب

أضعتموني وكانت لي بكم ثقة

متى خفرتم ذمام العهد يا عرب؟

أليس في الحق ان يلقى الأسير بكم

أمنا إذا خاف أن ينتابه العطب؟

أيها الأحبة الكرام، معذرة إن أثرت أحزانكم، وحركت أشجانكم، وكدرت صفوكم وعكرت انسكم، فهذا أقل واجب تجاه الأحبة، وأدنى معروف نجود به للأصحاب. يجب أن نلهب المشاعر، ونحرك القلوب، ونستثير العواطف، ونضرب على اوتار الحزن والأسى، وندعو للنجدة، والنصرة، ونبذل ما فى وسعنا، ونجود بما فى جهدنا، ومع ذلك فالأمر من قبل ومن بعد للواحد الأحد، ولا يكون من أمر إلا بإذنه، ولا فعل إلا بتقديره، ولا شيء الا بتدبيره، وهو القائل:(..وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)[البقرة :216].

ما يدريك أن أسر هذا الأسير خير له في دينه ودنياه وآخرته، وخير لأهله في دينهم ودنياهم وآخرتهم، قد يدفع الله به شراً أكبر، قد يرفع الله به أقواماً في الآخرة ويعلي درجاتهم، ويعظم حسناتهم.

هذه الآية عظيمة المعنى، جميلة المبنى، رائعة التوجيه، بديعة التنبيه، ومن أسرارها أنها تبين أنه لا أنفع للإنسان من امتثال الأمر حتى إن شق عليه، ومن أسرارها أنها تقتضي التفويض إلى من يعلم عاقبة الأمور، وأن يرضى المرء بما رضيه مولاه، وأن المرء ليس له من العلم إلا ما علمه ربه جل وعلا، فما من مصيبة إلا يعلمها، ولا نازلة إلا وقد كتبها :(من أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور)[الحديد:22-23].

أيها الأسير المحزون.!

أنباء أسرك قد طبَّقْن آفاقا

بل قد عمرن جهات الأرض ِإقلاقا

سارت من الغرب لا تُطوى لها قدم

حتى أتت شرقها تنعاك إشراقا

فأحرق الفجع أكباداً وأفئدة

وأغرق الدمع آماقاً وأحداقاً

قد ضاق صدر المعالي إذ نُعيتَ لها

وقيل إن عليك القيد قد ضاقا

أيها الأسير هذا أحد الأسرى قبلك بعد ان طال به الزمن، واشتد الكرب. هتف قائلاً :

 اقنع بحظك في دنياك ما كانا

وعَزَّ نفسك إن فارقت أوطانا

في الله من كل مفقود مضى عوض

فأشْرِ القلب سلوانا وايمانا

أكلما سنحت ذكرى طربت لها

مجَّت دموعك في خدريك طوفانا

وَطَّنْ على الكره وارقب إثره فرجاً

واستغفر الله تغنم منه غفرانا


وصمة على جبين التاريخ

لقد أضل الله قلب طاغية العراق، وأغوى فؤاده، فقام بذلك الفعل المنكر، والعمل الآثم الذي كان وصمة في جبين التاريخ وسواداً في بياض الأخوة ووالوحدة، وصفعةفي وجه العروبة والعرب، حطم به الآمال، وعَقَّد  به الأحوال، وجلب به الأهوال.

(لقد كان احتلال الكويت قارعة عظمى، ونازلة كبرى على قلوب الأطفال الآمنين ممن كان يتظاهر بحب الأطفال والسؤال عن أحوالهم. هذا الخراب الكبير الذي أحدثه صدام حسين في بنية التاريخ العربي خلال شهر واحد، كيف يمكن ترميمه، وما هو الوقت الذي يتطلبه هذا الترميم؟

خراب هائل ضرب كل قطاعات  حياتنا، سياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وثقافياً، ونفسياً، وأرجعنا ألف عام الى الوراء.

شخص واحد. خطر لـه ان يقامر بكل ما في الوطن العربي من شجر، وبشر، وتاريخ، وتقاليد، وتراث، وأطفال، ونساء، وتلاميذ مدارس، وجامعات، ومكتبات، ورجال أعمال، وأجراء، وأغنياء، وشحاذين.

شخص واحد . أحرق وجه الوطن بالأسيد، وجلس أمام كاميرات التلفزيون بكامل أناقته، ومواهبه . ليطبطب على أكتاف الاطفال الانجليز. ويسألهم بأبوة مصطنعة، إذا كانوا”متونسين”في بغداد . وإذا كانوا قد ناموا جيدا . وشربوا كوب الحليب اليومي . أي أبوة؟. أي نوم؟. أي حليب؟. يا سيادة الرئيس.

وإذا كان بالك مشغولا على الأطفال الانجليز .فلماذا لم تسأل عن الأطفال الكويتيين .الذين طردتهم من بيوتهم . ومدارسهم .ورميتهم على قارعة الطريق ؟

ولماذا لم تسأل عن الأطفال المصريين الذين مات نصفهم عطشاً . وجوعاً. وتعباً. وهم يخترقون الصحراء إلى الحدود الأردنية.

كيف يمكن ان تكون الأبوة(إنجليزية) . أو(دانماركية) أو(نمساوية). ولا تكون أبوة(كويتية) أو(مصرية).وأنت الذي تدعي أنك أبو العرب وملكهم، وامبراطورهم . وحامي حماهم. من المحيط إلى الخليج؟

شخص واحد تسبب بكل هذا الخراب.دون أن يقرأ الفاتحة، أويسمي بالرحمن، أو يستفتي ربه، أو يستفتي شعبه.

وإذاكان الخراب الاقتصادي الذي أجهض كل مشاريع التنمية، والاستثمار والتعمير في الوطن العربي، وهز دعائم الدخل القومي، وحول الثروة العربية في أيام معدودات إلى رماد.

أقول:إذا كان الخراب الذي حل بالاقتصاد العربي مخيفا فإن الخراب النفسي الذي لحق بالنفس العربية أشد وأدهى.

وإذا كان الخراب الاقتصادي، قابلاً للترميم، فمن يرمم النفس العربية مما أصابها من رضوض وكسور وخيبات أمل ؟

إن ما يشغل بالي حقاً في أزمة الخليج، ليس الخسائر المادية التي اصابت المنطقة، فكل الأزمات المادية يمكن تجاوزها مع الزمن، ولكن ما يشغل بالي هو هذا الزلزال الروحي الرهيب الذي هز نفوس أطفالنا واغتال أحلامهم الجميلة بالوحدة الكبرى . لقد أعطى النظام العراقي للأجيال العربية الجديدة درسا مرعبا في الوحدة، حين استيقظ الأطفال في فجر 2أغسطس(آب) ليجدوا أن الدبابات هرست عظامهم، وأوراقهم، وأقلامهم، وأحلامهم الوحدوية التي تعلموها يفي الكتب المدرسية .

كيف نعتذر لهؤلاء الأطفال، حين يكتشفون أن الوحدة العربية التي بشرناهم بها قد حولتهم إلى مشردين ولاجئين ويتامى، وأن الاستعمار العربي، لا يقل شراسة وهمجية عن الاستعمار الغربي؟

وماذا نقول للأطفال الذين علمناهم منذ ولادتهم أن، العرب أمة واحدة وعائلة واحدة، وكيان واحد، وأن الوحدة هي قدرهم الأول والأخير.عندما يكتشفون أننا كنا نكذب عليهم؟الخطير في الأمر، أن الدبابات العراقية لم تحفر طريقها في شوارع الكويت فقط، ولكن جنازيرهم حفرت طريقها في نفوس الأطفال الكويتيين، وفي عقولهم، وفي مخيلتهم.

فالأطفال الكويتيون الذين كانوا يصفقون للرئيس صدام حسين عندما كانوا يرونه على شاشة التلفزيون، يداعب الأطفال، ويتودد إلى الجنود، ويواسي أبناء الشهداء، لم يصدقوا أن بطلهم المغوار يمكن أن يدخل عليهم وهم نائمون في فراشهم، ويجردهم من ثيابهم، وألعابهم.، وضحكاتهم وحصالات نقودهم. وساندوتيشاتهم).

[سعاد الصباح-هل تسمحوا لي أن أحب وطني؟]


 قصائد للأسرى

مأساة الأسرى مأساة تقلق كل مسلم، وتزعج كل غيور وتؤرق كل محب، والشعر تغنى بالأسرى، وترنم بآمالهم وآلامهم، وبكى لبكائهم، وهتف لنصرتهم، وقد كثرت القصائد الشعرية من كل فنون الشعر وألوان البيان، ولسنا هنا بصدد جمع القصائد التي قيلت، والمشاعر التي تدفقت، فهي خير كثير، وعطاء غزير، وقد اخترت هذه القصائد التي ألقيت في أسبوع وزارة الأوقاف الكويتية الذي أقامته تضامنا مع الأسرى.


أين أسرى الكويت؟!

شعر الدكتور :عبد الرحمن العشماوي

نسي البحر موجه ياعراقُ

ومحا صفحة اللقاء الفراقُ

وشكت أنجم السماء وغامت

وطوى جبهة الهلال المحاق

وبكت مقلة الرشيد انكساراً

بعد أن كان دمعها لا يراق

فكأن الفرات دمع حزين

وبخار الأمواج فيه احتراق

وكأني أرى الرصافة تنسي

ما عيون المها وما الأحداق

عين بغداد لا تكاد تريني

كيف تبدو للناظر الأشواق

أين ميدان علمها كيف غابت

عنه شمس الضحى وفات السباق

كيف صار التاريخ فيها يعاني

من جراح آلامها لا تطاق

كيف صار الجوار قتلاً وأسرا

واعتداءً ضاقت به الآفاق

أأسير فى بيت جار قريب

ليت شعري الحزين، أين الوفاق

أين أسرى الكويت يا ليت شعري

كيف يحمي بنوده الميثاق

أين أسرى الكويت، هذا سؤال

تستحي من جوابه الأخلاق

 يا غصون اللقاء ليس بعيداً

أن تغني بخصبها الأوراق


أسراك . أسراي

شعر الدكتور :عبد الرحمن العشماوي

كويت هل أبصرت عيناك من وفدا

وهل رأيت خيال الشعر حين بدا؟

وهل سمعت دعاء القلب حين دعا

وبلبل الحب وا حين شدا؟

وهل رأيت غيوماً حينما ظهرت

في مقلتيك . وفا برق بما وعدا؟

وهل رأيت الفتى لما أتاك على

مشارف اللغة الفصحى يمد يدا ؟

وعلم الفجر معنى الفجر حين تلا

آياً من الذكر تهمي حكمة وهدى

وحين أسرج خيل الحب في زمن

يبادل الحب من لا يبتغي رشدا

كويت هل حدّث البحرُ العميق بما

تلقى شواطئه لما ترى زبدا ؟

وهل رأيت نجوم الليل حين بكت

بحرقة، حين غاب البدر وابتعدا؟

كويت . آمالنا في الله واحدة

فمنه نطلب، لا من غيره، المددا

أسراك أسراي. أرجو أن يطيب بهم

يوم اللقاء، فيصفو قلب من وجدا

كويت. للحق صرح لا يهدمه

طغيان طاغ، على معنى الإخاء عدا

وللبطولات أوصاف يقوم بها

من لم يضع عمره في الموبقات سدى

وللمودة نبع لا يكدّره

من أضمر الحقد في جنبيه والحسدا

كل الذين ارتموا فى حضن رغبتهم

سيشربون كؤوس الخاسرين غدا


هتاف الأسير

شعر الدكتور :ناصر بن مسفر الزهراني

هبت الأسد للوغى والكفاحِ

لنضال عن الحمى المستباحِ

جاءنا الغدر من زعيم لئيم

بات يزهو بالظلم فى كل ساحِ

كم بذلنا له من الحب صفواً

فجزانا بخدعةواجتياح

فانبرينا في همه لا تبارى

نخطب الموت في الربا والبطاح

فغبار الأقدام فى دفع ضيم

بات أزكى من الشذى والأقاح

قد بذلنا نفوسنا للمنايا

ووهبنا صدورنا للرماح

وأنجلى الهم عن كويت المعالي

موطن الفضل والنهى والصلاح

غير أني ما عشت ما عاش قومي

من سرور وبهجة وانشراح

كبلوني وأودعوني أسيراً

ورموني لمعضلات فداح

يشرب القيد من دمي كل يوم

يتغذى بلحم ساق وراح

أحتسي الهم ِأشرب الظلم قسراً

أين مني زلال عدل قراح

من يُجَلَّى سحائب الهم عني

من يداوي – بفك أسر-جراحي

طال ليل العذاب والقهر فامنن

يا إلهي بومضة من صباح

فاتكالي عليك عنوان نصري

ودعائي عند الرزايا سلاحي

هذه صرخة من الأسر حَرَّى

هذه نفثة الأسى والنواح

ونداء لكل قلب عطوف

للمحبين في جميع النواحي

أن يصوغوا ملاحماً من نضال

أن يهبوا لكي يفكوا سراحي

وبكائي وحرقتي والتياعي

واشتياقي وغربتي وانتزاحي

سوف تحظى بنصرة واهتمام

في المغاوير من رجال الصباح


الصبر

قالتعالى :(والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)[العصر:1-3]

وقال تعالى :(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)[آل عمران :140-142]

الصبر مطية لا تكبو، وصارم لا ينبو، وحصن لا يهدم، وحد لا يثلم، الصبر أفضل عدة على الشدة، وأكرم وسيلة لنيل الفضيلة، وأجمل اسلوب لطمأنينة القلوب، الصبر حسن توفيق، وأمارة سعادة، ودليل رشادة، وعنوان إيمان، ونموذج إذعان، الصبر رضى بالقدر، وتحمل للبلاء، وتسليم للجبار، واستجابة لمقدر الأقدار.

الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب، وحبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع.

والحادثات إذا أصابك بؤسها

فهو الذي أدراك كيف نعيمها

إذا ادلهمت الأمور، واسودت الحياة، وأظلمت الدنيا فالصبر ضياء‍

إذا عظم الجزع، واشتد الخوف، وهيمن القلق، فالصبر جلاء‍

إذا انسدت المطالب، وعظمت المصائب، وكثرت الرزايا، وزادت البلايا، فالصبر دواء‍.

إذا نزل المكروه، وحل الأمر المخوف، واحتيج لمصارعة الحتوف، فالصبر التجاء.

إذا أصبح الدين في غربة، والإسلام في كربة، وعمت المعاصي، وهيمنت الشهوات، وعظمت الشبهات، فالصبر عزاء‍

قال تعالى) يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين)[البقرة:153].

أعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر . بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور، وعند انسداد الفُرَج تبدو مطالع الفَرَج، ومن يتصبر يصبره الله .

الصبر دليل على عظمة الإرادة، وقوة العزيمة(وَلَمَنْ صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)[الشورى:43].

الصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش نهو تجرع المرارة من غير تعبس، والرضا بالمكتوب من دون تسخط، هو البعد عن المخالفة، والسكون عند تجرع الغصة، وإظهار الغنى مع حلول الفقر، والوقوف مع البلاء بحسن الأدب، وترك الشكوى، وهو من آكد الدلائل على المحبة، وأصدق البراهين على الأيمان، فهو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له(.. والله يحب الصابرين)[آل عمران:[146].

الصبر في القرآن الكريم:

الصابرون تفتح لهم الأبواب، ويوفون أجورهم بغير حساب، ويعطون جزاءهم بأحسن أعمالهم، قال جل وعلا(. ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)[النحل:96)، زفت لهم البشارة فقيل لهم(.وبشر الصابرين)[البقرة:155]، وبشروا بقبول الأعمال الصالحة، والحظوظ العظيمة، فقيل عنهم:(وما يُلقَّاها الا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)[فصلت:35].

الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، وتمام المنة، ودخول الجنة..يناله الصابرون(.. والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)[الرعد:23-24]، وكفى بالصبر شرفاً أنه اسم من أسماء الله جل وعلا، فمن اسمائه:"الصبور"، وهو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام، وقد ورد الصبر في القرآن الكريم في سياقات عديدة منها :

1-الثناء على أهله، قال تعالى:(.. والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك صدقوا وأولئك هم المتقون)[البقرة:177].

2-الاستجابة لأمر الله تعالى بالصبر والاستعانة به، (يا أيها اللذين أمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين)[البقرة:153].

3 – الإخبار أن أهل الصبر مع أهل العزائم، قال تعالى(ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)[الشورى:43].

4-يورث صاحبه الإمامة، قال تعالى(وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا)[السجدة :24].

وقد قيل :الصبر لله غناء، وبالله بقاء، وفي الله بلاء، ومع الله وفاء وعن الله جفاء، والصبر على الطلب عنوان الظفر، وفي المحن عنوان الفرج.

حاجة الأمة للصبر:

الصبر منزلته رفيعة، ودرجته عظيمة، وعاقبته حسنة، وأجره بغير حساب.إذا احتاجت الأمم قبلنا للصبر، ولاذت بأبوابه، انطرحت على أعتابه، وتعلقت بحباله، فليس أحد اليوم أحوج من أمة الإسلام إلى الصبر.فقد حلت بها الكوارث، ونزلت بها المصائب، وتآمر عليها الأعداء، وتكالب عليها الخصوم.

إذا كان المؤمن فيما مضى محتاجاً للصبر، ومتعرضاً للفتن، ومنغصاً بالمحن، فليس أحد اليوم أحوج من المؤمن إلى الصبر.فما أعظم البلية، وما أشد الكربة، وما أصدق الغربة!!شهوات محدقة، وشبهات مغرقة، وفتن مقلقة، ونوازل مفزعة، وكوارث مذهلة.عظم البلاء، واشتد العداء، وكثرت الأدواء، وخلع جلباب الحياء، والصابر على الطاعة كالقابض على الجمر، والملتزم بالدين كالفريسة بين الأسود الضارية، كل يتحرش به، كل يريد الانقضاض عليه، كل يريد أن يمزق جسده، ويقطع لحمه، ويشرب دمه.وما من دولة تبدي توجها للدين، أو احتراماً للمبدأ، أو تطبيقا للشرع، إلا وانقض عليها الأعداء، وحاربها الألداء، وصوبت إليها السهام، ورميت بالتهم العظام.

والصابر اليوم عن المعصية يتلظى بنار حامية، وتعرض له في كل يوم داهية، يهرب من المعصية فتلاحقه، يتحصن في بيته فتتسلق جدران البيت وتدلف إليه، يفر الى البر يجدها أمامه، يلوذ بالبحر فإذا بها تستقبله، يحلق في الجو فتقول له هيت لك. ان استنقذ منها نفسه عجز عن استنقاذ ابنائه وذويه. فلا حول ولا قوة الا بالله ولكن(..وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً..)[آل عمران:120]، (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)[آل عمران:200].

أقسام الصبر:

الصبر على ثلاثة أقسام:صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية وصبر على المصائب والحوادث.

وحديثنا عن الصبر على الحوادث والمصائب.

فى هذا الزمن كثرت الحوادث، وعظمت الكوارث، وتعددت المصائب، واصبح الانسان فى وجل لا ينقطع، وخوف لا ينتهي فهو خائف يترقب لكثرة ما يرى من النوازل وما يسمع من الحوادث، فيومٌ يرى أن فلاناً فُجع فى أهله وأبنائه، ويوم يسمع ان فلاناً الذي في أحسن صحة وعافية ابتلي بمرض خبيث، وبلاء مجهز، أو قطعت يده، أو بترت قدمه، ويوم يسمع أن ذلك الآمن فى بيته المستتر بستر ربه قد عرضه أبناؤه لكارثة عظيمة، أو فضيحة كبيرة، انتشر موت الفجاءة، وتعددت الأمراض المفزعة، وكثرت الخسائر الفادحة، والنكبات المدمرة، والأمراض التي لم تكن فيمن قبلنا . وإنني أذكر نفسي وإخواني بأهمية الصبر، وعظمة الأجر، فإن كلاًمّنا معرض لشيء من هذه الحوادث، وتلك النوازل، وقد تأتيه بغتة، وتحل به فجأة، وهو في غفلة ودعة، وراحة وسرور، فيفاجأ بالنبأ، ويصعق للخبر، ويتضجر من القدر، ويحتسب المصيبة، ويدخر الفجيعة فإن من علامات السعادة للمؤمن الصبر على الملمات، والرفق عند النوازل، والرضى عند الحوادث.

لا يملأ الهول صدري قبل وقعته

ولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا

ما سُدّ لي مطلع ضاقت ثنيته

إلا وجدت وراء الضيق متسعا

وقد جمع الله تعالى للصابرين أربعة أمور لم يجمعها لغيرهم وهي :حسن البشارة والصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته لهم، فقال:(.. وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)[البقرة:155-157].

يقول صلى الله عليه وسلم:”ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله(... إنا لله وإنا إليه راجعون)[البقرة:156]اللهم أجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها"[رواه مسلم].

ما يُهوَّن المصائب:

هنالك أمران مما يسلي المؤمن في مصيبته، ويعينه عند محنته:

الاول :أن يعرف أن أهله وماله ملك لله عز وجل على الحقيقة، وانه ليس إلا أميناً على ما في يده، فإذا أخذه الله تعالى منه فكأنه رد الأمانة إلى صاحبها، فليس العبد هو الذي أوجد الشيء، وإن المالك الحقيقي لذلك هو الله عز وجل، وهو المتصرف في ما يريد.

الثاني:ما دام مصير العبد إلى الله فيجب عليه أن يعمل ان هذه الدنيا إنما هي رحلة قصيرة مهما طالت، وأنه سيتركها عاجلاً أو آجلاً وأنه سيلقى ربه كما خلق اول مرة بلا أهل ولا مال، وإنما سيلقاه بحسناته وسيئاته، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يفرح بموجود، ويأمن لمفقود؟وذلك ما يوحي به قوله تعالى(.. إنا لله وإنا إليه راجعون)[البقرة:156].

إن الأمور إذا سدت مطالبها

فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا

لا تيأسن وان طالت مطالبه

إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا

أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته

ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

يقول الله تعالى :(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين)[البقرة:155].

الصبر في السنة:

ويقول صلى الله عليه وسلم"عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ان أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وان أصابته ضراء صبر فكان خيراً له”[رواه مسلم].

مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال :”اتقي الله واصبري"فقالت:إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي-ولم تعرفه، فقيل لها :انه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد  عنده بوابين فقالت لم أعرفك، فقال:”إنما الصبر عند الصدمة الأولى"[رواه مسلم]

وفي الحديث القدسي يقول تعالى :”ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة"[رواه البخاري].

ويقول صلى الله عليه وسلم :”ما يصيب المسلم من نَصَب ولا وَصَب ولا هَمّ ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّرَ الله بها من خطاياه"[رواه البخاري].

ويقول صلى الله عليه وسلم:"ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها الا كفَّرَ الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها"[رواه الشيخان].

ويقول صلى الله عليه وسلم:"ان عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط"[رواه الترمذي].

فيا من بليت بمصيبة من مرض مزعج، أو ألم مضن، أو فقد لقريب، أوموت لحبيب، عليك بالصبر فإنه مرضاة للرب، مذهب للهم، طارد للغم، معظم للأجر، مؤذن بالعوض.

إن الذي عَقَد الذي انعقَدَتْ له

عُقد المكاره فيك يملكُ حلَّها

صبرا فإن الصبر يعقب راحة

ولعلها أن تنجلي ولعلها

ويقول صلى الله عليه وسلم”إذا أحب الله قوماً ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع"[رواه احمد].

ويقول صلى الله عليه وسلم:"واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا"[رواه أحمد].

واستمع الى هذا الحديث الناصع، والكلم الرائع، من الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي :”ما ينزل البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة"[رواه الترمذي].

من أقوالهم في الصبر :

قال ابن عقيل :"النعم أضياف وقراها الشكر، والبلايا أضياف وقراها الصبر، فاجتهد أن ترحل الأضياف شاكرة حُسْن القرى، شاهدة بما تسمع وترى".

وقال الشيخ تقي الدين:”من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم من الشدة والضر مايلجئهم الى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون أحداً سواه، فتتعلق قلوبهم به لا بغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة اليه وحلاوة الإيمان وذوق طعمه والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف، أو الجدب أو الضر، وما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يعبر عنه مقال، ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه، ولهذا قيل:يا ابن آدم لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك".

يجب أن يتعلم العبد أنه وما يملكه لله تعالى، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال تعالى:(ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن، ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخورٍ)[الحديد:22-23].

وأن الله لو شاء جعل مصيبته أعظم مما هي، وأنه إن صبر أخلف الله عليه أعظم من فوات مصيبته، وأن المصيبة لا تختص، به فيتأسى بأهل المصائب، ومصيبة بعضها أعظم، وأن سرور الدنيا مع قلته وانقطاعه منغص.

وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال :لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحاً إلا ملئ ترحاً.

وقال ابن سيرين-رحمه الله-:ما كان ضحك قط إلا كان بعده بكاء، وقد شاهد الناس من تغير الدنيا بأهلها في أسرع ما يكون العجائب.

وقالت هند بنت النعمان بن المنذر:لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكاً، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن من أقل الناس، وإنه حق على الله أن لا يملأ داراً حبرة إلا ملأها عبرة.

وبكت أختها يوماً، وهي فى عزها فقيل:ما يبكيك لعل أحداً آذاك؟قالت:لا ولكن رأيت غضارة في أهلي وقلما امتلأت دار سروراً إلا امتلأت حزناً .

ويقول ابن رجب-رحمه الله-(وقوله صلى الله عليه وسلم:”فإن مع العسر يسرا"هو منتزع من قوله تعالى(.. سيجعل الله بعد عسرٍ يسراً)[الطلاق:7]، وقوله عز وجل(فإن مع العسرِ يسراً، إن مع العسرِ يسراً)[الشرح:5-6].

ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر :أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى، حصل للعبد اليأس من كشفه من جهة المخلوقين فتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال تعالى(.. ومن يتوكل على الله فهو حسبه..)[الطلاق:3].

وأيضاَ، فإن المؤمن إذا استبطأ الفرج، وأيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه، ولم يظهر عليه أثر الإجابة، فرجع إلى نفسه باللائمة، وقال لها :إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت، وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات، فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه أهل لما نزل من البلاء، وانه ليس أهلا لإجابة الدعاء، فلذلك تسرع غليه حينئذ إجابة الدعاء، وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله.

وقال الأشعث بن قيس:إنك إن صبرت إيمانا واحتساباً وإلا سلوت سلو البهائم، واعلم ان الذي ابتلاه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ليمتحن صبره ويسمع تضرعه ويخوفه، قال تعالى :(ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون)[المؤمنون:76].

وقال تعالى(... وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون)[الزخرف:48].

قال الشيخ عبد  القادر :يا بني.. المصيبة ما جاءت لتهلك، وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك، يا بني.. القدر سبع، والسبع لا يأكل الميتة، والمصيبة كير العبد، فإما يخرج ذهبا أو خبثا، كما قيل:

سبكناه ونحسبه لجيناً

فأبدى الكير عن خبث الحديد


الصابرون

أنتقل بكم الى بستان الصابرين، وحديقة الشاكرين، ومنتجع المحتسبين، لنشتم عبق الصبر الصادق، ونتذوق حلاوة الرضا ولذة الاحتساب، ونتفيأ ظلال الصبر، ونقطف من ثمر الشكر.نعيش مع أخبار ثلة من المؤمنين، وكوكبة من الصابرين، لأن في ذكرهم سلوة، وفي قصصهم عبرة، وفي أخبارهم عظة، ومن رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته، قال سبحانه(.. وذَكَّرْهُم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صَبَّار شكور)[ابراهيم:5].

أشد الناس بلاءً:

أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.

لقد ابتلى الله تعالى أحب الناس إليه، وأكرمهم عليه، وأقربهم عنده، فتلك سنة جارية، وطريقة ماضية، لرفعة الدرجة، وإعلاء المنزلة وتمحيص الحب، وتصفية القصد، وامتحان الولاء، واختبار الوفاء لذلك نزلت بأنبياء الله تعالى مصائب مفزعة، وكوارث مذهلة فما ازدادوا إلا صبراً، وما أفعموا إلا يقيناً، وما أعلنوا إلا رضا، قال تعالى بعد أن أثنى على أيوب وصبره(وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كُلٌّ مِن الصابرين، وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين)[الأنبياء:85-86].

كم لقوا من العناء، وكم واجهوا من البلاء، وتعرضوا للاستهزاء!فجعوا فى حبيب، وأصيبوا في قريب، واتهموا في عرض، وجرحوا فى كرامة!! فكانوا مثالاً في الصبر، وآية في العزم، ونموذجاً في الإصرار، وأعلاماً في التضحية، وإن كان الأنبياء مروا بأنواع من البلاء، وأعداد من المصائب، وأشكال من النوازل، فإن البلاء كله، والامتحان أشده، والنكال أعظمه، والعناء أوجعه، والعنت أشقه، تعرض له أكرم إنسان، وأعز مخلوق، وأطهر بشر، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقد أمره مولاه جل وعلا بالصبر في آيات كثيرة، وبين له أن ذلك دأب المرسلين قبله، فطمأن فؤاده بأخبارهم، وقوى عزيمته بعرض سيرهم، وقال سبحانه(فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم)[الأحقاف:35].

تفننوا في إيذائه، وتمادوا في معاندته، وهو صابر محتسب يلهج إلى السماء بقوله:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"[رواه الشيخان].

وما ازداد إلا قوة ويقيناً، وصبرا وتضحية، وعزماً وإصراراً، عبرت سفينة صبره بحور البلاء، واقتحمت أمواج العناد، وتحطمت على عزائم إصراره فلول الشرك، وكتائب المكر، وقلاع الجحود، وحصون الباطل.

لقد كان مؤمناً بربه، واثقاً بنصره، كيف لا وهو تعالى القائل(ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبر وماصبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)[النحل:126-128].

فوضت أمرك للديان مصطبراً

بصدق نفس وعزم غير منثلم

ولَّى أبوك عن الدنيا ولم تره

وأنت مرتهن لا زلت في الرحم

وما تت الأم لما أن أنست بها

ولم تكن حين ولت بالغ الحلم

ومات جدك من بعد الولوع به

فكنت من بعدهم فى ذروة اليتم

فجاء عمك حصنا تستكن به

فاختاره الموت والأعداء في الأجم

ترمى وتؤذى بأصناف العذاب فما

رئيت فى ثوب جبار ومنتقم

حتى على كتفيك الطاهرين رموا

سلا الجزور بكف المشرك القزم

أما خديجة من أعطتك بهجتها

وألبستك رداء العطف والكرم

عدت إلى جنة الباري ورحمته

فسأسلمتك لجرح غير ملتئم

والقلب أفعم من حب لعائشة

ما أعظم الخطب فالعرض الشريف رُمي

وشج وجهك ثم الجيش في أحد

يعود ما بين مقتول ومنهزم

لمارزقت بإبراهيم وامتلأت

به حياتك بات الأمر كالعدم

ورغم تلك الرزايا والخطوب وما

رأيت من لوعة كبرى ومن ألم

ما كنت تحمل إلا قلب محتسب

في عزم متقد في وجه مبتسم

بنيت بالصبر مجداً لا يماثله

مجد وغيرك عن نهج الرشاد عم

بل لقد كُتِب البلاء على أبي البشرية آدم-عليه السلام-فهو أول من تعرض للبلاء فإن الله خلقه في الجنة، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له ملائكته، ونهاه عن أكل الشجرة، فوسوس له الشيطان، وكان منه ما قاله الرحمن فى محكم كتابه(.. وعصى آدمُ ربَّه فغوى، ثم اجتباه ربُّه فتاب عليه وهدى)؟[طه:121-122].

هذا بعدأ، أهبطه الله إلى الأرض، وأفقده لذيذ ذلك العيش، فانتقضت عادته، وغلظت محنته، وقتل أحد ابنيه الآخر، وكانا أول أولاده.

فلما طال حزنه وبكاؤه، واتصل استغفاره ودعاؤه، رحم الله عز وجل تذلـله وخضوعه، واستكانته ودموعه، فتاب عليه وهداه، وكشف ما به ونجاه.

فكان آدم عليه السلام أول من دعا فأجيب، وامتحن فأثيب، وخرج من ضيق وكرب، إلى سعة ورحب، وسلا همومه، ونسي غمومه، وأيقن بتجديد الله عليه النعم، وإزالته عنه النقم، وأنه تعالى إذا استُرْحِم رَحِم.

فأبدله تعالى بتلك الشدائداُ وعوَّضه عن الابن المفقود، والابن العاق الموجود، نبي الله شيث صلى الله عليه، وهو أول الأولاد البررة بالوالدين، ووالد النبيين والصالحين، وأبو الملوك الجبارين، الذي جعل الله ذريته هم الباقين، وخصهم من النعم بما لا يحيط به وصف الواصفين.

وهكذا الأنبياء-عليهم السلام-ما منهم نبي إلا وتعرض للبلاء، نوح وإبراهيم ولوط ويونس وموسى وعيسى عليهم السلام، ولكن ثقتهم بالله عظيمة، ورضاهم بقدره مشهود.

هذا يعقوب – عليه السلام-بعد أن فقد أحب أبنائه إلى قلبه، وأقربهم إلى نفسه:يوسف – عليه السلام-وحزن عليه حزناً شديداً(وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم)[يوسف:84] بعد هذا الهم الكبير، فقد ابنه الآخر(بنيامين) حينما احتجزه يوسف عنده في مصر، فلما جاءه خبر غيبة(بنيامين) لم يزد جزعُه، وينفذ صبره، ويبدو تسخطه، بل قال في ثقة المؤمن، وهدوء الصابر(..عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً)[يوسف:83].

وممن تعرض للبلاء الشديد من أنبياء الله تعالى أيوب عليه السلام، فقد ابتلي بضر في جسده وماله وولده، حتى لم يبق من جسده مغرز إبرة سليماً سوى قلبه.ولم يبق له من حال الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه. غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله ورسوله، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحواً من ثماني عشرة سنة وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا، فسلب جميع ذلك، حتى آل به الحال إلى أن ألقي في مزبلة من مزابل البلدة هذه السنوات كلها .وكان من يمر به يسد أنفه، ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته-رضي الله عنها-فإنها كانت لا تفارقه صباحاً ولا مساء إلا بسبب خدمة الناس، ثم تعود اليه فلما طال المطال، واشتد الحال، وانتهى القدر المقدور، وتم الأجل المقدر، تضرع إلى رب العالمين، وإله المرسلين، وأرحم الراحمين فقال(.. أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)[الأنبياء:83]فعند ذلك استجاب له، وقَبَل دعوته، ولبى نداءه فأمره أن يقوم من مقامه، وأن يركض الأرض برجله، ففعل ذلك، فأنبع الله عيناً وأمره أن يغتسل منها، فأذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها فأذهبت ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهراً وباطنا وذلك كله ثمرة الصبر، ونتيجة الاحتساب، وفائدة الرضى، قال تعالى) واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسنى الشيطان بنُصْبٍ وعذاب، اُرْكُضْ بِرِجْلِك هذا مُغْتَسَلُ بارد وشراب، ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمةً منا وذكرى لأولي الألباب، وخذ بيدك ضِغْثاً فاضْربْ  به ولا تحنثْ إنَّا وجدناه صابراً نِعْمَ العبدُ إنه أواب)[ص:41-44].

سأل رجل الشافعي-رحمه الله-فقال : يا أبا عبد الله أيهما أفضل للرجل أن يُمَكَّن فيشكر الله عز وجل؟أو يبتلى الشر فيصبر؟فقال الشافعي"لا يُمَكّن  حتى يُبْتلَى فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم ومحمداً-صلوات الله عليهم أجمعين-فلما صبروا مَكَّنهم فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة".

وما هذ    ه الأيام إلا منازل

فمن منزل رحب الى منزل ضنك

ولقد سجل المسلمون على مَرَّ التاريخ أروع آيات الصبر، وأسمى أحاديث الشكر، قرؤوا ما أعد الله للصابرين فاحتسبوا وصبروا . وتأملوا سنة المصطفى المين فاقتدوا وتأسوا، أرخوا سمعهم لنداء المولى فإذا به يقول(.. وبَشَّر  الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)[البقرة:155-157].

ونظروا إلى حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فإذا به يقول :”ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفَّر الله بها سيئاته، وحُطَّتْ عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها”[رواه الشيخان].

كتبت أسرة آل ياسر أعظم آيات الصبر، واحتملت أشد أنواع الأذى وأفدح البلاء فمات ياسر-رضي الله عنه وأرضاه-تحت العذاب وماتت سمية-رضي الله عنها-بطعنة فاجرة غادرة من أبي جهل، ورُمي عبد الله فسقط ولم يبق منهم إلا عمار-رضي الله عنه-الذي واصل مسيرة الصبر وقصة الكفاح، ورواية التضحية في خدمة الإسلام.

وصَبَر بلال على ما لا يطاق، وتحمل ما لا يحتمل، وصبر خباب وابن مسعود، وصبرت عائشة، وأم سلمة، وذات النطاقين وغيرهم من أولئك الأفذاذ العظماء، والأبطال النجباء الذين صبروا على كل ما أصابهم فى سبيل الله وفي مرضاته، رضي الله عنهم اجمعين وجمعنا بهم فى جنات النعيم.

كم رؤوس تعجب الموت منها

ودماء منثورة عابقات

أمهر الحبَّ جعفرٌ وخُبيبٌ

بنفوس من أجله زاهقات

يُبتلى آل ياسر ثم تُهدى

للمنايا(سمية) الساميات

ضَمَّخت سكة الهوى للصبايا

بعبير من همة القانتات

إنها درة بعقد مضيء

يتحلى بالكُمَّل المحصنات

وبلال في وقدة الرمل يُلقى

لينادي بـ(لاتهم) أو(مناة)

كلما أمعنوا عذابا ينادي

(أَحَدٌ) لم تطق سواهاشفاتي

و(أبو جابر) يُنادى كفاحاً

ويُمَنَّى بأحسن الأمنيات

و(حبيب) يُبَضَّع الجسم حيَّاً

بسيوف غدارة خائنات

لم يَلنْ عزمه وما صاغ حرفاً

من خضوع أو ذلة للغواة

سطروا قصة الهوى بحروف

سوف تبقى عن البلى خالدات

هكذا الحب لوعة وامتثال

واشتياق يصاغ في تضحيات

أيها الأحبة :هذا زمن كثرت فيه المصائب، وعمت فيه الحوادث وعظمت فيه الفواجع، فيجب على المسلم إذا ابتلي بشيء من ذلك أن يقابله بالصبر، ويتلقاه بالرضا، ويستقبله بالتسليم ليكون ذلك أعظم فى ميزانه، وأرفع فى درجته، واطيب لخاطره، وأسكن لفؤاده، وأطيب لقلبه، فلا تكون المصيبة مصيبتين، مصيبة الحدث ومصيبة الجزع والتسخط، فتضيع الدنيا والآخرة، أما الصبر ففيه حسن العاقبة، وراحة الدنيا والآخرة، (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار) [الرعد:22] .

وذو الجهل يأمن أيامه

وينسى مصارع من قد خلا

فإن بدهته صروف الزمان

ببعض مصائبه وَلْوَلا

ولو قَدَّم الحزم في أمره

لعلَّمه الصبر عند البلا

يقول عمر –رضي الله عنه-:”وجدنا خير عيشنا الصبر"

ويقول عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-:”الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله".

ويقول ابن تيمية-رحمه الله-:”ذكر الله تعالىفي كتابه: الصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل، الصبر الجميل هو : الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل هو : الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو : الذي لا أذى معه".

كتب رجل الى صديق له يعزيه في فَقْد ولد له فقال: إن استطعت ان يكون شكرك لله حين قبضه أكثر من شكرك له حين وهبه فذلك أعظم فإنه حين قبضه أحرز لك هبته، وحفظ لك أجره وادخر لك ثوابه، ولو سلم لم تسلم من فتنته.أرأيت حزنك على ذهابه وتلهفك لفراقه فهل رضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك؟أما هو فقد خلص من الكدر، وارتاح من الهم، وبقيت أنت معلقاً بالخطر، فلا تجمع الأمرين على نفسك.

وعن الصبر على فقد الولد يقول :”إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي ‍فيقولون : نعم، فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده؟فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟فيقولون:حمدك واسترجع: فيقول الله : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد"[رواه الترمذي].

وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصبي لها، فقالت : يا نبي الله ادع الله له فلقد دفنت ثلاثة، قال :”دفنت ثلاثة ؟”قالت: نعم قال :”لقد احتظرت-يعني احتمت-بحظار شديد من النار"[رواه مسلم].

وكتب أحدهم إلى صديق له يقول : المصائب حالة لابد منها، فمنها ما يكون رحمة من الله ولطفاً بعبده، وآية ذلك ان يوفقه للصبر ويلهمه الرضا، ويبسط أمله فيما عنده من الثواب الآجل والخلف العاجل، ومنها ما يكون سخطاً وانتقاماً، أوله حزن، وأوسطه قنوط، وآخره ندامة، وهي المصيبة حقا الجامعة لخسران الدنيا والآخرة.

وهذا أحد المؤمنين الصابرين فقد أبناءه واحدا إثر الآخر فوقف قائلاً :

كأنهم لم يعرف الموتُ غيرهم

فثُكْلٌ على ثكل وقبر على قبر

وقد كنت حي الخوف قبل وفاتهم

فلما توفوا مات خوفي من الدهر

فلله ما أعطى ولله ما جزى

وليس لأيام الرزية كالصبر

فحسبك منهم موحشاً فَقْدُ برَّهم

وحسبك منهم مسلياً طلب الأجر

ابتلي عروة بن الزبير-رضي الله عنه-بِداءٍ في رجله فقرر الأطباء بترها، فقالوا له : اشرب المُرَقَّد أو المخدر، فقال لا أشرب مرقداً، أبداً إنما ابتلاني ليرى صبري، أفأعارض أمره ؟ ولكني إذا كنت في الصلاة لا أدري عن شيء. فلما قام يصلي قطعت رجله من نصف الساق فلم يتحرك، فلما نظر عروة إلى رجله فى الطست حين قطعت قال : اللهم إنك تعلم أني لم أمش بها الى معصية قط.ولم يترك عروة ورده من الليل تلك الليلة، وفي الوقت نفسه مات أحب أولاده إليه، ركضته بغلة فقتلته، فما كان من عروة إلا أن رفع يديه قائلاً:اللهم كان لي بنون سبعة، فأخذت منهم واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذت مني طرفاً وأبقيت لي ثلاثة، ولئن ابتليت فقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت.

وكان الناس في غاية العجب من صبر عروة بن الزبير على هذا البلاء الذي حل به.

وجاء رجل إلى الوليد بن عبد الملك، فإذا به ضرير محطم الوجه ولكن ليس عليه شيء من علامات الجزع، فسأله الوليد عن سبب ضره وتحطم وجهه، فقال له : بت ليلة في بطن واد، ولم يكن أحد من قريتي أكثر مني مالاً وعيالاً، فدهمنا سيل جرار، فأذهب ما كان لي من أهل ومال وولد، إلا صبيا رضيعا وبعيرا صعباً، فند البعير والصبي معي، فوضعته واتبعت البعير لأحبسه وأمسك به، فعدت لأنظر الى الصبي فإذا برأس الذئب في بطنه قد أكله، فتركته، واتبعت البعير فاستدار ورمحني رمحة حطم به وجهي واذهب عيني، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد، فقال الوليد اذهبوا به الى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم بلاء منه.

ودخل رجل علىمريض قد أكلت الأكلة أطرافه فقال: كيف أصبحت؟قال : أصبحت والله وكل عضو مني يألم على حدته من الوجع، لو أن الروم في شركها وكفرها اطلعت علي لرحمتني مما انا فيه، وإن ذلك لبعين الله، أحبه إلّيِ أحبه إلى الله .ومما قدر ما أخذ ربي مني ؟ وددت أن ربي قد قطع مني الأنامل التي بها اكتسبت الإثم، وأنه لم يبق مني إلا لساني يكون له ذاكراً.

قال : فقال له الرجل: متى بدأت بك هذه العلة؟

فقال : أما كفاك؟الخلق كلهم عبيد الله وعياله، فإذا رأيت من العبادة عيلة فالشكوى الى الله، ليس الله يُشتكي إلى العباد.

وقال آخر، أتيت برجل مجذوم ذاهب اليدين والرجلين، أعمى، فجعلته مع المجذومين، فغفلت عنه أياماً، ثم ذكرته، فقلت : يا هذا إني غفلت عنك:فقال :إن لي من لا يغفل عني، قلت : إني أنسيتك، قال : إن لي من لا ينساني، قلت:إني لم أذكرك، قال:إن لي من يذكرني، قد شغلتني عن ذكر الله، قلت : ألا أزوجك امرأة تنظفك من هذه الأقذار؟، فبكى ثم قال لي:تزوجني وأنا أملك الدنيا وعروسها عندي؟، قلت : ما الذي عندك من ملك الدنيا وأنت ذاهب اليدين والرجلين، أعمى، تأكل كما البهائم؟قال : رضاي عن الله عز وجل إذ أبلى جوارحي وأطلق لساني بذكره.

ومروا على رجل يوم القادسية وقد قطعت يداه ورجلاه وهو يضحك، ويقول(..مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)[النساء:69].

فيا من بليت اصبر واحتسب، واعلم أنه سيأتي يوم يتمنى فيه أناس أن أجسادهم قرضت بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء.واعلم ان الصابر يوفى أجره بغير حساب، واعلم أن البلاء ما يزال بالمؤمن والمؤمنةفي نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة.

الصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقتُهُ

لكن عواقبه أحلى من العسل

(واستعينوا بالصبر والصلاة  وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين)[البقرة:45].

بالصبر الجميل، بالمحافظة على الصلاة، بالخشوع لله تعالى، بالتقوى والدعاء، بصدق التوكل، يأتي التوفيق، وتحل المغاليق، فهي حفظ لنا من الأعداء، وهي حرز لنا من الألداء، وهي أعواننا وسندنا إذا خاب في الناس الرجاء.

يجب أن ندعو الله تعالى بما دعت به الفئة المؤمنة حينما برزوا لجالوت وجنوده فنجاهم الله منه وهزموه وجنده(... قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)[البقرة:250] ودعا به أتباع موسى فنجاهم الله من فرعون وأهلكه فقالوا(.. ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين)[الاعراف:126].

خمس بشائر للمكروب:

روي عن الحسن البصري انه قال : عجبا لمكروب غفل عن خمس، وقد عرف ما جعل الله لمن قالهن، قوله تعالى)ولنبلونكم لخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)[البقرة:155-157].

وقوله تعالى :(الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء..)[آل عمران:173-174].

وقوله :(.. وأُفَوَّضُ أمري الى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا..)[غافر:44-45].

وقوله(وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين)[الانبياء : 87-88].

وقوله(وما كان قولهم الا ان قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين)[آل عمران:147-148].

وروي عن الحسن أيضاً أنه قال : من لزم قراءة هذه الآيات في الشدائد، كشفها الله عنه، لأنه قد وعد، وحكم فيهن بما جعله لمن قالهن، وحكمه لا يبطل، ووعده لا يخلف.

الباب الذي لا يغلق في وجه سائل:

قال تعالى) وإذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)[البقرة:186].

لا كاشف للضر، ولا دافع للهم الا الله سبحانه وتعالى، فيجب ان نصدق مع الله وان ننطرح بين يديه، ونسأله من قلوب مؤمنة، وأنفس موقنة) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله..)[يونس:107]، وقال تعالى(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده..)[فاطر:2].

والله سبحانه يحب أن يُسأل وُيرغب إليه في الحوائج، ويُلَح في سؤاله ودعائه، ويغضب على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه كلهم سؤالهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، والمخلوق بخلاف ذلك كله، يكره ان يُسأل، ويحب أن لا يسأل، لعجزه وفقره وحاجته.

ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني أستجب لك.

وقال طاووس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه، ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح الى يوم القيامة، أَمرَك أن تسأله وَوَعَدكَ أن يجيبك.

وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول : لا حول ولا قوة إلا بالله، فإن المعنى : لا تحول للعب من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج الى الاستعانة بالله فى فعل المأمورات وترك المحظورات، والصبر على المقدورات، كلها في الدنيا، وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.

وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :”احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز"[اخرجه مسلم(4/2052)من حديث أبي هريرة].

ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولاً.

كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه.

ومن كلام بعض السلف : يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك؟وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك .

اذا اشتملت على اليأس القلوبُ

وضاق بما به الصدر الرحيبُ

وأوطنت المكاره واطمأنت

وأرست فى مكامنها الخطوب

ولم تر لانكشاف الضر وجهاً

ولا أغنى بحيلته الأريب

أتاك على قنوط منك غوث

يمن به اللطيف المستجيب


 هل يكفي الصبر؟

الصبر من سمات أهل الإيمان، ومزايا عباد الرحمن، ولكن الصبر وحده لا ينفع والتحمل بمفرده لا يجدي، لابد من صبر مقرون باحتساب، مُجَمَّل بإيمان، محفوظ بصلاة، مشفوع بتقوى، مزين بعبادة، وإلا كان كصبر البهائم، وسلو الكفار.

وهذه نظرة عابرة، وجولة ماتعة في رحاب عدد من آيات الصبر، لنرى من خلالها ماذا يلزم للمؤمن مع الصبر:

1 – لابد أن يراد بالصبر ابتغاء وجه الله تعالى وطلب رضوانه(والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم..)[الرعد:22].فلم يصبروا ليقال عنهم أبطال، وصابرون، ومحتسبون.

2 – أن يتوكل الصابر على الله ويثق بنصره، ويسلم لأمره(الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون)[النحل:42].

3 – الصبر يثمر في حياة المتقين، ودنيا الخاشعين(..وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً..)[آل عمران:120].وقال تعالى(..وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)[آل عمران:186]، وهذا يوسف بعد أن صبر على ما أصابه بَّين الحكمة في سبب فوزه وظفره وعزته، فقال تعالى عنه)قالوا إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد مَنَّ الله علينا إنه مَنْ يَتَّق ويصبر فإن الله لا يُضيعُ أجر المحسنين)[يوسف:90] وهذه آية تقرن بين الصبر والاستعانة بالله ولزوم التقوى، قال موسى لقومه(استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)[الأعراف:128].

4 – الصبر يثمر مع اقامة الصلاة والمحافظة عليها، قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين)[البقرة:153]، وقال تعالى(والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار)[الرعد:22].

5 – الصبر يثمر مع الصدق والعبادة والإنفاق والاستغفار. وقد مدح الله عباده الذين أعد لهم أحسن المثوبة بقوله(الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار)[آل عمران:17]، وقال تعالى :(فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك..)[غافر:55].

6 – الصبر يثمر بالاحتساب، أي أن الإنسان يحتسب ما أصابه عند ربه، فيرجو مثوبته ويطمع في رحمته، يقول صلى الله عليه وسلم:”إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيَّه من اهل الأرض فصبر واحتسب وقال ما أُمِر به بثواب دون الجنة"، وما أُمِر به هو قوله تعالى:(الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)؟[البقرة:156].

فائدة:

فائدة أخيرة في الصبر، وهي أن الله تعالى قرن بين الصبر والشكر في آيتين مبيناً أن الذين يأخذون العبر ويستفيدون من الأحداث، وتثمر فيهم النذر وهم كل صبار شكور، فقال تعالى في سورة سبأ عن أهل سبأ:(..فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) [سبأ:19].

وقال تعالى فى سورة الشورى:(ومن ءاياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يُسْكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور)[الشورى:32، 33].

وفي اقتران الصبر بالشكر في هاتين الآيتين بالذات دروس عظيمة وأسرار بديعة.. فتأملها!‍‍.

رأيك يهمنا