موضوعات صالحة للخطب والوعظ

نبذة مختصرة

يحتوي هذا الكتاب على 37 خطبة استفادها المصنف من كتب العلامة ابن القيم - رحمه الله -.
والخطب منها ما يتعلق بمعرفة الله - سبحانه وتعالى - بطرقه ودلائله، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره، ومعرفة قدر الشريعة من حيث العموم وفي مسائل معينة ذكرتها، ومعرفة معجزات النبوة، ومسائل تتعلق بأعمال القلوب، ومبدأ الإنسان وميزانه ومصيره، إلى غير ذلك

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

موضوعات صالحة للخطب والوعظ

جَمعها ورَتَّبها وطَبعها محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

رحمه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.

أما بعد: «فإن أحسن ما أنفقت فيه الأنفاس هو التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته».

«وآيات الرَّب هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، ويَعرفون أسماءه، وصفاته، وأفعاله، وتوحيده، وأمره، ونهيه».

هاتان العبارتان مما جادت به قريحة الإمام العلامة محمد بن أبي بكر -ابن قيم الجوزية- رحمه الله (ت 751هـ) وسال به قلمه الذي طال النفع به الخلق الكثير.

وقال في الثناء على كتابه «مفتاح دار السعادة»: إن شئت اقتبست منه معرفة الصانع بطرق واضحات جليات تلج القلوب بغير استئذان، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره. وإن شئت اقتبست منه معرفة قدر الشريعة وشدة الحاجة إليها؛ ومعرفة جلالتها وحكمتها، وإن شئت اقتبست منه معرفة النبوة وشدة الحاجة إليها؛ بل وضرورة الوجود إليها، وأنه يستحيل من أحكم الحاكمين أن يخلي العالم منها. وإن شئت اقتبست منه ما فطر الله عليه العقول من تحسين الحسن وتقبيح القبح، وأن ذلك عقلي وفطري اهـ.

ومن هنا انطلقت؛ فاقتبست من هذا الكتاب ومن غيره من مؤلفاته ما يتعلق بمعرفة الله سبحانه وتعالى بطرقه ودلائله، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره، ومعرفة قدر الشريعة من حيث العموم وفي مسائل معينة ذكرتها، ومعرفة معجزات النبوة، ومسائل تتعلق بأعمال القلوب، ومبدأ الإنسان وميزانه ومصيره، إلى غير ذلك مما ستراه مفصلاً بصور خطب. وفيها عدد قليل ليس من كتبه.

وبما أن هذه الخطب السبع والثلاثين (37) ليست من إنشائي، وإنما اخترتها، وجمعتها، ورتبتها، واختصرت بعض العبارات، وربطت بينها، وعلقت عليها ببعض العبارات التي رأيت الحاجة داعية إليها من كلام ابن القيم وغيره، وبعضها من عندي، وعزوت كلاَّ إلى صاحبه، وذكرت مراجع كل خطبة بعد نهايتها فقد سميتها (موضوعات صالحة للخطب والوعظ) ليستعمل منها الخطيب والواعظ ما يريدانه.

وكان من همي قديمًا التطلع إلى ما يتعلق بإثبات وجود الله جل جلاله وتوحيد ربوبيته والرد على الملحدين، فقد قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله-: «فأما توحيد الربوبية فهو الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه». وقد يسر الله في هذه كثيرًا مما أردت.

وقال النبي : «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض:

الله، الله»( )، وقال: «ولا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» وقال أيضًا: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى»( ).

وقد كان ما أخبر به النبي من عبادة الأوثان في فئام من الأمة، وجَدُّوا في تعظيم القبور وإحياء آثار أصحابها للتبرك بها.

ومن ناحية أخرى وجود الزهد في العبادات في فئام أخرى من الأمة هجروا ما جاء به الرسول كُلِّيًا واتخذوه وراءهم ظهْريًا أو تخيروا فيما أنزل الله فعملوا ببعض وتركوا بعضًا.

فأولئك في طرف. وهؤلاء في طرف.

والإسلام وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين.

ولا تزال طائفة من أمة محمد على الحق منصورة. فنسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.

ومن مبادئ العزوف عن ذكر اسم الله تعالى ما اعتاده بعض الناس في تبادل التحيات بينهم، كقوله: صباح النور. صباح الفل. مساء الخير. مساء النور. لا يقول: صبحكم الله بالخير. مساكم الله بالخير. وبدلاً من أن يقول: في أمان الله. في حفظ الله. يقول: مع السلامة. فهذا يشبه «عِمْ صَبَاحًا».

وكان شيخنا- رحمه الله- إذا لاقاه أحد في الطريق فقال: صبحك الله بالخير. رد عليه: «عليكم السلام» ليعلمه السنة. فكيف لو سمع: صباح الفل. صباح الياسمين.

اللهم اجعلنا ممن يقدرك حق قدرك، وأعنا على امتثال أمرك، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك، وسببًا للنجاة من الجحيم والفوز بدار النعيم، فإنك رحيم كريم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.

محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

6/1419هـ

لا تشَكُّكَ في وجود الله تبارك وتعالى

الحمد لله الذي يسر على الإنسان علم ما هو محتاج إليه في معاشه ومعاده أتم تيسير، وأهَّلَ من شاء لمعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأسرار دينه وشرعه، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يستحق العبادة إلا هو؛ لإحسانه إلى عباده، ولجلاله وجماله وكماله.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه وإخوانه المرسلين، مذكرين بهذا الحق ومعذرين ومنذرين. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فيا عباد الله: تأملوا حِكمَ اللَّطيف الخبير أن يسر على الإنسان طرق ما هو محتاج إليه من العلم، وكلما كانت حاجته إليه من العلم أعظم كان تيسيره إياه عليه أتم فأعطاه معرفة خالقه وباريه ومبدعه سبحانه والإقرار به؛ ولهذا قالت الرسل لأممهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: 10] فخاطبوهم مخاطبة من لا ينبغي أن يخطر له شك مَّا في وجود الله سبحانه، وإنما يكون الشك فيما تخفى

أدلته وتشكل براهينه، فأما من له في كل شيء محسوس أو

معقول آية بل آيات مؤدية عنه شاهدة بأنه الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين فكيف يكون فيه شك؟!

فالرسل عليهم الصلاة والسلام إنما دعوا أممهم إلى عبادته وحده، لا إلى الإقرار به؛ فوجوده سبحانه وربوبيته وقدرته أظهر من كل شيء فهو أظهر للبصائر من الشمس للأبصار، وأبين للعقول من كل ما تعقله وتقر بوجوده، فما ينكره إلا مكابر بلسانه من كل جحود كفور، وقلبه وعقله وفطرته كلها تكذبه. فقد نصب سبحانه من الأدلة على وجوده ووحدانيته وصفات كماله الأدلة على اختلاف أنواعها ما لا يطيق حصرها إلا الله، ثم ركز ذلك في الفطرة، ووضعه في العقل جملة، فإذا قال الداعي: يا الله! قام بقلبه ربا، قيومًا بنفسه، مستويًا على عرشه، مكلمًا، متكلمًا، سامعًا، رائيًا، قديرًا، مريدًا، فعالًا لما يشاء، يسمع دعاء الداعين، ويقضي حوائج السائلين، ويفرج عن المكروبين، ترضيه الطاعات، وتغضبه المعاصي، تعرج الملائكة بالأمر إليه، وتنزل بالأمر من عنده، قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [الروم: 30، 31] هذه هي الفطرة.

واسمعوا عباد الله إلى دلالة العقل، قال تعالى منكرًا على المشركين معه غيره في العبادة: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطُّور: 35] أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ [الطُّور: 36]، يقول تعالى: هؤلاء مخلقون بعد أن لم يكونوا، فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع، ومخلوق من غير خالق.

ولو مر رجل بأرض قفر لا بناء فيها ثم مر بها فرأى فيها بنيانًا وقصورًا وعمارات محكمة لم يخالجه شك ولا ريب أن صانعًا صنعها وبانيًا بناها. ثم قال: أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطُّور: 35] وهذا أيضًا من المستحيل أن يكون العبد موجدًا خالقًا لنفسه، فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة، ولا أصبعًا واحدًا، ولا ظفرًا، ولا شعرة، كيف يكون خالقًا لنفسه في حال عدمه؟ وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقًا خلقهم وفاطرًا فطرهم. ثم قال: أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الطُّور: 36] وبين بهذا القسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا فهم عاجزون غير خالقين، وأن الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق السموات والأرض، فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن، بخلق العالم العلوي والسفلي وما فيه، فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر، فكيف يشركون به إلهًا غيره وهو وحده الخالق لهم؟ بَل لَا يُوقِنُونَ [الطُّور: 36] فعدم إيقانهم هو الذي يحملهم على الشرك به في العبادة.

وهذا إبراهيم استدل «بأفعال الرب» حين حاجه النمرود، الكافر الجحود، إذ قال لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو؟ قال إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: 258] قال نمرود:

أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: 258] فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذ الرجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته، وأعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته،

أوهم الحاضرين أنه يفعل مثل ما يفعله الله فيكون ربًا.

فقال له إبراهيم: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: 258] فإن كنت صادقًا فافعل مثل فعله في طلوع الشمس فإذا أطلعها من جهة فأطلعها أنت من جهة أخرى. استدل إبراهيم بأفعال الرب المشهودة المحسوسة التي تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الإحياء والإماتة المشهودين اللذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده، وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق فتنصاع لقدرته ومشيئته لا يقدر أحد سواه على ذلك. فلما علم عدو الله صحة ذلك وأن من هذا شأنه على كل شيء قدير بهت وأمسك وظهر بطلان دعواه وكذبه، وأنه لا يصلح للربوبية وأهلكه الله وجنوده، قال زيد بن أسلم( ): جمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس وأرسل الله عليهم بابا من البعوض فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك فمكثت فيه أربعمائة سنة عذبه الله بها حتى أهلكه بها.

واقتدى به فرعون حين دعاه موسى إلى ربه وفاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه: جنينًا، وصغيرًا، وكبيرًا، وآتاه الله الملك، فقابل هذا بغاية الكفر والعناد، وادعى أنه رب العالمين، هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى، ولا قدر فهدى، فكذب الخبر، وعصى الأمر، ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر، فحشر جنوده فأجابوه، ثم نادى فيهم بأنه ربهم الأعلى واستخفهم فأطاعوه، فبطش به جبار السموات والأرض بطش عزيز مقتدر، وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر.

ولا يستنكر الجحود يا عباد الله مع ظهور الأدلة، فهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة، تجد الرجل منغمسًا في النعم وقد أحاطت به من كل جانب وهو يشكو حاله ويتسخط مما هو فيه( ) وربما أنكر النعمة، فضلال النفوس وغيها لا حد له تنتهي إليه.

ودل الدليل العقلي والشرعي على انتهاء المخلوقات والمصنوعات إلى خالق واحد، موصوف بصفات يؤثر بها في المخلوقات ومقاديرها وأشكالها وهيئاتها عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر» فقال الأعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الضباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها. قال: «فمن أجرب الأول؟!» وفي لفظ: «أفرأيت الأول من أعداه»( ).

فكل مخلوق له أول، والخالق سبحانه لا أول له؛ فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن.

ومن الأدلة العقلية ما أبقاه الله تعالى من آثار عقوبات أهل الشرك وآثار ديارهم وما حل بهم، وما أبقاه من نصر أهل التوحيد وإعزازهم وجعل العاقبة لهم، قال تعالى:

وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ [العنكبوت: 39] وقال في ثمود فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ

لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [النمل: 52، 53] وقال عن قوم لوط: إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [العنكبوت: 34، 35].

وقال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الله تعالى: فقال: يا سبحان الله! إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟! فاستدل الأعرابي بالأثر على المؤثر، كقوله تعالى لمن قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فُصّلَت: 15].

وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله: أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه- ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر، وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال: ويحكم! هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟ فبهت القوم، ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.

فالمخلوقات جميعها وما تضمنته من التخصيصات والحكم والغايات مستلزمة للخالق عينًا، فانتقال الذهن منها إلى العلم بالخالق كانتقال

الذهن من رؤية الدخـان إلى أن تحتـه نـار، ومـن رؤية الجسم

المتحرك قسرًا إلى أن له محركًا، ومن رؤية شعاع الشمس إلى العلم بطلوعها، ونظائر ذلك. فعلم العقل بوجود الخالق كجزم الحس بما يشاهده من آياته المشهودة.

وآياته سبحانه هي: دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، وبها يعرفون أسماءه وصفاته وأفعاله وتوحيده وأمره ونهيه.

فآياته سبحانه وأدلة توحيده وما أخبر به من المعاد وما نصبه من الأدلة لصدق رسله لا تحتاج إلى ما يزعمه كثير من النظار أنه دليل، كقولهم: كل ممكن مفتقر إلى واجب، وكل محدث مفتقر إلى محدث. فإن هذه القضية الكلية بعد تعبهم في تقريرها ودفع ما يعارضها لا تدل على مطلوب معين وخالق معين، وإنما تدل على واجب مَّا ومُحدِث مَّا( ).

فاتقوا الله عباد الله وأحمدوه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون، واذكروه يذكركم، وأشكروه يزدكم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: 164].

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يسر كلًا لما خلق له، وربك أعلم وأحكم.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد الخلق أجمع، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على الأثر.

أما بعد: فيا عباد الله حاجة العباد إلى معرفة ربهم وفاطرهم ومعبودهم جل جلاله فوق مراتب الحاجات كلها؛ فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعبدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم ونهاية مرادهم، وذكره والتقرب إليه قرة عيونهم وحياة قلوبهم. فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالًا من الأنعام بكثير، وكانت الأنعام أطيب عيشًا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل.

ثم إن الله جل جلاله كما يسر على الإنسان طرق المعرفة بربه تبارك وتعالى فقد يسر عليه معرفة ما يجب عليه من «أفعاله التكليفية» بيَّن بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر الله به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه.

وبهذا يكون دينه كاملاً، كما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: 3].

وكذلك أعطاهم سبحانه من العلوم المتعلقة بصلاح معاشهم ودنياهم بقدر حاجتهم: كعلم الطب، والحساب، وعلم الزراعة، وضروب الصنائع، واستنباط المياه، وعقدة الأبنية، وصنعة السفن، واستخراج المعادن، وتهيئتها لما يراد منها، وتركيب الأدوية، وصنعة الأطعمة، ومعرفة ضروب الحيل في صيد الوحش والطير ودواب الماء، والتصرف في وجوه التجارات، ومعرفة وجوه المكاسب، وغير ذلك مما فيه قيام معايشهم.

ثم منعهم سبحانه علم ما سوى ذلك مما ليس من شأنهم؛ ولا فيه مصلحة لهم، ولا نشأتهم قابلة له؛ فجهلهم به لا يضر، وعلمهم به لا ينتفعون به انتفاعًا طائلاً: كعلم الغيب، وعلم ما كان وكل ما يكون، والعلم بعدد القطر، وأمواج البحر، وذرات الرمال، ومساقط الأوراق، وعدد الكواكب ومقاديرها، وعلم ما فوق السموات وما تحت الثرى، وما في لجج البحار، وأقطار العالم، وما يكنه الناس في صدورهم، وما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، إلى سائر ما غرب عنهم علمه.

ومنعهم من العلم علم الساعة، ومعرفة آجالهم فإن كان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش وخربت الدنيا لأن عمارتها بالآمال، وإن تحقق طول عمره لم يبال بالانهماك في الشهوات وأنواع الفساد وتأخير التوبة، وقد قال تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: 18]( ) إن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ( ).

الله أكبر من كل شيء وأعظم

الحمد لله الذي بهرت بدائع صنعه الألباب، وخضعت لجبروته الصعاب، فكل محسوس إلى ربوبيته هاد، وكل موجود إلى وحدانيته داع.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مثل له، ولا ولد له، ولا والد له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله وسائر النبيين قبله إلى من شاء من عباده، فجعلهم سفراء بينه وبين خلقه، وأمدهم بعونه، وحبا نبينا من كرامته بالقسم الأفضل، ومن الأصحاب بالحظ الأوفر. والحمد لله الذي كرمنا بتصديقه، وشرفنا باتباعه، وجعلنا من أهل الإقرار والإيمان به وبما دعا إليه وجاء به. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم أزكى صلواته، وأفضل سلامه وأتم تحياته( ).

أما بعد فقد روى الإمام ابن خزيمة رحمه الله وغيره، عن عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه في قصة إسلامه، قال: «أتيت النبي وهو جالس في المسجد- وكنت نصرانيًا- فقام فلقيته امرأة وصبي معها، فقالا: إن لنا إليك حاجة، فقام معهما حتى قضى

حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى داره، فألقيت له وسادة فجلس عليها، وجلست بين يديه. فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما يفرك أن تقول: لا إله إلا الله- أي ما يحملك على الفرار إلا التوحيد- فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال: قلت: لا. ثم تكلم ساعة، ثم قال: يا عدي ما يفرك، أيفرك أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ قال: قلت: لا. قال: فإن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضُلاّل. قال: قلت: فإني حنيف مسلم. قال فرأيت وجهه ينبسط فرحا» ففي هذا الحديث- يا عباد الله- أعظم دلالة على عظمة الله تبارك وتعالى، وأنه أكبر من كل شيء: ذاتًا، وصفة، وأفعالاً( ).

والعالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق سبحانه في غاية الصغر، كما قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزُّمَر: 67] فالأرض، والسماء الدنيا فوقها محيطة بها من كل جانب، وكذا الباقي، والكرسي فوق السموات كلها بين يدي العرش، ونسبة السموات وما فيها إلى الكرسي كحلقة في فلاة، والجملة بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة، والعرش فوق جميع المخلوقات مقبب له قوائم وهو سقف الجنة، وتحته بحر.

هذا العرش العظيم الذي هو أعلا المخلوقات خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى عظمة الله وكبريائه، كما في الحديث الذي رواه أبو داود، عن جبير بن مطعم قال: «أتى رسول الله أعرابي فقال: يا رسول الله: جهدت الأنفس، وجاع العيال، وذكر الحديث إلى أن قال رسول الله : «إن الله على عرشه، وإن عرشه على سمواته لهكذا، وقال بأصابعه مثل القبة». وروي عن ابن عباس قال: ما السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم.

وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعَام: 91] الآية. المعنى ما عظم المشركون الله حق عظمته حين عبدوا معه غيره ونسبوا له الصاحبة والولد، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.

ومن عظمته سبحانه أن الخلق كلهم يرونه من غير خفاء ولا ازدحام، روى أبو داود في سننه، عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله: أكلنا يرى ربه مخليًا به يوم القيمة، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «يا أبا رزين: أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليًا به؟» قال: بلى. قال: «فإنما هو خلق من خلق الله، فالله أجل وأعظم».

فكل منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر، فيقرره بذنوبه.

ومن عظمته سبحانه أنه لما تجلى منه ما تجلى للجبل ساخ الجبل في الأرض وتدكدك لعظمة ما رأى، واستغفر موسى من ذلك السؤال، وسبح ربه تبارك وتعالى. والجبل أكبر من موسى وأعظم خلقًا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما تجلى منه للجبل إلا قدر الخنصر فجعل الجبل ترابًا. قال الله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعرَاف: 143].

وفي الحديث الذي رواه البخاري: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». فإذا كانت سبحات وجهه- وهي جلاله ونوره- لا يقوم لها شيء من خلقه، فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله وجماله.

وفي حديث حذيفة في رؤية المؤمنين ربهم في الجنة: «فيكشف الله الحجب فيتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله قضى أن لا يموتون لاحترقوا»( ).

ومن عظمته سبحانه «سعة سمعه»: يسمع كلام عباده كله مع اختلاف لغاتهم وتفنن حاجاتهم؛ يسمع دعاءهم سمع إجابة، ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29].

وروى ابن أبي حاتم، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ، وهي تقول: يا رسول الله أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. قالت فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجَادلة: 1- 4].

وكذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي قال: «يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين

عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال العبد: مالك يوم الدين. قال الله : مجدني عبدي، فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذه بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل» فهذا يقوله سبحانه وتعالى لكل مصل قرأ الفاتحة، فلو صلى الرجل ما صلى من الركعات قيل له ذلك، وفي تلك الساعة يصلي من يقرأ الفاتحة من لا يحصي عدده إلا الله، وكل واحد منهم يقول الله له كما يقول لهذا.

«وكرسيه قد وسع السموات والأرض، ولا يؤده حفظهما» فإذا كان لا يؤوده خلقه ورزقه على هذه التفاصيل؛ فكيف يؤوده العلم بذلك، أو سمع كلامهم، أو رؤية أفعالهم، أو إجابة دعائهم؟

ومن عظمته سبحانه أنه يكلم العباد يوم القيامة ويحاسبهم لا يشغله هذا عن هذا. وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره. قيل لابن عباس: كيف يحاسبهم في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة.

ومن عظمته سبحانه أن الخلق كلهم لا يحيطون به روى ابن أبي حاتم بسنده إلى أبي سعيد الخدري، عن النبي في تفسير قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعَام: 103].

قال: «لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدا».

ومن صفاته العظيمة: «غناه التام» فإنه يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ [الأنعَام: 14]، وفي قراءة ولا يَطْعَمُ بفتح الطاء فهو الغني بذاته عن كل ما سواه. ومن مخلوقاته الملائكة وهم صمد لا يأكلون ولا يشربون كما ذكر الله ذلك عنهم في قصة ضيف إبراهيم فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ [هُود: 70].

عباد الله هذه الآيات والأحاديث وما في معناها تدل بداهة على وجود الله تبارك وتعالى وعظمته، وأنه محسوس لبعض الخلق ببعض الحواس الخمس؛ فقد أدرك موسى كلامه بحاسة سمعه وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النِّساء: 164] وآدم قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البَقَرَة: 33] وتسمع كلامه الملائكة حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سَبأ: 23]، وأنه يمكن الإحساس به فيرى يوم القيامة، ويسمع كلامه. والإنسان يقر بوجود أشياء لا يحس بها هو كوجود بعض الأماكن والأمم وأجداده الذين لم يدركهم؛ بل ومادته التي كُوِّن منها لا يحس بها هو ولا ينكرها عاقل( )، لكنه يمكن أن يحس بها غيره.

أما ما لا يحس ولا يمكن الإحساس به فلا يكون موجودًا.

عباد الله ولا يكفي الإيمان بأن لهذا الكون خالقًا، ولا الإيمان بأن وراء هذا الكون قوة مدبرة( ) بل لابد من الإيمان بالله بالأوصاف التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله، وأنه هو خالق هذا الكون وحده، والأمر له وحده، والعبادة له وحده، ولابد من وجود العبادة له وحده على وفق ما شرعه سبحانه.

عباد الله: إن العلم والإقرار بصفات الله تعالى وعظمته يدعو الإنسان إلى المبادرة بفعل الأوامر، والابتعاد عن المناهي، قال بعض السلف: ما عصى الله إلا جاهل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبيَاء: 104] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي سبحت الكائنات بحمده، هو تعالى كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه، العالم بالأسرار والخفيات.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مبرأة من الإشراك في الأقوال والأعمال والنيات.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله شهدت برسالته المعجزات، فعليه وعلى آله وأصحابه أكمل السلام والصلوات.

أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى؛ فتقواه دلالة على أن المرء قد عظم الله، واعبدوه كأنكم ترونه، ولو رأيتموه في هذه الحياة لبطل التكليف وارتفع الثواب روى الطبراني عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله : «إن الله تعالى يقول: ثلاث غيبتهن عن عبادي لو رآهن رجل ما عمل بسوء أبدًا، لو كشفت غطائي فرآني حتى استيقن ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم وقبضت السموات بيدي، ثم قبضت الأرضين، ثم قلت أنا: الملك، من ذا الذي له الملك دوني، فأريهم الجنة وما أعددت لهم فيها من كل خير فيستيقنوها، وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها، ولكن عمدًا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون، وقد بينته لهم».

واعلموا عباد الله أن صفات الله تعالى ثابتة له معلومة المعاني، ولا تماثلها صفات المخلوقين لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: 11] وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التّوبَة: 128] إن الله وملائكته يصلون على النبي ...( ).

محاسن ربنا جل جلاله (أسماؤه، وصفاته)

الحمد لله المتفرد بالعظمة والجلال، الكبير المتعال، حي قيوم لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكبرياء رداؤه، والعظمة إزاره. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله» اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه، المعظمين لأمر الله ونهيه.

أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى، واحمدوه أن عرفكم بنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله لتقدروه حق قدره. وتنالوا القرب إليه والفوز بثوابه.

أخبركم سبحانه أنه «الأول» بلا بداية، فقال (هو الأول) روى البخاري والترمذي عن عمران بن حصين رضي الله عنه ، قال: دخلت على النبي وعقلت ناقتي بالباب، فأتى ناس من بني تميم، فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم». قالوا: بشرتنا فأعطنا، مرتين. فتغير وجهه. ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم». قالوا: قبلنا يا رسول

الله. ثم قالوا: جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا

الأمر ما كان. قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء». لما سألوه عن بداية هذا العالم المشاهد أخبرهم أنه تعالى كان قبل كل شيء( ).

وفي الدعاء المشهور الذي رواه مسلم: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» فأوليته سبحانه سابقة على أولية ما سواه، وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده. و«الظاهر» علوه وعظمته. و«الباطن» قربه ودنوه.

وعن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: «كان في عماءٍِ ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء، ثم استوى عليه» رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما. والعماء هو السحاب الكثيف المطبق كقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [البقرة: 210].

ولنستمع يا عباد الله إلى ذكر بعض محاسن ربنا جل وعلا المتمثلة في صفاته العليا وأسمائه الحسنى- فمنها أنه الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البَقَرَة: 255] الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم. «مالك السماوات والأرض» الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. «العالم بكل شيء» الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم، فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلع عليها الملك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب. «البصير» الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضاءها ولحمها ودمها ومخها وعروقها، ويرى دبيبها على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويرى ما تحت الأرضين السبع كما يرى ما فوق السموات السبع. «السميع» الذي قد استوى في سمعه سر القول وجهره، وسع سمعه الأصوات، فلا تختلف عليه أصوات الخلق، ولا تشتبه عليه، ولا يشغله منها سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه كثرة السائلين. قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله وإني ليخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجَادلة: 1]( ). «القدير» الذي لكمال قدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا، والبر برًا، والفاجر فاجرًا، وهو الذي

جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره، وجعل فرعون وقومه أئمة يدعون إلى النار. ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء سبحانه أن يعلمه إياه. ولكمال قدرته خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب، ولا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته. ولكمال «غناه» استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه. ولكمال «عظمته وعلوه» وسع كرسيه السموات والأرض، ولم تسعه أرضه ولا سمواته ولم تحط به مخلوقاته، بل هو العالي على كل شيء وهو بكل شيء محيط. ولا تنفد «كلماته» ولا تبدل، ولو أن البحر يمده سبعة أبحر مدادًا( ) وأشجار الأرض أقلامًا فكتب بذلك المداد وبتلك الأقام لنفد المداد وفنيت الأقلام ولم تنفد كلماته، إذ هي غير مخلوقة، ويستحيل أن يَفْنَى غيرُ المخلوق بالمخلوق.

وهو سبحانه يحب رسله وعباده المؤمنين، ويحبونه، بل لا شيء أحب إليهم منه، ولا أشوق إليهم من لقائه، ولا أقر لأعينهم من رؤيته، ولا أحظى عندهم من قربه. وأنه سبحانه له «الحكمة البالغة» في خلقه وأمره، وله «النعمة السابغة» على خلقه، وكل نعمه منه فضل، وكل نقمة منه عدل. وأنه أَرحمُ بعباده من الوالدة بولدها، وأنه أفرح بتوبة عبده من واجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقدها واليأس منها. وأنه سبحانه لم يكلف عباده إلا وسعهم وهو دون طاقتهم. وأنه سبحانه لا يعاقب أحدًا بغير ذنب فعله، ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما

لا يقدر على فعله، ولا على ما لا قدرة له على تركه.

وأنه حليم، كريم، واجد، محسن، ودود، صبور، شكور، يطاع فيشكر، ويعصى فيغفر، لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، ولا أحب إليه المدح منه، ولا أحب إليه العذر منه، ولا أحد أحب إليه الإحسان منه، فهو محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين، جميل يحب الجمال، طيب يحب كل طيب، نظيف يحب النظافة، عليم يحب العلماء من عباده، كريم يحب الكرماء، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، بر يحب الأبرار، عدل يحب أهل العدل، حيي ستير يحب أهل الحياء والستر، عفو غفور يحب من يعفو عن عباده ويغفر لهم.

صادق يحب الصادقين رفيق يحب الرفق، جواد يحب الجود وأهله. رحيم يحب الرحماء، وتر يحب الوتر.

[وبالجملة] فكل صفة غليا، واسم حسن، وثناء جميل، وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها.

وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه به فهو محامد له وثناء عليه وتسبيح وتقديس- فسبحانه وبحمده لا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه لكثرة صفاته وكمالها، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه، فله الحمد أولاً وآخرًا، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، ورفيع مجده وعلوِّ جَدِّه.

فاتقوا الله عباد الله واقدروه حق قدره. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزُّمَر: 67].

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا على نعمائه، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا بإلهيته، واعترافًا بما يجب على الخلق من الأذعان لربوبيته. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله أكرم الخلق وأزكاهم، وأعرفهم بالله وأتقاهم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه النبيين، والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله قد ذم الله من لم يقدره حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه فأخبر أنه لم يقدره حق قدره من أنكر إرساله للرسل وإنزال كتبه عليهم، ولم يقدره حق قدره من عبد معه إلهًا آخر، ولم يقدره حق قدره من جحد صفات كماله ونعوت جلاله.

والإيمان به سبحانه لا يتم إلا بتعظيمه، ولا يتم تعظيمه إلا بتعظيم أمره ونهيه فعلى قدر تعظيم العبد لله سبحانه يكون تعظيمه لأمره ونهيه، وتعظيم الأمر يدل على تعظيم الآمر. وأول مراتب تعظيم الآمر التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم المسارعة إليه والمبادرة إليه رغم القواطع والموانع، ثم بذل الجُهْدِ والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه، ثم فعله لكونه مأمورًا به سواء ظهرت

له حكمته أو لم تظهر. فإن ورد الشرع بذكر حكمة الأمر أو فقهها العقل كانت زيادة في البصيرة والداعية إلى الامتثال وإن لم تظهر له حكمته لم يوهن ذلك انقياده ولم يقدح في امتثاله.

ولا يغتر المسلم بمن حذق في العلوم الصناعية والرياضية، واستنبطوا بعقولهم وجودة قرائحهم وصحة أفكارهم ما عجز أكثر الناس عن تعلمه واستنباطه، فَيَظُنُّ أن معرفتهم بالعلوم الإلهية والمعارف الربانية كمعرفتهم بهذه العلوم الصناعية والرياضية، فهذا الظن أو هذه البلية جرأت كثيرًا من النفوس على تكذيب الرسل واستجهالهم. وما عرف أصحاب هذه الشبهة أن الله سبحانه قد يعطي أجهل الناس به وبأسمائه وصفاته من الحذق في العلوم الرياضية والصنائع العجيبة ما تعجز عنه عقول أكثر الناس ومعارفهم، وقد قال النبي : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» وقال بعض السلف: يبلغ من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيعلم وزنه ولا علم له بشيء من دينه. وقال تعالى في علوم هؤلاء واغترارهم بها فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ( ) [غافر: 83] إن أحسن الحديث ...

الله الخالق، لا الطبيعة تدبير الملائكة، تسبيح المخلوقات

الحمد لله الخالق البارئ المصور، لا يستحق هذه الأسماء الحسنى سواه، برأ الخليقة وأوجدها، وأبدعها على غير مثال سبق لها، وأعطى العبد التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب وبراه، يغيرها من حال إلى حال على وجه مخصوص لا يتعداه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب كل شيء ومليكه، لا رب لشيء من الأشياء إلا هو، وهو إله كل شيء وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزّخرُف: 84] لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبيَاء: 22] وسبحان الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الواسطة بينه وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه وخبره فلا يعرفون ما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه إلا بواسطة هذا الرسول الذي اصطفاه الله واجتباه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين يضيفون جميع الحوادث إلى مشيئة الله( ) وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد فيا عباد الله- الخلق أعظم الأفعال، فإنه لا يقدر عليه

إلا الله، فالقدرة عليه أعظم من كل قدرة، وليس له نظير في قدر المخلوقين فما خلقه الله من أنواع الحيوان والنبات والمعدن كالإنسان والفرس، والحمار، والأنعام، والطير، والحيتان، فإن بني آدم لا يستطيعون أن يصنعوا مثل هذه الدواب. وكذلك الحنطة والشعير والباقلاء، واللوبيا، والعدس، والعنب، والرطب، وأنواع الحبوب والثمار لا يستطيع الآدميون أن يصنعوا مثلما يخلقه الله سبحانه وتعالى. وكذلك المعادن كالذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص، لا يستطيع بنو آدم أن يصنعوا مثل ما يخلقه الله، وإنما غايتهم أن يشبهوا من بعض الوجوه فيصغرون وينقلون مع اختلاف الحقائق؛ فإن الله سبحانه قال في كتابه: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرّعد: 16] وفي الصحيح عن النبي فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة»، وقد ثبت عن النبي أنه لعن المصورين، وقال: «من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ»، ولهذا يفرق في هذا التصوير بين الحيوان وغير الحيوان.

وما يصنعونه فهو لم يخلق لهم مثله؛ فإنه سبحانه أقدرهم على أن يصنعوا طعامًا مطبوخًا، ولباسًا منسوجًا، وبيوتًا مبنية من الفخار والزجاج ونحو ذلك( ).

عباد الله: وليس الطبع خالقًا لشيء؛ لأن كل حركة في

الوجود ناشئة عن الإرادة والاختيار، والطبع لا إرادة له ولا اختيار( ) فبطل أن يضاف خلق شيء من المخلوقات- العَرَضِيَّة فضلاً عن الجوهرية-( ) إلى الطبع الذي في الأجسام: مثل أن يكون الخالق للأجنة في الأرحام هو طبع، والخالق للنبات هو طبع؛ بل تضاف هذه الحوادث حتى أفعال الحيوان إلى خلق الله ومشيئته وربوبيته، وهذه طريقة أهل العلم والإيمان وهم أصح عقلاً ودينًا.

فأما كثير من الناس وأهل الطبع المتفلسفة وغيرهم فيعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، ويرون ظاهر الحركات والأعمال التي للموجودات، ويرون بعض أسبابها القريبة وبعض حكمها وغاياتها القريبة، كما يذكرون في تشريح الإنسان وأعضائه وحركاته الباطنة والظاهرة، وما يذكرونه من القوى التي في الأجسام التي تكون بها الحركة، والقوة الجاذبة، والهاضمة، والغاذية، والدافعة، والمولدة، وغير ذلك، إلى غير ذلك من الأسباب ما هو عبرة لأولي الأبصار. لكن يقع الغلط من إضافة هذه الآثار العظيمة إلى مجرد قوة في جسم.

وتجد هؤلاء إذا تكلموا في الحركات التي بين السماء والأرض مثل حركة الرياح والسحاب والمطر وحدوث المطر من الهواء الذي بين السماء والأرض تارة، ومن البخار المتصاعد من الأرض تارة وكذلك إضافة الزلزلة إلى احتقان البخار، وإضافة حركة الرعد إلى مجرد اصطكاك أجرام السحاب إلى غير ذلك من الأسباب -فشهدوا بعض اٍلأسباب- المرئية، وجهلوا أكثر الأسباب، وأعرضوا عن الخالق المسبب لذلك كله، فضلوا في ذلك ضلالاً مبينًا؛ فإن خلق الله سبحانه للسحاب بما فيه من المطر من هذا البحر وبخار الأرض كخلقه للحيوان من المني، وخلق الشجر من الحب والنوى؛ ومعلوم أن المني جسم صغير لا يشبه الذي للحيوان من الأعضاء المكسوة والمتنوعة في أقدارها وصفاتها وحكمها وغاياتها هل يقول عاقل إن هذا مضاف إلى عرض وصفة حالٍ في جسم صغير، أو يضاف هذا إلى ذلك الجسم الصغير؟! هذا من أفسد الأمور في بديهة العقل.

ومعلوم أنه لا نسبة إلى خلق هذا من هذا وإلى ما يصنعه بنو آدم من الصور التي يصنعونها من المداد: مثل الكتابة بالمداد، ونسيج الثياب من الغزل، وصنع الأطعمة والبنيان من موادها، وهم مع ذلك لم يخلقوا المواد، وإنما غايتهم حركة خاصة تعين على تلك الصورة. ثم لو أضاف مضيف هذه الكتابة إلى المداد لكان الناس جميعًا يستجهلونه ويستحمقونه فالذي يضيف خلق الحيوان والنبات إلى مادتها أو ما في مادتها من الطبع أليس هو أحمق وأجهل وأظلم وأكفر؟!!

وقد يعارضهم طوائف من أهل الكلام فينكرون طبائع الموجودات وما فيها من القوى والأسباب، ويدفعون ما أرى الله عباده من آياته في الآفاق وفي أنفسهم مما شهد به في كتابه من أنه خلق هذا بهذا، كقوله: فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [الأعرَاف: 57]، وقوله: فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [البَقَرَة: 164]( ).

عباد الله: جميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن والبهائم هي من عمل الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما فما في السموات والأرض وما بينهما من حركة الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركة الرياح والسحاب والمطر والنبات وغير ذلك فإنما هو بملائكة الله تعالى الموكلة بالسموات والأرض الذين لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبيَاء: 27] كما قال تعالى: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [النَّازعَات: 5] فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا [الذّاريَات: 4].

وكما دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وتوكلهم بأصناف المخلوقات.

وجميع المخلوقات عابدة لخالقها إلا ما كان من مردة الثقلين، وليست عبادتها إياه قبولها لتدبيره وتصريفه وخلقه فإن هذا عام

لجميع المخلوقات حتى كفار بني آدم؛ بل عبادة المخلوقات

وتسبيحها هو من جهة إلهيته سبحانه وتعالى وهي الغاية المقصودة منها وبها قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 48، 50] تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: 44] وفي الصحيحين من حديث أبي ذر قال: دخلت المسجد ورسول الله جالس، فلما غربت الشمس قال: «يا أبا ذر: هل تدري أين تذهب هذه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب تستأذن في السجود فيؤذن لها» وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ثم قرأ: (ذلك مُسْتَقَر لها) في قراءة عبدالله. واتقوا الله عباد الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [النُّور: 41].

الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد القاهر، يفعل ما يشاء ويختار.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فإذا قال له: كن. كان.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المختار من ولد عدنان. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد: أيها المسلم إن سمعت من يقول بأن وجود الحيوان والنبات والمعادن من فعل الطبيعة، أو حركة الرياح والسحاب والمطر أو غير ذلك من فعل الطبيعة. فقل له: لو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك بنفسك، وقلت: أخبريني عن هذه الطبيعة: أهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الأفعال العجيبة، أم ليست كذلك بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه؟ فإن قالت لك: بل هي ذات قائمة بنفسها لها العلم التام والقدرة والإرادة والحكمة. فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصورة، فلم تسمينه طبيعة؟! فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى.

وإن قالت لك: بل الطبيعة عرض محمول مفتقر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قدرة ولا شعور أصلًا وقد شوهد من آثارها ما شوهد. فقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل سليم، كيف تصدر هذه الأفعال العجيبة والحكم الرفيعة التي

تعجز عقول العقلاء عن معرفتها وعن القدرة عليها ممن لا عقل له ولا قدرة ولا شعور؟ وهل التصديق بهذا إلا دخول في سلك المجانين والمبرسمين!!

ثم قل لها بعد ذلك: ولو ثبت لك ما ادعيت فمعلوم أن مثل هذه الصفة ليست بخالقة لنفسها ولا مبدعة لذاتها، فمن ربها ومبدعها وخالقها؟ ومن طبعها وجعلها تفعل ذلك فهي إذًا من أدل الدلائل على خالقها وبارئها وفاطرها وكمال علمه وقدرته وحكمته، فلم يُجْدِ عليك تعطيلكِ رب العالم وجحودكِ لصفاته وأفعاله إلا مخالفتكِ العقل والفطرة.

فإن رجَعَتْ إلى العقل وقالت: لا يوجد حكمة إلا من حكيم قادر عليم، ولا تدبير متقن إلا من صانع قادر مختار مدبر عليم بما يريد قادر عليه لا يعجزه ولا يؤوده. قيل لكَ: فإذا أقررتَ ويحك بالخلاق العظيم الذي لا إله غيره ولا رب سواه فَدَعْ تسميته طبيعة أو عقلاً فعالاً أو موجبًا بذاته، وقل: هذا هو الخالق البارئ المصور رب العالمين وقيوم السموات والأرضين، ورب المشارق والمغارب، الذي أحسن كل شيء خلقه وأتقن ما صنع، فما لكَ جحدت أسماءه وصفاته وذاته، وأضفت صنيعه إلى غيره وخلقه إلى سواه، مع أنك مضطر إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه ولابد. والحمد لله رب العالمين.

على أنك لو تأملت معنى هذه اللفظة «طبيعة» لدلك على الخالق البارئ لفظُها، كما دل العقول عليه معناها؛ لأن «طبيعة» فعيلة بمعنى مفعولة أي مطبوعة؛ لأنها على بناء الغرائز التي ركبت

في الجسم ووضعت فيه كالسجية والغريزة والسليقة. فالطبيعة هي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه، ومعلوم أن طبيعة من غير طابع لها محال.

والمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب، وهي سنته في خليقته التي أجراها عليه، ثم إنه يتصرف فيها كيف شاء وكما شاء، وأن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر مخلوقاته، فكيف يحسن بمن له حظ من إنسانية أو عقل أن ينسى مَنْ طبعها وخلقها ويحيل الصنع والإبداع عليها، ولم يزل سبحانه يسلبها قدرتها ويحيلها ويقلبها إلى ضد ما جعلت له حتى يري عباده أنها خلقه وصنعه مسخرة بأمره أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعرَاف: 54]( ) فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أحسن الحديث ...

ما اتخذ الله من ولد سبحانه الأديان الخمسة

الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا، ونصب الدلالة على صحته، وأوضح السبيل إلى معرفته، وادخر لمن وافاه به أجرًا جزيلاً. وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه، والتمسك بدعائمه وأركانه، وأبى أن يقبل دينًا سواه، ولو بَذَلَ في المسير إليه جُهْدَه( ) واستفرغ قواه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضد له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا كفو له، تعالى عن إفك المبطلين، وتنزه عن شرك المشركين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفوته من خلقه، ابتعثه بخير ملة وأحسن شرعة إلى جميع العالمين. بشرت به الكتب السالفة، وأخبرت به الرسل الماضية، من عهد آدم أبي البشر، إلى عهد المسيح ابن البشر. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه الذين اختارهم الله له أعوانًا وأنصارًا، فنشروا ألوية الإسلام وأعلامه، وحفظوا من التغيير والتبديل حدوده وأحكامه.

أما بعد فيا عباد الله إن الله جعل الإسلام عصمة لمن لجأ إليه، وحصنا لمن استمسك به وعض بالنواجذ عليه- فهو حرمه

الذي من دخله كان من الآمنين، ومن انقطع دونه كان من الهالكين. أظهره على الدين كله حتى طبق مشارق الأرض ومغاربها، وتضاءلت له جميع الأديان، وجرت تحته الأمم منقادة بالخضوع والذل والإذعان، حتى بطلت دعوة الشيطان، وتلاشت عبادة الأوثان، واضمحلت عبادة النيران، وذل المثلثة عباد الصلبان، وتقطعت الأمة الغضبية في الأرض كتقطع السراب في القيعان.

عباد الله: إن الله تبارك وتعالى لما بعث محمدًا كان أهل الأرض صنفين: أهل كتاب، ومن لا كتاب لهم. وأهل الكتاب نوعان: مغضوب عليهم، وضالون.

فالأمة الغضبة هم «اليهود»، يصفون الله بالنقائص والعيوب( )، وهم قتلة الأنبياء، وأكلة الربا والرشا، أخبث الأمم طويه، وأرداهم سجيه، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، لا يرون لمن خالفهم حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلاَّ ولا ذمة. وهم أهل الكذب، والبهت، والغدر، والمكر، والحيل، والسحر.

والنوع الثاني «المثلثة» أمة الضلال، وعباد الصليب، الذين سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر، ولم يقروا بأنه الواحد

الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد؛ بل أصل عقيدتهم: أن الله ثالث ثلاثة، وأن مريم صاحبته، وأن المسيح ابنه فدينهم عبادة الصلبان، ودعاء الصور المنقوشة في الحيطان، يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا، واغفري لنا وارحمينا.

ومن دينهم شرب الخمور، وأكل الخنزير، وترك الختان، والتعبد بالنجاسات، واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة، والحلال ما حلله القس، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والذنب هو الذي غفره.

ويعتقدون أن أرواح الأنبياء عليهم السلام كانت في الجحيم في سجن إبليس من عهد آدم إلى زمن المسيح بسبب خيطئة آدم وأكله من الشجرة، وأن كل من مات من بني آدم أخذه إبليس وسجنه في النار بذنب أبيه. قالوا: ثم إن الله لما أراد رحمتهم وخلاصهم من العذاب تحيل على إبليس بحيلة؛ فنزل عن عرشه، ودخل في رحم مريم، وأقام هناك تسعة أشهر بين الحيض والبول، ثم خرج طفلاً صغيرًا يرضع ويبكي، ويأكل ويشرب، ويبول وينام، ويألم؛ ثم لما كبر وصار رجلاً مَكَّنَ أعداءَه اليهودَ من نفسه حتى صلبوه وسمروا يديه ورجليه وصفعوه ووضعوا الشوك على رأسه، فخلصهم بذلك من الشيطان، ولذلك سموه (المخلص). قالوا: ومن أنكر صلبه، أو شك فيه، أو قال بأن الإله يجل عن ذلك: فهو في سجن إبليس معذب حتى يقر بذلك. هذه قصة (الفداء) التي زعموا يرددونها على رأس سنتهم الميلادية، ويُدَرِّسونَها؛ وهي أهم دليل عندهم في الدعوة إلى التنصير؛ وهي كما تسمعون غاية النقص المنافي لكمال الله حتى عند النصارى، ويستحيل في العقول السليمة

التصديق بها؛ إذ نسبوا الإله الحق إلى ما يأنف أسقط الناس وأقلهم عقلاً أن يفعله بمملوكه أو خادمه، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وآدم تاب من الذنب فتاب الله عليه. وإبليس أحقر مما نسبوه إليه.

وأول من ابتدع لهم شارة الصليب الملك قسطنطين، وفي زمنه وضعوا ما يسمونه (الأمانة) وهي عقيدة التثليث عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي اطرح عنك هذا الوثن».

ولما كانت هذه أقوال أعداء المسيح من اليهود والغالين فيه من النصارى أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه ما أزال الشبهة في أمره، وكشف الغمة، وبرأ المسيح وأمه، ونزه رب العالمين عما افتراه عليه عباد الصليب -فآمن محمد بأخيه المسيح، وشهد له بأنه عبدالله ورسوله، وأن جسمه خلق من أنثى بلا ذكر، وأن الله أرسل روحه جبريل إلى مريم فنفخ في جيب درعها -وهو الطوق الذي في العنق- فوصلت النفخة إلى الرحم، ولم يكشف بدنها، وكانت تلك النفخة بمنزلة لقاح الأب والأم، فحملت به مريم العذراء الطاهرة الصديقة، ثم نفخت فيه الروح التي تكون بعد مضي أربعة أشهر على خلق البدن كغيره. وقرر النبي معجزات المسيح وآياته، وأخبر بكفر النصارى وتخليدهم في النار إن لم يتوبوا ويستغفروا ربهم، وأن الله أكرم عبده ورسوله أن ينال إخوان القردة منه ما زعمه النصارى أنهم نالوه منه، بل رفعه إليه وأسكنه السماء، وسيعيده إلى الأرض ينتقم به من مسيح الضلال وأتباعه، ويكسر به الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويعلو به الإسلام.

أما صلاة النصارى- فمفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب، وقبلتها الشرق، وشعارها الشرك- يقوم أعبدهم وأزهدهم إليها والبول على ساقه وأفخاذه فيستقبل المشرق ثم يصلب على وجهه (يرسم بين عينيه خطين متخالفين) ويستفتح الصلاة بقوله: يا أبانا أنت الذي في السموات تقدسك أسمك( ) وليأت ملكك، ولتكن إرادتك في السماء مثلها في الأرض، أعطنا خبزنا الملايم لنا، ثم يدعو تلك الصورة التي هي صنعة يد الإنسان، وهي الإله المصلوب بزعمه( ) ويقرءون في صلاتهم كلامًا قد لحنه لهم أئمتهم يجري مجرى النوح والأغاني.

أما فروع دينهم وشرائعه فهم مخالفون فيه للمسيح- فالمسيح يتطهر ويغتسل من الجنابة ويوجب غسل الحائض. والمسيح يقرأ في صلاته ما كان الأنبياء وبنو إسرائيل يقرءونه في صلاتهم من التوراة والزبور. والمسيح يصلي إلى بيت المقدس إلى أن رفعه الله وهي قبلة داود والأنبياء قبله وقبلة بني إسرائيل. والمسيح اختتن وأوجب الختان كما أوجبه الأنبياء قبله. والمسيح حرم الخنزير ولعن آكله وبالغ في ذمه. والمسيح لم يشرع لهم هذا الصوم الذي يصمونه ولا صامه

في عمره، ولا أكل في الصوم ما يأكلونه، ولا حرم فيه ما يحرمونه، ولا عطل السبت، ولا اتخذ الأحد عيدًا. والمسيح سار في الذبائح والمناكح والطلاق والمواريث والحدود بسيرة الأنبياء قبله. والمسيح لم يفوض الأساقفة والبطاركة في التشريع. وكان أصحاب المسيح بعده على نهجه قريبًا من ثلاثمائة سنة، وهم الذين أثنى الله عليهم في القرآن وعلى البقايا الصالحة منهم. ثم أخذوا في التغيير والتبديل والتقريب إلى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود ومناقضتهم بما فيه ترك دين المسيح والانسلاخ منه جملة. فهذا دين النصارى بعد البعثة وإلى اليوم باطله أضعاف أضعاف حقه، وحقه منسوخ.

وأما من لا كتاب له فهو بين عابد أوثان، وعابد نيران، وعابد شيطان، وصابئي حيران -يجمعهم الشرك وتكذيب الرسل وتعطيل الشرائع وإنكار المعاد وحشر الأجساد، لا يدينون للخالق بدين، ولا يعبدونه مع العابدين، ولا يوحدونه مع الموحدين. وأمة المجوس منهم تفترش الأمهات والبنات والأخوات، والعمات والخالات، دينهم الزمر، وطعامهم الميتة، وشرابهم الخمر، ومعبودهم النار، ووليهم الشيطان.

الخلاصة: يا عباد الله أن الله لما بعث محمدًا رسولاً إلى أهل الأرض كانوا «خمسة أصناف» يهود، ونصارى، ومجوس، وصابئة، ومشركون، ودين الحنفاء لا يعرف فيهم إلا قليلاً. وهذه الأديان الخمسة كلها للشيطان. وهذه الأديان الخمسة مذكورة في آية الفصل إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحَجّ: 17] ولكل قوم وارث.

فاتقوا الله عباد الله، وكونوا دائمًا على بصيرة في الاعتقاد في الله جل جلاله وتقدست أسماؤه، وفي المسيح رسول الله، واحذوا وحذِروا من دعاة التنصير الذين هذه بضاعتهم، ومع ذلك لم يستحيوا من الدعوة إليها ونشرها والإنفاق في سبيلها حين ظنوا أن الجو قد خلا لهم، وسموا أنفسهم «المبشرون» وهم المضللون، وأكثروا من الدعاية إلى التقريب بين الإسلام والنصرانية، وانخدع بهم كثير من ضعاف الإيمان فظنوا أن اليهودية والنصرانية في هذه الأزمان من الأديان السماوية، واعتبروهم مؤمنين وإخوان، وهم أعداء الله وأولياء الشيطان جمعوا بين الكفر بالله، وتكذيب رسل الله، وعبادة غير الله.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُـولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 30- 33] بارك الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أنقذنا بمحمد من تلك الظلمات، وفتح باب الهدى فلا يغلق إلى يوم الميقات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أرانا أهل الضلال وهم في ضلالهم يتخبطون، وفي سكرتهم يعمهون، وفي جهالتهم يتقلبون، وفي ريبهم يترددون. يؤمنون- ولكن بالجبت والطاغوت يؤمنون. ويعدلون- ولكن بربهم يعدلون، ويعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ويسجدون ولكن للصليب والوثن يسجدون، ويمكرون وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله إلى الناس كافة، وقال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» أخرجه مسلم. قال الحسن البصري رحمه الله: تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هُود: 17] وكان غلام يهودي يخدم النبي فمرض فأتاه النبي يعوده فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال أطع أبا القاسم، فأسلم فخرج النبي وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» أخرجه البخاري (3/176) وأخرجه أبو داود (3095).

ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدير راهب فناداه: يا راهب. فأشرف، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ *

لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية: 2- 7] فذاك الذي أبكاني. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد الذي استجاب له ولخلفائه أكثر الأديان طوعًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارًا، لما بين لهم الهدى، وأنه رسول الله حقًا. والسيف إنما جاء منفذًا للحجة، مقومًا للمعاند، وحدَّا للجاحد.

أما بعد فيا عباد الله: إن الله تعالى قد نوع خلق آدم وبنيه إظهارًا لقدرته، وأنه يفعل ما يشاء فخلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر لا من أنثى، وخلق عبده المسيح من أنثى لا من ذكر، وخلق سائر النوع من ذكر وأنثى إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عِمرَان: 59]( ). واتقوا الله عباد إن أحسن الحديث ...

معجزات الأنبياء من أعظم الأدلة على الخالق، وصفاته، وصدق رسله،واليوم الآخر. والقرآن أعظمها

الحمد لله الذي أرسل رسله ودلل على صدقهم بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نوَّع طرق الهداية رحمة منه بعباده ولطفًا، ومحبة منه لإقامة الحجة وعذرًا ونذرًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ميزه بخصائص على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجًا أفضل شرعة وأكمل منهاج مبين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فقد قال الله تبارك وتعالى: سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فُصّلَت: 53].

عباد الله آيات الرب هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، وبها يعرفون أسماءه وصفاته وأفعاله وتوحيده وأمره ونهيه أخبر سبحانه أنه يدل بآياته الخلقية (الأفقية) من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان( ) (والنفسية) ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة، وما هو مُتَصَرَّف فيه من الأقدار التي لا يجوزها ولا يتعداها- يدل بهذه الآيات على صدق آياته القرآنية وصدق رسوله. ثم ذكر أعظم من ذلك وأجل وهو شهادته سبحانه على كل شيء شهد لرسوله بقوله الذي أظهر البراهين على صدقه فيه، وبفعله، وإقراره، وبما فطر عليه عباده من الإقرار له بكماله سبحانه، وفي كل وقت يحدث من الآيات الدالة على صدق رسوله ما يقيم به الحجة، ويزيل به العذر، ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم به من العز والنجاة والظفر والتأييد، ويحكم على أعدائه ومكذبيه بما توعدهم به من الخزي والنكال والعقوبات المعجلة. وقال تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقِعَ: 80]. استدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به، وهذا أقوى من الاستدلال بالمعجزات وخوارق العادات.

وكذلك آيات الأنبياء قبله وبراهينهم وأدلتهم شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان، وأظهرها لهم غاية الإظهار بقوله وفعله، ففي الصحيح عنه أنه قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة».

وهذه الآيات التي تسمى (المعجزات) مأخوذة من طُرقِ الحس لمن شاهدها، ومن طريق استفاضه الخبر لمن غاب عنها.

فلما ثبتت النبوة صارت أصلاً في قبول ما دعا إليه النبي فانقلاب عصا تقلها اليد ثعبانًا عظيمًا يبتلع ما بحضرته من حبال وعصي لا

يحصيها إلا الله ثم تعود عصا كما كانت من أدل الدليل على وجود الله وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول، وعلى المبدأ والمعاد. فكل قواعد الدين في هذه العصا. وكذلك اليد التي أدخلها صاحب هذه العصا إلى جيبه ثم أخرجها فإذا لها شعاع كشعاع الشمس. وكذلك الكثيب العظيم الذي ضربه بعصاه فاستحال قمَّلاً سلط على أهل بلد عظيم. وفلق بحر من بحار العالم لعسكر عظيم اثنا عشر طريقًا ثم أرسلت عليه الريح فأيبسته في ساعة وقام الماء بين تلك الطرق كالحيطان، فلما جاوزه وسلكه آخرون ضربه بعصاه فالتئم عليهم فلم يفلت منهم إنسان. ونتق الجبل من موضعه ورفعه على قدر العسكر العظيم فوق رءوسهم بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه عيانًا وقيل لهم: إن لم تقبلوا ما أمرتم به وإلا أطبق عليكم، ثم رد إلى مكانه. وضرب حجر مربع يحمل مع قوم فينفجر منه اثنا عشر نهرًا كل نهر لطائفة عظيمة يختصون بمشربه لا يشاركهم فيه الآخرون. وكذلك سائر آيات الأنبياء: كأمة كذبت نبيها وسألوه آية فانفلقت صخرة بمحضر منهم وتمخضت عن ناقة قائمة من أعظم النوق وأحسنها شكلاً وهيئة، فلما تمادوا في تكذيبه سمعوا صيحة من السماء قطعت أكبادهم وقلوبهم في أجوافهم فماتوا موتة رجل واحد. وكذلك تصوير طائر من طين ثم ينفخ فيه النبي فينقلب طائرًا ذا لحم وريش وأجنحة يطير بمشهد من الناس، والمسح على عين الذي ولد أكمه فإذا به يبصر بعينين كالصحيح، وعلى الأبرص فيبرأ كأن لم يكن به بأس. وكذلك النار العظيمة التي أوقدت برهة من الزمن حتى كان الطير يمر عليها من عال فيقع مشويًا ألقي فيها رجل مكتوف فلم تحرق

منه شيئًا وصارت عليه بردًا وسلامًا وعادت روضة خضراء وماءً جاريًا. وكذلك المدائن التي قلعت من أصولها كما يقلع الشجر ثم رفعت في الهواء، ثم قلبت بمن فيها فماتوا موتة رجل واحد. ورجل دعا على قومه أن لا يدع الله منهم على الأرض دَيَّارًا، فأُرسل الماءُ عليهم وأنبع الماء من تحتهم حتى علا الماء فوق شواهق الجبال علوًا عظيمًا ثم ابتلعته الأرض شيئًا فشيئًا حتى عادت يابسًا. ورجل دعا على قومه وهم أعظم الناس أجسامًا وأشهدهم قوة، فأرسلت عليهم بدعوته ريح عاصف جعلت تحملهم بين السماء والأرض ثم تدق أعناقهم. ونبيٍّ كان يأمر بعسكره فيقعد على بساط ثلاثة أميال في ثلاثة أميال( ) فيأمر الريح فترتفع به بين السماء والأرض فتحمل العسكر على متنها مسيرة شهر مقبلة ومسيرة شهر مدبرة في يوم واحد، وأنه أمر بسرير عظيم لملكة فشق الأرض وصار بين يديه في أسرع من رَدِّ الطرف.

وكذلك إيماء الرسول إلى القمر في السماء لما سأله قومه آية فانشق فلقتين وهم يشاهدونهما، ثم عاد والتئم، وقدم السفار فأخبروا برؤية ذلك عيانًا، وحُمِلَ من مكة إلى بيت المقدس ثم رفع حتى جاوز السموات السبع ثم عاد إلى فراشه في ليلته. وقبض قبضة من تراب ثم رمى بها في وجوه عسكر لا يلتقي طرفاه فلم يبق منهم أحد إلا ملئت علينه.

وكذلك وضعه يده في ماء لا يغمرها فتفجر الماء من بين أصابعه وصار كأمثال العيون حتى رَوْيَ منه عسكر عظيم جَرَّار وملئوا

منه كل قربة ولك إناء معهم. وأن جماعة شبعت من بُرْمَةِ بقدر جسم القطا. وأن جِذْعًا حن حنين الناقة العشار إلى ولدها. وأن الحصا كان يسبح في كفه وكف أصحابه تسبيحًا يسمعه الحاضرون، وأن الحجر كان يسلم عليه سلامًا يسمعه بأذنه، وأن بطنه شق من ثغرة نحره إلى أسفله ثم استخرج قلبه فغسل ثم أعيد وهو حي ينظر، وأن شجرتين دعا بهما فأقبلتا تجران الأرض حتى قامتا بين يديه فالتزقتاه، ثم رجعت كل واحدة منهما إلى مكانها.

إلى أمثال ذلك من المعجزات التي هي من أعظم الأدلة على الخالق سبحانه، وصفاته، وأفعاله، وصدق رسله، واليوم الآخر.

هذا وإن القرآن وحده لمن جعل الله له نورًا أعظم آية ودليل وبرهان على هذه المطالب، قال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العَنكبوت: 51] ففيه الحجة والدلالة على أنه من الله، وعلى أن الله سبحانه أرسل به رسوله، وأن الذي جاء به أصدق خلق الله وأبرهم وأكملهم علمًا وعملاً ومعرفة، فيه ما يوجب لمن اتبعه السعادة وينجيه من العذاب. فاتقوا الله واعتبروا يا أولي الألباب.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 23- 25] بارك الله ...

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، قيوم السموات والأرضين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص، وعن كل شبيه أو مثيل في كماله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وفق من شاء من عباده نعمة منه وفضلا، وخذل من أعرض عنه. حكمة وعدلا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، المصدق بالآيات التي لا تحصى، صلى الله عليه وعلى آله وجميع أصحابه، ومن سار على نهجهم واقتفى.

أما بعد: فإن الله جل وعلا نَوَّع طرق الهداية رحمة منه بعباده ولطفًا بهم لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم فمنهم من يهتدي بنفس ما جاء به الرسول ودعا إليه من غير أن يَطْلُبَ منه برهانًا خارجًا عن ذلك كحال الكمّل من الصحابة كالصديق رضي الله عنه ، ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأن عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال، كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها له : أبشر فوالله لن يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. وهذه المقامات في الإيمان عجز عنها أكثر الخلق فاحتاجوا إلى الآيات وخوارق العادات. وأضعف الناس إيمانًا من كان إيمانه

صادرًا عن المظهر ورؤية غلبته للناس على صحة الرسالة، وأضعف من هؤلاء إيمانًا من إيمانه أيمان العادة والمربأ والمنشأ فإنه نشأ بين أبوين مسلمين وأقارب وجيران وأصحاب كذلك. والله سبحانه قد فاوت بين البشر؛ فبعضهم أفضل من الملائكة وبعضهم لا يرضي به الشيطان وليًا. فاسألوا الله عباد الله أن يقوي إيمانكم بربكم، وتصديقكم برسله؛ فالإيمان بالرسول هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفَال: 24]( ) إن أصدق الحديث كتاب الله ...

آيات الله في الأرض

الحمد لله الذي نصب الكائنات على وحدانيته دليلا، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حث على التفكر في آياته المسموعة وعلى التفكر في آياته المشهودة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتفكرين، وقدوة العاملين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله أكثر الله تعالى في كتابه الكريم من ذكر (الأرض) ودعا عباده إلى النظر فيها والتفكر في خلقها- والنظر هو التفات القلب إلى المنظور فيه- فقال سبحانه وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذّاريَات: 20].

فآيات الأرض أنواع كثيرة جدًا. منها: خلقها وحدوثها بعد عدمها، وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تجحد؛ فإنها شواهد قائمة بها. ومنها: بروز هذا الجانب من الأرض فيها عن الماء مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون مغمورًا به. ومنها: سعتها وكبر خلقها. ومنها: تسطيحها، كما قال تعالى وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغَاشِيَة: 20]. ولا ينافي ذلك كونها كروية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان. ومنها أنه جعلها فراشًا لتكون مقرًا للحيوان ومساكنه.

وجعلها مهادًا ذلولاً توطأ بالأقدام، وتضرب بالمعاول والفؤوس، وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منها. وجعلها بساطًا. وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها، وللأموات تضمهم في بطنها. وطحاها فمدها وبسطها ووسعها. ودحاها فهيئها لما يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومراعاها وشق فيها الأنهار وجعل فيها السبل والفجاج.

ونبه بجعلها مهادًا وفراشًا على حكمته في جعلها ساكنة واقفة، وذلك آية أخرى، إذ لا دعامة تحتها تمسكها، ولا علاقة فوقها، ولكنها لما كانت على وجه الماء كانت تكفأ كما تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام والحيوان والنبات والأمتعة، وتمكين الحيوان والناس من السعي عليها في مآربهم، والجلوس لراحاتهم والنوم لهدوئهم، والتمكن من أعمالهم( ).

ولو كانت رجراجة متكفئة لم يستطعوا على ظهرها قرارًا ولا هدوءًا ولا ثبت لهم عليها بناء ولا أمكنهم عليها صناعة ولا تجارة ولا حراثة ولا مصلحة، وكيف كانوا يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيبهم من الزلازل على قلة مكثها كيف يضطرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وقوله: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا [غَافر: 64] وقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا [طه: 53] وفي جامع الترمذي وغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من شدة الجبال، فقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال نعم: الريح. قالوا: يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدق صدقة بيمينه يخفيها عن

شماله».

ومن آياتها أن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنها قطع متجاورات متلاصقة: فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها، وهذه طيبة تنبت وتلاصقها أرض لا تنبت، وهذه تربة وتلاصقها رمال، وهذه صلبة ويلاصقها أرض رخوة، وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء، وهذه حصا كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها حجر، وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره، وهذه سبخة مالحة وهذه بضدها، وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال، وهذه لا تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنهار فيمطر الله سبحانه

الماء على الأرض البعيدة ويسوق الماء إليها على وجه الأرض.

وانظر قطعها المتجاورات، وكيف ينزل عليها ماء واحد فتنبت الأزواج المختلفة المتباينة في الشكل واللون والرائحة والطعم والمنفعة كما قال سبحانه: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد: 4].

فكيف كانت هذه الأجنة المختلفة مودعة في بطن هذه الأم وكيف حملها من لقاح واحد صنع الله الذي اتقن كل شيء لا إله إلا هو، ولو لا أن هذا من أعظم آياته لما نبه عليه عباده ودعاهم إلى التفكير فيه.

وقال سبحانه: وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً ميتة: فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ فتحركت وَرَبَتْ ارتفعت واخضرت وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحَجّ: 5] فأخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر «بهيج» للناظرين «كريم» للمتناولين فأخرجت الأقوات على اختلافها وتباين مقاديرها وأشكالها وألوانها ومنافعها، والفواكه والثمار وأنواع الأدوية، ومراعي الدواب والطير.

وجعلها ذلولاً على الحكمة في أن لم تكن في غاية الصلابة والشدة كالحديد والحجر فيمتنع حفرها وشقها وشق أنهارها والبناء فيها والغرس والزرع، وبعث النوم عليها والمشي فيها.

ونبه بكونها «قرارًا» على الحكمة في أنها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة والدماثة والطين فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة، وكذلك لم يجعلها شفافة لا يستقر عليها النور ولا تقبل السخونة فتبقى في غاية البرد فلا يستقر عليها الحيوان ولا يتأتى فيه النبات، وكذلك لم يجعلها صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها

بسبب انعكاس أشعة الشمس بل جعلها كثيفة غبراء فصلحت أن تكون مستقرًا للحيوان والأنام والنبات.

فلو سألتها: من نوعها هذا التنوع، ومن فوق أجزاءها هذا التفريق، ومن خصص كل قطعة منها بما خصها به، ومن ألقى عليها رواسيها وفتح فيها السبل وأخرج منها الماء والمرعى، ومن أمسكها عن الزوال، ومن بارك فيها وقدر فيها أقواتها، وأنشأ منها ماءها وحيوانها ونباتها، ومن وضع فيها معادنها وجواهرها ومنافعها، ومن هيأها مستقرًا للأنام، ومن يبدأ الخلق ثم يعيده إليها ثم يخرج منها، ومن جعلها ذلولاً غير مستعصية ولا ممتنعة، ومن وطأ مناكبها وذلل مسالكها ووسع مخارجها وشق أنهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها، ومن صدعها عن النبات وأودع فيها جميع الأقوات، ومن بسطها وفرشها ومهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة لها، ومن الذي يمسكها أن تتحرك فتتزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور.

ومن الذي أنشأ منها النوع الإنساني الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات؛ بل أنشأ منها آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا وعليهم أجمعين، وأنشأ منها أولياءه وأحباءه وعباده الصالحين، ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من المياه والأرزاق والمعادن والحيوان، ومن جعل بينها وبين الشمس والقمر هذا المقدار من المسافة؛ فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر فتعطلت المنفعة الواصلة إلى الحيوان والنبات بسبب ذلك، ولو زادت في القرب لاشتدت الحرارة والسخونة- كما نشاهده في الصيف- فاحترقت أبدان الحيوان والنبات.

وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة التي بها انتظام العالم.

ومن الذي جعل فيها الجنات والحدائق والعيون، ومن الذي جعل باطنها بيوتًا للأموات وظاهرها بيوتًا للأحياء.

ومن الذي يحييها بعد موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ في الحبل فإذا كان وقت الولادة مخضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج فسبحان من جعل الماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منه الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت نداوة الطين فيه وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين ساق من فوقها وهي الشجرة وساق من تحتها وهو العرق، ثم عظم ذلك الولد حتى لم يبق لأبيه نسبة إليه، ثم وضع من الأولاد بعد أبيه آلافا مؤلفة، كل ذلك صنع الرب الحكيم في حبة واحدة لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانه في هذه الأم.

فيا لها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات كماله وأفعاله وصدق رسله فيما أخبروا به بإخراج من في القبور، ليوم البعث والنشور.

فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى بعض وانفعال بعضها ببعض وتأثيره فيه وتأثره به بحيث لا يمكنه إلا الاتباع من التأثر والانفعال، ولا يستقل الآخر بالتأثير،

ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك أظهر دلالة على أنها مخلوقة مصنوعة، مربوبة، مدبرة، حادثة بعد عدمها، فقير إلى موجد غني عنها مؤثر فيها غير متأثر، قديم غير محدث، تنقاد المخلوقات كلها لقدرته، وتجيب داعي مشيئته، وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته، وتشهد بعلمه وحكمته، وتدعو عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وعبوديته ومحبته، وتحذرهم من بأسه ونقمته، وتحثهم على المبادرة إلى رضوانه وجنته.

فإذا كان يوم الوقت المعلوم وقد ثقلها حملها وحان وقت الولادة ودنو المخاض أوحى إليها ربها وفاطرها أن تضع حملها وتخرج أثقالها، فتخرج الناس من بطنها إلى ظهرها، وتقول: يا رب: هذا ما استودعتني، وتخرج كنوزها بإذنه تعالى، ثم تحدث أخبارها وتشهد على بنيها بما عملوا على ظهرها من خير وشر. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الزّلزَلة: 1] ... إلى آخر السورة.

الخطبة الثانية

الحمد لله نحمده ونستيعنه ونستغفره ونتوب إليه ...

وبعد: فقد قال سبحانه: وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [النَّازعَات: 32] وقال بعد ذكر الأمر بالنظر إلى الإبل والسماء وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغَاشِيَة: 19].

ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب، وكيف نصبها فأحسن نصبها، وكيف رفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض لئلا تضمحل على تطاول السنين وترادف الأمطار والرياح.

هذه الجبال التي يحسبها الجاهل فضلة في الأرض لا حاجة إليها وفيها من المنافع ما لا يحصيه إلا خالقها وناصبها.

وفي حديث ضمام بن ثعلبة قوله للنبي : «بالذي نصب الجبال وأودع فيها المنافع آلله أمرك بكذا وكذا؟ قال: اللَّهم نعم».

فمن فمنافعها أن الثلج يسقط عليها فيبقى في قللها حاملاً لشراب الناس إلى حين نفاده( ).

ومن منافعها ما يكون في حصونها وقللها من المغارات والكهوف والمعاقل التي بمنزلة الحصون والقلاع أكنان للناس والحيوان. ومن منافعها ما ينحت من أحجارها للأبنية على اختلاف أصنافعها والأرحية وغيرها.

ومنافعها ما يوجد فيها من المعادن على اختلاف أصنافعها من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والزبرجد والزمرد وأضعاف ذلك من أنواع المعادن التي يعجز البشر عن معرفتها على التفصيل، ثم هدى تعالى الناس إلى استخراج تلك المعاد منها وألهمهم كيف يصنعون منها النقود والحلي والزينة واللباس والسلاح

وآلة المعاش على اختلافها، ولولا هدايته سبحانه لهم إلى ذلك لما كان لهم علم شيء منه.

ومن منافعها أيضًا أنها ترد الرياح العاصفة وتكسر حدتها فلا تدعها تصدم ما تحتها. ومن منافعها أيضًا أنها ترد عنهم السيول إذا كانت في مجاريها فتصرفها عنهم ذات اليمين وذات الشمال، ولولاها خربت السيول في مجاريها ما مرت به فتكون لهم بمنزلة السد. ومن منافعها أنها أعلام يستدل بها في الطرقات، ولهذا سماها الله أعلامًا، فقال: وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ [الشّورى: 32] فالجواري السفن، والأعلام الجبال. ومن منافعها ما ينبت فيها من العقاقير والأدوية التي لا تكون في السهول والرمال، كما أن ما ينبت في السهول والرمال لا ينبت مثله في الجبال.

وفيها من المنافع ما لا يعلمه إلا خالقها ومبدعها سبحانه.

وإذا تأملت خلقتها العجيبة البديعة وجدتها في غاية المطابقة للحكمة؛ فإنها لو طالت واستدقت كالحائط لتعذر الصعود عليها والانتفاع بها وسترت عن الناس الشمس والهواء فلم يتمكنوا من الانتفاع بها، ولو بسطت على وجه الأرض لضيقت عليهم المزارع والمساكن ولملئت السهل، ولو جعلت مستديرة شكل الكرة لم يتمكنوا من صعودها ولما حصل لهم بها الانتفاع التام.

فخلقها ومنافعها من أكبر الشواهد على قدرة بارئها وفاطرها وعلمه وحكمته ووحدانيته.

هذا مع أنها تسبح بحمده، وتخشع له، وتتشقق وتهبط من خشيته، وهي التي خافت من ربها وفاطرها وخالقها على شدتها وعظم خلقها من الأمانة التي عرضها عليها وأشفقت من حملها.

هذا وإنها لتعلم أن لها موعدًا ويومًا تنسف فيه نسفًا وتصير كالعهن من هوله وعظمه، فهي مشفقة من هول ذلك الموعد منتظرة له، وكانت أم الدرداء رضي الله عنها إذا سافرت فصعدت على جبل تقول لمن معها: أسمعت الجبال ما وعدها ربها؟ فيقال: ما أسمعها؟ فتقول: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا( ) [طه: 105- 107].

فهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة، وهذه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها وعظمته، وقد أخبر عنها فاطرها وبارئها أنه لو أنزل عليها كلامه لخشعت وتصدعت من خشية الله.

فيا عجبًا من مضغة لحم أقسى من هذه الجبال تسمع آيات الله تتلى عليها ويذكر الرب تعالى فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب، فليس بمستنكر على الله ولا يخالف حكمته أن يخلق لها نارًا تذيبها إذا لم تلن بكلامه وذكره وزواجره ومواعظه، فمن لم يلن الله في هذه الدار قلبه ولم ينب إليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خشيته فليتمتع قليلاً فإن أمامه الملين الأعظم، وسيرد إلى عالم الغيب والشهادة فيرى ويعلم. إن أحسن.

السموات، والشمس، والقمر، والكواكب ودلالتها على خالقها العظيم

الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو العزيز الغفور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أشهد بها مع الشاهدين، وأدخرها عند الله عدة ليوم الدين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة بدوام السموات والأرضين.

أما بعد: فيا عباد الله: قد أثنى الله في كتابه على المتفكرين في خلق السموات والأرض فقال سبحانه وتعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: 190- 194].

وذم المعرضين عن ذلك فقال: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [الأنبيَاء: 32] ذلك أن التفكر فيها يدل على عظمة خالقها وبانيها، ويدعو إلى تعظيم أمره وشرعه، ويثمر زيادة الإيمان في قلوب ذوي الألباب.

عباد الله لنتأمل ولنتفكر في صنعه في ملكوت «السموات» وعلوها، وسعتها، واستدارتها، وعظم خلقها، وحسن بنائها ولونها. وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها، ومقاديرها وأشكالها، وتفاوت مشارقها ومغاربها، فهي أحكم خلقًا، وأتقن صنعًا، وأجمع للعجائب من بدن الإنسان، قال الله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [النازعات: 27- 29] والأرض والبحار والهواء وكل ما تحت السموات بالإضافة إلى السموات كقطرة في بحر، قال سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البَقَرَة: 164] فبدأ بذكر خلق السموات؛ ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها: إما إخبارًا عن عظمتها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاءً إلى النظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالاً منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالاً منه بربوبيته لها على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالاً منه بحسنها

واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور والشقوق فيها على تمام حكمته وقدرته. وكذلك ما فيها من الشمس والقمر والكواكب والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها، ثم هي مع ذلك مقر ملائكته الرب، وحل دار جزائه؛ ومهبط ملائكته ووحيه، وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة.

بدأ سبحانه خلقها من بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض وهو الدخان، قال تعالى( ): ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فُصّلَت: 11]. فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في ارتفاعها وسعتها، وقرارها بحيث لا تصعد علوًا كالنار، ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة، ولا عمد تحتها تقلها أو علاقة ترفعها؛ بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا.

ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن

الألوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له( ).

وهذه «الشمس» أكبر من الأرض بأكثر من مائة مرة إذا فكرت في طلوعها وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم؛ فكم في طلوعها من الحكم والمصالح، وكيف كان حال الحيوان لو أمسكت عنهم وجعل الليل عليهم سرمدًا والدنيا مظلمة عليهم؛ فبأي نور كانوا يتصرفون ويتقلبون، وكيف كانت تنضج ثمارهم، وتكمل أقواتهم، وتعتدل صورهم وأبدانهم فالحِكَمُ في طلوعها أعظم من أن تخفى أو تحصى.

ولكن تأمل الحكمة في غروبها فلولا غروبها لم يكن

للحيوان هدوء ولا قرا مع شدة حاجتهم إلى الهدوء لراحة أبدانهم وإجمام حواسهم. وأيضًا لو دامت على الأرض لاشتد حموها بدوام طلوعها عليها فأحرق كل ما عليها من حيوان ونبات، فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في

وقت وتغيب في وقت بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليًا ليقضوا مآربهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدءوا وصار ضياء النهار وحرارته وظلام الليل وبرده على تضادهما وما فيهما متظاهرين متعاونين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ومنافع أهله( ).

ثم اقتضت حكمته سبحانه أن جعل للشمس ارتفاعًا وانخفاضًا لإقامة الفصول الأربعة من السنة- ففي زمن «الشتاء» تغور الحرارة في الأجواف وبطون الأرض والجبال والشجر والنبات فيتولد فيها مواد الثمار وغيرها، وتبرد الظواهر، ويغلظ الهواء بسبب البرد فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر والثلج والبَرَد الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات. فإذا جاء «الربيع» تحركت الطبائع وظهرت المواد الكامنة في الشتاء، فخرج النبات، وأخذت الأرض زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج بهيج، وتحرك الحيوان للتناسل, فإذا جاء «الصيف» سخن الهواء فنضجت الثمار ويبست الحبوب فصلحت للحفظ والخزن، وتحللت فضلات الأبدان. فإذا جاء «الخريف» انكسر ذلك السموم والحر وصفا الهواء واعتدل، وأخذت الأرض والشجر في الراحة والجموم والاستعداد للحمل والنبات مرة ثانية. ولو كان الزمان كلُّه فصلاً واحدًا لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه.

وجعل سبحانه «الخريف» برزخًا بين سموم الصيف وبرد الشتاء؛ لئلا ينتقل الحيوان وهلة واحدة من الحر الشديد إلى البرد الشديد فيجد إذاه ويعظم ضره. وكذلك «الربيع» برزخ بين الشتاء والصيف ينتقل فيه الحيوان من برد هذا إلى حر هذا بتدريج وترتيب، حكمة بالغة، وآية قاهرة، فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين.

وجعل سبحانه طلوع الشمس دولاً بين أهل الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه منها.

واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة، ويأخذ كل منهما من صاحبه، ومنتهى كل منهما إذا امتد خمسة عشر ساعة، فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلاً أو أكثر اختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات، ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضًا وتعطلت المصالح، ولو استويا لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما شهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم، كما قال تعالى: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: 37، 38].

وانظر إلى «القمر» وعجائب آياته كيف يبديه الله كالخيط الدقيق، ثم يتزايد نوره ويتكامل شيئًا فشيئًا كل ليلة حتى ينتهي إلى إبداره وكماله وتمامه، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى؛ ليظهر من ذلك مواقيت العباد في معاشهم وعبادتهم ومناسكهم، مع ما في ذلك من الحكم والآيات والعبر التي لا يحصيها إلا الله. وأما تأثير نور القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وتصليبها ليقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل، وتأثيره في المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال، وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر.

ولما كان الحيوان قد يحتاج في الليل إلى حركة ومسير وعمل لا يتهيأ له بالنهار لضيق النهار أو لشدة الحر أو لخوفه بالنهار كحال كثير من الحيوان- جعل سبحانه من أضواء الكواكب وضوء القمر ما يتأتى معه أعمال كثيرة كالسفر والحرث وغير ذلك.

فسل الْجَرِيَاتِ يُسْرًا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها، ورفع مكانها، وزين بها قبة العالم، وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء( ) تدلك على وجود الخالق، وصفات كماله، وربوبيته، وحكمته، ووحدانيته: أعظم دلالة، وكلما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله. فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة( ).

فاتقوا الله عباد الله وتفكروا في خلق السموات والأرض يصل بكم إلى ما أوصل أولي الألباب؛ فقالوا: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عِمرَان: 191].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 54] بارك الله لي ولكم ...

الخطبة الثانية

الحمد لله نحمده ونستعينه ...

أما بعد: فقد قال الله جل وعلا: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [الأعرَاف: 185].

عباد الله: النظر في السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم وأمثالها نوعان: نظر إليها بالبصر الظاهر- فيرى مثلاً زرقة السماء ونجومها وعلوها وسعتها- وهذا نظر يشارك الإنسان فيه غيره من الحيوانات، وليس هو المقصود بالأمر. الثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة فتفتح له أبواب السماء فيجول في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها، ثم يفتح له باب بعد باب حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته، ويرى السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة إليه كحلقة ملقاة بأرض فلاة( ) ويرى الملائكة حافين من حوله لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير، والأمر ينزل من فوقه بتدبر الممالك والجنود التي لا يعلمها إلا ربها ومليكها ينزل الأمر بإحياء قوم وإماتة آخرين، وإعزاز قوم وإذلال آخرين، وإسعاد قوم وشقاوة آخرين، وإنشاء مُلك

وسلب مُلك، وتحويل نعمة من محل إلى محل. وقضاء الحاجات على اختلافها وتباينها وكثرتها: من جبر كسير، وإغناء فقير، وشفاء مريض، وتفريج كرب، ومغفرة ذنب، وكشف ضر، ونصر مظلوم، وهداية حيران، وتعليم جاهل، ورد آبق، وأمان خائف، وغجارة مستجير، ومددٍ لضعيف، وإغاثة لملهوف، وإعانة لعاجز، وانتقام من ظالم، وكف لعدوان- فهي مراسيم دائرة بين العدل والفضل، والحكمة والرحمة، تنفذ في أقطار العوالم، لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره، ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلافها وتباينها واتحاد وقتها، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا تنقص ذرة من خزائنه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقًا لهيبته خاشعًا لعظمته، عان لعزته، فيسجد بين يدي الحق المبين سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة.

فهذا سفر القلب وهو في وطنه وداره ومحل ملكه، وهذا من أعظم آيات الله وعجائب صنعه، فيا له من سفر ما أبركه وأروحه، وأعظم ثمرته وأربحه، وأجل منفعته وأحسن عاقبته، سفر هو حياة الأرواح، ومفتاح السعادة، وغنيمة العقول والألباب؛ لا كالسفر الذي هو قطعة من العذاب قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ( ) [يُونس: 101]. وقال سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] عباد الله إن أحسن الحديث كتاب الله ...

(وما بينهما) الهواء، ومنافعه، والرياح والريح خيرها وشرها

الحمد لله الذي نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججًا، وأوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجًا، أسبغ على عباده نعمه الفرادى والتوائم، وسخر لهم البر والبحر والشمس والقمر والهواء والمطر والليل والنهار، والعيون والأنهار، والضياء والظلام، وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه يدعوهم إلى جواره في دار السلام.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا سمي له، ولا كفو له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا شبيه له، ولا يحصي أحد ثناءً عليه؛ بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه خلقه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده. أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين. جاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان، فدعا إلى الله على بصيرة، وسار في الأمة بالعدل والإحسان وخُلُقِهِ العظيم أحسن سيرة، إلى أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلامها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، وسارت دعوته سير الشمس في الأقطار،

وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار. فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء، وصلى عليه صلاة تبلغ أقطار الأرض والسماء، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فيا عباد الله «الرياح» من أعظم آيات الله الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته. وفيها من العبر: هبوبها، وسكونها، ولينها، وشدتها، واختلاف طبائعها، وصفاتها، ومهابها، وتصريفها، وتنوع منافعها، وشدة الحاجة إليها؛ ولهذا أقسم الله سبحانه بها في قوله وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا [الذّاريَات: 1] وهي الرياح: تذروا المطر، وتذروا التراب، وتذروا النبات إذا تهشم, ثم بما فوقها وهو السحاب فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا [الذّاريَات: 2] أي ثقلاً من الماء يسوقها الله سبحانه على متون الرياح، فالقسم بها دليل على أنها من أعظم آياته.

هذا «الهواء» اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك جسمه بحس اللمس عند هبوبه ولا يرى شخصه، يجري بين السماء والأرض، والطير محلقة فيه سابحة بأجنحتها في أمواجه كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحر, فإذا شاء الله سبحانه حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء، ورحمةً، وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحًا للسحاب( ). وإن شاء حركه بحركة عذاب فجعله عقيمًا، وأودعه عذابًا أليمًا، وجعله نقمة على من شاء من عباده، فجعله صرصرًا، ونحسًا وعاتيًا ومفسدًا لما يمر به ومسببًا للفيضان المدمر.

وهي في قوتها أشد من الحديد والنار والماء، ومع ذلك فهي ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض.

تأمل هذا الهواء وما فيه من المصالح؛ فإنه حياة هذه الأبدان، والممسك لها من داخل بما تستنشق منه، ومن خارج بما تِبَاشَرُ به من رَوْحِه، فتتغذى به ظاهرًا وباطنًا.

فحياة ما على الأرض من نبات وحيوان بالرياح؛ فإنه لولا تسخير الله لها لعباده لذوى النبات، ومات الحيوان، وفسدت المطاعم، وأنتن العالم وفسد. فسبحان من جعل هبوب الرياح تأتي بروحه ورحمته ولطفه ونعمته، كما قال النبي : «الرياح من روح الله تأتي بالرحمة».

الرياح تلقح الشجر والنبات، ولواها لكانت عقيمًا، وكذلك الرياح تسير السفن ولولاها لوقفت على ظهر البحر. ومن منافعها أنها تبرد الماء، وتضرم النار التي يراد إضرامها، وتجفف الأشياء التي يحتاج إلى جفافها. وهو الحامل لهذه الروائح على اختلافها ينقلها من موضع إلى موضع، فيأتي العبد الرائحة من حيث تهب الريح. وهو أيضًا الحامل للحر والبرد اللذين بهما صلاح الحيوان والنبات.

وتأملوا الحكمة البالغة في كون الريح في البحر تأتي من وجه واحد لا يعارضها شيء؛ فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد سيرها، فإذا اختلف عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك، فالمقصود بها في البحر غير المقصود بها في البر؛ في البر جعل لها ريحًا أخرى تقابلها وتكسر سورتها وحدتها،

فيبقى لينها ورحمتها، فرياح الرحمة متعددة. وأما ريح العذاب فإنه ريح واحدة ترسل من وجه واحد لإهلاك ما ترسل بإهلاكه فلا تقوم لها ريح أخرى تقابلها وتكسر سورتها وتدفع حدتها.

وجعل سبحانه الريح للسفن بقدر لو زاد عليها لأغرقها، ولو نقص عنه لعاقها.

والرياح تحمل الصوت عند اصطكاك الأجرام وتؤديه إلى مسامع الناس فينتفعون به في حوائجهم ومعاملاتهم بالليل والنهار. كالبريد والرسول الذي من شأنه حمل الأخبار. وتَحْدُثُ الحركات العظيمة من حركاتهم فلو كان أثر هذه الحركات والأصوات يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب والقرطاس لامتلأ العالم منه، ولعظم الضرر به، واشتدت مؤنته، واحتاج الناس إلى محوه من الهواء والاستبدال به أعظم من حاجتهم إلى استبدال الكتاب المملوء كتابة فاقتضت حكمة العزيز الحكيم أن جعل هذا الهواء قرطاسًا خفيفًا يحمل الكلام بقدر ما يُبَلِِّغُ الحاجة ثم يمحى بإذن ربه فيعود جديدًا نقيًا لا شيء فيه فيحمل ما حمل كل وقت.

فسل الرياح من أنشأها بقدرته، وصرفها بحكمته، وسخرها بمشيئته، وأرسلها بشرى بين يدي رحمته. جعلها سببًا لتمام نعمته، وسلطانًا على من شاء بعقوبته، ومن جعلها رُخَاءً، وذارية، ولاقحة، ومثيرة، ومؤلفة، ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات. وجعلها قاصفًا، وعاصفًا ومهلكة، وعاتية، إلى غير ذلك من صفاتها. فهل ذلك لها من نفسها وذاتها، أم بتدبير مدبر شهدت الموجودات بربوبيته، وأقرت المصنوعات بوحدانيته، بيده النفع والضر، وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.

ولما كانت الرياح تجول في الأرض وتدخل في تجاويفها وتحدث فيها الأبخرة وتختنق الرياح ويتعذر عليها المنفذ أذن الله سبحانه لها في الأحيان بالتنفس فتحدث لها الزلازل العظام، فيحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية والإنابة، والإقلاع عن معاصيه، والتضرع إليه، والندم؛ كما قال بعض السلف- وقد زلزلت الأرض- إن ربكم يستعتبكم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وقد زلزلت المدينة فخطبهم ووعظهم وقال: لئن عادت لا أساكنكم فيها.

فاتقوا الله عباد الله واعتبروا بخلق الهواء والرياح وما جعل الله فيها من المنافع لعباده، وما جعل فيها من العذاب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 32- 34] بارك الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله ...

أما بعد: فتأملوا عباد الله الحكمة البديعة في تيسيره سبحانه على عباده ما هم أحوج إليه وتوسيعه وبذله- فكلما كانوا أحوج إليه كان أكثر وأوسع، وكلما استغنوا عنه كان أقل، وإذا توسطت الحاجة توسط وجوده. واعتبروا هذا بالأصول الأربعة: التراب، والماء، والهواء، والنار. تأملوا سعة ما خلق الله منها وكثرته.

تأملوا سعة الهواء وعمومه ووجوده بكل مكان؛ لأن الحيوان مخلوق في البر لا يمكنه الحياة إلا به فهو معه أينما كان وحيث

كان؛ لأنه لا يستغني عنه لحظة واحدة، ولوا سعته وامتداده في أقطار العالم لاختنق العالم من الدخان والبخار المتصاعد المنعقد. فتأمل حكمة ربك في أن سخر له الرياح فإذا تصاعد إلى الجو أحالته سحابًا أو ضبابًا فأذهبت عن العالم شره وأذاه.

فسل الجاحدين من الذي دبر هذا التدبير، وقدر هذا التقدير. وهل يقدر العالم كلهم لو اجتمعوا أن يحيلوا ذلك ويقلبوه سحابًا أو ضبابًا أو يذهبوه عن الناس ويكشفوه عنهم؟! ولو شاء ربه تعالى أن يحبس عنه الرياح فاختنق على وجه الأرض فأهلك ما فيها من الحيوان والناس إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [النّحل: 7] فاشكروه تعالى، واتقوه، واعتبروا يا أولي الأبصار.

واعلموا عباد الله أن النبي أرشد إلى ما يقال عند شدة هبوب الرياح من الدعاء الذي هو عبودية لله، واعتراف بأنها إنما تهب بأمره؛ فهو الذي أوجدها، وأمرها، وصرفها، عن أبي بن كعب رضي الله عنه ، أن رسول الله قال: «لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به» فهذه حال أهل الإيمان خلافًا لحال أهل الجهل والجفاء والعصيان( ). إن أحسن الحديث...

السحاب، والنبات، والثمار

الحمد لله الكريم المنان، واسع العطاء جزيل الإحسان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائم بأرزاق خلقه من حيوان وإنس وجان. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان إذ حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وإذا أجدبت الأرض رفع يديه إلى السماء، فما تتخلف إجابة ذلك الدعاء. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه البررة نجوم الدجا.

أما بعد: فيا عباد الله: من آيات الله «السحاب» المسخر بين السماء والأرض كيف ترونه يجتمع في جو صاف لا كدرة فيه، وكيف يخلقه الله متى شاء وإذا شاء، وهو مع لينه ورخاوته حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض إلى أن يأذن له ربه وخالقه في إرسال ما معه من الماء. روى الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: بينما النبي جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال النبي : «هل تردون ما هذه؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا العنان، هذه روايا الأرض- أي الحاملة للماء- يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه» يعني لسعة رحمته وحلمه سبحانه يسقي به من يطيعه ومن يعصيه. وكان الحسن البصري رحمه الله إذا رأى السحاب قال: في هذه والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه بخطاياكم وذنوبكم. وقال الله تعالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات: 22] فالرزق المطر، وما توعدون به الجنة، وكلاهما في السماء.

وفي الصحيح عن النبي قال: «بينا رجل بفلاة من الأرض إذ سمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا بشرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء، فتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبدالله ما اسمك؟ قال: فلان. للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبدالله لم سألتني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان- لاسمك- فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه» وفي رواية: «وأجعل ثلثه لليتامى والمساكين وابن السبيل» أخرجه مسلم.

فتأملوا كيف يسوقه سبحانه رزقًا للعباد والدواب والطير والذر والنحل يسوقه رزقًا للحيوان الفلاني، في الأرض الفلانية، بجانب الجبل الفلاني، فيصل إليه على شدة من الحاجة والعطش، في وقت كذا وكذا.

وتأملوا رحمكم الله: كم سخر سبحانه للسحاب من ريح حتى أمطر: فسخرت له المثيرة أوَّلاً فتثيره بين السماء والأرض، ثم سخرت له الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية، ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين كسفه وقطعه ثم يجتمع بعضها إلى بعض فتصير طبقًا واحدًا، ثم سخرت له اللاقحة فتحمل الماء من البحر وتلقحها به كما يلقح الفحل الأنثى فيحمل الماء من وقته كما تحمل الأنثى من لقاح الفحل، ولولاها لكان جهامًا لا ماء فيه.

فالله سبحانه ينشئ الماء من السحاب إنشاء: تارة بقلب الهواء ما فيلقح به السحاب، وتارة يحمله الهواء من البحر فيلقح به السحاب. ولهذا تجد البلاد القريبة من البحر كثيرة الأمطار وإذا بعدت من البحر قل مطرها.

ثم تأملوا الحكمة البالغة في نزول المطر على الأرض من علو ليعم بسقيه وهادها وتلولها وظرابها وآكامها ومنخفضها ومرتفعها، ولو كان ربها يسقيها من ناحية من نواحيها لما أتى الماء على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر وفي ذلك فساد، فاقتضت حكمته أن سقاها من فوقها، ثم أنزله إلى الأرض بغاية من اللطف والحكمة التي لا اقتراح لجميع عقول الحكماء فوقها، فيرش السحاب الماء على الأرض رشًا، ويرسله قطرات مفصلة لا تختلط منه قطرة بأخرى، ولا يتقدم متأخرها، ولا يتأخر متقدمها، ولا تدرك القطرة صاحبتها فتمتزج بها، بل تنزل كل واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه حتى تصيب الأرض قطرة قطرة، قد عينت كل قطرة منها لجزء من الأرض لا تتعداه إلى غيره. فلو اجتمع الخلق كلهم أن يخلقوا منها قطرة واحدة أو يحصوا عدد القطر في لحظة واحدة لعجزوا عنه. أنزله ومعه رحمته إلى الأرض.

ثم تأمل الحكمة البالغة في إنزاله بقدر الحاجة، حتى إذا ما أخذت الأرض حاجتها منه وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها أقلع عنها وأعقبه بالصحو، فلو توالت الأمطار لأهلكت ما في الأرض، ولو زادت على الحاجة أفسدت الحبوب والثمار وعفنت الزرع والخضراوات وأرخت الأبدان وخثرت الهواء فحدثت ضروب من الأمراض وفسد أكثر المآكل وتقطعت المسالك والسبل. ولو دام الصحو لجفت الأبدان وغيض الماء وانقطع معين العيون والآبار والأنهار والأودية، وعظم الضرر، واحتدم الهواء فيبس ما على الأرض، وجفت الأبدان، وغلب اليبس، وأحدث ذلك ضروبًا من الأمراض عسرة الزوال. فاقتضت حكمة اللطيف الخبير أن عاقب بين الصحو والمطر على هذا العالم فاعتدل الأمر وصح الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الآخر، وستقام أمر العالم وصلح.

ثم كيف أودعه في الأرض، ثم أخرج أنواع الأغذية والأدوية والأقوات. فهذا النبات يغذي، وهذا يصلح الغذاء، وهذا ينفذه، وهذا يضعف، وهذا سم قاتل، وهذا الشفاء من السم، وهذا يمرض، وهذا دواء من المرض، وهذا يبرد، وهذا يسخن، وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق، وهذا إذا حصل فيها ولد الصفراء واستحال إليها، وهذا يدفع البلغم والسوداء، وهذا يستحيل إليهما، وهذا يهيج الدم، وهذا يسكنه، وهذا ينوم، وهذا يمنع النوم، وهذا يفرح، وهذا يجلب الغم، وغير ذلك من عجائب النبات التي لا تكاد تخلو ورقة منه ولا عرق ولا ثمرة من منافع تعجز عقول البشر عن الإحاطة بها وتفصيلها.

وانظر إلى مجاري الماء في تلك العروق الرقيقة الضئيلة الضعيفة التي لا يكاد البصر يدركها إلا بعد تحديقه كيف يقوي قسره واجتذابه من مقره ومركزه إلى فوق، ثم ينصرف في تلك المجاري بحسب قبولها وسعتها وضيقها، ثم تتفرق وتتشعب وتدق إلى غاية لا ينالها البصر.

ثم انظر إلى تكوين حمل الشجرة ونقلته من حال إلى حال كتنقل أحوال الجنين المغيب عن الأبصار ترى العجب العجاب.

فتبارك الله رب العالمين، وأحسن الخالقين. بينا تراها حطبًا قائمًا عاريًا لا كسوة عليها إذ كساها ربها وخالقها من الزهر أحسن كسوة، ثم سلبها تلك الكسوة وكساها من الورق كسوة هي أثبت من الأولى، ثم أطلع فيها حملها ضعيفًا ضئيلاً بعد أن أخرج ورقها صيانة وثوبًا لتلك الثمرة الضعيفة لتستجن به من الحر والبرد والآفات، ثم ساق إلى تلك الثمار رزقها وغذاها في تلك العروق والمجاري فتغذت به كما يتغذى الطفل بلبن أمه، ثم رباها ونماها شيئًا فشيئًا حتى استوت وكملت وتناهى إدراكها، فأخرج ذلك الجنين اللذيذ اللين من تلك الحطبة الصماء. هذا وكم لله من آية فيما يقع الحس عليه ويبصره العباد وما لا يبصرونه. تفنى الأعمار دون الإحاطة بها وبجميع تفاصيلها: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 7، 8] فاعتبروا يا أولي الأبصار، واتقوا الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 10، 11] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله ...

أما بعد: فقد قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأنعَام:99].

أمر سبحانه بالنظر إليه وقت خروجه وإثماره، ووقت نضجه وإدراكه؛ لأن في خروجه من بين الحطب والورق آية باهرة وقدرة بالغة، ثم من خروجه من حد العفوصة واليبوسة والمرارة والحموضة إلى ذلك اللون المشرق الناصع والطعم الحلو اللذيذ الشهي لآيات لقوم يؤمنون. قال بعض السلف: حق على الناس أن يخرجوا وقت إدراك الثمار وينعها فينظروا إليها ثم تلا: انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [الأنعَام: 99].

وتأملوا حكمة الله تعالى في حبس الغيث عن عباده وابتلائهم بالقحط إذا منعوا الزكاة وحرموا المساكين كيف جوزوا على منع ما للمساكين قِبَلَهُم من القوت بمنع الله ماء القوت والرزق وحبسه عنهم. فقال لهم بلسان الحال: منعتم الحق فمنعتم الغيث، فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قِبَلَكُم. وجاء في الحديث: «ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء»( ). إن أحسن الحديث...

التفكر في البحر، والاعتبار بأمواجه وتنوع ما فيه، من الجواهر والحيوانات وما في البر منها

الحمد لله الذي نوع أدلة ربوبيته وتوحيده وقامت من كل جانب، فعرفه الموفقون من عباده وأقروا بتوحيده إيمانًا وإذعانًا، وجحده المخذولون من خليقته وأشركوا به ظلمًا وكفرانًا، فهلك من هلك عن بينة وحيي من حيي عن بينة، والله سميع عليم.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من يعلم أنه لا رب له سواه، ولا يعبد إلا إياه.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على عباده المؤمنين، لم يفارق الأمة حتى تركها على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا من كان من الهالكين لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التّوبَة: 128].

أما بعد: فيا عباد الله- أحسن ما أنفقت فيه الأنفاس هو التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال منها إلى تعلق القلب

والهمة به دون شيء من مخلوقاته؛ ولهذا يكرر الله تعالى في القرآن

ذكر آياته ويبديها، ويأمر عباده بالنظر إليها مرة بعد أخرى، قال تعالى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [يُونس:

101].

عباد الله من آيات الله وعجائب مصنوعاته «البحار» المكتنفة لأقطار الأرض، حتى إن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحَبْسُهُ الماء لطفح على الأرض وعلاها كلها. هذا طبع الماء. ولهذا حار عقلاء الطبيعيين في سبب بروز هذا الجزء من الأرض مع اقتضاء طبيعة الماء للعلو عليه وإن لم يغمره، ولم يجدوا ما يحيلون عليه ذلك إلا الاعتراف بالعناية الأزلية، والحكمة الإلهية، التي اقتضت ذلك ليعيش الحيوان الأرضي في الأرض. وفي مسند الإمام أحمد، عن النبي أنه قال: «ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم» وهذا أحد الأقوال في قوله : وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطُّور: 6] وقيل في «المسجور»: إنه الموقد، وهذا هو المعروف في اللغة، ويدل عليه قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التّكوير: 6] قال علي وابن عباس: أوقدت، فصارت نارًا. ومن قال: يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارًا موقدة. وكذلك من قال: ملئت. فإنها تملأ نارًا، فإن البحر محبوس بقدرة الله، ومملوء ماء، ويذهب ماؤه يوم القيامة، ويصير نارًا( ).

وإذا تأملت عجائب البحر وما فيه من الحيوانات على اختلاف أجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانها حتى إن فيها حيوانات أمثال الجبال لا يقوم له شيء، وحتى إن فيه من الحيوانات ما يرى ظهورها فيظن أنها جزيرة فينزل الركاب عليها فتحس بالنار إذا أوقدت فتتحرك فيعلم أنه حيوان. وما من صنف من أصناف حيوان البر إلا وفي البحر أمثاله، وفيه أجناس لا يعهد لها نظير في البر أصلاً.

هذا مع ما فيه من الجواهر، واللؤلؤ، والمرجان، فترى اللؤلؤة كيف أودعت في كن كالبيت لها وهي الصدفة تكنها وتحفظها. ومنه اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقِعَة: 23] وهو الذي في صدفه لم تمسه الأيدي.

وتأمل كيف نبت (المَرْجَان) في قعره في الصخرة الصماء تحت الماء على هيئة الشجر.

هذا مع ما فيه من العنبر وأصناف النفائس التي يقذفها البحر وتستخرج منه.

ثم انظر إلى عجائب السفن وسيرها في البحر تشقه وتمخره بلا قائد يقودها ولا سائق يسوقها وإنما قائدها وسائقها الرياح التي يسخرها الله لإجرائها، فإذا حبس عنها القائد والسائق ظلت راكدة على وجه الماء، كما قال تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ( ) [الشورى: 33].

وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النّحل: 14].

فما أعظمها من آية وما أبينها من دلالة؛ ولهذا يكرر الله سبحانه ذكرها في كتابه كثيرًا.

وعجائب البحر وآياته أعظم وأكثر من أن يحصيها إلا الله سبحانه. وقال تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [الحاقة: 12].

ومن آياته سبحانه في الأرض خلق الحيوان على اختلاف صفاته وأجناسه، وأشكاله، ومنافعه، وألوانه، وعجائبه المودعة فيه فمنه الماشي على بطنه، ومنه الماشي على رجلين، ومنه الماشي على أربع. ومنه ما جعل سلاحه في رجليه- وهو ذو المخالب- ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب، ومنه ما سلاحه الأسنان، ومنه ما سلاحه الصياصي وهي القرون يدافع بها عن نفسه من يروم أخذه، ومنه ما أُعطي قوة يدفع بها عن نفسه فلم يحتج إلى سلاح كالأسد، ومنه ما سلاحه في ذرقه وهو نوع من الطير إذا دنا منه من يريد أخذه ذرق عليه فأهلكه، ومنه ما تشبه أعضاؤه جميع أعضاء الحيوان وهو «الزرافة» فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق بعير، وأظلافها أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر فهي خلق عجيب ووضع بديع من خلق الله الذي أبدعه آية ودلالة على قدرته وحكمته التي لا يعجزها شيء؛ ليري عباده أنه خالق أصناف الحيوان كلها كما يشاء، وفي أي لون شاء.

كما يري عباده قدرته التامة على خلقه لنوع الإنسان على الأقسام الأربعة منه: ما خلق من غير أب ولا أم، وهو أبو النوع الإنساني. ومنه ما خلق من ذكر بلا أنثى وهي أمهم التي خلقت من ضلع آدم، ومنهم من خلق من أنثى بلا ذكر، وهو المسيح ابن مريم، ومنه ما خلق من ذكر وأنثى وهو سائر النوع الإنساني.

فيري عباده آياته، ويتعرف إليهم بآلائه وقدرته، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كُنْ فَيَكُونُ [الأنعَام: 73] فتنوع أفعاله ومفعولاته، وفعله الشيء وضده، والشيء وخلافه: من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه.

فاتقوا الله عباد الله بفعل ما أمر وترك ما حظر. فالخالق لهذه الأشياء المتنوعة في هذا الكون العظيم هو المستحق للعبادة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 21، 22].

الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد القهار، يفعل ما يريد ويختار.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا يعجزه شيء، وإذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق المأمون. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فيا عباد الله. إن التفكر في آيات الله ينبه القلب من رقدته. ولنستمع إلى ما رواه أبو نعيم في الحُلْية عن ثلاثة عباد باتوا على ساحل البحر وتفكروا فيه.

روى بسنده عن مسمع بن عاصم، قال: بت أنا وعبدالعزيز بن سلمان وكلاب بن جري وسلمان الأعرج على ساحل من بعض السواحل، فبكى كلاب حتى خشيت أن يموت، ثم بكى عبدالعزيز لبكائه، ثم بكى سلمان لبكائهما، وبكيت أنا أيضًا لبكائهم، ثم لا أدري ما أبكاهم. فلما كان بعدُ سألت عبدالعزيز فقلت: أبا محمد ما الذي أبكاك ليلتك؟ قال: إني نظرت والله إلى أمواج البحر تموج وتحيك فذكرت أطباق النيران وزفراتها فذاك الذي أبكاني. ثم سألت كلابًا وسلمان فقالا لي نحوًا من ذلك. قال: فما كان في القوم شر مني ما كان بكائي إلا لبكائهم رحمة لما كانوا يصنعون بأنفسهم( ).

خلق آدم أبي البشر وفضله، وما في إيجاده وذريته من الحكم

الحمد لله الذي افتتح خلق هذا العالم بالقلم ليكتب المقادير قبل كونها ثم خلق الأرض والسموات، مهد الدار قبل الساكن وجعل آدم آخر المخلوقات، وأظهر فضله وشرفه بأنه خلقه بيديه، وعلمه أسماء كل شيء، وأباحه جنته يسكن منها حيث شاء، ويأكل منها ما شاء، وأسجد له الملائكة المقربة لديه. وأظهر ما في قلب عدوه من الكبر والحسد والشر الكامن لديه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق خلقه أصنافًا وأطوارًا، وسبق في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ تفضيل آدم وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلا.وجعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم يخشون ربهم بالغيب، ويأتون بالطاعات طوعًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارا.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كُتُبَ نبيًا وآدم بين الروح والجسد، ونهى عن الحرص والحسد. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وجميع أصحابه وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد: فقد قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البَقَرَة: 30].

عباد الله ذكر الله جل وعلا بداية خلق «الإنسان الأول» آدم أبي البشر ، ومادته التي خلق منها، وفضائله، وسكناه الجنة، وما جرى عليه وعلى عدوه من شؤم المعصية ومخالفة الأمر ذكر الله حالهما ومآلهما؛ ليكون عظة وعبرة لأولادهما.

إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البَقَرَة: 30] يخبر عن امتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم خَلِيفَةً قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلاً بعد جيل( ).

ولما اعترضت الملائكة على خلق هذا الخليفة وقَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البَقَرَة: 30]. أجابهم سبحانه بأن في خلقه من الحكم والمصالح ما لا تعلمه الملائكة والخالق سبحانه يعلمه.

وأظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر هذه الخليفة ما لم يكونوا يعلمونه بأن جعل من نسله من أوليائه وأحبابه ورسله وأنبيائه من يتقربون إليه بأنواع القرب، ويبذلون أنفسهم في محبته ومرضاته يسبحون بحمده آناء الليل وأطراف

النهار، ويذكـرونه قـائمين وقاعـدين وعلى جنوبهم، ويعبدونه ويشكرونه في السراء والضراء، والشدة والرخاء، والعافية والبلاء، ويعبدونه مع معارضة الشهوة وغلبة الهوى، ومعادات بني جنسهم وغيرهم، فلا يصدهم عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه صاد فإن كانت عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع والشواغل.

وأظهر لهم سبحانه من علمه ما لم يكونوا يعلمون من شرف آدم وفضله؛ فإن الملائكة لما رأته مصورًا فزعت منه، وقالت: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقًا أكرم عليه منا. فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر بذلك فضله وشرفه عليهم. وذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالق خلقًا أكرم عليه منا. فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى، كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة، قال الله: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فُصّلَت: 11].

ثم أظهر سبحانه فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خص به دونهم وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البَقَرَة: 31] وكان ذلك بعد سجودهم له علمه الأِشياء كلها: ذواتها وصفاتها وأفعالها إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها( ) ثم عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ [البَقَرَة: 31] عرض الخلق على الملائكة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه وأكرم.

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البَقَرَة: 31- 33] عرفوا أن الله فضل عليهم آدم بالعلم.

فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة إن ذلك الفضل قد نسخ ولم تطلع على عبودية التوبة الكامنة، فلما تاب إلى ربه وأتى بتلك العبودية علمت الملائكة أن لله في خلقه سرًا لا يعلمه سواه.

وأظهر لهم سبحانه من علمه ما خفي عليهم من شأن من كانوا يعظمونه ويجلُّونه ما لم يكونوا يعلمون؛ فإن الرب تعالى لما أمر الملائكة بالسجود ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية والانقياد فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد فأبى واستكبر وكان من الكافرين، وقَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعرَاف: 12] فاللعين لقصور نظره وضعف بصيرته رأى صورة الطين ترابًا ممزوجًا بماء فاحتقره، ولم يعلم أن الطين مركب من الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، والتراب الذي هو خزانة المنافع والنعم، ثم لم يتجاوز نظره محل المادة إلى كمال الصورة الإنسانية التامة المحاسن خَلْقًا وخُلُقًا، ثم لم يدر اللعين أن المادة التي خلق منها هو فيها الإحراق والعلو والفساد وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [الحِجر: 27]( ).

عباد الله! ولما سبق في حكم الله وحكمته بأن يجعل في

الأرض خليفة لم يكن بد من إخراج آدم من الجنة فكان من أسباب إخراجه النهي عن تلك الشجرة، وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه بالأكل، وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية، قال الله تعالى:

وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 19- 23]( ).

ومن الحكمة في إخراجه من الجنة إظهارُ كمال أسماء الله الحسنى وإن كان لم يزل كاملاً فمن كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره.

فإنه الملك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهي ويكرم ويهين، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرَّحمن: 29].

فأنزل الأبوين والذرية إلى دار تجري عليهم هذه الأحكام. أنزلوا إلى دار يكون إيمانهم فيها تامًا، فإن الإيمان قول وعمل وجهاد وصبر واحتمال، فكان إخراجهم من الجنة تكميلاً لهم وإتمامًا لنعمته عليهم ليزدادوا من الدار التي خلقوا منها وفيها إلى الدار التي خلقوا لها، وليعرفوا قدر تلك الدار التي أخرجوا منها.

فآدم أخرج من جنة الخلد التي في السماء ليعود إليها على أحسن أحواله. فما قدر أحكم الحاكمين ذلك باطلاً، ولا دبره عبثًا، ولا أخلاه من حكمته البالغة، وحمده التام. وخلق بنيه من تمام الحكمة والرحمة والمصلحة، وإن كان وجودهم مستلزمًا لشر فهو شر مغمور فيما في إيجادهم من الخير( ).

فاشكروه عباد الله على أن كرَّمَ أباكم، وفضلكم على كثير ممن خلق تفضيلا، واعتبروا بما قصه الله عن ابتلاء أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل هذا الأب عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه، وهذا الأبَ عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه. فأشبهوا أباكُم، وأطيعوا

مولاكم، واحذروا عدو أبيكم، فهو وذريته أعداكم. واحذروا الذنوب كلها فقد هبط آدم بلقمة تناولها، وطرد إبليس ولعن من أجل سجدة لأبيكم استكبر عنها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 71- 85] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضد ولا معين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد البشر أجمعين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله! إن الله سبحانه لما أراد خلق آدم أخذ من جميع الأرض قبضة من التراب، ثم ألقى عليها الماء فصارت طينًا أملس، ثم أرسل عليها الريح فجففها حتى صارت ترابًا

يابسًا، ثم قدر لها الأعضاء، والمنافذ، والأوصال، والرطوبات، وصورها فأبدع في تصويرها، وأظهرها في أحسن الأشكال، وهيأ

كل جزء منها لما يراد له، وقدره لما خلق له على أبلغ الوجوه، وألقاها على باب الجنة أربعين سنة( ) والملائكة تراها ولا تعرف ما يراد منها، وإبليس يمر على جسده فيعجب منه ويقول: خلقتَ لأمر عظيم؛ ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك. ولم يعلم أن هلاكه على يده.

فلما تكامل تصويرها وصارت جسدًا مصورًا مشكلاً كأنه ينطق إلا أنه لا روح فيه ولا حياة أرسل الله إليه روحه (جبريل) فنفخ فيه نفخة، وانقلب ذلك الطين لحمًا ودمًا وعظامًا وعروقًا وسمعًا وبصرًا وشمَّاً ولُمْسًا وحركة وكلامًا، فأول شيء بدأ به أن قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فقال له خالقه وباريه ومصوره: يرحمك الله يا آدم. فاستوى جالسًا أجمل شيء وأحسنه منظرًا، وأتمه خلقًا، وأبدعه صورة. فقال الرب تعالى لجميع ملائكته: اسْجُدُوا لِآَدَمَ [البَقَرَة: 34] فبادروا بالسجود، تعظيمًا وطاعة لأمر الواحد المعبود( ). ثم قال لهم: لنا في هذه القبضة من التراب شرع أبدع مما ترون، وجمال باطنٍ أحسنُ مما تبصرون، فلنـزين باطنه أحسن من زينة ظاهره، ولنجعلنه من أعظم آياتنا، نعلمه أسماء كل شيء مما لا تحسنه الملائكة. ثم اشتق منه صورة هي مثله في الحسن والجمال (حواء) ليسكن إليها وتقر نفسه، وليخرج من بينهما من لا يحصي عدده سواه من الرجال والنساء.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن

رسول الله قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم. قال: فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» وروى الترمذي وأبو داود عن أبي موسى الأِشعري رضي الله عنه ، قال سمعت رسول الله يقول: «إن الله تبارك وتعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض: منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب». كما أن المادة التي خلق منها الجن فيها الإحراق والعلو والفساد، وفيها الإشراق والإضاءة والنور، فأخرج منها سبحانه هذا وهذا، حكمة باهرة، وقدرة قاهرة، وآية دالة على أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير( ). إن أحسن الحديث ...

وفي أنفسكم أفلا تبصرون

الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعل وجوده من الأدلة على موجده ومصوره العليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يخلق ما يشاء ويختار، ويصور خلقه في الأرحام كيف يشاء بأسباب قدرها، وحكم دبرها.أعطى الذكر الذكورية والأنثى الأنوثية والماء واحد، والجوهر واحد، والوعاء واحد، واللقاح واحد الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عِمرَان: 6]. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أخبر عن المرسوم الإلهي الذي يلقيه إلى ملك التصوير، حين يقول: «يا رب أذَكَر، أم أُنثى، شقي، أم سعيد، فما الرزق، فما الأجل؟ فيوحي ربك ما يشاء، ويكتب الملك الكريم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين».

أما بعد: فقد قال الله تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذّاريَات: 21].

عباد الله لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسُه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماءٍ إلى التبصر والتفكر في نفسه فإذا تفكر في نفسه استنارت له آيات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب، وانقشعت عنه ظلمات الجهل فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات، شاهدة لمدبره، دالةٌ عليه، مرشدةٌ إليه، إذ يجده مكونًا من قَطرة ماءٍ: لحومًا منضده، وعظامًا مركبه، وأوصالاً متعددة، مأسورة مشددة بحبال العروق والأعصاب جمعت بجلد متين، مشتملاً على ثلاثمائة وستين مفصلاً: ما بين كبير وصغير، وثخين، ودقيق، ومستطيل ومستدير ومستقيم ومنحن، وشد هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقًا (أعصاب) للاتصال والانفصال، والقبض والبسط، والمد والضم، والصنائع والكتابة. وجعل فيه عشرة أبواب: فبابان للسمع وبابان للبصر، وبابان للشم، وبابان للطعام والشراب والتنفس، وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها.

عباد الله لننظر في هذه الأعضاء ومنافعها بالتفصيل. ابدأ: «بالرأس»: تأمل هذه القبة العظيمة التي ركبت على المنكبين، وما أودع فيها من العجائب، وما ركب فيها من الخزائن، وما أودع في تلك الخزائن من المنافع، وما اشتملت عليه من العظام المختلفة الأشكال والصفات والمنافع، ومن الرطوبات، والأعصاب، والطرق والمجاري، والدماغ، والمنافذ والقوى الباطنة: من الذكر، والفكر، والتخيل، وقوة الحفظ( ).

وذلك من أعظم آيات الله وأدلته وحكمته كيف ترتسم صورة السموات والأرض والبحار والشمس والقمر والأقاليم والممالك والأمم في هذا المحل الصغير، والإنسان يحفظ كتبًا كثيرة، وعلومًا شتى متعددة، وصنائع مختلفة من غير أن يختلط بعض هذه الصور ببعض.

ثم انزل إلى «العين» وتأمل عجائبها وشكلها وإيداع النور الباصر فيها، وتركيبها من عشر طبقات، ركبها سبحانه في أعلا مكان من الرأس بمنزلة طليعته والكاشف والرائد له، وجعل سبحانه موضع الإبصار في قدر العدسة، ثم أظهر في تلك العدسة قدر السماء والأرض والجبال والبحار والشمس والقمر، وجعل داخل ماء العين مالحًا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم، وجعلها مصونة بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذار عنها، وجعل شعر الأجفان أسود ليكون سببًا لاجتماع النور الذي به الإبصار، وأبلغ في الحسن والجمال. وخلق سبحانه لتحرك الحدقة ستة عضلات لو نقصت واحدة مـنها لاختـل أمر العين. ومع ذلك فيستدل

بـأحوال العين على أحوال القلب من رضاه وغضبه وحبه وبغضه ونفرته.

ثم اعدل إلى «الأذنين» وهما رسولا القلب، وتأمل شقهما في جانبي الوجه، وخلقهما، وإيداعهما القوة السمعية، يدركان بها المعاني الغائبة التي ترد على العبد من أمامه ومن خلفه وعن جانبيه، وإيداع الرطوبة فيهما، وجعلها مرة لتمتنع الهوام عن الدخول فيهما، وحوَّطهما سبحانه بصدفتين يجمعان الصوت ويؤديانه إلى الصماخ، وجعل في الصدفتين تعريجات لتطول المسافة فتكسر حدة الصوت، ولئلا يفاجئهما الداخل إليهما من الدواب والحشرات.

ثم أنزل إلى «الأنف» وتأمل شكله وخلقه، وكيف نصبه سبحانه في وسط الوجه قائمًا معتدلاً في أحسن شكل وأوفقه للمنفعة، وفتح فيه بابين، وأودع فيهما حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها وكيفياتها ومنافعها ومضارها، ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها، ويعين أيضًا على تقطيع الحروف( ). وجعله مصبًا للفضلات النازلة من الدماغ لتستريح منها، وستره بساتر أبدي لئلا تبدو تلك الفضلات في عين الرائي. وأيضًا فإنه يستنشق بالمنخرين الهواء البارد والرطب فيستغني بذلك عن فتح الفم( ) والهواء الذي يستنشقه ينزل إلى المنخرين فينكسر برده فيهما، ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك، ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون، فإذا أخذت الرئة ما تحتاجه من الهواء عاد من الرئتين إلى الحلقوم، ثم إلى المنخرين.

ولم يضيع أحكم الحاكمين ذلك «النَّفَس» بل جعل إخراجه سببًا لحدوث الصوت، ثم جعل سبحانه في الحنجرة واللسان والحنك باختلاف الصوت فيحدث الحرف، ثم ألهم الإنسان أن يركب ذلك الحرف إلى مثله ونظيره فيحدث الكلمة، ثم ألهمه تركيب تلك الكلمة إلى مثلها فيحدث الكلام الدال على أنواع المعاني.

ثم إنه سبحانه جعل «الحناجر» مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملامسة لتختلف الأصوات باختلافها، فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان. فميز سبحانه بين الأِشخاص بما يدركه السمع والبصر. فتأمل هذه الحكم الباهرة في اتصال النّفس إلى القلب لحفظ حياته، ثم عند الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببًا لهذه المنفعة العظيمة.

وأما «الفم» فمحل العجائب، وباب الطعام والشراب والنفس والكلام، ومَكَنُّ اللسان الناطق الذي هو آلة العلوم، وترجمان القلب ورسوله المؤدي عنه، وفيه منفعة الذوق والإدراك وتحريك الطعام( ) والدليل على اعتدال مزاج القلب وانحرافه، وعلى استقامته واعوجاجه، وعلى أحوال المعدة والأمعاء، وجعله سبحانه عضوًا لحميًا لا عظم فيه ولا عصب ليسهل عليه القبض والبسط والحركة الكثيرة في أقاصي الفم وجوانبه.

وأما «الأسنان» فلما كان الطعام لا يمكن تحوله إلا بعد طحنه جعل الرب تبارك وتعالى آلة للتقطيع والتفصيل، وآلة الطحن فجعل آلة القطع وهي الثنايا وما يليها حادة الرأس ليسهل بها القطع. وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة الرءوس عريضة ليتأتى بها الطحن، ونظمها أحسن نظام كاللؤلؤ المنظم في سلك، أنبتها سبحانه من نفس اللحم، وتخرج من خلاله كما ينبت الزرع في الأرض( ).

وزين «الوجه» أيضًا بما أنبت فيه من الشعور المختلفة الأشكال والمقادير. تأمل حال الشعر ومنبته. والغايةَ التي خلق من أجلها، وهي شيئان: أحدهما: عام وهو: تنقية البدن من الفضول الدخانية الغليظة كشعر العانة والإبط والأنف؛ والآخر خاص وهو: إما للزينة، أو للوقاية ففي شعر الرأس منافع ومصالح منها وقايته عن الحر والبرد والمرض، ومنها الزينة والحسن. وفي شعر الحاجبين مع الحسن والجمال والزينة وقاية العين مما ينحدر من الرأس. ولو نقص عن هذا المقدار لزالت منفعة الجمال والوقاية، ولو زاد عليه لغطى العين وأضرَّ بها وحال بينها وبين ما تدركه. وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة والوقار والهيبة، ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى، ومنها التمييز بين الرجال والنساء. والنساء لما كنَّ محل الاستمتاع والتقبيل كان الأحسن والأولى خلوهن عن اللحى، وزين الشفتين بما أنبت فوقهما من الشارب وتحتهما من العنفقة، وزين الجبهة بالحاجبين وقوسهما وأحسن خطهما.

ثم انزل إلى «الصدر» ترى معدن العقل والعلم والحلم والرضا والغضب والشجاعة والكرم والصبر والاحتمال والحب والإرادة والوقار والسكينة، والبر وسائر صفات الكمال، وأضدادها فتجد صدور العلِّية تعلو بالبر والخير والعلم والإحسان، وصدور السفلة تغلي بالفجور والشرور والإساءة والحسد والكبر.

وفي الصدر «القلب» الذي هو أشرف ما في الإنسان، وهو

قوام الحياة، وهو منبع الروح الحيواني والحرارة الغريزية، وهو محل

نظر الرب تعالى ومعرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه والإنابة

إليه والرضا به وعنه. والعبوديةُ عليه أوَّلاً، وعلى رعيته وجنده تبعًا، فالجوارح أتباع القلب، والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات أو المعاصي إنما هي آثاره، فإن أظلم أظلمت الجوارح، وإن استنار استنارت؛ ومع هذا فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ، فسبحان مقلب القلوب، ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب، الذي يحول بين المرء وقلبه، ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته ودينه، مصرف القلوب كيف أراد؛ أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إلي فبادرت وقامت بين يدي رب العالمين، وكره انبعاث آخرين فثبطهم وقيل: اقعدوا مع القاعدين.

فاتقوا عباد الله وتفكروا في أنفسكم وما فيها من العبرة والدلالة على خالقكم وبارئكم، والزجر عن معصيته.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: 31- 35] بارك الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله نحمده ونستيعنه .... إلخ.

أما بعد: فيا عباد الله: القلب يطلق على معنيين على العضو اللحمي الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وفي بطنه تجويف، وفي التجويف دم أسود. والثاني أمر معنوي وهو لطيفة ربانية رحمانية روحانية لها بهذا العضو تعلق واختصاص وتلك هي حقيقة الإنسانية وهي «الروح».

عباد الله وللملك لمة بالقلب، وللشيطان لمة فإذا ألم به الملك حدث من لمته والانفساح والانشراح والنور والرحمة والإخلاص والإنابة ومحبةُ الله وإيثارُه على ما سواه وقِصَرُ الأمل والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور. فلو دامت له تلك الحالة لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه؛ ولكن تأتيه لمة الشيطان فتحدث له من الضيق والظلمة والهم والغم والخوف، والسخط على المقدور، والشك في الحق، والحرص على الدنيا وعاجلها، والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب.

ثم من الناس من تكون لمة الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى. ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى. والشيطان يلم بالقلب لما كان هناك من جواذب تجذبه؛ فإذا كانت الجواذب صفات قوي سلطانه هناك، واستفحل أمره، ووجد موطئًا ومقرًا- فتأتي الأذكار والدعوات كحديث النفس لتدفع سلطان الشيطان. فإذا قلع العبد تلك الصفات وعمل على التطهير منها والاغتسال

بالتوبة النصوح بقي للشيطان بالقلب خطرات ووساوس ولمَّات من غير استقرار، وذلك يضعفه ويقوي لمة الملك، فتأتي الأذكار والدعوات والتعوذات فتدفعه بأسهل شيء إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: 98، 99].

عباد الله: وجماع الطرق والأبواب التي يصان منها القلب وجنودُه أربعة فمن ضبطها وعدَّلها وأصلح مجاريها وصرفها في محالها اللائقة بها استفاد منها قلبه وجوارحه ولم يشمت به عدوه، وهي: الحرص، والشهوة، والغضب، والحسد. فمن كان حرصه إنما هو على ما ينفعه، وحسده منافسة في الخير: وغضبه لله على أعدائه، وشهوته مستعملة فيما أبيح له وعونًا له على ما أمر به: لم تضره هذه الأربعة؛ بل انتفع بها أعظم انتفاع( ). إن أحسن الحديث...

أطوار الإنسان ودلالاتها على خالقه العظيم

الحمد لله الذي تعرف إلى خلقه بأنواع التعرفات، ونصب لهم الدلالات، وأوضح لهم الآيات البينات لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ .

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: 12- 14].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دعا عباده إلى التفكر في آياته ومخلوقاته، ليستدلوا بذلك على وحدانيته، وصفات كماله، ونعوت جلاله.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتفكرين، وقدوة الذاكرين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فيا عباد الله! ندب سبحانه ابن آدم في هذه الآيات إلى النظر والتفكر في نفسه في مبدأ خلقه، ووسطه، وآخره؛ إذ نفسه وخلقه من أعظم الدلائل على فاطره، وفيه من العجائب الدالة

على عظمة الله ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه وهو غافل عنه معرض عن التفكر فيه.

لينظر ابن آدم كيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى بأن قادهما بسلسلة المحبة والشهوة التي هي سبب تخليق الولد وتكوينه من نطفة. ولينظر بعين البصيرة إلى «النطفة» وهي قطرة مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ [السجدة: 8]، ضعيف مستقذر لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وأنتنت كيف استخرجها رب الأرباب العليم القدير من بين الصلب والترائب( ) منقادة لقدرته، مطيعة لمشيئته، على ضيق طرقها واختلاف مجاريها، إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجتمعها في مكان لا يناله هواء يفسده، ولا برد يجمده، ولا عارض يصل إليه، ولا آفة تتسلط عليه- فأقامت النطفة هناك برهة من الدهر.

ثم قلب سبحانه تلك النطفة البيضاء المشرقة «علقة» دمًا أحمر قد تغير لونها وشكلها وصفاتها، فأقامت كذلك مدة. ثم جعلها «مضغة» قطعة لحم بقدر ما يمضغها الماضغ مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها. ثم قسم تلك الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى «العظام» و «العروق» و «الأعصاب»، ثم ربط بعضها ببعض أقوى رباط وأشده وأبعده عن الانحلال. ثم كساها «لحمًا» ركبه عليها وجعله وعاء لها وغشاء وحافظًا، وجعلها حاملة له مقيمة له.

وانظر كيف صورها فأحسن صورها، وشق لها السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ، ومد اليدين والرجلين وبسطهما، وقسم رءوسهما بالأصابع.

ثم قسم الأصابع بالأنامل، ثم ركب فيها الأظفار، وركب الأعضاء الباطنة: من القلب، والمعدة، والأمعاء، والكبد، والمرارة، والطحال، والرئة، والمثانة، وغير ذلك كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه.

تأمل أعضاءك وتقدير كل عضو منها للأرب والمنفعة المهيأة لها- «فاليدان» للعلاج( ) والبطش والأخذ والإعطاء والحماية والدفع. و«الرجلان» لحمل البدن والسعي والركوب، وانتصاب القامة. و«العينان» للاهتداء والجمال والزينة والملاحة ورؤية ما في السموات والأرض وآياتهما وعجائبهما. «الفم» للغذاء والكلام والجمال وغير ذلك. و«الأنف» للتنفس وإخراج فضلات الدماغ وزينةً للوجه. و«اللسان» للبيان والترجمة والتبليغ عنك و«الأذنان» صاحبتا الأخبار تؤديا إليك( ).

وتأمل «الجهاز الهضمي»- تأمل أعضاء هضم غذائك وما أودع الله فيها من القوى التي تحيل أنواع الأطعمة من حنطة ولحم وفاكهة وماء وغيرها إلى دم يغذي أجزاء جسمك بما يناسب كل عضو وحاسة وإلا تحول إلى سم. «فالفم» مع كونه يقطِّع الغذاء ويخلطه يقوم بجزء من الهضم بما أودع فيه من اللعاب. و«المريء»

مع كونه منفذًا للمعدة يقوم بجزء من الهضم بما فيه من حركات وإفرازات لزجة ينزلق بها الغذاء إلى المعدة. و«المعدة» مع كونها خزانة حافظة للغذاء تتم عملية طحن الأطعمة وتبدأ بهضمها

واستحلابها، وتساعد بحموضتها القوية على تعقيم الأطعمة، وتنظم حركة عبورها إلى الأمعاء. و«الأمعاء» تتم هضم الطعام وتحليله إلى عناصره الأولية ويساعدها على ذلك عصارات الكبد والمعثكلة (البنكرياس). ومن خلال جدران الأمعاء يجري امتصاص خلاصة المواد المهضومة ودفعها إلى الكبد، ثم التخلص من الثفل (الفضلات). ثم «الكبد» يقوم بأكثر من خمسين وظيفة: من التخزين، والتأليف وتعديل السموم. ويساعد الكبد «الطحال»( ) و«الكليتان»( ).

فإذا تنقى الدم من تلك الفضلات وعملت فيه هذه الخدم بقواها التي أودعها الله فيها هذا العمل وأصلحته هذا الإصلاح اندفع من الكبد إلى «القلب» بواسطة الوريد الأجوف السفلي فيصب في الأذين الأيمن من القلب( )، ومنه إلى البطين الأيمن من القلب، وهذا غليظ أزرق غير مصفى، فيضخه البطين الأيمن إلى «الرئتين»

فينبث في جرمهما، ويخالط الهواء النقي ويتصفى( ).

ثم يعود بواسطة الأوردة الرئوية إلى الأذين الأيسر من القلب، ومنه إلى البطين الأيسر منه، فيضخه بواسطة الشريان (الأبهر) إلى العروق الضوارب( )؛ فيوصل -سبحانه- الغذاء بواسطتها إلى كل جزء جزء من البدن على مقداره وصفته المناسبة له وإلى كل حاسة بحسبها- فيحيله إلى العظم عظمًا، وإلى اللحم لحمًا، وإلى العصب عصبًا، وإلى الشعر شعرًا، وهكذا ...؛ فإنه سبحانه هو الذي خلق هذا كله، وهو الذي يرزق هذا كله رزقًا ثانيًا. الرزق الأول خلق الغذاء، وهذا إيصاله إلى الأعضاء ...، وكذلك أعوذ بالله من الشطيان الرجيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ [الحج: 5] بارك الله ....

الخطة الثانية

الحمد لله نحمده ....

أما بعد: فيا أيها الإنسان أعد الآن النظر في نفسك مرة بعد مرة. من الذي دبرك بألطف التدبير وأنت جنين في بطن أمك في موضع لا يد تنالك، ولا بصر يدركك، ولا حيلة لك في التماس الغذاء، ولا في دفع الضرر. فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لبنًا، حتى إذا كمل خلقك واستحكم وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرك على ملاقاة الضياء، وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي والتقلب على الغبراء، هاج الطلق بأمك فأزعجك إلى الخروج أيما إزعاج إلى عالم الابتلاء، فركضك الرحم ركضة من مكانك كأنه لم يضمك قط. ومن الذي صرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها، ومن الذي رققه لك وصفاه وأطاب طعمه وحسن لونه وأحكم طبخه، ومن عطف عليك قلب الأم ووضع فيه الحنان العجيب والرحمة الباهرة( ). حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك وخشنت عظامك واحتجت إلى غذاء أصلب من غذائك وضع فيك آلة القطع والطحن، وكلما ازددت قوة وحاجة إلى الأسنان في أكل المطاعم المختلفة زيد لك في تلك الآلات فمن الذي ساعدك بها ومكنك من ضروب الغذاء إلا أحكم

الحاكمين وأرحم الراحمين، فاشكره، واذكره، وأحسن عبادته وحده، على أن خلقك في أحسن تقويم، وتغذيتك بأصناف النعم، وأنت صغير وكبير( ) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34] عباد الله إن أحسن الحديث.

الذي أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى

الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، أعطى كل شيء من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له، ثم هداه لما خلق له وهو الحكيم الخبير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له في كل مخلوق حكمة باهرة، وآية ظاهرة، وبرهان قاطع يدل على أنه رب كل شيء ومليكه، وأنه المنفرد بكل كمال دون خلقه، وأنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: هدى أمته هداية البيان والإرشاد، وأما هداية التوفيق والإلهام فإلى الملك العلام.

أما بعد: فيا عباد الله ذكر الله تبارك وتعالى عن فرعون أنه قال: فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: 49، 50]. أي أعطى لك شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه إلى ما خلق له من الأعمال.

هذه الهداية شاملة للحيوان كله ناطقه وبهيمه. طيره ودوابه، فصيحه وأعجمه، هداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه، وتقلبه وتصرفه بإرادته. وكذلك كل عضو له هداية تليق به- فهدى

الرجلين للمشي، واليدين للبطش والعمل، واللسان للكلام، والأذن للاستماع، والعين لكشف المرئيات، وكل عضو لما خلق له. وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد، وهدى الولد إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه، وهداه إلى معرفة أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت، والقصد إلى ما ينفعه من المراعى دون ما يضره منه، وهدى الطير والوحش إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان. ومراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو. فتبارك الله رب العالمين.

وهدى «النحل» أن تتخذ من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومن الأبنية ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها ثم تأوي إلى بيوتها، وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه والائتمام به أين توجه بها، ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء.

ومن تأمل بعض هدايته المبثوثة في العالم شهد بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم. وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات «النبوة» و«المعاد» بأيسر نظر وأول ولهة، وأحسن طريق وأخصرها وأبعدها عن كل شبهة، وأن من هدى هذه الحيوانات هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها لا يليق به أن يترك هذا النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه تفضيلاً مهملا وسدى معطلا لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته. وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل والشرع.

وهذا النمل من أهدى الحيوانات، وهدايتها من أعجب شيء؛ فإن النملة الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها وإن بعدت عليها الطريق، فإذا ظفرت به حملته وساقته في طريق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل إلى بيوتها فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان، فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين لئلا ينبت، فإن كان ينبت مع فلقه باثنين فلقته بأربعة، فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به يومًا ذا شمس فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها ثم أعادته إليها، ولا تتغذى منها نملة مما جمعه غيرها. ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع سليمان عليه السلام كلامها وخطابها لأصحابها بقولها: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل: 18] فجمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش بكونهم لا يشعرون، وبين لو أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم ويدخلوا مساكنهم، ولذلك تبسم سليمان ضاحكًا من قولها، وإنه لموضع تعجب وتبسم. ومن عجب هدايتها أنها تعرف ربها بأنه فوق السموات على عرشه، كما رواه الإمام أحمد في «كتاب الزهد» من حديث أبي هريرة يرفعه قال: «خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون فإذا هم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء تدعو مستلقية على ظهرها، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك، ورزقك، فإما أن تسقينا وترزقنا وأما أن تهلكنا. فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم»( ).

وهذا «الهدهد» من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه غيره. ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أنه قال لنبيه سليمان عليه السلام وقد فقده وتوعده فلما جاء بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة، وخاطبة خطابًا هيجه على الإصغاء إليه والقبول منه، فقال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل: 22] ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفًا مؤكدًا بأدلة التأكيد فقال: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [النمل: 23] ثم أخبر عن شأن تلك الملكة وأنها من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يؤتاه الملوك، ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها الذي تجلس عليه وأنه عرش عظيم، ثم أخبره بما يدعوه إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النمل: 24] ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله وحده، ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له، ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النمل: 25] وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض.

وهذا «الحمام» من أعجب الحيوان هداية حتى قال الشافعي: أعقل الطير الحمام، وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب في لأزمان السابقة، ربما زادت قيمة الطير منها على قيمة العبد، يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ثلاثة آلاف ميل فما دونها. وهداية الحيوان إلى مصالح معاشها كالبحر حدث ولا حرج.

ومن عجائب أمر «القرد» ما ذكره البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: رأيت في الجاهلية قردًا وقردة زنيا فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا. فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم.

و«البقرة» يضرب ببلادتها المثل وقد أخبر النبي : «أن رجلاً بينما هو يسوق بقرة إذ ركبها، فقالت: إني لم أخلق لهذا، فقال الناس: سبحان الله، بقرة تتكلم. فقال النبي : إني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم. ثم قال: بينما رجل يرعى غنمًا له إذ عدى الذئب على شاة منها فاستنقذها منه، فقال الذئب: هذه استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري. فقال الناس: سبحان الله، ذئب يتكلم. فقال رسول الله : إني أومن بهاذ أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم».

ومن هداية «الحمار» الذي هو من أبلد الحيوان أن الرجل يسير به ويأتي به إلى منزله من البعد في ليلة مظلمة فيعرف المنزل، فإذا خُلِّيَ جاء إليه، ويفرق بين الصوت الذي يستوقف به والصوت الذي يحث به على السير.

وهذا «الثعلب» إذا اشتد به الجوع انتفخ ورمي بنفسه في الصحراء كأنه جيفة فتتداوله الطير فلا يظهر حركة ولا نفسًا فلا تشك أنه ميت، حتى إذا نقر بمنقاره وثب عليها فضمها ضمة الموت.

وهذا «ابن عرس» و «القنفذ» إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدا إلى الصعتر النهري فأكلا منه كالترياق لذلك.

وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوان البهيم أمورًا تنفعه في معاشه، وأخلاقه، وصناعته، وحربه، وحزمه، وصبره( ).

فتفكروا عباد الله في هداية هذه الحيوانات لما خلقت له واعرفوا عظمة باريها وتفهموا قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى: 1- 3] قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: 50]. بارك الله لي ولكم ...

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي سبحت الكائنات بحمده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مثل له من خلقه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أكمل خلق الله خلقًا، وأرفعهم عنده منزلا. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فقد قال الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام: 38] قال ابن عباس: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني. وقال ابن قتيبة: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك.

وقال سفيان بن عيينة: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم. فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد، ومنهم من يعدو عدو

الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي إليها الطعام الطيب عافته، فإذا قام الرجل عن رجيعة ولغت فيه، فلذلك تجد في الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظة واحدة منها، وإن أخطأ رجل تراواه وحفظه. قال الخطابي: ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذا الحكم أن المراد المماثلة في الطبائع والأخلاق.

والله سبحانه جعل بعض الدواب كسوبًا محتالًا، وبعضها متوكلاً غير محتال، وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنة، وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقًا مضمونًا وأمرًا مقطوعًا. وبعضها يدخر وبعضها لا كسب له. وبعض الذكورة يعول ولده، وبعضها لا يعرف ولده البتة. وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه، وبعضها تضع ولدها وتكفل ولده غيرها. وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه وبعضها لا يلتمس الولد، وبعضها يستفرغ الهم في طلبه. وبعضها يعرف الإحسان ويشكره، وبعضها ليس ذلك عنده شيئًا. وبعضها يؤثر على نفسه، وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمه من جنسه لم يدع أحدًا يدنو منه. وبعضها يحب الفساد ويكثر منه، وبعضها لا يفعله إلا في السنة مرة. وبعضها يقتصر على أنثاه، وبعضها لا يقف على أنثى ولو كانت أمه أو أخته. وبعضها لا تمكن غير زوجها من نفسها، وبعضها لا ترد يد لامس. وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم، وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار. وبعضها لا يأكل إلا الطيب، وبعضها لا يأكل إلا الخبائث، وبعضها يجمع بين الأمرين.

وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها، وبعضها يؤذي من لا يؤذيها، وبعضها حقود لا ينسى الإساءة، وبعضها لا يذكرها البتة. وبعضها لا يغضب، وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى. وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس، وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك البتة. وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه، وبعضها الحسن والقبيح منه سواء. وبعضها يقبل التعليم بسرعة، وبعضها مع الطول، وبعضها لا يقبل ذلك بحال.

وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه، وعلى إتقان صنعته، وعجيب تدبيره، ولطيف حكمته، فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض الحيل وحسن التدبير والتأني لما تريده ما يستنطق الأفواه بالتسبيح ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته سبحانه، وما يعلم كل عاقل أنه لم يخلق عبثًا ولم يترك سدى( ).

كيف لا يُحَبُّ الله الأسباب الجالبة لمحبته، وعلامات صدقها

الحمد لله الذي نصب طاعته والخضوع له على صدق محبته دليلا، وفَضَّل أهل محبته ومحبة كتابه ورسوله على سائر المحبين تفضيلا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مقر بربوبيته، شاهد بوحدانيته، منقاد إليه لمحبته، مذعن له بطاعته، معترف بنعمته، فارٍّ إليه من ذنبه وخطيئته، لا يبتغي سواه ربا، ولا يتخذ من دونه وليًا ولا وكيلا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، أحبهم إليه، وأكرمهم عليه. فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع عباده المؤمنين عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

أما بعد: فروى الترمذي وحسنه عن ابن عباس مرفوعًا: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة».

والمحبة يا عباد الله تنشأ من الإحسان ومطالعة الآلاء والنعم؛ فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، ولا أحد أعظم إحسانًا من الله سبحانه، فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة، وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان، فضلاً عن أنواع أو أفراده. ويكفي

أن من بعض أنواعه نعمة النفَس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، له عليه في كل يوم وليلة أربعة وعشرون ألف نعمة، فإنه يتنفس في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس، فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34].

هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور له بأكثرها قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبيَاء: 42] أي هو سبحانه المنعم عليهم بحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده، لا حافظ لهم غيره.

هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه سبحانه. وفي بعض الآثار: «أنا الجواد، ومن أعظم مني جودًا وكرمًا، أبيت أكلأ عبادي في مضاجعهم وهم يبارزونني بالعظائم» وفي الترمذي، أن النبي لما رأى السحاب قال: «هذه روايا الأرض يسقوها الله إلى قوم لا يذكرونه ولا يعبدونه» وفي الصحيحين عنه أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم» وفي بعض الآثار يقول الله تعالى: «ابن آدم خيري إليك صاعد، كم أتحبب إليك بالنعت وأنا غني عنك، وكم تتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي، ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح».

ولو لم يكن من تحببه إلى عباده وإحسانه إليهم وبره بهم إلا أنه خلق لهم ما في السموات والأرض وما في الدنيا والآخرة، ثم أهلهم وكرمهم، وأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وشرع لهم شرائعه، وأذن لهم في مناجاته كل وقت أرادوا، وكتب لهم بكل حسنة يعملونها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وكتب لهم بالسيئة واحدة، فإن تابوا منها محاها وأثبت مكانها حسنة، وإذا بلغت ذنوب أحدهم عنان السماء ثم استغفره غفر له، ولو لقيه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه بالتوحيد لا يشرك به شيئًا لأتاه بقرابها مغفرة.

وشرع لهم الحج الذي يهدم ما كان قبله، فوفقهم لفعله وكفر عنهم سيئاتهم به؛ وكذلك ما شرعه لهم من الطاعات والقرابات هو الذي أمرهم بها، وخلقها لهم، وأعطاهم إياها، ورتب عليها جزاءها، فمنه السبب، ومنه الجزاء، ومنه التوفيق، ومنه العطاء أولاً وآخرًا.

أعطى عبده ماله وقال: تقرب بهذا إلى أقبله منك. فالعبد له، والمال له، والثواب منه؛ فهو المعطي أوَّلاً وآخرًا. فكيف لا يُحَبُّ من هذا شأنه، وكيف لا يستحيي العبد أن يصرف شيئًا من محبته إلى غيره. ومن أولى بالحمد والثناء والمحبة منه؟! ومن أولى بالكرم والجود والإحسان منه؟! فسبحانه وبحمده لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

ويفرح سبحانه وتعالى بتوبة أحدهم إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله، ويكفر عنه ذنوبه، ويوجب له محبته بالتوبة، وهو الذي ألهمه إياها، ووفقه لها، وأعانه عليها. وملأ سبحانه سمواته من ملائكته واستعملهم في الاستغفار لأهل الأرض، واستعمل حملة العرش منهم في الدعاء لعباده المؤمنين، والاستغفار لذنوبهم، ووقايتهم عذاب الجحيم، والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم جناته.

فانظروا إلى هذه العناية وهذا الإحسان وهذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد واللطف التام بهم.

ومع هذا بعد أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يسأل عنهم ويستعرض حوائجهم بنفسه، ويدعوهم إلى سؤاله فيدعو مُسِيئهم إلى التوبة، ومريضهم إلى أن يشفيه، وفقيرهم إلى أن يسأله غناه، وذا حاجتهم أن يسأله قضاءها كل ليلة.

ويدعوهم إلى التوبة وقد حاربوه وعذبوا أولياءه وأحرقوهم بالنار، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البُرُوج: 10] وقال بعض السلف: انظروا إلى كرمه كيف عذبوا أولياءه وحرقوهم بالنار وهو يدعوهم إلى التوبة.

فهذا الباب يدخل منه كل أحد إلى محبته سبحانه وتعالى؛ فإن نعمته على عباده مشهودة لهم يتقلبون فيها عَدَدَ الأنفاس واللحظات.

فإذا انضم داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها، وأشدها نقصًا وأبعدها من كل خير؛ فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، ولا أحد أعظم إحسانًا منه سبحانه وتعالى، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعه سبحانه وتعالى ودال على كمال مبدعه، كما أن كل علم في الوجود فهو من آثار علمه، وكل قدرة فمن آثار

قدرته؛ ولا نسبة أصلاً بين كمالات العَالَم وكمال الله سبحانه( ) فيجب أن يكون حب العبد له أعظم من حبه لكل شيء بما لا نسبة بينهما. ومن لم يتحقق بمحبته علمًا وعملاً لم يتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له وتذل له، وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه؛ وليس ذلك إلا الله وحده؛ ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته.

فاتقوا الله عباد الله، وأحبوا الله بكل قلوبكم، فهذا شأن المؤمنين به. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البَقَرَة: 165]. بارك الله لي ولكم ...

الخطبة الثانية

الحمد لله على نعمه وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكامل في صفاته وأسمائه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعرف الخلق بربه، وأشدهم حبًا له وطلبًا لرضوانه. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين عرفوا أن الغاية من الخلق هي العبادة، والعبادة هي غاية المحبة والذل له سبحانه.

أما بعد: عباد الله: تظهر حقيقة المحبة في مواطن أربعة: أحدها: عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه من الشواغل، فإنه لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به. الثاني: عند انتباه من النوم فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه الذي كان قد غاب عنه في النوم. الثالث: عند دخوله في الصلاة فإنها محك الأحوال، وميزان الإيمان بها يوزن إيمان الرجل ويتحقق حاله ومقامه ومقدار قربه من الله ونصيبه منه، فإذا قام إلى الصلاة واطمأن بذكره وقرت عينه بالمثول بين يديه ومناجاته وانفسح قلبه وانشرح واستراح دل على حقيقة المحبة. الرابع: عند الشدائد والأهوال؛ فإن القلب في هذا الموطن لا يذكر إلا أحب الأشياء إليه، ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده. والمحب يتسلى بمحبوبه عن كل مصيبة يصاب بها دونه؛ ولهذا لما خرجت تلك المرأة الأنصارية يوم أُحد تنظر ما فعل رسول الله مرت بأبيها وأخيها مقتولين فلم تقف عندهما، وجاوزتهما تقول: ما فعل رسول الله؟ فقيل لها: ها هو ذا حي، فلما نظرت إليه قالت: ما أبالي إذا سلمت هلك من هلك. وهكذا مصائب الموت وما بعده ومصائب القيامة إنما تسهل وتهون بالمحبة، وأعظم المصائب مصيبة النار ولا يدفعها إلا محبة الله وحده ومتابعة رسوله ؛ فالمحبة أصل كل خير في الدنيا والآخرة؛ كما قال سحنون: ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة، فإن النبي قال: «المرء مع من أحب» فهم مع الله( ) اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا ومن الماء البارد على الظمأ. إن أحسن الحديث ....

الطاعة حياة القلوب علامة صحة القلب، ومرضه

الحمد لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله. البصير الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث كانت من سهله وجباله، ويرى تقلب قلب عبده ويشاهد اختلاف أحواله.

أحمده سبحانه هو أرحم بعبده من الوالدة بولدها الرفيقة به في حمله ورضاعه وفصاله، إذا تاب إليه العبد فهو تعالى أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه؛ في الأرض المهلكة إذا وجدها وقد تهيأ لموته وانقطاع أوصاله.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لحكمه ولا معقب لأمره، وأِهد أن محمدًا عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الدين، وترك أمته على البيضاء الواضحة للسالكين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه (هَمَلاً) بل جعلهم موردًا للتكليف، ومَحَلاًّ للأمر والنهي، وألزمهم فهم ما أرشدهم إليه مجملاً ومفصلا؛ وقسمهم إلى شقي وسعيد، وجعل لكل من الفريقين منزلا، وأعطاهم موارد العلم والعمل: من القلب والسمع والبصر. فمن استعمل ذلك في طاعته وسلك به طريق معرفته فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك. ومن استعمله في إراداته وشهواته ولم يرع حق خالقه فيه يخسر إذا سئل عن ذلك ويحزن حزنًا طويلا، ويقول يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزُّمَر: 56].

عباد الله: إن عبادة الله وشكره وذكره وأوامره وحقه الذي أوجبه على عباده وشرائعه التي شرعا لهم هي قرة العيون، ولذة القلوب، ونعيم الأرواح وسرورها، وبها شفاؤها، وسعادتها وفلاحها، وكمالها في معاشها ومعادها؛ بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك. لكن لا يدرك هذه القرة وهذه اللذة وهذا النعيم إلا من كان قلبه صحيحًا فالقلب الصحيح هو الذي يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 58، 59].

ومن علامات صحة القلب أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه وسرور قلبه، قال : «يا بلال أرحنا بالصلاة» وقال عليه الصلاة والسلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة».

ومنها أن يشح بوقته أن يذهب ضائعًا.

ومنها أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى ربه ويخبت إليه ويتعلق به.

ومنها أن يترحل عن الدنيا ويقرب من الآخرة حتى يصير من أهلها.

والقلب قد يمرض فتعتل صحته. ولمرضه علامات، وله علاج. فمرض القلب أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والإنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوة فلو عرف العبد كل شيء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئًا، ولو نال كل حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها ولم يظفر بمحبة الله والشوق إليه والأنس به فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين؛ بل يصير معذبًا بنفس ما كان يراه منعمًا به: من جهة حسرة فوته، ومن جهة فوت ما هو خير له وأنفع وأدوم.

وللقلب مرضان: مرض الشهوة، ومرض الشبهة. والقرآن شفاء للنوعين ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل في الاعتقادات والآراء الفاسدة، فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بشرط فهمه ومعرفة المراد منه.

وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب

القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده، ويرهب عما يضره فيصير القلب محبًا للرشد مبغضًا للغي فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها، فتصلح أفعاله الاختيارية

الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي فلا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: 82].

وللقلب أمراض أخر: من الرياء، والكبر، والعجب، والحسد، والفخر، والخيلاء، وحب الرياسة، والعلو في الأرض. وهذا المرض مركب من مرض الشهوة والشبهة

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى- فتقواه هي وصية الله للأولين والآخرين وليكن نصب أعينكم دائمًا العناية بصحة وسلامه قلوبكم لتصلح إراداتها فتصلح أفعالها. وغذوها من الإيمان والقرآن بما يزكيها ويقويها ويفرحها وينشطها. واحرصوا دائمًا على حمايتها عما يضرها ويؤذيها فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وذلك بالإيمان وأوراد الطاعات، وإلى حمية عن المؤذي الضار وذلك باجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات، وتنقيته من كل مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح واستغفار غافر الخطيئات، لتكمل له السعادة في الحياة وبعد الوفاة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النُّور: 21]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...

الخطبة الثانية

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ومن غوى فلن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس: 69، 70] وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله طبيب القلوب العارف بأدوائها، الناصح المرشد لأتم صحتها وصلاحها، القائل: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

أما بعد: فقد صح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن. وقلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس فذلك قلب المنافق. عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي. وقلب تمده مادتان: مادة إيمان، ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما». وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله. فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته؛ بخلاف القلب الذي لم يطهره الله فإنه يتغذى من الأغذية التي تناسبه بحسب

ما فيه من النجاسة، كالبدن العليل المريض لا تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح.

فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على صحة وسلامة قلوبكم أكثر من حرصكم على صحة أجسامكم، فقد شخص لكم الداء والدواء، والحمية والغذاء، وقال طبيب القلوب والأبدان: «ما أنزل من داء إلا أنزل له شفاء»( ) إن أحسن الحديث ...

الشكر أجل المقامات، ومن أجله خلق الخلق

الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأشكره سبحانه على جزيل عطائه وإنعامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائم بحقوق ربه وحقوق خلقه، ومع ذلك قال: «لن يَدْخل أحدكم الجنة بأعماله، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وإفضاله»، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كملت معرفتهم بربهم وبما يقرب من دار كرامته ورضوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فيا عباد الله: إن الشكر على النعم هو الغاية والهدف الذي من أجله خلق الله الخلق وأمرهم بما أمر؛ بل هو أجل المقامات وأعلاها، قال الله تبارك وتعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النّحل: 78] وأخبر سبحانه أنما يعبده من شكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته، فقال: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البَقَرَة: 172] وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم بشكر نعمه، فقال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل: 120، 121] فأخبر أنه أُمَّةً [البَقَرَة: 120] أي قدوة يؤتم به في الخير، وأنه قَانِتًا لِلَّهِ [البَقَرَة 120] والقانت هو المطيع المقيم على طاعته. والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه. ثم ختم له بهذه الصفات بأنه شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ فجعل الشكر غاية خليله.

والشكر: هو الاعتراف بالنعم باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وصرفها فيما يحب مسديها وموليها( ) روى الترمذي من حديث القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي قال: «ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر الله له قبل أن يستغفره، وإن الرجل يشتري الثوب بالدينار ليلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له». وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي قال: «أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وبدنًا على البلاء صابرًا، وزوجة لا تبغيه خونًا في نفسها ولا في ماله»، وروى الإمام أحمد بإسناده عن ثابت، قال: كان داود قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم يكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي فيها، قال: فعمهم الله تبارك وتعالى في هذه الآية: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سَبَأ: 13].

ومن الشكر أن تظهر على المرء آثار النعمة، فالله يحب من عبده أن يرى أثر نعمته عليه، فإن ذلك شكرها بلسان الحال، وفي صحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي قال: «كلوا، واشربوا، وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده».

والشكر يكون على المحاب: من الأكل، والشرب، والكساء، والهداية، وغير ذلك، وقد بين النبي مواطن الشكر ومناسباته، فمنها ما روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «دعا رجل من الأنصار من أهل قبا النبي فانطلقنا معه، فلما طعم وغسل يديه قال: الحمد لله الذي يُطعم ولا يُطْعَم، من علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا. الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأٍ ولا مكفور ولا مستغنى عنه. الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسى من العري، وهدى من الضلالة، وبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا. الحمد لله رب العالمين» وفي صحيح مسلم عن النبي أنه قال: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء (الرضوان) في مقابلة شكره بالحمد. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ولا مال ولا ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت» وكان : «إذا أخبر بأمر يسره خر ساجدًا لله ».

وعلى كل حاسة وجارحة شكر ما أعطيت من النعم قيل لأبي حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا

أعلنته، وإن رأيت بهما شرًا سترته. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًا دفعته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًا لله هو فيهما. قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا، وأعلاه علمًا. قال: فما شكر الفرج؟ قال: قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون: 5- 7] قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن علمت ميتًا تغبطه استعملت بهما عمله، وإن مقته رغبت عن عمله وأنت تشكر الله.

والرب تعالى يحمد على إعطاء هذه الحواس وهذه الجوارح من السمع والبصر واليدين والرجلين وإن قل ما في يد صاحبها من المال فهو غني بها. قال سلمان الفارسي رضي الله عنه : إن رجلاً بسط له من الدنيا فانتزع ما في يده فجعل يحمد الله ويثني عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية. وبسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب البارية: أرأيتك أنت على ما تحمد الله؟ قال: أحمده على ما أعطيت به ما أَعْطَى الخلقُ لم أعطهم إياه. قال: وما ذاك؟ قال: أرأيت بصرك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟

وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم؟ قال: الرجل: لا. قال فبيديك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فذكره نعم الله عليه. فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة؟!

وقد يزوي الله بعض الدنيا عن عبده ويكون ذلك نعمة. قال

أبو حازم: نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها، إني رأيته أعطى أقوامًا فهلكوا، وكل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية، وإذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره. وقال سفيان في قوله: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعرَاف: 182] قال يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر.

وحتى المصائب تكون نعمًا باعتبار قال شريح: ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم: أن لا تكون كانت في دينه، وأن لا تكون أعظم مما كانت، وانها لابد كائنة فقد كانت. وقال عبدالعزيز بن ابي ثابت: رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق علي منها. فقال: أتدري ماذا علي في هذه القرحة من نعمة حين لم يجعلها في حدقتي، ولا طرف لساني، ولا على طرف ذكرتي. فهانت علي قرحته؟

والرب تعالى يذكر عبده يوم القيامة بأنواع نعمه التي أنعم بها عليه قال حماد بن زيد، حدثنا ليث، عن أبي بردة، قال: قدمت المدينة فلقيت عبدالله بن سلام رضي الله عنه ، فقال لي: ألا تدخل بيتًا دخله النبي ونطعمك سويقًا وتمرًا. ثم قال: إن الله إذا جمع الناس غدًا ذكرهم بما أنعم عليهم. فيقول العبد: ما آية ذلك؟ فيقول: آية ذلك أنك كنت في كربة كذا وكذا فدعوتني فكشفتها، وآية ذلك أنك كنت في سفر كذا وكذا فاستصحبتني فصبحتك. قال: يذكره حتى يذكر. فيقول آية ذلك أنك خطبت فلانة بنت فلان وخطبها معك خطاب فزوجتك ورددتهم. يَقِفُ عَبْدَهُ بين يديه فيعدد عليه نعمه. فبكى، ثم بكى. ثم قال إني لأرجو الله أن لا يقعد الله عبدًا بين يديه فيعذبه.

ولو يتقصَّى ربنا في المحاسبة على النعم لنفدت الحسنات بأقل نعمة في البدن؛ فإن أعمال العبد لا توافي نعمة من نعم الله عليه، ولهذا في الحديث الصحيح «لن ينجي أحدًا منكم عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» وكان أبو المغيرة إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: أصبحنا مغرقين بالنعم، عاجزين عن الشكر، يتحبب إلينا ربنا وهو غني عنا، ونتمقت إليه ونحن محتاجون. وروى الجريري عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : «أن رسول الله أتى على رجل وهو يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة. فقال: ابن آدم! هل تدري ما تمام النعمة؟ قال: يا رسول الله دعوة دعوة أرجو بها الخير. فقال: إن تمام النعمة فوز من النار ودخول في الجنة».

فأوصيكم وإياي عباد الله بتقوى الله، والشكر عند النعماء. وليحذر المؤمن من نسبة النعم إلى غير الله، أو يظن أنها حصلت بمجرد الصدفة، أو يقول هذا بعملي وأنا محقوق به. قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ما من عبد توكل بعبادة الله إلا عزم الله السموات والأرض تعبر رزقه فجعله في أيدي بني آدم يعملونه حتى يدفع عنه إليه، فإن العبدَ قبله أوجب عليه الشكر، وإن أباه وجد الغني الحميد فقراء يأخذون رزقه ويشكرونه له.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ

كَفَّارٌ [إبراهيم: 32- 34]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي وعد الشاكرين بالزيادة، فقال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7].

وأشهد أن لا إله إلا الله الولي الحميد.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «إذا أحب أحدكم أن يرى قدر نعمة الله عليه فلينظر إلى من تحته ولا ينظر إلى من فوقه» اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الشاكرين في السراء والضراء.

أما بعد: عبدالله: لقد كان للسلف الصالح النصيب الأوفر من الشكر والتقدير للنعم، ومعرفة أنواعها كان الحسن البصري إذا ابتدأ حديثه يقول: الحمد لله، اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا، ورزقتنا، وهديتنا، وعلمتنا، وأنقذتنا، وفرجت عنا، لك الحمد بالإسلام، والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كَبَتَّ عدونا، وبسطت رزقنا، وأظهرت أمننا، وجمعت فرقتنا، وأحسنت معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا؛ فلك الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو خاصة أو عامة، أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب، لك الحمد حتى ترضى، ولك الشكر إذا رضيت.

وروى الإمام أحمد بإسناده عن عبدالله بن الحارث قال: أوحى الله إلى داود: «أحبني، وأحِب عبادي، وحببني إلى عبادي. قال: يا رب حبك، وحب عبادك. فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن» وثبت في المسند والترمذي عن النبي أنه قال لمعاذ: «إني أحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك».

فاقتدوا عباد الله بخيرة خلق الله من الأنبياء والصلحاء في الشكر عند النعماء والصبر عند البلاء، وتدبروا ما في كتاب الله من الأمر بالشكر والثناء على الشاكرين( ). واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله ...

الصبر، وجوبه، وأنواعه، ونتائجه

الحمد لله الصبور الشكور، شملت قدرته كل مخلوق، وجرت مشيئته في خلقه بتصاريف الأمور.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والظهير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعرف الخلق بربه، وأقومهم بخشيته، وأنصحهم لأمته، وأصبرهم لحكمه، وأشكرهم لنعمه. فصلى الله وملائكته وأنبياؤه عليه، كما وَحَّدَ الله وعَرَّف به ودعا إليه، وسلم تسليمًا كثيرًا. ورضي الله عن جميع أصحابه وأتباعه الحامدين لربهم على السراء والضراء، والشدة والرخاء.

أما بعد: فيا عباد الله: إن الله تبارك وتعالى جعل الصبر آخية المؤمن التي يجول ثم يرجع إليها، وساق إيمانه الذي لا اعتماد له إلا عليها؛ فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف، وصاحبه ممن يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ولم يحظ منهما إلا بالصفقة الخاسرة.

«والصبر» يا عباد الله خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع

به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي

بها صلاح شأنها وقوام أمرها، قال النبي : «وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر».

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا بالصبر.

و«النفس» مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب. حفظ من خطب الحجاج أنه قال: اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء، فرحم الله امرءًا جعل لنفسه خطامًا وزمامًا، فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصي الله؛ فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.

«والنفس لها قوتان»: قوة الإقدام، وقوة الإحجام. فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكًا عما يضره. ولإنسان في معترك الحياة بين جيشين: جيش الدين، وجيش الهوى فإما أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيرد جيش الهوى مفلولاً، وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر، والواصلون إلى هذه المرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة، وهم الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فُصّلَت: 30] وهم الذين تقول لهم الملائكة عند الموت: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ [فصلت: 30، 31] وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده. وإن كانت القوة والغلبة لداعي الهوى سقط منازعُه باعثُ الدين بالكلية، واستسلم البائس للشيطان وجنده، فيقودونه حيث شاءوا، ويكون من جندهم وأتباعهم، وهذه حال العاجز الضعيف، أو يصير الشيطان وجنده من أعوانه. وهذه حال الفاجر القوي المتسلط، والمبتدع الداعية المتبوع، وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. وإنما صاروا إلى هذا لما أفلسوا من الصبر.

أو يكون الحرب سجالاً ودولاً بين الجندين فتارة له، وتارة عليه، وتكثر نوبات الانتصار وتقل، وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا. وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاث. فمن الناس من يدخل الجنة ولا يدخل النار، ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة.

و«الإنسان» لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال؛ فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجري عليه بغير اختياره، ونعمة يجب عليه شكر المنعم بها.

فأما «الأمر» الذي يجب عليه امتثاله وتنفيذه فهو الطاعة، والعبد محتاج إلى الصبر عليها؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبودية- أما في «الصلاة» فلما في طبع النفس من الكسل وإيثار الراحة، ولا سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب، ورين الذنب، والميل إلى الشهوات، ومخالطة أهل الغفلة، فلا يكاد العبد مع هذه الأمور وغيرها أن يفعلها، وإن فعلها مع ذلك كان متكلفًا غائب القلب ذاهلاً عنها طالبًا لفراقها. وأما «الزكاة» فلما في طبع النفس من الشح والبخل، وكذلك «الحج، والجهاد» للأمرين جميعًا.

ويحتاج العبد ههنا إلى الصبر قبل الشروع فيها بتصحيح النية والإخلاص وتجنب دواعي الرياء والسمعة، وعقد العزم على توفية العبادة حقها بالقيام بأدائها وأركانها وواجباتها وسننها، وعلى الصبر على استصحاب ذكر المعبود فيها وأن لا يشتغل عنه بعبادته. ثم الصبر بعد الفراغ من العمل عن الإتيان بما يبطله، وأن يصبر عن رؤيتها والعجب بها، والتكبر والتعظم بها، وأن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية.

وأما «النهي» الذي يجب عليه اجتنابه وتركه فهو المعاصي كلها. وأعظم ما يعين على تركها قطع المألوفات، ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة، وقطع العوائد الفاسدة. ومما يعين على الصبر إجلال الله تبارك وتعالى أن يعصى وهو يَرَى ويَسْمَع. ومنها إيثار محبة الله تعالى؛ فإن المحب لمن يحب مطيع. ومنها استحضار نعمته وإحسانه، فإن الكريم لا يقابل بإساءة من أحسن إليه. ومنها تذكر الغضب والانتقام؛ فإن الرب إذا تمادى العبد في معصيته غضب، وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء. وكل هذه الأمور ونحوها مما يعين على ترك المعصية.

وإما الصبر على «القدر» الذي يجري عليه بغير اختياره- فكالأمراض والفقر وموت الأقارب وغيرها، فيجب عليه أن لا يتسخطها.

وهذه الثلاثة- الصبر على المأمور، والصبر عن المحظور، والصبر على المصائب- هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمَان: 17].

فالعزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الإنسانية، وإدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال، وإدراك ما في المحظور من الشر والضر والنقص، فمتى حصل له ذلك حصل له الصبر، وهانت عليه مَشاقُّهُ وَحَلَتْ له مَرَارته.

وأما «النعمة» التي يجب عليه شكر المنعم بها عليه فكالصحة والسلامة والجاه والمال وأنواع الملاذ المباحة، هو محتاج إلى الصبر فيها بأن لا يركن إليها، ولا يغتر بها، ولا تحمله على الأشر والبطر، والفرح المذموم الذي لا يحب الله أهله، وأن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها فمن بالغ في الأكل والشرب والجماع حرمها. وأن يصبر على أداء حق الله فيها لئلا يسلبها، وأن يصبر عن صرفها في الحرام، فلا يمكن نفسه من كل ما تريد منها. قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.

وهناك صبر محرم كالصبر عن الطعام والشراب حتى يموت.

فاتقوا الله عباد الله ولازموا الصبر على المأمور، والصبر عن المحظور، والرضا بالمقدور، والشكر عند أسباب السرور، فقد ذم الله نوع الإنسان المتصف باليأس والكفر عند المصيبة، والفرح والفخر عند النعمة، ولا خلاص من هذا الذم إلا بالصبر والعمل الصالح. أعوذ بالله من الشطيان الرجيم وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [هو: 9- 11]. بارك الله لي ولكم في القرآن ...

الخطبة الثانية

الحمد لله العلي الكبير، السميع البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يسبح له ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من بريته، وأعلاهم عنده منزلة، بلغ رسالة ربه، وصدع بأمره، وقام لله بالصبر والشكر حق القيام حتى بلغ رضاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه.

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى- وتقواه: فعل ما أمر، وترك ما حظر، والصبر على ما قدّر- واعلموا أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر؛ وأن الصبر أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد، وقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب، أن يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأخبر أنه معهم بنصره فقال وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفَال: 46] فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة، وخصهم بالهداية دون من سواهم أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البَقَرَة: 157] فاصبروا وصابروا.

ومن لم يكن الصبر خُلُقًا له ومَلَكَةً فتكلَّفه واسْتَدْعاه وزَاوَلَه صار سجية له وطبيعة، كما في الحديث عن النبي أنه قال: «ومن يتصبر يصبره الله» كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار

والسكينة والثبات حتى تصير خلقًا له بمنزلة الطبائع( ). وصلوا على خير هاد وبشير؛ فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين، وبدأ بالصلاة عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزَاب: 56].

لا إلا إلـه الله أوَّلاً

الحمد لله الذي خلق الجنة وجعل مفتاحها لا إله إلا الله. أحمده سبحانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: شهادة مخلص فيها، موقن بها.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي جدد ما اندرس من معالمها، ومع ذلك قال له ربه فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19]. فصدع بها ونادى، ووالى عليها وعادى، وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها».

دعا إلى هذه الكلمة عشر سنين ولم يدع قبلها إلى زكاة ولا صيام، ولا حج، وعمرة إلى بيت الله الحرام. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا من امتنع من قولها، أو صد عنها، أو نقضها.

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى، وجددوا إيمانكم في المساء والصباح بتأمل وتطبيق معنى لا إله إلا الله، فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، ومن أجلها أرسلت الرسل إلى العباد ليعلموهم العمل بلا إله إلا الله، وهي الكلمة التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة، وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست

الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من تعلق بسببه، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر عن دار الإسلام، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة، «ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة».

عباد الله: إن روح هذه الكلمة وسرها إفراد الرب جل ثناؤه بالمحبة والتعظيم والخوف والرجا وتوابع ذلك من التوكل والإنابة والرغبة والرهبة- فلا يحب سواه المحبة المقتضية للذل والخضوع- بل كل ما كان يحب فإنما هو تبع لمحبته ووسيلة إلى محبته- ولا يخاف سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا باسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمره، ولا يحتسب إلا به، ولا يستعان في الشدائد إلا به، ولا يلتجأ إلا إليه، ولا يركع إلا له، ولا ينحنى إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه- ويجتمع ذلك في عبارة واحدة وهي «أن لا يعبد بجميع أنواع العبادة إلا هو سبحانه».

واعلموا عباد الله أن لا إله إلا الله لا تنفع قائلها إلا بعد معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، والسلامة مما يناقضها- لابد في شهادة لا إله إلا الله من اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فإن اختل واحد من هذه الثلاثة لم يكن الرجل مسلمًا- فإذا كان مسلمًا وعاملاً بالأركان ثم حدث منه قول أو فعل أو اعتقاد يناقض

ذلك لم ينفعه قول لا إله إلا الله- فمن صرف لغير الله شيئًا من العبادات بأن أشرك به أحدًا من المخلوقات فهو كافر ولو نطق ألف مرة بلا إله إلا الله.

قيل للحسن البصري- رحمه الله- أن أناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال من قالها وأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب ابن منبه- رحمه الله- لمن قال له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى؛ ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.

فالإسلام له نواقض عدها العلماء عشرة. فالشرك من نواقض الإسلام؛ فمن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم فقد نقض الإسلام. ومن لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر بالإجماع. والإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به كفر بالإجماع. ومن اعتقد أن غير هدي النبي أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه فهو كافر. ومن استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر وانتقض إسلامه. وكلها من أعظم ما يكون خطرًا وأكثره ما يكون وقوعًا. فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.

عباد الله- ويخاف على المسلم أن يأتي بسيئة راجحة فيضعف إيمانه فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر فيضيف إلى ذلك سيئات فتضم إلى هذا الشرك فيرجح جانب السيئات؛ فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين فيضعف قول لا إله إلا الله، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم وحلاوة، فإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، واطمأن إلى الباطل، واستحلى الرفث ومخالطة أهل الباطل، وكره مخالطة أهل الحق- فمثل هذا إذا قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدقه عمله. قال الحسن البصري- رحمه الله-: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيرًا قبل منه، ومن قال خيرًا وعمل شرًا لم يقبل منه.

فالذي يدخل النار ممن يقولها: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئة أو سيئات رجحت على حسناتهم.

فقد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة وما يزن خردلة، وما يزن ذرة. وتواترت بأن كثيرًا ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها. وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم- فهولاء كانوا يصلون ويسجدون لله. وتواترت بأنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال: بالصدق واليقين والإخلاص وعدم الشك.

فاحرص أيها المسلم أن تكون ممن يشهد أن لا إله إلا الله

حقيقة الشهادة، بحيث لا يبقى في قلبك شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله، فإن من مات على هذه الحالة فهو من أهل الجنة ولا يدخل النار. قال الله تعالى: وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: 86].

لكن من الناس من تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمة إذا نبهت انتبهت. ومنهم من تكون مضطجعة. ومنهم من تكون إلى القيام أقرب. وهي في القلب بمنزلة الروح في البدن فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن. وفي الحديث الصحيح «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحاة يعني راحةٍ» ... يعني لا إله إلا الله.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر: 65، 66].

الخطبة الثانية

الحمد لله نحمده ونستعينه ...

أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين قاموا بواجب لا إله إلا الله؛ فمن نفى ما نفته وأثبت ما أثبتته ووالى عليها وعادى رفعته إلى أعلى عليين منازل أَهل لا إله إلا الله.

أخرج البخاري في صحيحه عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك أن النبي ومعاذ بن جبل رضي الله عنه رديفه على الرحل قال: «يا معاذ» قال: لبيك يا رسول الله وسعديك قالها ثلاثًا. قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرم الله تعالى عليه النار». قال: يا رسول الله: أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: «إذًا يتكلوا» اللهم اجعلنا ممن يقوم بأركان الإسلام، ولا تجعلنا ممن يكتفي في الإسلام بالأنساب، ونعوذ بك اللهم من الشرك ومن الإلحاد، ونسألك الاستقامة على التوحيد والطاعة والسداد( ).

إن أحسن الحديث...

الصلاة وحِكَمُها وأسرارها وحِكَم الطهارة لها

الحمد لله الذي أنعم على عباده بأعظم النعم وأجلها وأفضلها وأعلاها، ببعثه الرسل وإنزاله الكتب بأزكى الشرائع وأسناها، أحمده سبحانه وحمدي له من نعمه، وأسأله المزيد من عطائه وكرمه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له- أوامره سبحانه رحمة وإحسان وشفاء، وحياة للقلوب وغذاء، وحاجتهم إليها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب والكساء، فلولا رحمته بالعلم والإيمان، وبيان الحرام والحلال، لكان الناس بمنزلة البهائم يتهارجون في الطرقات، ويتسافدون تسافد الحيوانات، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، ولا يمتنعون من قبيح، ولا يهتدون إلى صواب. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أنزل عليه شريعة مكملة للفطر والعقول، مرشدة إلى ما يحبه الله ويرضاه، ناهية عما يبغضه ويسخطه ويأباه، مستعملة لكل قوة وعضو وحركة في كماله الذي لا كمال له سواه، آمرة بمكارم الأخلاق ومعاليها، ناهية عن دنيئها وسفسافها، دالة على أن الذي جاء بها رسول صادق، وأن الذي شرعها أحكم الحاكمين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وجميع أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله: الشرائع ضرورية في مصالح الخلق، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة تقدر- فهي أسباب موصلة إلى سعادة الدارين، ورأس الأسباب الموصلة إلى صحة البدن وقوته واستفراغ أخلاطه، ومن لم يتصور الشريعة على هذه الصورة فهو من أبعد الناس عنها- انظروا إلى الأمكنة والأزمنة التي خليت فيها آثار النبوة كيف حال أهلها، وما دخل عليهم من الجهل والظلم، والكفر بالخالق، والإشراك بالمخلوق، واستحسان القبائح، وفساد العقائد والأعمال.

عباد الله! قد جعل الحكيم العليم لكل قوة من القوى ولكل حاسة من الحواس ولكل عضو من الأعضاء كمالاً حسيًا وكمالاً معنويًا؛ فأعطاه كماله الحسي خَلْقًا وَقَدَرًا، وأعطاه كماله المعنوي شرعًا وأمرًا، فبلغ بذلك غاية السعادة والانتفاع بنفسه- ويكفي العاقل البصيرَ الحيَّ القلب فِكْرُهُ في فرع واحد من فروع الأمر والنهي وهو «الصلاة» وما اشتملت عليه من الحكم الباهرة، والمصالح الباطنة والظاهرة، والمنافع المتصلة بالقلب والروح والبدن والقوى، التي لو اجتمع حكماء العالم واستفرغوا قواهم وأذهانهم لما أحاطوا بتفاصيل حكمها وأسرارها وغاياتها المحمودة، وما في مقدماتها وشروطهما من الحكم العجيبة: من تطهير الأعضاء والثيات والمكان، وأخذ الزينة، واستقبال بيته الذي جعله إمامًا للناس، وتفريغ القلب لله، وإخلاص النية، وافتتاحها بكلمة (الله أكبر) الجامعة لمعاني العبودية، الدالة على أصول الثناء وفروعه، المخرجة من القلب الالتفات إلى ما سواه- فيقوم بقلبه الوقوف بين يدي عظيم جليل أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، في كبريائه السموات وما أظلت، والأرض وما أقلت، والعوالم كلها، عنت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، قاهر فوق عباده، ناظر إليهم، عالم بما تكن صدورهم، يسمع كلامهم، ويرى مكانهم، لا يخفى عليه خافية من أمرهم( ).

ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكره تبارك اسمه وتعالى جده وتفرده بالإلهية( ).

ثم أخذ في الثناء عليه بأفضل ما يثنى عليه به: من حمده، وذكر ربوبيته للعالم، وإحسانه إليهم، ورحمته بهم، وتمجيده بالملك الأعظم في اليوم الذي لا يكون فيه مَلِكٌ سواه حين يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ويَدِينُهم بأعمالهم. ثم أفرده بنوعي التوحيد: توحيد ربوبيته استعانة به، وتوحيد إلهيته عبودية له. ثم سؤال أفضل مسئول وأعلى مطلوب على الإطلاق- وهو هداية الصراط المستقيم الذي نصبه لأنبيائه ورسله وأتباعهم، وجعله صراطًا موصلاً لمن سلكه إليه وإلى جنته، وأنه صراط من اختصهم بنعمته بأن عرفهم الحق وجعلهم متبعين له، دون صراط أمة الغضب الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، وأهل الضلال الذين ضلوا عن معرفته واتباعه( ).

ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ربيع القلوب، وشفاء الصدور، ونور البصائر، وحياة الأرواح- وهو كلام رب العالمين، فَيَحِلُّ به فيما شاء من روضات مونقات، وحدائق معجبات، زاهية أزهارها، مونقة ثمارها، قد ذللت قطوفها تذليلا، وسهلت لمتناولها تسهيلا- فهو يجتني من تلك الثمار خيرًا يؤمر به، وشرًا ينهى عنه، وحكمة، وموعظة، وتبصرة، وتذكرة، وعِبْرةً، وتقريرًا لحق، ودحضًا لباطل، وإزالة لشبهة، وجوابًا عن مسألة، وإيضاحًا لمشكل، وترغيبًا في أسباب فلاح وسعادة، وتحذيرًا من أسباب خسران وشقاوة، ودعوة إلى هدى، ورد عن ردى- فتنزل على القلوب نزول الغيث على الأرض التي لا حياة لها بدونه، ويحل منها محل الأرواح لأبدانها.

فأي نعيم وقرة عين ولذة قلب وابتهاج وسرور لا يحصل له في هذه المناجاة؟! والرب تعالى يسمع لكلامه جاريًا على لسان عبده، ويقول: حمدني عبدي، أثنى عليَّ عبدي، مجدني عبدي.

ثم يعود إلى تكبير ربه فيجدد به عهدَ التذكرةِ كونَهُ أكبرَ من كل شيء بحق عبوديته وما ينبغي أن يعامل به.

ثم يركع حانيًا له ظهره خضوعًا لعظمته، وتذللاً لعزته، واستكانة لجبروته، مسبحًا له بذكر اسمه العظيم- فنزه عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه، وقابل تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع، قد تطامن وطأطأ رأسه وبسط ظهره، وربه فوقه يرى خضوعه وذله ويسمع كلامه، فهو ركن تعظيم وإجلال، كما قال النبي : «أما الركوع فعظموا فيه الرب».

ثم عاد إلى حاله من القيام حامدًا لربه، مثنيًا عليه بأكمل محامده وأجمعها وأعمها- مثنيًا عليه بأنه أهل الثناء والمجد، معترفًا بعبوديته، شاهدًا بتوحيده، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وأنه لا ينفع أصحاب الجدود والأموال والحظوظ جدودُهم عنده ولو عظمت.

ثم يعود إلى تكبيره ويخر له ساجدًا على أشرف ما فيه وهو الوجه، فيعفره في التراب ذلاً بين يديه ومسكنة وانكسارًا، وقد أخذ كل عضو من البدن حظه من هذا الخضوع حتى أطراف الأنامل ورءوس الأصابع. وندب له أن يسجد معه ثيابه وشعره فلا يكفه، وأن لا يكون بعضه محمولاً على بعض، وأن يباشر التراب بجبهته، ويكون رأسه أسفل ما فيه تكميلاً للخضوع والتذلل لمن له العز كله والعظمة كلها. وهذا أيسر اليسير من حقه على عبده، فلو دام كذلك من حين خلق إلى أن يموت لما أدى حق ربه عليه.

ثم أمر أن يسبح ربه الأعلى فيذكر علوه سبحانه في حال سفوله هو، وينزهه عن مثل هذه الحال، وأن من هو فوق كل شيء وعال على كل شيء ينزه عن السفول بكل معنى، بل هو الأعلى بكل معنى من معاني العلو. ولما كان هذا غاية ذل العبد وخضوعه وانكساره كان أقرب ما يكون الرب منه في هذه الحال، فأمر أن يجتهد في الدعاء لقربه من القريب المجيب، وقد قال تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العَلق: 19] وقال النبي : «وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم».

ولما كان أشرف أذكار الصلاة القرآن شرع في أشرف أحوال الإنسان وهي هيئة القيام، ولما كان أفضل أركانها الفعلية السجود شرع فيها بوصف التكرار.

وشرع له بين هذين الخضوعين أن يجلس جلسة العبيد، ويسأل ربه أن يغفر له ويرحمه ويرزقه ويهديه ويعافيه، وهذه الدعوات تجمع له خير دنياه وآخرته. ثم شرع له تكرار هذه الركعة مرة بعد مرة، كما شرع تكرار الأذكار والدعوات مرة بعد مرة، ليستعد بالأول لتكميل ما بعده، ويجبر بما بعده ما قبله؛ وليشبع القلب من هذا الغذاء، وليأخذ زاده ونصيبه من هذا الدواء، ليقاوم ما يعرض له من الأدواء.

ثم لما أكمل صلاته شرع له أن يقعد قعدة العبد الذليل المسكين لسيده، ويثني عليه بأفضل التحيات، ويسلم على من جاء بهذا الحظ الجزيل ومن نالته الأمة على يديه، ثم يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله المشاركين له في هذه العبودية، ثم يتشهد شهادة الحق، ثم يعود فيصلي على من علَّم الأمة هذا الخير ودلهم عليه، ثم شرع له أن يسأل حوائجه ويدعو بما أحب ما دام بين يدي ربه مقبلاً عليه. فإذا قضى ذلك أذن له في الخروج منها بالتسليم على المشاركين في الصلاة.

فاتقوا الله عباد الله وتفهموا دائمًا المقصود من الصلاة، وما شرع فيها من إحضار القلوب واستحضار معاني ومقاصد القراءة والأذكار والحركات .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه: 132].

الخطبة الثانية

الحمد لله الحكيم العليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام الغر المحجلين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله- وتأملوا كم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب والبدن، وتفريح للقلب، وتنشيط للجوارح، وتخفيف لما ألقاه عز النفس من درن المخالفات- فهي منظفة للقلب والروح والبدن. وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والإخلاف على البدن نظير ما تحلل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور. وتأملوا كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل- فجعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق، وهذه الأربعة هي أبواب المعاصي والذنوب كلها منها يدخل إليها. ثم جعل في اليدين: وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي. ثم في الرجلين اللتين بهما يمشي ويسعى. ولما كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة جعل مكانه المسح، وجعل ذلك مخرجًا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره.

وفي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أظفاره» فهذا من أجلِّ حكم الوضوء وفوائده. وهو سيما هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم. ولما كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى إن تحت كل شعرة شهوة سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة، كما قال النبي : «إن تحت كل شعرة جنابة» فأمر أن يوصل الماء إلى أصل كل شعرة، فيبرد حرارة الشهوة، فتسكن النفس، وتطمئن إلى ذكر الله وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه. ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أن المتوضأ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول على ربه ومناجاته والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب.

ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهملاً جوارحه قد أسأمها في مراتع الشهوات والحظوظ- لما كان هذا طبعه وذاته- أمر أن يجدد هذا الركوع إليه والإقبال عليه وقتًا بعد وقت، لئلا يطول عليه الأمد فينسى ربه، وينقطع عنه بالكلية، وكانت الصلاة من أعظم نعم الله عليه، وأفضل هداياه التي ساقها إليه، فاحمدوه تعالى على ذلك وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النُّور: 56]( ). إن أحسن الحديث كتاب الله ....

الصراط المستقيم والحاجة الماسة إلى سؤاله

الحمد لله المحمود على ما قدره وقضاه، وأستعينه استعانة من يعلم أنه لا رب له غيره ولا إله له سواه، وأستهديه سبيل الذين أنعم عليهم ممن اختاره لقبول الحق وارتضاه، وأستغفره من الذنوب التي تحول بين القلب وهداه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أشهد بها مع الشاهدين، وأتحملها عن الجاحدين، وأدخرها عند الله عدة ليوم الدين.

وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المرتضى، ورسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، القائل: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد: فسنتناول في هذه الخطبة تفسير ثلاث آيات هي قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفَاتِحَة: 5- 7].

عباد الله لما كانت الهداية إلى الصراط المستقيم أجلَّ

المطالب، ونيلُها أشرفَ المواهب، وحاجةُ العباد إليها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب والهواء، والكساء والدواء، أمرنا الله بل فرض علينا أن نسأله إياها في أفضل أحوالنا وهي «الصلاة» مرات متعددة في اليوم والليلة قائلين: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ «والصراط المستقيم» هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. والهداية إليه هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام- وبعبارة أبسط: هي تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلاً وإجمالاً، وإلهامنا له، وجعلنا مريدين لأتباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة؛ فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم. وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلاً مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه. وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك. وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر. ونحن محتاجون إلى الهداية التامة. فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام.

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ نبه سبحانه على الرفيق في هذا الطريق أنهم الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الطريق وحشةُ تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه، فلا يكترثْ بمخالفة الناكبين عنه، فإنهم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثر عددًا. وتخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة يدل على أن النعمة التامة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدائم، وهي نعمة الإسلام والسنة وهي لأهل الإيمان.

وأما مطلق النعمة فيكون للمؤمن والكافر- كنعمة الصحة، والغنى، وبسط الجاه، وكثرة المال والولد، والزوجة الحسنة، وأمثال ذلك، كما قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: 34] وهذه النعمة لما كانت استدراجًا للكافر ومآلها إلى العذاب والشقاء فكأنها لم تكن نعمة وإنما كانت بلية، كما سماها الله في كتابه كذلك فقال جل وعلا: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفَجر: 15].

فالمنعم عليهم هم من عرف الحق واتبعه.

و الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هم من عرفه واتبع هواه. قال الله تعالى في حق اليهود: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ [البَقَرَة: 90] أي بغضب بعد غضب بسبب تكرر كفرهم وإفسادهم وقتلهم الأنبياء وكفرهم بالمسيح وبمحمد ومعاداتهم لرسل الله إلى غير ذلك من الأعمال التي كل عمل منها يقتضي غضبًا على حدة- فتعطيلهم ما عطلوه من شرائع التوراة وتحريفهم وتبديلهم يستدعي غضبًا. وتكذيبهم الأنبياء يستدعي غضبًا آخر. وقتلهم إياهم يستدعي غضبًا آخر. وتكذيبهم المسيح وطلبهم قتله ورميهم أمه بالبهتان العظيم يستدعي غضبًا، وتكذيبهم النبي يستدعي غضبًا، ومحاربتهم له ولأتباعه يقتضي غضبًا. وصدهم من أراد الدخول في دينه عنه يقتضي غضبًا- فهم الأمة الغضبية- أعاذنا الله من غضبه- فهي الأمة التي باءت بالغضب المتضاعف المتكرر، وكانوا أحق بهذا الوصف من النصارى. وقال تعالى في شأنهم:

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المَائدة: 60]. فهذا غضب مشفوع باللعنة والمسخ، وهو أشد ما يكون من الغضب.

الضَّالِّينَ هم النصارى، وقد وصفوا بالضلال المتنوع في قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المَائدة: 77] فوصفهم بثلاث صفات. أحدها: أنهم قد ضلوا من قِبَلِهِم. والثاني: أنهم أضلوا أتباعهم. والثالث: أنهم ضلوا عن سواء السبيل- فأسلاف النصارى الذي نهي هؤلاء عن اتباعهم اجتمعت لهم الأنواع الثلاثة: ضلوا عن مقصودهم حيث لم يصيبوه، وزعموا أن إلههم بشر يأكل ويشرب ويبكي وأنه قتل وصلب وصفع. فهذا ضلال في نفس المقصود حيث لم يظفروا به، وضلوا عن السبيل الموصلة إليه؛ فلا اهتدوا إلى المطلوب، ولا إلى الطريق الموصلة إليه، ودعوا أتباعهم إلى ذلك. فضلوا عن الحق، وعن طريقه، وأضلوا كثيرًا، فكانوا أدخل في الضلال من اليهود فوصفوا بأخص

الوصفين.

فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الحق تارة، ومن عدم إرادته والعمل به أخرى- فكفر اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به وإيثار غيره بعد معرفته، فلم يكن ضلالاً محضًا. وكفر النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه، فإذا بين لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمة الغضبية، وبقوا مغضوبًا عليهم ضالين( ).

عباد الله أما الذين أثنى الله عليهم في القرآن فهم الذين كانوا متمسكين بالتوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل، هم المعنيون بقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: 199]. وقوله تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عِمرَان: 113] الآيات الثلاث.

وليس المراد بهم المتمسك باليهودية والنصرانية بعد بعث النبي ؛ فإن هؤلاء قد شهد لهم بالكفر وأوجب لهم النار، قال الله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 64]، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عِمرَان: 65] فهؤلاء من المغضوب عليهم والضالين.

فتفهموا عباد الله معنى الصراط المستقيم- أنه الدين القويم- واسألوه في كل وقت الهداية إليه؛ فإن العبد محتاج إلى معرفة الحق الذي يرضي الله في كل حركة ظاهرة وباطنة، فإذا عرفها فهو محتاج إلى من يلهمه قصد الحق فيجعل إرادته في قلبه، ثم إلى من يقدره على فعله، وأن يصرف عنه موانع الهداية؛ فيخرج عن طريق المغضوب عليهم الذي عدلوا عنه على عمد وعلم، والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النِّساء: 69]. بارك الله لي ولكم في القرآن.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي بعث محمدًا بالدين القويم، وأمرنا أن نسأله كل يوم في صلاتنا أن يهدينا الصراط المستقيم.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، والله ذو الفضل العظيم. ويضل من يشاء بعد أن هداهم هداية البيان فلم يهتدوا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التّوبَة: 115].

وأِشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المنعم عليهم والقائل: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون». اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله: اشتملت فاتحة الكتاب التي فرض علينا أن نقرأها في صلاتنا: على حمد الله وتمجيده، والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد العباد إلى سؤال ربهم والتضرع إليه والتبري من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وحده، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة المفضي بهم إلى جنات النعيم، في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة وهم المغضوب عليهم والضالون.

روى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله : «نعم، فهل تضارُّون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فما تضارون في رؤية الله تعالى يوم القيامة إلا كما تضارُّون في رؤية أحدهما».

إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتَتِّبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في

النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبِّرِ أهل الكتاب( ) فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فأسقنا، فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فأسقنا، فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار( ).

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: 98- 103] إن أحسن ...

الدعاء وأسباب إجابته، أو رده

الحمد لله الذي شرع الدعاء ووعد بالإجابة، العالم بكل شيء، الرحيم بذاته- فلا يحتاج إلى وسائط يعرفونه بأحوال خلقه، أو يستعطفونه بالشفاعة، القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء؛ فالخضوع لغيره من أقبح الجهل وأسفه السفاهة.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من دعا غيره فقد ظن بربه ظن السوء في ربوبيته وأسمائه وصفاته.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة وأكثر من دعائه وتضرعاته، فحضى بالنصر هو وأصحابه، وهكذا كانت طريقة عباد الله وأنبيائه. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد: فقد قال الله تبارك وتعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غَافر: 60].

عباد الله! من فضل الله وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة؛ روى أبو يعلى عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: «أربع خصال: واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي. فأما التي لي لا تشرك بي شيئًا. وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به. وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة. وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك». وعلاوة على ذلك أنه يغضب إذا لم يُسأل- أخرج الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «من لم يسأل الله يغضب عليه».

ولأهمية الدعاء حصر النبي العبادة في الدعاء- روى الإمام أحمد بسنده، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله : «إن الدعاء هو العبادة، وقرأ هذه الآية وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غَافر: 60]» وفي الحديث الآخر: «الدعاء مخ العبادة» يعني خالص العبادة ولبها.

وكل ما فيه ثناء على الرب وتنزيه له، أو طلب حوائج الدنيا والآخرة منه تعالى فهو دعاء( ).

والإلحاح في الدعاء مما يحبه الله- ذكر الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : «إن الله يحب الملحين في الدعاء».

وإذا دعا العبد فلا يستعجل ولا يستبطئ الإجابة- لا يتعب ويسأم ويدع الدعاء فيكون بمنزلة من بذر بذرًا أو غرس غرسًا فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل. قيل يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيتحسر عند ذلك ويدع الدعاء».

وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب، وحصر همه على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة- وهي: الثلث الأخير من الليل، أو عند الأذان، أو بين الأذان والإقامة، أو أدبار الصلوات المكتوبات، أو عند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، أو آخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم- وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب وذلاً وتضرعًا ورقة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على النبي، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألح عليه في الدعاء، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا، لا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي أنها مظنة الإجابة أو أنها متضمنة للاسم الأعظم.

ومنها ما في السنن وصحيح أبي حاتم عن أنس رضي الله عنه ، أنه كان مع رسول الله جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا فقال: اللهم أني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم.

فقال النبي : «لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى». وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم».

وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب «المجابين في الدعاء» عن الحسن البصري، قال: كان رجل من أصحاب النبي من الأنصار يدعى أبا معقل، وكان تاجرًا يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكًا ورعًا، فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك.

قال: فما تريد إلا دمي؟ فشأنك والمال. قال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك. قال أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات. قال: صل ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالاً لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني! يا مغيث أغثني! فإذا هو بفارس أقبل بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله. ثم أقبل إليه فقال: قم. فقال: من أنت بأبي أنت وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم. فقال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك فسمعتُ لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي: دعوة مكروب، فسألت الله أن يوليني قتله. قال الحسن: فمن توضأ وصلى أربع ركعات، ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبًا كان او غير مكروب.

وروى محمد بن إسحاق عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله : «لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت

أوحى الله إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحمًا، ولا تكسر له عظمًا، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسًا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر.

قال: وسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح، الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح. قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل وهو سقيم».

وروى البيهقي في الشعب أن دانيال ألقي في جب( ) وألقيت عليه السباع، فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه، فأتاه ملك فقال: يا دانيال. فقال: من أنت؟ قال: أنا رسول ربك أرسلني إليك بطعام. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره.

وقصة حمر الوحش المشهورة التي ذكرها غير واحد أنها انتهت إلى الماء لترده فوجدت الناس حوله فتأخرت عنه، فلما جهدها العطش رفعت رأسها إلى السماء وجأرت إلى الله سبحانه بصوت واحد، فأرسل الله سبحانه عليها السماء بالمطر حتى شربت وانصرفت.

والدعاء عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن. روى الحاكم في مستدركه من

حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله : «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض»، وروى من حديث عائشة قالت: قال رسول الله : «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة» وعن ثوبان رضي الله عنه ، عن النبي قال: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». ومن ألهم الدعاء فقد أريد به الاستجابة- كان عمر رضي الله عنه يقول: إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه( ). فالدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المحبوب.

ولكن قد يتخلف عنه أثره: إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاءً لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وقت الدعاء، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة واللهو وغلبتها عليها، كما في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل الدعاء من قلب غافل لاه» وفي الحديث الآخر: «يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك».

أما الذين يدعون الله ويدعون معه غيره، أو يذبحون لله

ولغيره، أو ينذرون لله ولغيره، أو يرجون أو يخافون معه غيره: فقد جاءوا بأعظم أسباب منع إجابة الدعاء وهو الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر.

وأما الذين منعهم الاستكبار عن عبادة الله ودعائه وطاعته فيسجازون بالجزاء الفظيع، وهو دخول جهنم صاغرين، ذليلين؛ حقيرين. روى الإمام أحمد بسنده عن النبي قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار» أعاذنا الله وإياكم منها بمنه وكرمه.

فاتقوا الله عباد الله وعليهم بالتقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته بعبادته ودعائه والبعد عن الإشراك به. أعوذ بالله من الشطيان الرجيم: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البَقَرَة: 186] بارك الله ...

الخطبة الثانية

الحمد لله مجيب دعوة المضطر إذا دعاه، جابر المنكسر إذا لاذ بحماه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعبده، ولا أعبد معه سواه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بصر الخلق بأسباب السعادة والنجاة، وحذرهم من كل ما يسخط الرب ويأباه. اللهم

صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه الذين صدقوا الله في القول والعمل- فكم منهم من دعا فاستجاب الله دعاه، وما ادخر لهم في الآخرة من النعيم لا يعلم عدده وقدره إلا الله.

أما بعد: فيا عباد الله أوصيكم وإياي بتقوى الله، والأخذ بأسباب إجابة الدعاء، والحذر من موجبات رده- قرأ بعض الصحابة سورة الفاتحة على لديغ فشفي في الحال، وما ذاك إلا لاكتمال أسباب إجابة الدعاء.

مر إبراهيم بن أدهم الزاهد المعروف بسوق البصرة فاجتمع عليه الناس، فقالوا له: يا أبا إسحاق: ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله فلم تؤدوا حقه، وادعيتم أنكم تحبون رسول الله وتركتم سنته، وقرأتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكرها، وقلتم: إن الشيطان عدوكم ووافقتموه، وقلتم: إن النار حق ولم تهربوا منها، وقلتم: إن الجنة حق ولم تعملوا لها، وقلتم: إن الموت حق ولم تستعدوا له، وإذا انتبهتم من النوم اشتغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم، ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم( ). اهـ.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. إن أحسن الحديث ...

التفكر في القرآن، وثماره

الحمد لله الذي أنزل الكتاب المبين- لنقرأه تدبرًا، ونتأمله تبصرًا، ونسعد به تذكرا، ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه، ونصدق به ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله المرسلين، وقيوم السموات والأرضين.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فيا عباد الله: التفكر والتدبر هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها، وهو من أفضل أعمال القلب وأنفعها له، وهو يدعو إلى العمل، حتى قيل: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة»، وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: التفكر في نعم الله من أفضل العبادة. وقال عبدالله بن المبارك لبعض أصحابه وقد رآه متفكرًا: أين بلغت؟ قال: الصراط. وقال بشر: لو فكر الناس في عظمة الله ما عصوه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: التفكر في الخير يدعو إلى العمل به.

فالفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة إلى حياة اليقظة، ومن المكاره إلى المحاب، ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة، ومن سجن الدنيا إلى فضاء الآخرة، ومن ضيق الجهل إلى سعة العلم ورحبه، ومن مرض الشهوة والإخلاد إلى هذه الدار إلى شفاء الإنابة إلى الله والتجافي عن دار الغرور، ومن مصيبة العمى والصمم والبكم إلى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه، ومن أمراض الشبهات إلى برد اليقين وثلج الصدور. فأصل كل طاعة إنما هو الفكر والتدبر.

و«التدبر» هو النظر في أدبار الأمور وعواقبها. و«الفكر» هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة- مثال ذلك إذا أحضر قلبه العاجلة وعيشها ونعيمها وما يقترون به من الآفات وانقطاعه وزواله، ثم أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها ولذته ودوامه وفَضْلَهُ على نعيم الدنيا، وجزم بهذين العلمين أثمر له ذلك علمًا ثالثًا، وهو أن الآخرة ونعيمها الفاضل الدائم أولى عند كل عاقل بإيثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة. وكذلك إذا فكر في عواقب الأمور وتجاوز فكره مبادءها وضعها مواضعها وعلم مراتبها- فإذا ورد عليه وارد الذنب والشهوة فتجاوز فكره لذَّته وفرح النفس به إلى سوء عاقبته وما يترتب عليه من الألم والحزن الذي لا يقاوم تلك اللذة والفرحة- من فكر في ذلك فلا يكاد يقدم عليه. وكذلك إذا ورد على قلبه واد الراحة والدعة والكسل والتقاعد عن مشقة الطاعات وتعبها حتى عبر بفكره إلى ما يترتب عليها من اللذات والخيرات والأفراح التي تغمر تلك الآلام استقبلها بنشاط وقوة وعزيمة. وكذلك فإذا فكر في منتهى ما يستعبده من الجاه والمال والصور ونظر إلى غاية ذلك بعين فكره استحيا من عقله ونفسه أن يكون عبدًا لذلك. وكذلك إذا فكر في آخر الأطعمة المفتخرة التي تفانت علهيا نفوس أشباه الأنعام وما يصير إليه أمرها عند خروجها ارتفعت همته عن الاعتناء بها وجعلها معبود قلبه الذي إليه يتوجه وله يرضى، ويغضب ويسعى، ويكدح ويوالي ويعادي، كما جاء في المسند عن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله قال له: «يا ضحاك ما طعامك؟» قال يا رسول الله: اللحم واللبن. قال: «ثم يصير إلى ماذا؟» قال: إلى ما قد علمت. قال: «فإن الله تبارك وتعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا»، وفي المسند أيضًا عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله : «إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قَزّحَه وَمَلَّحَهُ فانظروا إلى ما يصير» «وإن قزحه» أي وضع فيه الأبازير.

وأنفع التفكر يا عباد الله التفكر في القرآن فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتفكر والتدبر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها- فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة؛ فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن. وهذه كانت عادة السلف وقد ثبت عن النبي «أنه قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المَائدة: 118]».

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «لا تهذوا القرآن هذا الشعر ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، لا يكن هم أحدكم آخر السورة». وقال الحسن رحمه الله: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملاً. فالقرآن يدعو إلى أن يتفكر الإنسان في صفات نفسه ليتميز له المحبوب لربه منها من المكروه له، ويدعو إلى التفكر في صفات معبوده وأفعاله وأحكامه.

عباد الله كما أن الفكر هو أصل كل طاعة فكذلك هو أصل كل معصية- فالمعصية إنما تحدث من جانب الفكرة- فإن الشيطان يصادف أرض القلب خالية فارغة فيبذر فيها حب الأفكار الردية، فيتولد منه الإرادات والعزوم، فيتولد منها العمل. فإذا صادف أرض القلب مشغولة ببذر الأفكار النافعة فيما خلق له وفيما أمر به وفيما هييء له وأعدَّ له من النعيم المقيم أو العذاب الأليم لم يجد لبذره موضعًا. والكبر يا عباد الله من أسباب منع التفكر، قال الحسن رحمه الله في قول الله : سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعرَاف: 146] قال أمنعهم التفكر فيها.

فاتقوا الله عباد الله وعليكم بالتدبر لكتاب الله والعمل به لتنالوا محبة الله والقرب منه والفوز برضاه يوم لقاه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 29] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيمًا لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذي يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا، ماكثين فيه أبدًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة قامت بها السموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه أنزل عليه كتابه المبين، الفارق بين الهدى والضلال والشك واليقين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فيا عباد الله: ليس شيء أنفع للقلب في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع الفكر فيه على معاني آياته- فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقهما وأسبابهما، وغاياتهما، ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبِّت قواعد الإيمان في قلبه، وتُشَيِّد بنيانه، وتوطدَ أركانه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذات ربه تعالى وأسماءه وصفاته، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها، وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق، واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وتفرقهم فيما يتفرقون فيه( ). فعليكم عباد الله بتدبر كتابه فإنه أحسن الحديث وعليكم بسنة نبيكم وهديه فإن خير الهدي ...

وساوس الشيطان، وشروره، وما يعتصم به منها

الحمد لله القائل في كتابه المبين: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأعرَاف: 200] أحمده سبحانه، من أقبل عليه تلقاه، ومن أعرض عنه لم يكله إلى عدوه إذا تاب مما أتاه، ومن أصر على العصيان وصالح عدوه وقاطع سيده ولاه ما تولاه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الأِشباه والأمثال، وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن» قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم»( ) صلى الله عليه وعلى آله وجميع أصحابه العارفين بمكائد أعدائهم، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فقد قال الله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ.

عباد الله قد جعل الله لكل إنسان عدوًا لدودًا، له دخول ونفوذ إلى قلب ابن آدم وصدره، ذلك هو «الشيطان» أعاذنا الله منه يجري من ابن آدم مجرى الدم، قد وكل بالعبد من حين ولادته لا يفارقه إلى الممات: يوسوس إليه، ويخطر الذنب بباله فيصوره له ويمنيه، ويشهيه فيصير «شهوة». ويزينها له ويحسنها ويخيلها له في خيال تميل نفسه إليه فيصير «إرادة» ثم لا يزال يمثل ويخيل ويمني ويشهي، وينسيه علمه بضررها، ويطوي عنه سوء عاقبتها، فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها، فتصير الإرادة «عزيمة» فيشتد الحرص عليها من القلب، فيبعث الجنود في الطلب، فيبعث الشيطان مددًا لهم وعونًا، فإن فتروا حركهم، وإن ونوا أزعجتهم، فلا تزال بالعبد تقوده إلى الذنب، وتنظم شمل الاجتماع عليه بألطف حيلة، وأتم مكيدة. قال عروة بن رويم: «إن المسيح سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فجلي له، فإذا رأسه رأس الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا لم يذكر وضع رأسه على ثمرة قلبه فمناه وحدثه». وفي الصحيحين من حديث الزهري، عن صفية بنت حيي، قالت: كان رسول الله معتكفًا فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي أسرعا. فقال النبي «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا»، أو قال: «شرًا» وفي الصحيح أيضًا عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا قضى أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا قضى أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه، فيقول: اذكر كذا اذكر كذا حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا سجد سجدتي السهو».

ولذلك أمرنا الله بالاستعاذة من شره، والوسوسة أعظم شره.

ومن شره: أنه لص سارق لأموال الناس، فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله عليه فله فيه حظ بالسرقة والخطف. وكذلك يبيت في البيت الذي لم يذكر فيه اسم الله فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم، ويبيت في بيوتهم بغير إذنهم. ذكر ابن أبي الدنيا عن بعض السلف: أن شيطانًا لقي شيطانًا فقال: مالي أراك نحيلاً؟ فقال: إني مع رجل إن أكل ذكر اسم الله فلا آكل معه، وإن شرب ذكر اسم الله فلا أشرب معه، وإن دخل بيته ذكر اسم الله فأبيت خارج الدار. فقال الآخر: لكني مع رجل إن أكل لم يسم الله فآكل أنا وهو جميعًا، وإن شرب لم يسم الله فأشرب معه، وإن دخل داره لم يسم الله فأدخل معه، وإن جامع امرأته لم يسم الله فأجامعها.

ومن شره أنه يدل على عورات الناس- فيأمر العبد بالمعصية، ثم يوسوس إلى الناس بما فعل، فيصبح الناس يتحدثون به.

ومن شره أنه إذا نام العبد عقد على رأسه عقدًا تمنعه من اليقظة، كما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. فإن توضأ انحلت عقدة. فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان».

ومن شره أنه يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح، كما ثبت عن النبي أنه ذكر عنده رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال في أذنه» رواه البخاري.

ومن شره أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها فما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه بجهده أن يسلكه، فإن خالفه وسلكه ثبطه فيه وعوقه وشوش عليه بالمعارضات والقواطع، فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته.

ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم، وليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.

ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة وبالغ في الحيلة حتى أخرج آدم من الجنة، ثم لم يكفه ذلك حتى استقطع من أولاده شرطه إلى النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ثم لم يكفه ذلك حتى أعمل الحيلة في إبطال دعوة الله من الأرض، وقصد أن تَكون الدعوة له،

وأن يعبد من دون الله، فهو ساع بأقصى جهده على إطفاء نور الله وإبطال دعوته، وإقامة دعوة الشرك، ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض.

ويكفي من شره أنه تصدى لإبراهيم خليل الرحمن حتى رماه قومه بالمنجنيق في النار فرد الله كيده عليه، وجعل النار على خليله بردًا وسلامًا. وتصدى للمسيح حتى أراد اليهود قتله وصلبه فرد الله كيده، وصان المسيح ورفعه إليه. وتصدى لزكريا ويحيى حتى قتلا. واستثار فرعون حتى زين له الفساد العظيم في الأرض، ودعوى أنه ربهم الأعلى. وتصدى للنبي وظاهر الكفار على قتله بجهده، والله تعالى يكبته ويرده خاسئًا. وتفلت على النبي بشهاب من نار يريد أن يرميه به في الصلاة فجعل النبي يقول: «ألعنك بلعنة الله» وأعان اليهود على سحرهم للنبي .

ولا يمكن حصر أجناس شره فضلاً عن آحادها إذ كل شر في العالم فهو السبب فيه. ولكن ينحصر شره في ستة أجناس لا يزال بابن آدم حتى ينال واحدًا منها أو أكثر- الشر الأول: شر «الكفر، والشرك» ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه، وصيره من جنده وعسكره، واستنابه على أمثاله وأشكاله، فصار من دعاة إبليس ونوابه. فإن يئس منه من ذلك وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه نقله إلى المرتبة الثاني من الشر، وهو «البدعة» وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعد، وهي ذنب لا يتاب منه، وهي باب الكفر والشرك. فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقي أيضًا نائبه وداعيًا من دعاته. فإذا أعجزه من هذه المرتبة وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر وهي «الكبائر» على اختلاف أنواعها، فهو أشد حرصًا على أن يوقعه فيها، لا سيما إذا كان عالمًا متبوعًا لينفر الناس عنه، ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس، ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينًا وتقربًا بزعمه إلى الله تعالى وهو نائب إبليس ولا

يشعر فإن الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا

لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النُّور: 19] فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها. فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الرابع وهي «الصغائر» التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي : «إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض فجاء كل واحد منهم بعود حطب حتى أوقدوا نارًا عظيمة فطبخوا واشتووا» أو كما قال : «ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحْسَنَ حالاً منه». فإن أعجزه العبد عن هذه المرتبة نقله إلى «المرتبة الخامسة» وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عاقبتها فوت الثواب الذي اضع عليه باشتغاله بها. فإن أعجزه العبد عن هذه المرتبة وكان حافظًا لوقته شحيحًا به يعلم مقدر أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله إلى «المرتبة السادسة» وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل. فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعين عليه سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفائه، ليشوش عليه قلبه، ويشغل بحربه فكره، وليمنع الناس من الانتفاع به، فحينئذ يلبس المؤمن لامة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب.

عباد الله: هذه إحدى صفات الشيطان الثلاث (الوسواس). وقد وصفه الله بالخناس الذي إذا ذكر العبد الله انخنس وتجمع وانقبض، وإذا غفل عن ذكر الله التقم القلب وألقى إليه الوساوس التي هي مبادئ الشر كله.

والذي يوسوس نوعان: إنس، وجن. فالجني: يوسوس في صدور الإنس. والإنس أيضًا يوسوس إلى الإنس؛ فلذلك أمرنا الله بالاستعاذة من شر نوعي شياطين الإنس والجن.

فاتقوا الله عباد الله، واحذروا من عدو الله وعدوكم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ [الناس: 1- 3] بارك الله ...

الخطبة الثانية

الحمد لله أمر بشكره وذكره، أحمده سبحانه لا أحصي ثناء عليه بل هو تعالى كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من توكل عليه واستعاذ به كان في حفظه وحرزه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعانه على قرينه حتى استسلم له وذلك معجزة وعبرة.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وحزبه.

أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى، فتقواه هي وصيته

للأولين والآخرين، واعرفوا عدوكم من صديقكم في هذه الدار، واعلموا أن الله تبارك وتعالى الذي ابتلى الإنسان بهذا العدو الذي لا يفارقه طرفة عين، ولا يدع أمرًا يكيده به ويقدر على إيصاله إليه إلا أوصله إليه- ويقول لأعوانه من الجن والإنس: دونكم عدوكم وعدو أبيكم لا يفوتكم، لا يكون حظه الجنة وحظكم النار- أن الله قد أيد عبده المؤمن بجند من الملائكة لا يفارقونه يثبتونه ويأمرونه بالخير ويحضونه عليه، ويدعونه بكرامة الله، ويقولون: إنما هو صبر ساعة وقد استرحت راحة الأبد. وأمده مع ذلك بالعقل وزيرًا له ومدبرًا، وبالمعرفة مشيرة عليه وناصحة له، وبالإيمان مثبتًا له وناصرًا ومؤيدًا، وباليقين كاشفًا له عن حقيقة الأمر حتى كأنه يعاين ما وعد الله تعالى أولياءه وحزبه على جهاد أعدائه، وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقيه الله السيئات ويدخله الجنات، وهو تعالى ناصر حزبه وجنده. وليس هذا التسليط من بغض الرب لعبده المؤمن، وإنما هو لرفع درجاته، وامتحان صدقه في إيمانه وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محَمَّد: 31].

عباد الله وقد جعل الله بفضله ومنه للعبد ما يعتصم به من الشيطان، ويستدفع به منه، وذلك عشرة أسباب (1) الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. (2) قراءة سورتي الفلق والناس (3) قراءة آية الكرسي (4) قراءة سورة البقرة (5) قراءة خاتمة سورة البقرة (6) قراءة أول سورة حَم المؤمن إلى قوله إليه المصير (7) قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة (8) كثرة ذكر الله فذكر الله يقمعه ويؤلمه ويؤذيه (9) الوضوء والصلاة (10) إمساك فضول النظر، وفضول الكلام، وفضول الطعام، وفضول مخالطة الناس( ).( ). إن أحسن الحديث ...

غض البصر فوائده، ومضار إطلاقه

الحمد لله الذي جعل القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والرشاد، وشرها أوعاها للشر والفساد، وسلط عليها الهوى وامتحنها بمخالفته لتنال بمخالفته جنة المأوى. وحرم عليها أشياء لكن عوضها خيرًا مما حرم عليها.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النُّور: 30] وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم» صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

أما بعد: فيا عباد الله جعل الله سبحانه العين مرآة القلب، فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته.

روى البخاري في صحيحه: أن النبي أردف الفضل بن العباس رضي الله عنهما يوم النحر خلفه- وكان الفضل قد ناهز البلوغ، فطفق الفضل ينظر إلى امرأة وضيئة من خثعم كانت تسأل النبي عن أمور دينها، فأخذ النبي بذقن الفضل فحول وجهه عن النظر إليها.

وفي رواية للترمذي: قال للرسول : لويت عنق ابن عمك. قال عليه الصلاة والسلام: «رأيت شابًا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة»، وهذا منع وإنكار بالفعل، وتعليل لهذا الإنكار بخوف الفتنة عليهما لو أقرهما عليه.

وفي الصحيح عنه أنه قال: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، واللسان يزني وزناه النطق، والرجل تزني وزناها الخطى، واليد تزني وزناها البطش، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». فبدأ بزنا العين لأنه أصل زنا اليد، والرجل، والقلب، والفرج. ونبه على زنا اللسان بالكلام على زنا الفم بالقُبل، وجعل الفرج مصدقًا لذلك إن حقق الفعل أو مكذبًا له إن لم يحققه. وهذا الحديث من أبين الأِشياء على أن العين تعصي بالنظر، وإن ذلك زناها. ففيه رد على من أباح النظر مطلقًا. وثبت عنه أنه قال: «يا علي: لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية». فالنظر يؤثر في القلب فأمره بمداواته بصرف النظر لا بتكراره. وقال جرير بن عبدالله رضي الله عنهما: «سألت رسول الله عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري» رواه مسلم وأبو داود والترمذي. ونظرة الفجأة هي النظرة الأولى التي تقع بغير قصد من الناظر، فما لم يتعمده القلب لا يعاقب عليه. فإذا نظر الثانية تعمدًا أثم، فأمره عند نظرة الفجأة أن يصرف بصره ولا يستديم النظر. ففتنة النظر أصل كل فتنة، كما ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» وفي صحيح مسلم عن النبي أنه قال: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء».

وفي مسند محمد بن إسحاق عن علي رضي الله عنه عن النبي : «أخوف ما أخاف على أمتي النساء والخمر»( ).

وفي المسند عنه أنه قال: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس( ) فمن غض بصره عن محاسن امرأة أو أمرد لله أورث الله قلبه حلاوة العبادة إلى يوم القيامة» هذا معنى الحديث. وقال: «إياكم والجلوس على الطرقات». قالوا: يا رسول الله مجالسنا ما لنا بد منها قال: «فإن كنتم لا بد فاعلين فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حقه؟ قال: غضن البصر ، وكف الأذى، ورد السلام» فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولابد ما لم يمنع منه مانع.

ومن آفاته أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات فيرى الإنسان ما ليس قادرًا عليه ولا صابرًا عنه.

وفي غض البصر عدة فوائد. أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة؛ فإن من أطلق نظره دامت حسرته. ومن فوائد غض البصر: أنه يورث القلب نورًا وإشراقًا يظهر على عينيه ووجهه وجوارحه. ومنها: أنه يورث قوة القلب وشجاعته وثباته. وفي الأثر «الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله». ومنها: أنه يورث القلب

سرورًا وفرصة وانشراحًا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر، وذلك لقهره عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه. ومنها أن غض البصر يسد عنه بابًا من أبواب جهنم؛ فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل، وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول، فمن هتك الحجاب ضري على المحظور ولم تقف نفسه عند غاية؛ لأن لذتها في الشيء الجديد. ومنها: أنه يقوي عقله ويزيده ويثبته فإن إطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب. ومنها: أنه يخلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة، فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة، ويوقع في سكرة العشق، كما قال الله تعالى لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحِجر: 72] وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات.

ولا سيما النظر إلى «المردان الحسان» فإن إطلاق النظر إليهم هو السم الناقع والداء العضال.

روي عن الشعبي مرسلاً قال: قدم وفد عبدالقيس على النبي وفيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي وراء ظهره، وقال: «كانت خطيئة من مضى من النظر». وقال سعيد بن المسيب: إذا رأيتم الرجل يحد النظر إلى الغلام الأمرد فاتهموه.

والله سبحانه إنما حكى هذا المرض- مرض العشق عن طائفتين من الناس وهم «قوم النساء» وقوم لوط فأخبر عن «عشق امرأة العزيز» ليوسف وما راودته وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه( ).

والطائفة الثانية الذي حكى الله عنهم العشق هم «اللوطية» كما قال تعالى: جَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُون [الحجر: 67- 69] فكل من الطائفتين عشق ما حرم عليه من الصور، ولم يبال بما في عشقه من الضرر.

ودواء هذا الداء العضال- العشق المحرم- أن يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكر فيه، ويكثر التضرع واللجوء إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه. قال الله تعالى في قصة عشقها: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يُوسُف: 24] فصرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه؛ فإن القلب إذا أخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور، فعشق الصور إنما يتمكن من القلب الفارغ.

وفي الصحيح من حديث جابر: أنه رأى امرأة فأتى زينب فقضى حاجته منها. وقال: «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه»، وفي سنن ابن ماجه مرفوعًا: «لم ير للمتحابين مثل النكاح».

فأوصيكم وإياي عباد الله بمداومة الإعراض عما لا يحل من النظر، فقد علمتم ما في ذلك من الضرر، كما عرفتم ما في غض البصر من الفوائد دنيا وأخرى.

واسألوا مقلب القلوب والأبصار الثبات على الدين، وتصريف القلوب إلى طاعة رب العالمين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 40، 41].

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل المحبة إلى الظفر سبيلا، وصرَّف عليها القلوب كما يشاء، وصرفها أنواعًا وأقسامًا بين بريته، وفصلها تفصيلا قسمها بين محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب النيران، ومحب الصلبان، ومحب الأوطان، ومحب الإيمان، ومحب الألحان، ومحب القرآن، وفضل أهل محبته ومحبة كتابه على سائر المحبين تفضيلا، وهو الحكيم صاحب الفضل على من شاء والامتنان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يخلق ما يشاء ويختار. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله للإيمان مناديًا، وإلى الجنة داعيًا، وبكل معروف آمرًا، وعن كل منكر ناهيًا. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وكل من اتبعه داعيًا، وفي مرضاة ربه ومحابه ساعيًا.

عباد الله: وجاء في تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج

قوله : «أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج» أخرجه الترمذي عن أبي هريرة. وفي الصحيحين عنه : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» فبدأ بالأكثر وقوعًا، ثم بالذي يليه. فالزنا أكثر وقوعًا من قتل النفس، وقتل النفس أكثر وقوعًا من الردة نعوذ بالله منها.

ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ونكست رءوسهم بين الناس. وإن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا وقتل النفس، وإن أبقته حملته على الزوج فأدخلت على أهلها وأهله أجنبيًا ليس منهم فورثهم وليس منهم، وخلا بهم، وانتسب إليهم وليس منهم، إلى غير ذلك من مفاسد زناها. وأما زنا الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضًا، وإفساد المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد؛ ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين، ومن خاصيته. أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه، وثوب المقت بين الناس. ومن خاصيته أيضًا أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته، ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان؛ ولهذا شرع فيه القتل على أبشع الوجوه وأفحشها وأصعبها. ولو بلغ الرجل أن امرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت. قال سعد بن عبادة رضي الله عنه : لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله فقال: «أتعجبون من غيرة سعد! والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن».

وظهور الزنا من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة، كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أنه قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي يقول: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا، ويقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد».

وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب الله سبحانه فلابد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة. قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : ما ظهر الربا والزنا في قرية إلا أذن الله بإهلاكها.

وخص سبحانه الزنا من بين سائر الحدود بثلاث خصائص أحدها: القتل فيه بأبشع القتلات، وحيث خففه فجمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.

الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم. الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين.

وحد الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله لقوم لوط بالقذف بالحجارة، وذلك لاشتراك الزنا واللواط في الفحش، وفي كل منهما فساد يناقض حكمة الله في خلقه وأمره.

فإن في «اللواط» من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد، ولأن يقتل المفعول به خير من أن يؤتى، فإنه يفسد فسادًا لا يرجى له

معه صلاح أبدًا، يذهب خيره كله، وتمتص الأرض الحياء من وجهه، فلا يستحيي بعد لا من الله ولا من الناس، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم في البدن.

وعقوبته أغلظ من عقوبة الزاني لإجماع الصحابة على ذلك ولغلظ حرمته وانتشار فساده، ولأن الله سبحانه لم يعاقب أمة ما عاقب اللوطية، وجمع الله عليهم من أنواع العقوبات ما لم يجمعه على أمة من الأمم: من عمى الأبصار، وخسف الديار، والقذف بالأحجار، ودخول النار، وجعل ديارهم وآثارهم عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين.

وروى الترمذي والحاكم وابن ماجه عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله : «إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط» وفي المسند والسنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وإسناده على شرط البخاري. وحرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن الزبير، وهشام بن عبدالملك.

كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلاً ينكح كما تنكح المرأة. فجمع أبو بكر رضي الله عنه ناسًا من أصحاب رسول الله وفيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاستشارهم، فقال علي رضي الله عنه : إن هذا لم يعمل به أمة من الأمم إلا أمة واحدة فصنع الله بهم ما علمتم أرى أن تحرقوه بالنار، فأحرقوه بالنار.

وقال جماعة من الصحابة والتابعين: يرجم بالحجارة حتى يموت أحصن أو لم يحصن.

وقال بعض العلماء: إذا علا الذكر الذكر هربت الملائكة وعجت الأرض إلى ربها، ونزل سخط الجبار جل جلاله عليهم، وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت جهنم، فإذا قبضت روحه جعلت مع أرواح الزناة في تنور من النار. نعوذ بالله من النار، ومن أٍسباب الخزي والعار( ). إن أحسن الحديث ...

زهرة الدنيا وانقسام الناس بالنسبة إليها

الحمد لله الذي كتب الآثار والأعمال، وقسم المعايش والأموال، خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً وهو على كل شيء

قدير.

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التّغَابُن: 2].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والظهير.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعرف الخلق بربه، وأقومهم بأمره، وأنصحهم لخلقه؛ لم يتركهم حتى أوقفهم على الجادة البيضاء، وحذرهم من المتاهة في البيداء، وضرب لهم الأمثال، وقسم الناس بالنسبة إلى الأموال، وكان مع الفقر أصبر الفقراء، ومع الغني أشكر الأغنياء. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أعلم الناس بسنة نبيهم وأتبعهم لها، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام رسول الله فخطب الناس، فقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض. قيل: ما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا». فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر. فصمت رسول الله حتى ظننت أنه سينزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه، قال: «أين السائل؟» قال: أنا. ثم قال: «كيف قلت؟» قال: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر، فقال رسول الله : «إن الخير لا يأتي إلا بالخير، إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم إلا آكلة الخضر( ) أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكملت. وإن هذا المال خضرة حلوة( ) من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو. وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع».

عباد الله هذا الحديث هو الحَكَمُ فيما يختلف فيه الناس من أمر المال- فالناس منهم من يمدح المال والثراء ويتمناه، ويسعى إليه جهده بالطرق الحلال. ومنهم من يتجاوز ذلك ويطلبه حتى بالطرق الحرام، ويستوعب عمره ووقته، ويصده عن طاعة مولاه، والسعي لرضاه. ومن الناس من يذم الثراء ولا يهتم به ويزهد فيه. ومن الناس من رضي بما قسم الله له من فقر أو غنى، وتخوف من زهرة الدنيا.

فهذا الحديث الشريف فيه تخوف النبي على أمته من فتح الدنيا عليهم- خاف عليهم الافتتان بها، وفسر «بركات الأرض» بزهرة الدنيا- ومراده ما يفتح على أمته منها من ملك فارس والروم وغيرهم من الكفار الذين ورثت هذه الأمة ديارهم وأموالهم وأراضيهم وزروعهم وثمارهم وأنهارهم ومعادنهم وغير ذلك مما

خرج ويخرج من بركات الأرض وكنوزها، وهذا من أعظم معجزات نبينا الدالة على أنه رسول الله حقًا- فقد وقع ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من فتح زهرة الدنيا على أمته، وشبهها بالزهر في طيب رائحته، وحسن منظره، وقلة بقائه، وأن وراءه ثمرًا خيرًا منه وأبقى منه.

وقوله: «إن ما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم» من أحسن التمثيل المتضمن للتحذير من الدنيا والإنهماك عليها والمسرة فيها وذلك أن الدابة يروقها نبت الربيع فتأكله بأعينها، فربما هلكت حبطًا. والحبط انتفاخ بطن الدابة من الامتلاء. وقوله: «أو يلم» أي يقارب القتل وهو المرض.

وقوله: «إلا آكلة الخضر» تمثيل بالإبل والبقرة الآكلة من العشب بقدر حاجتها، فهي لما أخذت حاجتها من المرعى تركته، وأعرضت عما يضرها من الشره في المرعى، وأقبلت على ما ينفعها من استقبال الشمس التي يحصل لها بحرارتها انضاج ما أكلته وإخراجه. ثم إنها استفرغت بالبول والثلط( ) ما جمعته من المرعى في بطنها فاستراحت بإخراجه ولو بقي فيها لقتلها.

وفي رواية لمسلم فقال: «أخير هو؟» وفيها دليل على أن المال ليس بخير على الإطلاق؛ بل منه خير، ومنه شر. فالمال في حق الأول خير، وفي حق الثاني شر.

فأول الحديث مثل للشَّرِهِ في جمع الدنيا الحريص على

تحصيلها يجمع الدنيا من غير حلها، ويحبسها أو يصرفها في غير

حقها، إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه إذا مات من غير توبة منه وإصلاح حال. وإما أن يقارب موته ثم يعافى وهو من أفاق من هذه السكرة وتاب قبل موته.

فالمقتصد من الدنيا يأخذ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها قدر بلغته وحاجته، ويجتزي من متاعها بأدونه وأخشنه، ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلا إذا نفد ما عنده وخرجت فضلاته، فلا يوجب له هذا الأخذ ضررًا ولا مرضًا ولا هلاكًا، بل يكون ذلك بلاغًا له مدة حياته، ويعينه على التزود لآخرته، وهذا إشارة إلى مدح من أخذ من حلال الدنيا بقدر بلغته وقنع بذلك كما قال : «قد أفلح من هداه الله إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا، وقنع بذلك» وقال : «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» رواه الترمذي. وروى أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «يقول الله تعالى: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يدك شغلاً ولم أسد فقرك» وقال الحسن رحمه الله: إن قومًا أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها. وقال المسيح : «لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم عبيدًا، واعبروها ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا، ورب شهوة أورثت أهلها حزنًا طويلاً، ما سكنت قلب عبد في الدنيا إلا التاط قلبه منها بثلاثة: شغل

لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وأمل لا يدرك منتهاه. الدنيا طالبة مطلوبة؛ فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل

فيها رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه، يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا».

فأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى، والتقوى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، والاعتبار بما ضرب الرسول من الأمثال لزهرة الحياة الدنيا، وأصحبوا الغنى بالشكر. والشكر: هو الاعتراف بالنعم باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وصرفها في طاعة مسديها. وأعظم الشكر أداء فرائض الإسلام وبعد ذلك نوافل الإسلام لمن قدر عليها أو بعضها. واعلموا أن الثروة أخطر من الفقر، ولذلك خافها النبي على أمته ولم يخف عليهم من الفقر، واستعاذ من فتنتهما جميعًا. وقال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. واعتبروا بالبهيمة التي ضربها الرسول مثلاً في حسن تصرفها في معيشتها، ونفعها لنفسها، ودفعها الضرر عنها. هذا وهي ممن يسبح الله ويحمده وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسرَاء: 44].

اللهم اجعلنا جميعًا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ [آل عِمرَان: 14] بارك الله ...

الخطبة الثانية

الحمد لله يزيد الشاكرين، ويثيب الصابرين. أحمده سبحانه وحمدي له من نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أشرف الخلق أجمعين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله من السلف الصالح من اختار المال للجهاد به وصرفه في وجوه البر كعبدالرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابة، وكان قيس بن سعد يقول: اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى. ومنهم من اختار الفقر والتقلل كأبي ذر وجماعة من الصحابة معه، وهؤلاء نظروا إلى آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها. والفرقة الثالثة لم تختر شيئًا، بل كان اختيارها ما اختاره الله لها ولم خير نبينا بين أن يكون مَلِكًا نبيًّا وبين أن يكون عبدًا رسولاً وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدًا رسولاً اختار ما اختاره الله فكان اختياره في جميع أموره تابعًا لاختيار الله له.

وكان يأخذ الشهر والشهرين لا يوقد في بيته نار وإنما طعامهم الأسودان التمر والماء، وكان صابرًا، ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة حتى فارق الدنيا. ثم لما فتح الله عليه الفتوح كان يمسك له ولأهله قوت سنة واحدة، وينفق ما عدا ذلك في سبيل الله، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وكل خصلة من خصال الفضل قد أحل الله رسوله في أعلاها، وخصه بذروة سنامها

وليس الفقراء الصابرون بأحق به من الأغنياء الشاكرين، بل أحق الناس به منهم أعلمهم بسنته وأتبعهم لها.

فارضوا عباد الله بما قسم الله لكم، واشكروا نعمة الله عليكم. ومن ابتلي بفقر فعليه أن يصبر، قال عمر رضي الله عنه : وجدنا خير عيشنا بالصبر. وروى الأعمش عن خيثمة، عن عبدالله «إن العبد ليهم بالأمر من التجارة حتى إذا استيسرت له نظر الله إليه من فوق سبع سموات فيقول للملك: اصرفه عنه فيصرفه عنه» فطريق الفقر والتقليل طريق سلامة مع الصبر، وطريق الغنى والسعة طريق عطب في الغالب. إن أحسن الحديث ...

الذنوب عقوباتها، وكيف الخلاص منها

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة معترف بالذنب والتقصير، سائل العفو والزلفى وحسن المآب يوم المصير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأمينه على وحيه خير بشير، وأشفق نذير. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، نعم الصحب له، ونعم القدوة لمن طلب الفوز والنجاة في يوم عسير.

أما بعد: فقد روى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه : أن رسول الله قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه»، وضرب لهن رسول الله مثلاً «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم- يعني إعداد طعامهم- فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالبعرة حتى جمعوا سوادًا- يعني الحطب- وأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها».

عباد الله هذا نبينا الصادق المصدوق الحريص على هداية أمته ونجاتهم يحذر الصحابة الذين هم خيار أمته صغائر الذنوب

ويبين لهم عواقبها الوخيمة، بل ويحذر جميع الأمة على ألسن الصحابة المأمورين بالتبليغ عنه كما في هذا الحديث الجليل.

وفي أحاديث أخر بين عقوبات ذنوب بعينها، وذكر ما أطلعه الله عليه من عذاب أصحابها في قبورهم، أو ما يحصل لهم يوم بعثهم ونشورهم، أو بعد أن يستقر بهم القرار.

فمن ذلك: الأخذ من بيت المال بغير حق، ذكر الإمام أحمد من حديث أبي رافع رضي الله عنه ، قال: مر رسول الله بالبقيع- مقابر في المدينة- فقال: «أف لك أف لك» فظننت أنه يردني قال: «لا. ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعيًا إلى آل فلان فَغَلَّ نمرة فدرع الآن مثلها من نار». وروى الإمام أحمد أيضًا عن أبي رافع قال: قال رسول الله : «لما عرج بي مررت على قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» يعني: بالغيبة والبهت. ومن ذلك شرب المسكرات، ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله : «كل ما أسكر حرام، وإن على الله عهدًا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال قال: عصارة أهل النار» و«المسكر» هو الخمر الكبرى، وبابه الخمر الصغرى، وهو التنباك( ). ومن ذلك تصوير ذوات الأرواح بالرسم أو بالنحت أو بالفتغراف( ) في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال:

قال رسول الله : «إن المصورين يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم». والراضي بالتصوير وناصب الصور في المجالس ونحوها كالفاعل في أصل الثواب والعقاب. ويستثنى من التصوير الفتغرافي ما يلزم به الإنسان من حفيظة نفوس ونحوها مع كراهته للتصوير.

ومن ذلك «المظالم» في المال، والعرض، وهي ظلمات يوم القيامة، وسبب لنقصان الحسنات، وتحمل السيئات، وسخط رب البريات- في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي قال: «من كانت له عند أخيه مظلمة في مال أو عرض فليأته فليتحللها منه قبل أن يؤخذ وليس عنده دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته فأعطيها هذا، وإلا أخذ من سيئات هذا فطرحت عليه ثم طرح في النار» وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي قال: «من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين» وفي المسند عن معاذ رضي الله عنه ، قال: أوصاني رسول الله فقال: «لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت أو حرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدًا فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برأت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرًا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية؛ فإن المعصية تحل سخط الله».

وذكر النبي عقوبات عاجلة لذنوب معينة- نسأل الله السلامة منها ومن كل ما يغضب الله- روى ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة. فقالت: إذا

استباحوا الزنا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمعازف، غار الله في سمائه فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا وإلا أهدمها عليهم. وروى ابن ماجه، من حديث عبدالله بن عمر، قال: كنت عاشر عشرة من المهاجرين عند رسول الله ، فأقبل علينا رسول الله بوجهه فقال: «يا معشر المهاجرين: خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا- والفاحشة الزنا واللواط- ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم» وفي معجم الطبراني عن ابن عباس: «ولا ظهر في قوم القتل يقتل بعضهم بعضًا إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم» الحديث.

وللمعاصي من الآثار القيبحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله. وقد ذكر بعض العلماء( ) من عقوباتها ستًا وأربعين عقوبة- منها أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتخرج العبد من دائرة الإيمان إلى دائرة اٍلإسلام، وتسبب الرعب والخوف في قلب العاصي، وتؤثر نقصان العقل

وفساده، وتمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة، وهي سبب لهوان العبد على الله وسقوطه من عينه، وتطفئ نار الغيرة والحياء، وتسلط الأعداء. قال بختنصر لدانيال: ما الذي سلطني على قومك؟ قال: عظم خطيئتك، وظلم قومي أنفسهم. ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى تهون عليه وتصغر في قلبه، قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، كما أن القبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت.

ومن عقوباتها أنها تجرٍّئ على العبد أهله وخدمه وجيرانه حتى الحيوان البهيم، قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابتي. وتجرؤ عليه نفسه فتستأسد عليه وتصعب عليه فلو أرادها لخير لم تطاوعه ولم تنقد له، بل تسوقه إلى ما فيه هلاكه شاء أم أبى، وتباعد عنه الملك الموكل به الذي هو وليه وأنصح الخلق له، وتدني منه عدوه وأغش الخلق وأعظمهم ضررًا له وهو الشيطان؛ فإن العبد إذا عصى الله تباعد عنه الملك بقدر تلك المعصية، حتى إنه يتباعد بالكذبة الواحدة مسافة ميل من نتن ريحه كما جاء ذلك في بعض الآثار، فكيف بما هو أكبر من ذلك وأفحش. وقال بعض السلف: إذا ركب الذكر الذكر عجت الأرض إلى الله، وهربت الملائكة إلى ربها، وشكت إليه عظم ما رأت. وقال بعض السلف: إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان، فإن ذكر الله وكبره وحمده وهلله طرد الملك الشيطان وتولاه، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان.

ومنها أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه- فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه والتضرع والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه. وقد يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما شاهد الناس كثيرًا من المحتضرين قيل لأحدهم: قل لا إله إلا الله. فجعل يهذي بالغناء والعزف، ثم قضى ولم يقلها. وقيل لبعض لاعبي القمار والعشاق العشق المحرم، فأجابوا بالجواب السيئ الذي استولى على مشاعرهم ولم يقولوا لا إله إلا الله عند آخر نفس. فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل قلبه عن ذكر الله واتبع هواه وكان أمره فرطًا.

وقد يتأخر تأثير الذنب فينسى ثم ينقض ولو بعد حين كما ينقض السهم وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل، أو يكون ضرره في الدين. وإن أخر له في الآخرة فعذاب الآخرة أشد وأبقى. ذكر عبدالله بن أحمد عن ابن سيرين أنه لما ركبه الدين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة. ونظر بعض العباد إلى صبي، فتأمل محاسنه، فأتي في منامه، وقيل له: لتجدن غبها بعد أربعين سنة.

والمؤمن من لا يستصغر الذنب، قال بعض السلف ويروى مرفوعًا: «لا تنظروا في صغر الذنوب، ولكن انظروا على من اجترأتم» وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله. وذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار».

عباد الله!! قد يلم المسلم ببعض الذنوب الصغائر أو الكبائر ثم يمن الله عليه بالتوبة فيقلع عن الذنب ويندم على فعله ويعزم على ألا يعود إليه فينمحي عنه أثر الذنب حتى كأنه لم يذنب. وقد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، كما حصل لآدم ، وذلك بحسب قوة التوبة وكمالها.

فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على سلامة أنفسكم من صغائر الذنوب وكبائرها، ومن أذنب فليعجل التوبة ليعيش سعيدًا في هذه الحياة، ويفوز بالسلامة والحسنى بعد الممات، وتلك أحسن الغايات والأمنيات.

روى الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه». أعوذ بالله من الشطيان الرجيم: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه: 82]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...

الخطبة الثانية

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. من يطع الله ورسوله فقد رشد، من يعص الله ورسوله فقد غوى، ومن غوى فلن يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا.

أما بعد: فيا عباد الله سأل رجل الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة قوم يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تنقطع؟ فقال: والله لأن تصحب أقوامًا يخوفونك حتى تدرك أمنًا خير لك من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف.

وقد وصف الله أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن.

ومن تأمل أحوال الصحابة وجدهم في غاية الجد في العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والأمن. ذكر الإمام أحمد: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يمسك بلسانه، ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. وأتى بطائر فأخذ يقلبه ثم قال: ما صيد من صيد ولا قطعت من شجرة إلا بما ضعيت من التسبيح. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه «سورة الطور» إلى أن بلغ قوله: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ [الطور: 7].

فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه. وقال لابنه

في سياق الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني. ثم قال: ويل أمي إن لم يغفر لي ثلاثًا، ثم قضى. وقال له ابن عباس مُصِّر بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل، وفعل فقال: «وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر».

فاتقوا الله عباد الله وسيروا إلى الله بين الخوف والرجاء أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسرَاء: 57]( ). إن أحسن الحديث ...

أبو بكر الصديق أفضليته، وأحقيته بالخلافة الأولى( )

الحمد لله الواحد القهار، يخلق ما يشاء ويختار، اختار محمدًا واختار له أصحابًا هم المهاجرون والأنصار.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ [التّوبَة: 100] وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «أصحابي كالنجوم» و«لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر».

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به ووقروه، ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون.

أما بعد: فإن خير الخلق محمد ، وخير أمة محمد

أصحابه، وخير أصحابه أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين. هذا ترتيبهم في الفضل ودرجتهم في الخلافة.

وبيان فضائل كل الصحابة- يا عباد الله- وما كانوا عليه من المحبة والتعاون على الحق ودفع الطعن عنهم من الدين، خصوصًا إذا فشا الطعن فيهم من المبتدعين أو عباد القبور أو الملحدين، لأن الصحابة هم حملة رسالة الإسلام إلى الأمة، فالطعن فيهم طعن في الرسول، وسوء ظن بالمرسل تعالى وتقدس، قال الإمام مالك رحمه والله وغيره من أهل العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله ، إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين. اهـ.

وقد قال الله تعالى في الثناء عليهم: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 100] قال الشعبي: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية. وقال محمد بن كعب القرظي: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ فأخذ بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أبي بن كعب. فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: وسمعتها من رسول الله ؟ قال: نعم. قال: لقد كنتُ أُرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا. فقال أبيّ: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجُمْعَة: 3].

وفي سورة الحشر وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10] وفي سورة الأنفال: وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ [الأنفال: 75]. فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وهو تبارك وتعالى لا يرضى إلا عمن علم أنه يموت على الإسلام والإحسان. فيا ويل من سبهم، أو أبغضهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر، والخليفة الأعظم، أبا بكر رضي الله عنه ؛ فقد نطقت بفضله الآيات والأخبار، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التّوبَة: 40] دُعْيَ إلى الإسلام فما تلعثم ولا أبى، وسار على المحجة فما زل ولا كبا، وصبر من مُدى العدى على وقع الشبا، وأكثر في الإنفاق حتى تخلل بالعبا، تالله لقد زاد على السبك في كل دينار دينار: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ من كان قرين النبي في شبابه؟ من الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه؟ من الذي أفتى بحضرته سريعًا في جوابه؟ من أول من صلى معه؟ من آخر من صلى به؟ من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟ فاعرفوا حق الجار. نهض يوم الردة بفهم واستيقاظ، وأبان من الكتاب معنىّ دق عن حديد الألحاظ، فالمحب يفرح بفضائله، والمبغض يغتاظ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الفَتْح: 29] فهو ثاني اثنين في الإسلام، وفي النفس، وفي الزهد، وفي الصحبة، وفي الخلافة، وفي العمر، وفي سبب الموت؛ لأن الرسول مات عن أثر السم وأبو بكر سم فمات. أسلم على يديه من العشرة: عثمان، وطلحة، والزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. وكان عنده يوم أسلم أربعون ألف درهم فأنفقها أحوج ما كان الإسلام إليها، قال النبي : «ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر». كم وفى الرسول بالمال والنفس، وكان أخص به في حياته، وهو ضجيعه في الرمس، فضائله جليلة وهي خلية من اللبس، يا عجبًا من يغطي ضوء الشمس في نصف النهار، لقد دخلا غارًا لا يسكنه لابث، فاستوحش الصديق من خوف الحوادث، فقال الرسول : «ما نظر باثنين والله الثالث» فنزلت السكينة وزال القلق وارتفع خوف الحادث، فقام مؤذن النصر ينادي على منابر الأمصار: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ حبه والله رأس الحنيفية، وبغضه يدل على خبث الطوية، فهو خير الصحابة والقرابة، والحجة على ذلك قوية، قال ابن الحنفية مؤكدًا صحة إمامته: «والله ما أحببنا لهوانا، ولكن أخذنا بقول علي وكفانا: رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا».

خلافته انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم له، والنبي أخبر بوقوعها على سبيل الحمد لها والرضا بها، وأمر بطاعته وتفويض الأمر له، ودل الأمة وأرشدها إلى بيعته، قال : «رأيت كأني على قليب أنزع منها، فأتى ابن أبي قحافة فنزع ذنوبًا أو ذنوبين» وقال : «ادعي لي أباك حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه الناس من بعدي. ثم قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» وقال : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وتقديمه في الصلاة، وقوله: «سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر».

وغير ذلك من الأحاديث. والقرآن قد دل على الخبر بوقوعها قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النُّور: 55] وأمر بطاعته في قوله: سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفَتْح: 116] وأرشد الأمة إلى ذلك فقال: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: 17- 20].

فاتقوا الله عباد الله وانظروا إلى استخلاف النبي لأبي بكر في هذه الأحاديث وشواهدها من الآيات القرآنية، ثم وقوع البيعة من المؤمنين له عن طواعية واختيار، لا عن إكراه ولا بذل مال، وظهور مصداق قول رسول الله : «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» ثم هو قد زهد في الخلافة عرضها على عمر وأبي عبيدة فأبيا، ثم ما كان في خلافته من ثبات الناس على الدين، وانتشاره وقمع المرتدين، ثم إنه اكتفى بدرهمين يتقاضاهما كل يوم حين اشتغل بالخلافة عن التكسب لنفسه وعياله.

فهذا مسلك أهل السنة والجماعة في فضله، واعتباره الخليفة الأول بعد رسول الله ، وهو المسلك السديد، والقول الرشيد، سأل هارون الرشيد مالك بن أنس رحمه الله: ما منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ؟ فقال: أفي شك أنت يا أمير المؤمنين؟ منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته قبرا معه. فقال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك. اللهم ارض عن أبي بكر وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين.

أعوذ بالله من الشطيان الرجيم مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29].

الخطبة الثانية

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من أضاع أمره وعصاه والحمد لله الذي أيد الإسلام بأبي بكر في حياة رسوله، وحفظه به بعد وفاته، فرضي الله عنه وأرضاه.

وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وفى بوعده؛ فاستخلف أبا بكر في الأرض ومكن له دينه ولصحبه، ودعا رضي الله عنه الأعراب إلى قتال فارس والروم والمرتدين من بني حنيفة فاستجابوا لأمره. وهو الذي وصفه الله بأنه الْأَتْقَى فهذا ترشيح له من ربه للخلافة العظمى.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اصطفاه الله واجتباه. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فيا عباد الله: لنستمع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصف لنا ليلة ويومًا من أيام أبي بكر ولياليه- روى الطلمنكي من حديث ميمون بن مهران، قال: كان أبو موسى الأشعري إذا خطب بالبصرة يوم الجمعة وكان واليها صلى على النبي ، ثم

ثنى بعمر بن الخطاب يدعو له. فقام ضبة بن محصن العنزي، فقال: فأين أنت من ذكر صاحبه قبله تفضله عليه- يعني أبا بكر رضي الله عنهما- ثم قعد. فلما فعل ذلك مرارًا أمحكه أبو موسى فكتب أبو موسى إلى عمر رضي الله عنه : أن ضبة يطعن علينا، ويفعل، فكتب عمر إلى ضبة أن يخرج إليه، فبعث به أبو موسى، فلما قدم ضبة المدينة على عمر رضي الله عنه ، فقال الحاجب: ضبة العنزي بالباب. فأذن له، فلما دخل عليه قال: لا مرحبًا بضبة، ولا أهلاً. قال ضبة: أما المرحب فمن الله تعالى. وأما الأهل فلا أهل ولا مال. فيم استحللت إشخاصي من بصرى بلا ذنب أذنبت، ولا شيء أتيت؟ قال: ما الذي شجر بينك وبين عاملك؟ قلت: الآن أخبرك يا أمير المؤمنين- إنه كان إذا خطب حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ، ثم ثنى يدعو لك، فغاضبني ذلك منه، وقلت: أين أنت من صاحبه تفضله عليه؟ فكتب إليك يشكوني. قال فاندفع عمر رضي الله عنه باكيًا، وهو يقول: أنت والله أوفق منه وأرشد منه، فهل أنت غافر لي ذنبي يغفر الله لك؟ قلت: غفر الله لك يا أمير المؤمنين؛ ثم اندفع باكيًا يقول: والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر- فهل لك أن أحدثك بيومه وليلته؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أما «ليلته» فإن رسول الله لما خرج من مكة هاربًا من المشركين خرج ليلاً فتبعه أبو بكر، فجعل يمشي مرة أمامه، ومرة خلفه، ومرة عن يمينه، ومرة عن يساره. فقال رسول الله : «ما هذا يا أبا بكر؟ ما أعرف هذا من فعلك». فقال: يا رسول الله: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك، ومرة عن يسارك، لا آمن عليك. فمضى رسول الله على أطراف أصابعه حتى حفيت، فلما رأى أبو بكر رضي الله عنه أنها حفيت حمله على عاتقه حتى أتى به فم الغار( ) فأنزله. ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله، فلما دخل وجد الصديق أجحار الأفاعي، فلما رأى أبو بكر ذلك ألقمه عقبه، فجعلن يلسعنه ويضربنه، وجعلت دموعه تتحادر على خده من ألم ما يجد، ورسول الله يقول: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فأنزل الله سكينته وطمأنينته على أبي بكر. فهذه ليلته.

وأما «يومه»- فلما توفي رسول الله وارتدت العرب، فقال بعضهم: نصلي ولا نزكي. وقال بعضهم: نزكي، ولا نصلي. فأتيته لا آلوه نصحًا، فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم. فقال لي: أجبار في الجاهلية، وخوار في الإسلام؟! قبض رسول الله وارتفع الوحي، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه. فكان والله رشيد الأمر. فهذا يومه. ثم كتب إلى أبي موسى يلومه( ).

وعن جابر رضي الله عنه قال: قيل لعائشة رضي الله عنها: إن ناسًا يتناولون أصحاب رسول الله حتى أبا بكر وعمر. فقالت: وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر( ). إن أحسن الحديث.

عمر بن الخطاب فضائله، وعز الإسلام به

الحمد لله الملك الوهاب، هو أعلم حيث يجعل رسالته ويختار لكل نبي حواريين وأصحاب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعز الإسلام بعمر بن الخطاب. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوصى بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ومنهم أبو بكر وعمر، وكانا أولى الصحابة بالخلافة بعده، وحازا قصب السبق إلى قمم الفضائل، وقال النبي : «لو كان نبي بعدي لكان عمر».

أما بعد: فيا عباد الله أوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى وأداء حقه، وامتثال أمر نبيه ، والتصديق بأخباره، ومعرفة فضائل أصحابه، والاجتهاد في الاقتداء بهم ومحبتهم فالمرء مع من أحب، وإن لم يلحق به.

وإن أجل أصحاب رسول الله هو أبو بكر، وبعد أبي بكر في الفضل والخلافة عمر. ومعرفة فضائلهما من السنة، بل هي عند بعض العلماء، من الواجب. وقال بعض العلماء: إذ أردتم أن يطيب المجلس فأفيضوا في ذكر عمر.

عباد الله لقد دعا النبي ربه أن يهدي عمر بن الخطاب ويعز الإسلام به فأجاب الله دعوته، ورأى الصحابة مصداق هذه الدعوة منذ أسلم عمر إلى أن استشهد رضي الله عنه ؛ فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام، وكان أحبهما إليه عمر» وعن صهيب بن سنان رضي الله عنه ، قال: لما أسلم عمر رضوان الله عنه ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به. وقال ابن مسعود رضي الله عنه : ما زلنا أعز منذ أسلم عمر.

واسمعوا عباد الله الثناء العطر من رسول الله على صاحبيه أبي بكر وعمر، وتقديره التام لهما، وأمره بالاقتداء بهما، والشهادة لهما أنهما من أهل الجنة، بل من سادات أهل الجنة وهو لا ينطق عن الهوى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال: بينا رسول الله وأنا معه في المسجد ليس معنا ثالث إذ أقبل أبو بكر وعمر كل واحد منهما آخذ بيد صاحبه، فقال: «يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة ممن مضى من الأولين والآخرين ما خلا النبيين والمرسلين، يا علي لا تخبرهما بذلك، فما أخبرت بهذا الحديث حتى ماتا». وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا عند رسول الله فقال: «إني لست أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» أخرجه الترمذي.

والصحابة والتابعون يعرفون تلك المنزلة الرفيعة لهما رضي الله عنهما، عن أبي حازم عن أبيه، قال: قيل لعلي بن الحسين رضوان الله عليهما: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ؟ قال: كمنزلتهما اليوم وهما ضجيعاه. وعن العتكي، قال: قال هارون الرشيد لمالك: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ؟ قال كقرب قبرهما من قبره. قال: شفيتني يا مالك. وعن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال رجل من قريش لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين سمعتك تقول في الخطبة آنفًا: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ فاغرورقت عيناه، ثم أهملهما، ثم قال: هما حبيباي وعماك أبو بكر وعمر، إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله ، من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي الصراط المستقيم، ومن تمسك بهما فهو من حزب الله، وحزب الله هم المفلحون. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي قال: «إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» قيل: يا أبا سعيد وما «أنعما» قال: أهل ذلك هما. وعن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبدالله يقول: قال رسول الله : «أدخلت الجنة فرأيت فيها دارًا وقصرًا فسمعت فيه ضوضاء أو صوتًا فقلت، لمن هذا؟ فقيل: لعمر فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك؛ فبكى عمر» وقال يا رسول الله: أو يغار عليك وفي حديث أبي أمامة قال: «فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين، ولم أر فيها أحدًا أقل من الأغنياء والنساء. قيل: أما الأغنياء فهم ههنا بالباب يحاسبون ويحصون. وأما النساء فألهاهن الأحمران الذهب والحرير، ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثمانية، فلما كنت عند الباب أتيت بكفة فوضعت فيها ووضعت أمتي في كفة فرجحت بها، ثم أتي بأبي بكر فوضع في كفة وجيء بجميع أمتي فوضعوا فرجح أبو بكر، ثم أتى بعمر فوضع في كفة وجيء بجميع أمتي فوضعوا فرجح عمر».

واسمعوا رحمكم الله إلى قصة استخلاف أبي بكر وبيعته له وهي تحكي النزاهة التامة من أبي بكر ومن عمر ومن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ونصحهم لأنفسهم، وللإسلام، ولأمة الإسلام.

عن عاصم بن عدي قال: جمع أبو بكر الناس وهو مريض فأمر من يحمله إلى المنبر، فكان آخر خطبة خطب بها، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس احذروا الدنيا ولا تثقوا بها فإنها غدارة، وآثروا الآخرة على الدنيا وأحبوها فبحب كل واحدة منهما تبغض الأخرى. وإن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله، ولا يحتمله إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه، أشدكم في حال الشدة، وأسلسكم في حال اللين، وأعلمكم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحيي من التعلم، ولا يتحير عند البديهة، قوي على الأمور لا يخور لشيء منها حده بعدوان ولا تقصير، يرصد لما هو آت عتاده من الحذر والطاعة، وهو عمر بن الخطاب. ثم نزل.

وسمع بعض الصحابة خبر استخلاف عمر فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك

عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني،

أبـ الله تخوفوني، خاب من تزود من أمركم بظلم. أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من وراءك. ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا هو ما عهد أبو بكر الصديق بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب: إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله وديني ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذاك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشُّعَرَاء: 227]» والسلام عليكم ورحمة الله. ثم أمر بالكتاب فختمه. ثم دعا أبو بكر ورفع يديه وقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة، فاجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فأخلفني فيهم فهم عبادك. وبعث إلى عمر فقال: لا حاجة لي فيها. قال: ولكن لها بك حاجة، وقد رأيت رسول الله وصحبته، ورأيت أثرته أنفسنا على نفسه، حتى إن كنا لنهدي إلى أهله فضل ما يأتينا منه، ورأيتني وصحبتني وإنما اتبعت أثر من كان قبلي.

هذه المبررات العظيمة لاستخلافه لعمر رضي الله عنهما وأرضاهما.

فالله الله عباد الله: أوصيكم بحب الصحابة عامة وحب صاحبيه خاصة، والإكثار من الترضي عنهما، ومعرفة فضائلهما، والاقتداء

بهما في فعل كل واجب واجتناب كل محرم، وما استطعتم من فعل مندوب وترك مكروه؛ فمن عرف سيرتهما- رضي الله عنهما- استقل ما عمل من خيرات، ومن كان من الخطائين كان إلى التوبة والإنابة والاستغفار والرجوع إلى الله من المسارعين بتوفيق الله، واتقوا الله لعلكم تفلحون.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التّوبَة: 100].

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأبرأ إليه ممن أشرك به وكفر. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نصر بالرعب من مسيرة شهر حتى أنه ليخافه ملك الروم (بني الأصفر) اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه السادة الغرر.

أما بعد: فيا عباد الله: إن الخليفتين الراشدين رضي الله عنهما ورضي عن جميع الصحابة مع تلك الفتوحات العظيمة والفضائل الكثيرة كانا أزهد الناس في الدنيا، مقتديين بمثلهما الأعلى

محمد ، خائفين من ربهم، راجيين أرفع ثواب لديه بعد النبيين- عن محمد بن قيس قال: دخل ناس على حفصة بنت عمر رضي الله عنهما، فقالوا: إن أمير المؤمنين قد بدا علباء رقبته من الهزال، فلو كلمتيه أن يأكل طعامًا هو ألين من طعامه، ويلبس ثيابًا ألين من ثيابه، فقد رأينا إزاره مرقعًا برقع غير لون ثوبه. ويتخذ فراشًا ألين

من فراشه، فقد أوسع الله على المسلمين، فيكون ذلك أقوى على أمرهم. فبعثوا إليه حفصة، فذكرت ذلك له، فقال: أخبريني بألين فراش فرشتيه لرسول الله قط؟ قالت: عباءة كنا نثنيها له باثنين، فلما غلظت عليه جعلتها بأربعة. قال: فأخبريني بأجود ثوب لبسه؟ قالت نمرة صبغناها له، فرآها إنسان فقال: اكسنيها يا رسول الله، فأعطاها إياه. قال عمر: ائتوني بمقناع من تمر( ) فأمرهم فنزعوا نواه ثم أكله كله. ثم قال: تروني لا أشتهي الطعام، إني لآكل السمن وعندي اللحم، وآكل الزيت وعندي السمن، وآكل الملح وعندي الزيت، وآكل البحت وعندي ملح، ولكن صاحبي سلكا طريقًا فأخاف أن أخالفهما فيخالف بي.

وعن إسماعيل بن قيس قال: لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذونًا يلقاك عظماء الناس ووجوههم. فقال: لا أراكم ههنا. إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء، خلوا جملي. وكان رضي الله عنه ربما توقد له النار ثم يدني يده منها ثم يقول: ابن الخطاب: هل لك على هذا صبر؟

وقال رضي الله عنه : ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون، فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدًا، ثم أكلوني فأخرجوني عذرة ولم أكُ بشرًا.

وجيء بتاج كسرى إلى عمر رضي الله عنه ، فقال: إن الذين أدوا هذا لأمناء. فقال له علي رضي الله عنه : إن القوم رأوك عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا.

وفضائله رضي الله عنه كثيرة. منها: تعبده واجتهاده، وبكاؤه، وحذره من الابتداع في الدين، وإشارته بجمع القرآن، وهيبته في القلوب، وزهده، وتواضعه، ونزول القرآن بموافقته في مواضع، وفرار الشيطان منه( ) واهتمامه برعيته وملاحظته لهم، وغزواته، وفتوحاته، وحجاته، وعدله في رعيته، وقوله وفعله في بيت المال، وحذره من المظالم، وغير ذلك كثير.

عن علي رضي الله عنه قال: رأيت عمر بن الخطاب على قتب يعدو فقلت: يا أمير المؤمنين أين تذهب؟ فقال: بعير ند من إبل الصدقة أطلبه. فقلت: لقد أذللت الخلفاء بعدك. فقال: يا أبا الحسن لا تلمني، فوالذي بعث محمدًا بالنبوة لو أن عناقًا ذهبت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة( ). فرضي الله عنه

وأرضاه، ورزقنا حبه وحب صاحبه، وفي الحديث «المرء مع من أحب». إن أحسن الحديث كتاب الله ...

المبادرة إلى التوبة وأقسام الناس فيها

الحمد لله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ويزيد نعم المحسنين من فضله ويرفعهم درجات.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بيده خزائن الأرض والسموات.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان في آخر عمره لا يقوم ولا يقعد إلا استغفر وتاب، وهو أقرب الخلق إلى الله منزلة ومآب. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فقد خرج الترمذي عن النبي أنه قال: «ما من أحد يموت إلا ندم» قالوا: وما ندامته؟ قال: «إن كان محسنًا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون استعتب» وقال الأوزاعي رحمه الله: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة. يومًا فيومًا وساعة فساعة، ولا تمر ساعة لم يذكر الله تعالى فيها إلا تقطعت نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة، ويوم مع يوم، وليلة مع ليلة؟!

عباد الله: الإنسان ما دام يأمل الحياة فإنه لا يقطع أمله من الدنيا، وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من

المعاصي وغيرها، ويرجيه الشيطان بالتوبة في آخر عمره، فإذا تيقن الموت وأيس من الحياة أفاق من سكرته بشهوات الدنيا، فندم حينئذ على تفريطه ندامة يكاد يقتل نفسه، وطلب الرجعة إلى الدنيا ليتوب ويعمل عملاً صالحًا فلا يجاب إلى ذلك، فتجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت. هذا حال الكثير من الناس. وقد حذر الله عباده من ذلك ليستعدوا للموت قبل نزوله بالتوبة والعمل الصالح، قال الله تعالى: أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [الزُّمَر: 54] قال ابن المبارك: احذر السكرة والحسرة، أن يفجأك الموت وأنت على الغرة، فلا يصف واصف قدر ما تلقى، ولا قدر ما ترى.

عباد الله- والناس في التوبة والعمل الصالح على أقسام. فمنهم من لا يوفق لتوبة نصوح؛ بل ييسر له عمل السيئات من أول عمره إلى آخره حتى يموت مصرًا عليها. وهذه حالة الأِشقياء، نعوذ بالله من حالهم.

وأقبح من ذلك من يسر له في أول عمره عمل الطاعات ثم ختم له بعمل سيء حتى مات عليه، ففي الحديث الصحيح: «إن أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». وفي بعض رواياته «فيما يبدو للناس» يعني أن نيته بخلاف ذلك.

وقسم يفني عمره في الغفلة والبطالة ثم يوفق لعلم صالح فيموت عليه، وهذه حالة من «يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».

وأخرج البزار عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «إذا أراد الله بعبد خيرًا بعث إليه ملكًا من عامة الذين يموت فيه فيسدده وييسره، فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس المطمئنة، أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فذلك حين يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه. وإذا أراد بعبده شرًا بعث إليه شيطانًا من عامة الذين يموت فيه، فأغواه، فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتتفرق في جسده فذلك حين يبغض لقاء الله ويبغض الله لقاءه» وفي المسند عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «من تاب قبل موته عامًا تيب عليه، ومن تاب قبل موته شهرًا تيب عليه، حتى قال يومًا، حتى قال ساعة، حتى قال فواقًا. قال له إنسان: أرأيت إن كان مشركًا فأسلم؟ فقال: إني أحدثكم ما سمعت من رسول الله ».

وفي المسند عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي قال: «إن الشطيان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني». وفي الحديث الصحيح: «أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». وقد دل القرآن على مثل هذا قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ

بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ

وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النِّساء: 17] وعمل السوء إذا أفرد يدخل فيه جميع السيئات صغيرها وكبيرها. والمراد بالجهالة الأقدام على السوء وإن علم صاحبه أنه سوء؛ فإن كل من عصى الله

فهو جاهل، وكل من أطاعه فهو عالم. فمن كان عالمًا بالله وعظمته وكبريائه وجلاله فإنه يهابه ويخشاه فلا يقع منه مع استحضار ذلك عصيانه. ومن آثر المعصية على الطاعة فإنما حمله على ذلك جهله وظنه أنها تنفعه عاجلاً باستعجال لذتها، وإن كان عنده إيمان فهو يرجو التخلص من سوء عاقبتها بالتوبة في آخر عمره، وهذا جهل محض؛ فإنه تعجل الإثم والخزي، ويفوته عز التقوى، وثواب الآخرة، وعلو درجاتها، ولذة الطاعة؛ وقد يتمكن من التوبة بعد ذلك وقد يعاجله الموت، فهو كجائع أكل طعامًا مسمومًا لدفع جوعه الحاضر ورجا أن يتخلص من ضرره بشرب دواء.

وممن أفنى عمره في الغفلة والبطالة ما روى الواحدي في كتاب «قتلى القرآن» أن رجلاً من أشراف أهل البصرة كان منحدرًا إليها في سفينة، ومعه جارية له، فشرب يومًا وغنته جاريته بعود لها، وكان معهم في السفينة فقير صالح، فقال له: يا فتى: تحسن مثل هذا؟ قال: أحسن ما هو أحسن منه- وكان الفقير حسن الصوت- فاستفتح وقرأ: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: 77، 78] فرمى الرجل ما بيده من الشراب في الماء، فقال: أشهد أن هذا أحسن مما سمعت، فهل غير هذا؟ قال: نعم فتلا عليه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: 27] فوقعت في قلبه، فرمى ببقية الشراب في الماء وكسر العود.

ثم قال: يا فتى: هل ههنا فرج؟ قال: نعم قُلْ يَا عِبَادِيَ

الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزُّمَر: 53] فصاح صيحة عظيمة، فنظروا إليه فإذا هو قد مات- رحمه الله.

وخرج أبو نعيم بسنده عن سعيد الجريري، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد: الرجل يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، حتى متى؟ قال: ما أعلم هذا إلا أخلاق المؤمنين.

وبقي هنا قسم آخر وهو أشرف الأقسام وأرفعها، وهو من يفني عمره في الطاعة ثم ينبه على قرب الأجل ليجدّ في التزود. ويتهيأ للرحيل بعمل صالح للقاء، ويكون خاتمة للعمل. قال ابن عباس لما نزلت على النبي : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النّصر: 1- 3]. نعيت لرسول الله نفسه، فأخذ في أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة. وقالت أم سلمة: كان النبي في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: «سبحان الله وبحمده». فذكرت ذلك له. فقال: «إني أمرت بذلك»، وتلا هذه السورة، وكان من عادته أن يعتكف في كل عام في رمضان عشرًا، ويعرض القرآن على جبريل مرة؛ فاعتكف في ذلك العام عشرين يوما وعرض القرآن مرتين، وكان يقول: «ما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي» ثم حج حجة الوداع، وقال: «أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي، فأجيب» ثم أمر بالتمسك بكتاب الله، ثم توفي بعد وصوله إلى المدينة بيسير .

إذا كان سيد المحسنين يؤمر أن يختم عمره بالزيادة، والإحسان فكيف يكون حال المسيء؟ وفي الدعاء المأثور: «اللهم اجعل خير عملي خواتمه، واجعل خير عمري آخره، وخير أيامي يوم لقاك».

وكان السلف الصالح مع اجتهادهم في الصحة في الأعمال يجددون التوبة والاستغفار، ويختمون أعمالهم بالاستغفار وكلمة التوحيد.

وقال عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله- عند موته: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت؛ ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحد النظر، فقالوا: إنك تنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين. فقال: أتاني حضرة ما هم بإنس ولا جن، ثم قبض رحمه الله، وسمع تاليًا يتلوا: تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القَصَص: 83].

فاتقوا الله عباد الله، والتوبة التوبة، قبل أن يصلنا من الموت النوبة، فيحصل المفرط على الندم والخيبة، والإنابة الإنابة، قبل غلق باب الإجابة، والإفاقة الإفاقة قبل وقت الفاقة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم: 8] بارك الله ...

الخطبة الثانية

الحمد لله نحمده ونستعينه ...

أما بعد: عباد الله مبادرة الإنسان بالتوبة في حال صحته قبل نزول المرض به هي أفضل أنواع التوبة، حتى يتمكن حينئذ من العمل الصالح، ولذلك قرن الله التوبة بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من القرآن. فالتوبة في الصحة ورجاء الحياة تشبه الصدقة بالمال في الصحة ورجاء البقاء. والتوبة في المرض عند حضور أمارات الموت تشبه الصدقة بالمال عند الموت. خرج ابن ماجه من حديث جابر أن النبي خطب فقال في خطبته: «أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا» فأمر بالمباردة قبل الموت، وكل ساعة تمر على ابن آدم فإنه يمكن أن تكون ساعة موته، بل كل نَفَس. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة. وقال بعض الحكماء: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل. وقال بعض السلف: أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين. فمن أصبح أو أمسى على غير توبة فهو على خطر؛ لأنه يُخْشى أن يلقى الله غير تائب فيحشر في زمرة الظالمين، قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحُجرَات: 11] تأخير التوبة في حال الشباب قبيح، ففي حال المشيب أقبح وأقبح. قال عمر بن هانئ: تقول التوبة للشاب: أهلاً ومرحبًا. وتقول للشيخ: نقبلك على ما كان منك. فاختموا عباد الله أعمالكم اليومية بالتوبة والاستغفار، فإن كان العمل سيئًا كان كفارة له، وإن كان حسنًا كان كالطابع عليه( ). إن أحسن الحديث ...

ميزان الناس

الحمد لله الذي أوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجا، وفاوت بين عباده في منازل العبودية من الإنابة والمحبة والخوف والرجاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من أصبح قلبه بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته مبتهجًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله هدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان.

أما بعد عباد الله: إذا أراد المسلم أن يُقَيِّمَ نفسه ويزنها، ويعرف خسرانها من ربحها، ويطمئن عليها في سيرها إلى ربها، فليعرضها على القرآن الكريم، قال ابن مسعود رضي الله عنه : لا يسأل أحدٌ عن نفسه غير القرآن. وهذه يا عباد الله آية منه، وهي قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: 32].

جعل سبحانه القائمين بهذا القرآن علمًا وعملاً ثلاثة أنواع: «ظالم لنفسه» وهو المفرط في بعض الواجبات، أو المرتكب لبعض المحرمات.

الثاني: «المقتصد» وهو المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات.

الثالث: «السابق بالخيرات» وهو الفاعل للوجابات والمستحبات، التارك للمحرمات، والمكروهات، وبعض المباحات.

وكل من هؤلاء الثلاثة مسافر إلى ربه، ومدة سفره هو عمره الذي كتب له، ثم جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر.

«فالظالم لنفسه» إذا استقبل مرحلة يومه استقبلها وقد سبقت حظوظه وشهواته إلى قلبه فحركت جوارحه طالبة لها، فإذا زاحهما حقوق ربه فتارة وتارة فمرة يأخذ بالرخصة، ومرة بالعزيمة، ومرة يقدم على الذنب وترك الحق تهاونًا ووعدًا بالتوبة؛ فهذا حال الظالم لنفسه مع حفظ التوحيد، والإيمان بالله ورسوله، واليوم الآخر، والتصديق بالثواب والعقاب فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران، وهو للأغلب منهما؛ فإذا ورد القيامة ميز ربحه من خسرانه، وحصر ربحه وحده، وخسرانه وحده، وكان الحكم للراجح منهما، وحكم الله من وراء ذلك لا يعدم منه فضله أو عدله. هذا هو عمل الظالم لنفسه ومصيره.

أما «المقتصدون» فأدوا وظيفة تلك المرحلة ولم يزيدوا عليها ولا نقصوا منها، فلا حصلوا على أرباح التجار، ولا بخسوا الحق الذي عليهم فإذا استقبل أحدهم مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام، والصلاة التامة في وقتها بأركانها وواجباتها وشرائطها، ثم ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التي أذن الله فيها، مؤديًا واجب الرب فيها، غير متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكار. فإذا حضرت الفريضة الأخرى بادر إليها كذلك، فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأول، فهو كذلك سائر يومه، فإذا جاء الليل فكذلك إلى حين

النوم يأخذ مضجعه حتى ينشق الجر فيقوم إلى صلاته ووظيفته. فإذا جاء الصوم الواجب قام بحقه. وكذلك الزكاة الواجبة، والحج الواجب. وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط لا يظلمهم، ولا يترك حقه لهم. هذه حال المقتصد.

وأما «السابقون بالخيرات» فهم نوعان: أبرار، ومقربون. أما «الأبرار»: فقطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر الله، وعقد القلب على ترك مخالفته ومعاصيه؛ فهممهم مصروفة إلى القيام بالأعمال الصالحة، واجتناب الأعمال القبيحة فأول ما يستيقظ أحدهم من منامه يسبق إلى قلبه القيام إلى الوضوء التام والصلاة كما أمره الله في أول وقتها فإذا أدى فرض وقته اشتغل بالتلاوة والأذكار إلى حين تطلع الشمس، فيركع الضحى. ثم يذهب إلى ما أقامه الله فيه من الأسباب، فإذا حضر فرض الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف الأول من المسجد عن يمين الإمام أو خلف ظهره فأدى فريضته كما أمر، مكملاً لها بشرائطها، وأركانها، وسننها، وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور بين يدي الرب، فينصرف من الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه وسائر أحواله آثارًا تبدو على صفحاته ولسانه وجوارحه، ويجد ثمرتها في قلبه من الإنابة على دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، وقلة التكالب والحرص على الدنيا وعاجلها، قد نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر، وحببت إليه لقاء الله، ونفرته عن كل قاطع يقطعه عن الله، وهو مع ذلك مراع لحفظ السنن لا يخل منها بشيء؛ ويأتي بعد الفريضة بالأذكار المشروعة من التسبيح والتحميد والتهليل ثلاثًا

وثلاثين، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله

الحمد وهو على كل شيء قدير. ومن أراد المزيد قرأ آية الكرسي والمعوذتين. فإذا كان قبل غروب الشمس توفر على أذكار المساء الواردة في السنة نظير أذكار الصباح الواردة في أول النهار، لا يخل بذلك أبدًا. فإذا أخذوا مضاجعهم أخذوا بأذكار النوم الواردة في السنة من قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاثًا ثم يمسحون بها رءوسهم ووجوههم وأجسادهم ثلاثًا، ويقرءون آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، ويسبحون ويحمدون ثلاثًا وثلاثين، ويكبرون أربعًا وثلاثين، ثم يقول أحدهم: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فلا يزالون يذكرون الله على فراشهم حتى يأخذهم النوم. وهم مع هذا قائمون بحقوق العباد: من عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وإجابة الدعوة، والمعاونة لهم بالجاه والبدن والنفس والمال، وزيارتهم، وتفقدهم، وقائمون بحقوق أهلهم وعيالهم. فإذا وقع من أحدهم تفريط في حق من حقوق الله بادر إلى الاعتذار والتوبة والاستغفار ومحوه ومداواته بعمل صالح يزيل أثره. هؤلاء هم الأبرار.

وأما «السابقون المقربون» فهم قوم امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغُمرَت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته ... فإذا استيقظ أحدكم فأول ما يبدأ به: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، ثم يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم يدعو ويتضرع. ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه.

ثم يصلي ما كتب الله له صلاة محب ناصح لربه، متذلل منكسر بين يديه، لا صلاة مدل بها عليه، يرى من أعظم نعم الله عليه أن أقامه وأنام غيره، واستزاره وطرد غيره، وأهلَّه وحرم غيره، يرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعمته ولذته وسروره في تلك الصلاة، فهو يتمنى طول ليله، ويناجيه بكلامه معطيًا لكل آية حظها من العبودية؛ فتجذب قَلْبَه وروحه إليه آياتُ المحبة والوداد، والآيات التي فيها الأسماء والصفات، والآيات التي تعرف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم. وتُطَيِّبُ له السِّير آيات الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة. وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام، وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره المائلين إلى سواه. فإذا صلى ما كتب له جلس مطرقًا بين يدي ربه هيبة له وإجلالاً، واستغفره استغفار من يتيقن أنه هالك إن لم يغفر له ويرحمه. فإذا قضى من الاستغفار وطرًا وكان عليه بعد ليل اضطجع على شقه الأيمن مجمًا نفسه، مريحًا لها، مقويًا لها على أداء وظيفة الفرض، فإذا طلع الفجر صلى السنة وابتهل إلى الله بينها وبين الفريضة، ويكثر من قول: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت. ثم ينهض إلى صلاة الصبح قاصدًا الصف الأول عن يمين الإمام أو خلف قفاه، فإن فاته ذلك قصد القرب منه مهما أمكن؛ فإن صلاة الفجر يشهدها الله وملائكته شهادة خاصة، وهي شهادة حضور ودنو متصل بدنو الرب ونزوله إلى سماء الدنيا في الشطر الأخير من الليل. فإذا فرغ من صلاة الصبح أقبل بكليته على ذكر الله والتوجه إليه بالأذكار التي شرعت أول النهار فيجعلها وردًا له لا يخل بها أبدًا، ثم يزيد عليها ما شاء الله من الأذكار الفاضلة وتلاوة القرآن حتى تطلع الشمس.

فإذا طلعت فإن شاء ركع ركعتي الضحى وزاد ما شاء الله وإن شاء قام من غير ركوع. ثم يذهب متضرًا إلى ربه سائلاً له أن يكون ضامنًا عليه متصرفًا في مرضاته بقية يومه، فلا ينقلب إلا في شيء يظهر له فيه مرضاة ربه، وإن كان من الأفعال العادية الطبيعية قلبه عبادة بالنية وقصد الاستعانة به على مرضاة الرب. فإذا جاء فرض الظهر بادر إليه مكملاً له ناصحًا فيه لمعبوده، باذلاً مقدروه كله في تحسينه وتزيينه وإصلاحه وإكماله ليقع موقعًا حسنًا من محبوبه، فينال به رضاه وقربه منه. وهكذا صلاة العصر والمغرب، والعشاء. فهذا سلوك أهل النباهة والحزم، وهم أفراد من العالم، وهو طريق سهل قريب موصل طريق آمن، أكثر السالكين في غفلة عنه.

أما «الأشقياء» فقطعوا تلك المراحل سائرين إلى دار الشقاء، متزودين غضب الرب مصحوبون بالشياطين تسوقهم إلى منازلهم سوقًا حثيثًا، وتزعجهم إلى المعاصي والكفر إزعاجًا. نعوذ بالله من حالهم ومصيرهم.

فاتقوا الله عباد الله فتقواه هي النجاة، وأهل التقوى هم أهل لا إله إلا الله، روى الطبراني بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت، ولا في القبور، ولا في النشور، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رءوسهم من التراب يقولون الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: 34]». بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من يرد هدايته يشرح صدره للإسلام. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله كما أرسل الرسل من قبله يدعون إلى دار السلام، ويحذرون من المعاصي والآثام. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فيا عباد الله: السائر إلى الله والدار الآخرة لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بعلم وعمل فبالعلم يبصر منازل الطريق، وبالعمل يسير حقيقة، فكلما قطع منزلة استعد لقطع الأخرى واستشعر القرب من المنزل فهان عليه مشقة السفر. وكلما كلت نفسه من السير وعدها قرب التلاقي وبرد العيش. والدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة، وعمر الإنسان دقائق من دقائق تلك الساعة أو أقل، قال النبي : «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم (يعني في البحر) فينظر بم يخرج».

فالله الله عباد الله لا ننقطع في المفازة، ولنذكِّر أنفسنا ما أمامها من الأحباب، وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفنا من الأعداء، وما لديهم من الإهانة والعذاب.

فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [الروم: 11] إن أحسن الحديث كتاب

الله ... ( ).

اختلاف فصول السنة تذكر بالله والدار الآخرة

الحمد لله الذي جعل في اختلاف فصول السنة دليلاً على عظمته الباهرة، ومذكرًا بالدار الآخرة.

أحمده سبحانه على رحمته الواسعة، وأسأله الإعانة على حسن طاعته والاستقامة على أمره والتزود من الأعمال الصالحة. ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، فهو المعاذ والملاذ وحده، لا ملجأ منه إلا إليه في الملمات والعظائم القاهرة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كل ما في الكون يذكر بعظمته، ويشوق إلى دار كرامته. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضًا. فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير».

أخرجه البخاري ومسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين روضوا أنفسهم وطوعوها حتى استقامت على الأمر.

أما بعد: فيا عباد الله ما رأى العارفون بالله شيئًا من الدنيا إلا تذكروا به ما وعد الله بجنسه في الآخرة، وعلموا أن ذلك دليلاً يعرفهم بخالقهم جل جلاله وتقدست أسماؤه قال الحسن البصري

رحمه الله: كان الصحابة يقولون: الحمد لله الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقًا دائمًا لا ينصرف لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه، وإن الله قد حادث بما ترون من الآيات: إنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين، وجعل فيها (معاشًا وسراجًا وهاجًا). ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين، وجعل فيها سكنًا ونجومًا وقمرًا منيرًا، وإذا شاء بنى بناء جعل فيه المطر والرعد والبرق والصواعق ما شاء، وإن شاء صرف ذلك الخلق.

وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس، وإذا شاء ذهب بذلك وجاء بحر يأخذ بالأنفاس، ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربًا يحادثه بما ترون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة.

وقال خليفة العبدي: ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق لهم ربهم حتى أيقنت قلوبهم، وحتى كأنما عبدوا الله عن رؤيته، ما رأى العرافون شيئًا من الدنيا إلا تذكروا به ما وعد الله به من جنسه في الآخرة من كل خير وعافية أو خلاف ذلك.

فكل ما في الدنيا يدل على خالقه ويذكر به، ويدل على صفاته فما فيها من نعيم وراحة يدل على كرم خالقه وفضله وإحسانه وجوده ولطفه بأهل طاعته. وما فيها من نقمة وشدة وعذاب يدل على شدة بأسه وبطشه وقهره وانتقامه ممن عصاه فنبات الأرض واخضرارها في الربيع بعد محولها ويبسها في الشتاء وإيناع الأشجار واخضرارها بعد كونها خشبًا يابسًا يدل على بعث الموتى

من الأرض. قال أبو رزين العقيلي للنبي : كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «هل مررت بواد أُهلك محلاً،

ثم مررت به يهتز خضرًا؟» قال نعم. قال: «كذلك يخرج الله الموتى، وذلك آيته في خلقه» أخرجه الإمام أحمد. وقِصَرُ مدة الزرع والثمار وعود الأرض بعد ذلك إلى يبسها والشجر إلى حالها الأول كعود ابن آدم بعد كونه حيًا إلى التراب الذي خلق منه.

و«فصول السنة» تذكر بالآخرة فشدة حر الصيف يذكر بحر جهنم وهو من سمومها، وشدة برد الشتاء يذكر بزمهرير جهنم وهو من زمهريرها. و«الخريف» يكمل فيه اجتناء الثمرات. وكذلك اجتناء ثمرات الأعمال في الآخرة. وأما «الربيع» فهو أطيب فصول السنة، وهو يذكر بنعيم الجنة وطيب عيشها. وينبغي أن يحث المؤمن على مواصلة الاجتهاد يطلب الجنة بالأعمال الصالحة. وكذلك خلق بعض البلدان الباردة والمطاعم والمشارب اللذيذة والملابس الفاخرة وغير ذلك من نعيم الدنيا يذكر بنعيم الجنة.

كان بعض السلف يخرج في أيام الرياحين والفواكه إلى السوق فيقف وينظر ويعتبر ويسأل الله الجنة. ومر سعيد بن جبير بشباب من أبناء الملوك جلوس في مجالسهم في زينتهم فسلموا عليه، فلما بعد عنهم بكى واشتد بكاؤه، وقال: ذكرني هؤلاء شباب أهل الجنة. تزوج صلة بن أشيم بمعاذة العدوية وكان من كبار الصالحين، فأدخله ابن أخيه الحمام المسخن بالنار، ثم أدخله على زوجته في بيت مطيب منجد، فقاما يصليان إلى الصباح. فسأله ابن أخيه عن حاله؟ فقال: أدخلتني بالأمس بيتًا أذكرتني به النار- يعني الحمام- وأدخلتني الليلة بيتًا أذكرتني به الجنة، فلم يزل فكري في الجنة والنار إلى الصباح.

خرج الطبراني بإسناده أن رجلاً في عهد النبي نزع ثيابه ثم تمرغ في الرمضاء وهو يقول لنفسه: ذوقي نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا [التّوبَة: 81] جيفة بالليل، بطال بالنهار( )، فرآه النبي ، فقال: يا رسول الله غلبتني نفسي. فقال النبي : «لقد فتحت لك أبواب السماء وباهى الله بك الملائكة». وكان كثير من السلف يخرجون إلى الحدادين ينظرون إلى ما يصنعون بالحديد فيبكون، ويتعوذون بالله من النار. وكان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار؛ فإن الساعة تقوم في يوم الجمعة، ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. قاله ابن مسعود وتلا قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفُرقان: 24] فينبغي لمن كان في حر الشمس أن يتذكر حرها في الموقف؛ فإن الشمس تدنو من رءوس الناس يوم القيامة ويزاد في حرها، وليس هناك ظل إلا بالأعمال الصالحة.

ومما يدل على الجنة والنار أيضًا ما يعجل الله في الدنيا لأهل طاعته وأهل معصيته.

فإن الله تعالى يعجل لأوليائه وأهل طاعته من نفحات نعيم الجنة وروحها ما يجدونه ويشهدونه بقلوبهم مما لا تحيط به عبارة، ولا تحصره إشارة، حتى قال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه فإنهم في عيش طيب. قال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم.

وقال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النّحل: 97]. قال الحسن: نرزقه طاعة يجد لذته في قلبه. أهل التقوى في نعيم حيث كانوا: في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة.

وأما أهل المعاصي والإعراض عن الله فإن الله يعجل لهم في الدنيا من انموذج عقوبات جهنم ما يعرف أيضًا بالتجربة والذوق، فلا تسأل عما هم فيه من ضيق الصدر وحرجه ونكده، ثم ينتقلون بعد هذه الدار إلى أشد من ذلك وأضيق، ولذلك يضيق على أحدهم قبره حتى تختلف أضلاعه، ويفتح له باب إلى النار فيأتيه سمومها قال الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه: 124] ثم بعد ذلك إلى جهنم وضيقها، قال تعالى: وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفُرقان: 13].

افتقوا الله عباد الله، واعتبروا بما تشاهدونه على ما غاب عنكم من نعيم أو عذاب، وفي ذلك آية على وجود الخالق وعظمته، وباعث على الاستمرار على القيام بحقه من مفروض ومندوب. واعلموا أن النفس في كثير من الأحيان تحتاج إلى تربية. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسرَاء: 12] بارك الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي يرجى من كرمه أن يحيي القلوب الميتة بالذنوب وطول الغفلة بسماع الذكر النازل من السماء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في عبادته لا من الأنبياء ولا من الصلحاء ولا من يسمونهم بالأولياء. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير خلق الله من الأولين والآخرين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله: لا شك أن الله سبحانه خلق لعباده دارين يجزيهم فيها بأعمالهم مع البقاء في الدارين من غير موت، وخلق دارًا معجلة للأعمال، وجعل فيها موتًا وحياة، وابتلى عباده فيها بما أمرهم به ونهاهم عنه، وجعل إحدى الدارين المخلوقتين للجزاء دار نعيم محض لا يشوبه ألم، والأخرى دار عذاب محض لا يشوبه راحة، وهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم؛ فما فيها من نعيم يذكر بنعيم الجنة، وما فيها من ألم يذكر بألم النار فاسألوه- يا عباد الله- الجنة واستعيذوا به من النار. قال النبي : «إذا كان يوم شديد الحر فقال العبد: لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حر جهنم. قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي قد استجار بي منك وقد أجرته. وإذا كان يوم شديد البرد فقال العبد: لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم. اللهم أجرني من زمهرير جهنم. قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي قد استجار بي منك فأجرته».

روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، فمن كسا لله كساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن عفا لله أعفاه الله». وقيل لأبي حازم الزاهد: إنك لتَشَدَّوُ -يعني: في العبادة- فقال: وكيف لا أتشدد وقد ترصد لي أربعة عشر عدوًا. قيل له: لك خاصة؟ قال: بل لجميع من يعقل. قيل له: وما هذه الأعداء؟ قال: أما أربعة فمؤمن يحسدوني، ومنافق يبغضني، وكافر يقاتلني، وشيطان يغويني ويضلني. وأما العشرة: فالجوع، والعطش، والحر، والبرد، والعري، والمرض، والفاقة، والهرم، والموت، والنار. ولا أطبقهن إلا بسلاح تام، ولا أجد لهن سلاحًا أفضل من التقوى.

فاتقوا الله عباد الله وحافظوا على أنفسكم من أعدائكم، وجودوا على فقراء المؤمنين., وعليكم بالقدوة الحسنة الصحابة والتابعين لهم بإحسان خير خلق الله بعد النبيين والمرسلين. إن أحسن الحديث ...

حال الناس في موقف القيامة

الحمد لله الذي خلق السموات والأرض بالحق، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الثقلين الجن والإنس «لغاية تراد منهم» وهي أن يعرفوه ويعبدوه وحده: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذّاريَات: 56] و«غاية تراد بهم» وهي الجزاء بالعدل والفضل لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النّجْم: 31].

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها عنه. فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فيا عباد الله: روى النسائي، عن عوف بن مالك رضي الله عنه ، قال: خرج رسول الله وبيده عصى، وقد علق رجل قنوًا من حشف، فجعل يطعن في ذلك القنو، فقال: «لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا، إن رب هذه الصدقة يأكل حشفًا يوم القيامة» أخبر أن جزاءه يكون من جنس عمله،

فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها؛ ولهذا سمي يومُ القيامة يومَ الجزاء ويوم المعاد؛ فإن العبد يموت على ما عاش

عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويعود عليه عمله بعينه فينعم به ظاهرًا وباطنًا، أو يعذب به ظاهرًا وباطنًا: فيورثه علمه الصالح من الفرح والسرور واللذة والبهجة وقرة العين والنعيم في قلبه، وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه وتلذه عينه من سائر المشتهيات، ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه وبلوغه مرتبة الإحسان فيه؛ فمن تنوعت أعماله المرضية لله المحبوبة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار، وتكثرت له بحسب تكثر أعماله هنا، وكان مزيده من تنوعها والابتهاج بها والالتزاز نبيلها هناك على حسب مزيده من الأعمال وتنوعه فيها في هذه الدار فليست لذة من ضرب في كل مرضاة لله بسهم وأخذ منها بنصيب كلذة من أنهى سهمه ونصيبه في نوع واحد منها؛ فلذات أهل الجنة وما فيها من الطيبات أنواع. وكذلك تنوعت آلام أهل النار- فليس ألم من ضرب في كل مسخوط لله بنصيب وعقوبته كألم من ضرب بسهم في مساخطه.

فالناس يتفاوتون في أحوال المعاد وما يجري فيه من الأمور المتنوعة- فمنها خفة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره؛ فإنه بحسب خفة وزره وثقله إن خف خف، وإن ثقل ثقل. ومنها استظلاله بظل العرش أو ضحاؤه للشمس والحر إن كان له من الأعمال الصالحة والخالصة والإيمان ما يظله في هذه الدار من حر الشرك والمعاصي والظلم استظل هناك في ظل أعماله تحت عرش الرحمن. وإن كان ضاحيًا هنا للمناهي والمخالفات والبدع والفجور ضحى هناك للحر الشديد.

ومنها طول وقوفه في الموقف، ومشقَّته عليه، وتهوينه عليه. إن طال وقوفه في الصلاة ليلاً ونهارًا لله وتحمل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته خف عليه الوقوف في ذلك اليوم وسهل عليه. وإن آثر الراحة هنا والدعة والبطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك واشتدت مشقته عليه، وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا [الإنسان: 23- 27]. فمن سبح الله ليلاً طويلاً لم يكن ذلك اليوم ثقيلاً عليه؛ بل كان أخف شيء عليه.

ومنها ثقل ميزانه هناك بحسب تحمله ثقل الحق في هذه الدار، لا بحسب مجرد كثرة الأعمال؛ وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه وبذله إذا سئل وأخذه إذا بذل، كما قال الصديق لعمر رضي الله عنهما: واعلم أن لله حقًا بالليل لا يقبله بالنهار، وله حق بالنهار لا يقبله بالليل، واعلم أنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقل ذلك عليهم في دار الدنيا، وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلاً. وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا باطل أن يكون خفيفًا.

ومنها أن ورود الناس الحوض وشربهم منه يوم العطش الأكبر بحسب ورودهم سنة رسول الله وشربهم منها- فمن وردها في هذه الدار وشرب منها وتضلع ورَدَ هناك حوضه وشرب منه وتضلع؛

فله حوضان عظيمان: حوض في الدنيا، وهو سنته وما جاء به. وحوض في الآخرة فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة، فشارب ومحروم، ومستقل ومستكثر.

والذين يذودهم هو والملائكة عن حوضه يوم القيامة هم الذين كانوا يذودون أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيرها فمن ظمأ من سنته في هذه الدنيا ولم يكن له منها شرب فهو في الآخرة أشد ظمأ وأحر كبدًا، وإن الرجل ليلقى الرجل فيقول:

يا فلان أشربت؟ فيقول: نعم والله. فيقول: لكني والله ما شربت، وا عطشاه.

ومنها قسمة الأنوار في الظلمة دون الجسر فإن العبد يعطى من النور هناك بحسب قوة نور إيمانه ويقينه وإخلاصه ومتابعته للرسول في دار الدنيا فمنهم من يكون نوره كالشمس، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشد كوكب في السماء إضاءةً، ومنهم من يكون نوره كالسراج في قوته وضعفه، وما بين ذلك.

ومنهم من يعطى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا( ) ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه ولا له مادة من الإيمان أعطى في الآخرة نورًا ظاهرًا لا مادة له ثم يطفئ عنه أحوج ما كان إليه.

ومنها أن مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك، وأبطأُهم هنا أبطأهم هناك، وأشهدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك.؟ ومن خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هنا فناج مسلم، ومخزول أي مقطع بالكلاليب مكردس في النار، كما أثرت فيهم تلك الكلاليب في الدنيا جَزَاءً وِفَاقًا، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فُصّلَت: 146].

ومن كان مستوحشًا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ ويوم المعاد أعظم وأشد وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الإسرَاء: 72] وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريَم: 76].

فأوصيكم وإياي عباد الله بالتقوى، وأن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، ونزنها قبل أن نوزن، وأن نتأهب للعرض الأكبر على الله الذي لا تخفى عليه خافية. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 71، 72]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الشافع المشفع في يوم المحشر. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على الأثر.

أما بعد: فيا عباد الله: روى مسلم ففي صحيحه، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبدالله رضي الله عنه يسأل عن الورود في قوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريَم: 71] فقال: «نجيء نحن يوم القيامة على كُوْم فوق الناس، قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد: الأول، فالأول؛ ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنتظرون؟ فيقولن: ننتظر ربنا. فيقول: أنا ربكم، فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم فيتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورًا ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألف لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوء نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويَجْعَلُ أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل ويذهب حُرَاقُهُ، ثم يَسْأَل حتى يَجْعَل لَه الدنيا وعشرة أمثالها معها».

فتنبهوا عباد الله لما أمامنا: في البرزخ، وفي القيامة، وفي داري الجزاء، وتفكروا في معاني هذا الحديث، وانظروا معاملة الله سبحانه وتعالى لأهل توحيده الذين عبدوه وحده ولم يشركوا به شيئًا هذه المعاملة، ومعاملته أهل الشرك به حيث ذهبت كل أمة مع معبودها فانطلق بها واتبعته إلى النار، وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه فسبحان الله رب العالمين الذي قرت عيون أهل التوحيد به في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم( ). إن أحسن الحديث ...

أحوال الإنسان من حين يأتيه الأجل المحتوم إلى أن يستقر في إحدى الدارين( )

الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وخلق الإنسان في أحسن تقويم. أوجده ورباه بنعمه،وهداه إلى الطريق القويم. وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا تحول من حال إلى حال ولا قوة على ذلك إلا بالله وهو حسبي ونعم الوكيل. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نقله ربه درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، حتى انتهى إلى محل القرب والزلفى من ربه الكريم. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أهل العلم والعبادة والهجرة والجهاد، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المعاد.

أما بعد: فقد قال الله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: 16- 19] أقسم سبحانه بالشفق الذي يتضمن إدبار النهار وإقبال الليل، وهما آيتان من آيات الله. وأقسم بالقمر واتساقه؛ فالهلال آية، واتساقه- وهو امتلاؤه نورًا- آية، ثم أخذه في النقص آية لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: 19] يعني تنقل الإنسان حالاً بعد حال، ومنزلاً بعد منزل، وأمرًا بعد أمر.

عباد الله هذه الآيات التي حلف الله بها والمحلوف عليه وهو الإنسان أدلة على عظمة ربنا، وتغييره للعالم وتصريفه إياه كيف أراد، ونقله من حال إلى حال، وهي من أعظم الأدلة على توحيده وصفات كماله، وصدقه، وصدق رسله، وعلى المعاد ولذلك قال عقبه بقوله: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الانشقاق: 20].

فأول أطباق الإنسان «نطفة». ثم «علقة». ثم «مضغة». ثم «جنينًا». ثم «مولودًا». ثم «رضيعًا». ثم «فطيمًا». ثم «مميزًا». ثم يأخذ في بلوغ الأِشد والشباب إلى الأربعين. ثم بعد الأربعين يأخذ في الكهولة إلى الستين. ثم يأخذ في الشيخوخة. فإذا انحطمت قواه فهو هرم. فإذا تغيرت أحواله وظهر نقصه فقد رد إلى أرذل العمر. وهي في جميع أطواره: إما صحيح أو مريض، غني أو فقير، معافى أو مبتلى إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه.

فإذا بلغ الأجل الذي قدر له واستوفاه جاءته رسل ربه - ينقلونه من دار الفناء إلى دار البقاء، فجلسوا منه مد البصر، ثم دنا منه الملك الموكل بقبض الأرواح فاستدعى بالروح، فإن كانت روحًا طيبة قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج من بدنه كما تخرج القطرة من في السقاء، فإذا أخذها لم يدعوها في يديه طرفة عين، فيحنطونها ويكفنونها بحنوط وكفن من الجنة،

ثم يصلون عليها، ويوجد لها كأطيب نفحة مسك وجدت على الأرض، ثم يصعد بها للعرض الأول على أسرع الحاسبين فينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستأذن لها، فتفتح لها أبواب السماء، ويصلي عليها ملائكتها، ويشيعها مقربوها إلى السماء الثانية، فيفعل

بها كذلك، ثم الثالثة، ثم الرابعة إلى أن ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ؛ فتحيي ربها تبارك وتعالى بتحية الربوبية: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تبارك يا ذا الجلال والإكرام. فإن شاء أذن لها بالسجود، ثم يخرج لها التوقيع بالجنة، فيقول الرب جل جلاله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، ثم أعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى.

ثم ترجع روحه إلى الأرض، فتشهد غسله وتكفينه وحمله وتجهيزه وتقول: قدموني قدموني.

فإذا وضع في لحده وتولى عنه أصحابه دخلت الروح معه، حتى إنه يسمع قرع نعالهم على الأرض، فأتاه حينئذ فتانا القبر، فيجلسانه ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. فيصدقانه، ويبشرانه بأن هذا الذي عاش عليه، ومات عليه، وعليه يبعث. ثم يفسح له في قبره مدَّ بصره، ويفرش له خَضِرًا، ويقيض له شاب حسن الوجه والرائحة، فيقول: أبشر بالذي يسرك. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. ثم يَفْتَحُ له طاقةً إلى النار، ويقول: انظر ما صرف الله عنك. ثم يَفْتَح له طاقة إلى الجنة، ويقول: انظر ما وعد الله لك، فيراهما جميعًا.

وأما النفس الفاجرة فبالضد من ذلك كله: إذا أذنت بالرحيل نزل عليها ملائكة سود الوجوه، معهم حنوط من نار وكفن من

نار، فجلسوا منها مدَّ البصر، ثم دنا الملك الموكل بقبض النفوس فاستدعى بها وقال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد

الخبيث أبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فتطاير في بدنه، فيجتذبها من أعماق البدن فتنقع معها العروق والعصب كما ينتزع الشوك من الصوف؛ فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، ويوجد لها كأنتن رائحة جيفة على وجه الأرض، فتحنط بذلك الحنوط، وتلف في ذلك الكفن، ويلعنها كل ملك بين السماء والأرض، ثم يصعد بها إلى السماء فستفتح لها فلا تفتح لها أبواب السماء، ثم يجيء النداء من رب العالمين: اكتبوا كتابه في سجين، وأعيدوه إلى الأرض. فتطرح روحه طرحًا، فتشهد تجهيزه وتكفينه وحمله، وتقول وهي على السرير: يا ويلها إلى أين يذهبوا بها؟ فإذا وضع في اللحد أعيدت عليه، وجاء الملكان فسألاه عن ربه ودينه ونبيه، فيتلجلج ويقول: لا أدري. فيقولان له: لا دريت، ولا تليت، ثم يضربانه ضربة يصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين. ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ثم يفرش له نار، ويفتح له طاقة إلى الجنة فيقال: انظر إلى ما صرف الله عنك. ثم يفتح له طاقة إلى النار، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، فيراهما جميعًا؛ ثم يقيض له أعمى أصم أبكم فيقول: من أنت فوجهك الذي يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك السيئ.

ثم ينعم المؤمن في البرزخ على حسب أعماله، ويعذب الفاجر فيه على حسب أعماله، ويختص كل عضو بعذاب يليق بجناية ذلك العضو فتقرض شفاه المغتابين الذين يمزقون لحوم الناس

ويقعون في أعراضهم بمقاريض من نار، وتسجر بطون أكلة أموال اليتامى بالنار، وتلقم أكلة الربا بالحجارة، ويسبحون في أنهار الدم كما يسبحون في الكسب الخبث. وترضح رءوس النائمين عن

الصلاة المكتوبة بالحجر العظيم، ويشق شدق الكذاب الكذبة العظيمة بكلاليب الحديد إلى قفاه، ومِنْخُرُه إلى قفاه، وعينيه إلى قفاه، كما شقت كلمته النواحي. ويعلق النساء الزواني بثديهن، وتحبس الزناة والزواني في التنور المحمى عليه، فيعذب محل المعصية منهم ومن هو إلا سافل. وتسلط الهموم والأحزان والآلام النفسانية على النفوس البطالة التي كانت مشغولة باللهو واللعب والبطالة، فتصنع الآلام في نفوسهم كما تصنع الهوام والديدان في جسومهم، حتى يأذن الله تعالى بانقضاء أجل العالم وطي الدنيا.

فتمطر الأرض مطرًا غليظًا أبيض كمني الرجال أربعين صباحًا، فينبتون من قبورهم كما تنبت الشجرة والعشب، فإذا تكاملت الأجنة واقربت الأم وكان وقت الولادة أمر الله سبحانه إسرافيل فنفخ في الصور نفخة البعث وهي الثالثة وقبلها نفخة الموت، وقبلها نفخة البعث وهي الثالثة وقبلها وقبلها نفخة الموت، وقبلها نفخة الفزع فتشققت الأرض عنهم، فإذا هم قيام ينظرون، يقول المؤمن: الحمد لله الذي أحيانًا بعد ما أماتنا وإليه النشور. ويقول الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. فيساقون إلى المحشر حفاة، عراة، غرلاً، بهما، مع كل نفس سائق يسوقها، وشهيد عليها. وهم بين مسرور ومثبور، وضاحك وباكٍ، حتى إذا تكاملت عدتهم وصاروا جميعًا على وجه الأرض تشققت السماء، وانتثرت الكواكب، ونزلت ملائكة السماء الثانية فأحاطت بملائكة السماء الدنيا، ثم كل سماء كذلك؛ فبينما هم كذلك إذ جاء الله رب العالمين لفصل القضاء، فأشرقت الأرض بنوره، وتميز المجرمون من المؤمنين، ونصب الميزان، وأحضر الديوان، واستدعي بالشهود، وشهدت يومئذ الأيدي والألسن والأرجل والجلود، ولا تزال الخصومة بين يدي الله سبحانه حتى

يختصم الروح والجسد، فيقول الجسد: إنما كنت ميتًا لا أعقل ولا أسمع ولا أبصر، وأنتِ كنت السميعة المبصرة العاقلة، وكنتِ تصرفينني حيث أردت. فتقول الروح: وأنت الذي فعلت، وباشرت المعصية، وبطشت. فيرسل الله إليهما ملكًا يحكم بينهما فيقول: مثلكما مثل بصير مقعد، وأعمى صحيح دخلا بستانًا، فقال المقعد: أنا أرى الثمار ولا أستطيع أن أقوم إليها، وقال الأعمى: أنا أستطيع القيام، ولكن لا أرى شيئًا، فقال المقعد: احملني حتى أتناول لي ولك ففعلا، فعلى من تكون العقوبة؟ فيقولان: عليهما. فيقول: فذلك أنتما. فيحكم الله سبحانه بين عباده بحكمه الذي يحمده عليه جميع أهل السموات والأرض وكل بر وفاجر ومؤمن وكافر. ثم ينادي مناد: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد. فيذهب أهل الأوثان مع أوثانهم، وأهل الصليب من صليبهم، وكل مشرك مع إلهه الذي كان يعبد لا يستطيع التخلف عنه فيتساقطون في النار. ويبقى الموحدون، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم،

وإن لنا ربًا ننتظره، فيقال: وهل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها؟ فيقولون نعم: إنه لا مثل له، فيتجلى لهم سبحانه في غير الصورة التي يعرفونه، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا

مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه، فيتجلى لهم سبحانه في صورته التي رويء فيها أول مرة ضاحكًا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعم أنت ربنا، ويخرون لله سجدًا ألا من كان لا يصلي في الدنيا أو يصلي رياء فإنه يحال بينه وبين السجود. ثم ينطلق سبحانه

ويتبعونه، ويضرب الجسر على وسط جهنم، ويساق الخلق عليه، وهو دحض مزلة، مظلم لا يمكن عبوره إلا بنور. فإذا انتهوا

إليه قسمت بينهم الأنوار على حسب نور إيمانهم وإخلاصهم وأعمالهم في الدنيا؛ فنور كالشمس، ونور كالنجم، ونور كالسراج في قوته وضعفه. وترسل الأمانة والرحم على جنبي الصراط فلا يجوزه خائن ولا قاطع. ويختلف مرورهم عليه بحسب اختلاف استقامتهم على الصراط المستقيم في الدنيا فمارٌّ كالبرق، وكالريح، وكالطير وكأجاويد الخيل، وساع، وماش، وزاحف، وحاب حبوًا. وينصب على جنبه كلاليب لا يعلم قد عظمها إلا الله تعوق من علقت به عن العبور على حسب ما كانت تعوقه الدنيا عن طاعة الله ومرضاته وعبوديته، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومقطع بتلك الكلاليب ومكردس في النار. وقد طفأ نور المنافقين على الجسر أحوج ما كانوا إليه.

فإذ جاوز المؤمنون الصراط -ولا يجوزه إلا مؤمن- أمنوا من دخول النار، فيحبسون هناك على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في دار الدنيا، حتى إذا هذبوا إذن لهم في دخول الجنة. فإذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار أتي بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون وجلين. ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، وكلهم قد عرفه. فيقال: هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.

فاتقوا الله عباد الله، واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [البَقَرَة: 281] بارك

الله ...

الخطبة الثانية

الحمد لله نحمده ...

أما بعد: فيا عباد الله: هذه أحوال النطفة التي هي مبدأ الإنسان، وما بين هذا المبدأ وهذه الغاية أحوال وأطباق قدر العزيز العليم تنقل الإنسان فيها وركوبه لها طبقًا بعد طبق حتى يصل إلى غايته من السعادة والشقاوة، وهي نتيجة الابتلاء والاختبار في هذه الدار. هذا الاختبار العظيم، والنتيجة الأعظم إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 1-3]. فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة: 6- 11].

فنسأل الله العظيم الجليل الرحيم أن يجعلنا من الذين سبقت لهم منه الحسنى، ولا يجعلنا من الذين غلبت عليهم الشقاوة فخسروا الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل. إن أحسن الحديث ...

التحذير من النار

الحمد لله ذي العز المجيد، المبدئ المعيد، المكرم لمن خافه واتقاه بدار لا يفنى نعيمها ولا يبيد، المنتقم ممن عصاه بالنار بعد الإنذار بها والوعيد مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فُصّلَت: 46].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا كفو، ولا ضد، ولا نديد.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الساعي بالنصح للقريب والبعيد، المحذر للعصاة من نار تلظى بدوام الوقيد. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة لا تزال على كر الجديدين في تجديد، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فإن الله سبحانه خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، ويحبوه، ويخافوه خوف إجلال، ونصب لهم الأدلة على عظمته وكبريائه ليهابوه، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال؛ ولهذا كرر سبحانه وتعالى في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال، إلى غير ذلك مما فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه.

عباد الله: من تأمل القرآن الكريم وأدار فكره فيه، وكذلك الأحاديث الصحيحة التي هي مفسرة للكتاب وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك سير السلف الصالح من أهل العلم والإيمان، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان- من تأملهم علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخشية والخوف والإخبات، وأن ذلك هو الذي رقَّاهم المقامات السنيات، من شدة الاجتهاد في الطاعات، والانكفاف عن دقائق الأعمال المكروهات، فضلاً عن المحرمات. ولهذا قال بعض السلف: خوف الله حجب قلوب الخائفين عن زهرة الدنيا وعوارض الشهوات.

عباد الله ذكر العلماء أن النفوس ولا سيما في هذه الأزمان وقبلها بأزمان قد غلب على كثير منها الكسل والتواني، واسترسلت في شهواتها وأهوائها وتمنت على الله الأماني. والشهوات المحرمة لا يذهبها من القلوب إلا أحد أمرين: إما خوف مزعج محرق، أو شوق مبهج مقلق، فذلك بمشيئة الله هو القامع للنفوس عن غيها وفسادها، والباعث لها على المسارعة إلى فلاحها ورشادها. والخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحًا، فإذا نزل الموت فالرجاء أفضل. والقَدْرُ الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإذا زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات والتبسط في فضول المباحات: كان ذلك فضلاً محمودًا.

وقد ضمن الله سبحانه الجنة لمن خافه من أهل الإيمان، قال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرَّحمن: 46] قال

مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيتركها. وعن الحسن البصري قال: قالت الجنة: يا رب لمن خلقتني؟ قال: لمن يعبدني وهو يخافني. وقال أبو سليمان الداراني: أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله، وكل قلب ليس فيه خوف الله فهو قلب خرب.

عباد الله: وقد دل القرآن الكريم والأحاديث والإجماع على وجود النار وأنها مخلوقة الآن، قال الله تعالى عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غَافر: 46].

وقال: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطفّفِين: 7] وسجين أسفل الأرض.

وجاءت أحاديث مبينة شدة حرها، وبعد قعرها، وسعتها، وتعظيم الكافر فيها، وأهونهم عذابًا- أجارنا الله وإياكم منها برحمته وكرمه.

منها ما رواه أنس رضي الله عنه، عن النبي قال: «ناركم هذه التي توقدون جزءً من سبعين جزءً من نار جهنم». قال: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءً كلها مثل حرها» متفق عليه: وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة، قال: كنا عند النبي يومًا فسمع وجبة- يعني صوتًا- فقال : «أتدرون ما هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا -يعني سنة- فالآن انتهى إلى قعرها». وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «ضرس الكافر -أو ناب الكافر- مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة

ثلاث» وروى مسلم أيضًا عنه، عن النبي أنه قال: «ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع»( ) وروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله قول: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمس قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا».

وقد حذر النبي أمته النار، وبالغ في التحذير، وأكثر التعوذ منها، وأمر به فمن ذلك ما روى عدي بن حاتم قال: قال رسول الله : «اتقوا النار، وأشاح. ثم قال: اتقوا النار، ثم أغرض وأشاح ثلاثًا حتى ظننا أنه ينظر إليها، ثم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» أخرجاه في الصحيحين. وفي سنن أبي داود وابن ماجه والبزار عن جابر: «أن النبي قال لرجل: كيف تقول في الصلاة؟» قال: أتشهد، ثم أقول: اللَّهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال النبي : «وهل أدندن أنا ومعاذ إلا أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار».

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي قال: «إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذا الدواب يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم هَلُمَّ عن النار، هَلُمَّ عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها» وأخرج البزار

وأبو يعلى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي قال: «ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار: يا رب إن عبدك فلانًا استجار مني فأجره، ولا سأل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب إن عبدك فلانًا سألني فأدخله الجنة».

والصحابة رضي الله عنهم مع فضلهم وكذا التابعون لهم بإحسان يخافون من النار، والخوف منها سبب النجاة، وكانوا يربون أنفسهم على الخوف منها؛ روى ابن المبارك بسنده قال: لما نزلت هذه الآية: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريَم: 71].

ذهب الصحابي عبدالله بن رواحة إلى بيته فبكى، وجاءت المرأة فبكت، وجاءت الخادمة فبكت، ثم جاء أهل البيت فجعلوا يبكون كلهم، فلما انقضت عبرته قال: يا أهلاه! ما يبكيكم؟ قالوا: لا ندري، ولكنا رأيناك تبكي فبكينا. قال: آية نزلت على رسول الله ينبؤني فيها ربي أني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها، وروى الإمام أحمد بسنده عن الحسن قال: قال رجل لأخيه: قد جاءك عن الله أنك وارد جهنم؟ قال: نعم. قال: فأيقنت بالورود؟ قال: نعم. قال: فأيقنت وصدقت بذلك؟ قال: نعم. وكيف لا أصدق وقد قال الله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريَم: 71] قال: فأيقنت أنك صادر عنها؟ قال: والله ما أدري أأصدر عنها، أم لا؟ قال: ففيم التثاقل، وفيم الضحك، وفيم اللعب. قال: فما رؤي ضاحكًا حتى لحق بالله.

وعوتب يزيد الرقاشي على كثرة بكائه، وقيل له: لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا فقال: وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن والإنس، أما تقرأ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ [الرَّحمن: 31] أما تقرأ: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ [الرَّحمن: 35] فقرأ إلى قوله: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ [الرَّحمن: 44]. وقال الحسن: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ربما توقد له النار ثم يدني يديه منها، ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر؟! وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح بالليل فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حِسْ، حِسْ. ثم يقول: يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا، ما حملك على ما صنعت يوم كذا. وخرج ابن أبي الدنيا من رواية سعد بن الأخرم، قال: كنت أمشي مع ابن مسعود فمر بالحدادين وقد أخرجوا حديدًا من النار فقام ينظر إليه ويبكي.

هذا تفكير أولئك القوم، ومدى خوفهم من النار التي تقدم وصفها، وإنذار النبي عنها، وتأثرهم الشديد عند ذكرها.

اللهم أجرنا من النار، واغفر لنا ذنوبنا يا غفار، وأدخلنا برحمتك دار النعيم، يا بر، يا رءوف، يا رحيم. واتقوا الله عباد الله واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله. أعوذ بالله من الشطيان الرجيم فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: 9] ... إلى آخر السورة.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أعد الجنة لعباده المؤمنين نزلا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نهى عن طاعة من أغفل قلبه عن ذكر ربه واتبع هواه وكان أمره فرطا.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «عجبت من الجنة كيف نام طالبها؟، وعجبت من النار كيف نام هاربها؟» اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحاب الذين عرفوا الله حق معرفته، وقدروه حق قدره، وجعلوا الجنة والنار نصب أعينهم فاستقامت أعمالهم، فرضي الله عنهم ورضوا عنه.

أما بعد: فيا عباد الله روى البخاري ومسلم عن النبي أنه قال: «اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين في كل عام: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. فأشد ما تجدون من الحر من سَمُومها، وأشد ما تجدون من البر من زمهريرها» وفي رواية لمسلم:: «فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نَفَس جنهم، وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم» فشدة الحر وشدة البر يذكران بحر النار وزمهريرها لنتقيها عند كل عمل وقول مفروض أو محرم نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً [الواقِعَة: 73] وأكثروا عباد الله من الاستعاذة بالله من النار، قال عطاء الخراساني: من استجار بالله من جهنم سبع مرات قالت جهنم: لا حاجة لي فيك.

وقال تعالى في وصف عباد الرحمن وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: 65، 66].

وأخبر أن من دعائهم رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران: 191، 192].

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعًا: «إن المؤمن لا تسكن روعته ولا يأمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره»( ).

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن أحسن الحديث ...

وصف الجنة ومن يستحق البشرى بها

الحمد لله الذي جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نُزُلا، ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها فلم يتخذوا سواها شُغُلا، وسهل لهم طرقها فسلكوا السبل الموصلة إليها ذُلُلاَ، خلقها لهم قبل أن يخلقهم، وحفها بالمكاره وأخرجهم إلى دار الامتحان ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وجعل ميعاد دخولها يوم القدوم عليه، وضرب مدة الحياة الفانية دونه أجلا. وبشرهم بأصناف النعيم التي أعد فيها، وكمل لهم البشرى بكونهم خالدين فيها.

أحمده سبحانه بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وعمر دارين فهذه لمن أجاب الداعي، ولم يبغ سوى ربه الكريم بدلا، وتلك لمن لم يجب دعوته، ولم يرفع بها رأسًا، ولم يعلق بها أملا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من لا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى الله وإلى جنته. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه السالكين على أثره.

أما بعد: فيا عباد الله: إن الله تبارك وتعالى لم يخلق الخلق

عبثًا، ولم يتركهم سدى؛ بل خلقهم لأمر عظيم، وخطب جسيم، عرض على السموات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه، وقلن: ربنا إن أمرتنا فسمعًا وطاعة، وإن خيرتنا فعافيتك لا نبغي بها بدلا. وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله، وباء به على جهله وظلمه، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لثقله، ولشدة مؤنته عليهم؛ فصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم، ولا في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، التي هي معبر وطريق إلى دار القرار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في الدنيا الفانية، وسرعة رحيلهم إلى الدار الباقية.

أما الموفقون- يا عباد الله- فلما علموا ما خلقوا له وما أريد بإيجادهم رفعوا رءوسهم فإذا علم الجنة قد رفع لهم فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا بعين البصيرة مُلْكًا كبيرًا لا تعتريه الآفات ولا يلحقه الزوال، ونعيمًا مقيمًا في جوار الكبير المتعال، في روضات الجنات يتقلبون، وعلى أسرتها يجلسون، وعلى الفرش التي بطائنها من استبرق يتكئون، وبالحور العين يتنعمون، وبأنواع الثمار يتفكهون؛ وسمعوا الرب الكريم تبارك وتعالى يدعو إلى دار السلام التي سلمت من كل بلية ومكروه فأجابوه، والرسول يقول: «اطلبوا الجنة جَهْدَكم، واهربوا من النار جَهْدَكم؛ فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها» ويقول: «لا تنسوا العظيمتين. قلنا: وما العظيمتان يا رسول الله؟ قال: الجنة والنار».

عباد الله والجنة ذاتها تسأل الله تعالى أن يعجل إليها بسكانها، وتذكر شوقها إليهم، وتشفع فيهم إلى ربهم؛ ففي الحديث المرفوع: «ما من يوم إلا والجنة والنار يسألان، تقول الجنة: يا رب قد طاب ثمري، واطردت أنهاري، واشتقت إلى أوليائي، فعجل إلي بأهلي. وتقول النار: اشتد حري، وبعد قعري، وعظم جمري، فعجل إلي بأهلي». وروى الحسن بن سفيان بسنده، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله : «كثروا من مسألة الله الجنة، واستعيذوا به من النار، فإنهما شافعتان مشفعتان، وإن العبد إذا أكثر مسألة الله الجنة قالت الجنة: يا رب عبدك هذا سألنيك فأسكنه إياي، وتقول النار: يا رب عبدك هذا استعاذ بك مني فأعذه».

والجنة -يا عباد الله- اسم شامل لجميع ما حوته من البساتين، والمساكن، والقصور، وجميع ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، ويشنف الأسماع، ويطيب المشام، وهي جنات كثيرة؛ ففي المسند عن النبي قال: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام». وقال عفان: كما بين السماء والأرض، والفردوس، أعلاها درجة وفي لفظ «إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله»( ). وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن أم حارثة بن سراقة أتت رسول الله ، فقالت: يا نبي الله ألا تحدثْني عن حارثة- وكان قتل يوم بدر- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهد في البكاء؟ قال: «يا أم حارثة إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى».

والجنة نوعان -في الصحيحين من حديث أبي موسى الأِشعري رضي الله عنه، عن رسول الله قال: «جنتان من ذهب آنيتهما وحليهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» وروى ابن ماجه في سننه عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله : «ألا هل من مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها -أي لا عوض لها ولا مثل- هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد، في درا سليمة، وفاكهة، وخضرة، وحبرة، ونعمة، في محلة عالية بهية. قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها. قال: قولوا: إن شاء الله. قال القوم: إن شاء الله».

ومن سعة الجنة أن عرض الباب الواحد من أبوابها كما بين مكة والأحساء، قال : «والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر» متفق عليه، وفي حديث آخر «وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام».

وريحها يوجد من مسيرة مائة عام.

والجنة بعضها أعلى من بعض، في الصحيحين من حديث أبي سعيد، أن رسول الله قال: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين».

وبعض الجنان غرسها الله بيده زيادة في كرامتها وتفضيل

أهلها، روى ابن أبي الدنيا بسنده، عن أنس رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله : «خلق الله جنة عدن بيده: لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، بلاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران»، ثم قال لها: «انطقي قالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 1] فقال الله : وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» ثم تلا رسول الله  وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحَشر: 9].

أما أدنى أهل الجنة منزلة، فروى مسلم في صحيحه عن النبي قال: «سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟» وفي رواية: «عن أخس أهل الجنة منها حظًّا. قال: رجل يجيء بعد ما دخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذَاتهم؟ فيقال له: ألا ترضى أن يكون لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب. فيقول: لك هذا وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت رب» الحديث، وروى الطبراني عن ابن عمر مرفوعًا: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وسرره وخدمه» الحديث، وفي الصحيحين عن حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إن لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة. قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملآ، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملآ. فيقول الله

له: اذهب فادخل الجنة. قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملآ، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملآ. فيقول له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشر أمثالها. قال: فيقول: أتسخر بي وتضحك بي وأنت الملك؟ قال: لقد رأيت رسول الله يضحك حتى بدت نواجذه. قال: فكان يقول: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة».

وأهل الجنة يستوعبون كثيرًا مما أعد لهم من النعيم لكمال حياتهم وضخامة أجسامهم، وتوافر قواهم ومع ذلك لا يبلون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يمنون روى الحاكم بسنده في صحيحه قال: أتى النبي رجل من اليهود، فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون- ويقول لأصحابه إن أقر لي بهذا خصمته- فقال رسول الله : «بلى والذي نفس محمد بيده، إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع». فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة. فقال رسول الله : «حاجتهم عَرَقٌ يفيض من جلودهم مثل المسك، فإذا البطن قد ضمر»، وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله : «يدخل أهل الجنة الجنة جردًا، مردًا، مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعًا»( ).

ولأهل الجنة طرب ولذة حين يسمعون غناء الحور العين بالتسبيح والتمجيد والتقديس والثناء على الرب ، وأكملهم فيه أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام، روى الترمذي عن علي

رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله : «إن في الجنة لمجتمعًا للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها، يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له» وروى ابن المبارك عن يحيى بن أبي كثير: «إن الحور العين يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة فيقلن: طال ما انتظرناكم، فنحن الراضيات فلا نسخط، والمقيمات فلا نضعن، والخالدات فلا نموت، بأحسن أصوات سمعت. وتقول: أنت حبي وأنا حبك، ليس دونك مَقْصَرْ، ولا وراءك معدل»، وفي حديث أبي أمامة عن رسول الله قال: «ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتان من الحور العين يغنيانه بأحسن صوت سمعته الإنس والجن، وليس بمزامير الشيطان»، وروى ابن أبي الدنيا بسنده، عن محمد بن المنكدر، قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس اللهو ومزامير الشيطان، أسكنوهم رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم تمجيدي وتحميدي.

ولهم سماع أعلى من هذا يضمحل دونه كل سماع وذلك حين يسمعون كلام الرب جل جلاله، وخطابه، وسلامه عليهم،ومحاضرته لهم، ويقرأ عليهم كلامه، فإذا سمعوه منه فكأنهم لم يسمعوه من قبل.

وأهل الجنة يتزاورون فيها ويستزير بعضهم بعضًا، وبذلك تتم لذتهم وسرورهم؛ ولهذا قال حارثة للنبي وقد سأله: «كيف أصبحت يا حارثة؟» قال: أصبحت مؤمنًا حقًا. قال: «إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وإلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يعذبون فيها. فقال: «عبد نوَّر الله قلبه» وفي حديث أبي أيوب: «أنهم يتزاورون على النجائب».

ومنتدى أهل الجنة ومتحدثهم تحت شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها.

ولهم زيارة أخرى أعلا من هذه وأجل، وذلك حين يزورون ربهم تبارك وتعالى فيريهم وجهه، ويسمعهم كلامه، ويحل عليهم رضوانه.

والجنة فوق السموات تحت العرش، عرضها كعرض السماء والأرض لو وصلت إحداهما بالأخرى.

عباد الله هذا وصف الجنة التي جعلها الله مقرًا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص. وأهل البشرى بها هم أهل الإيمان والتقوى والعمل الخالص لله الموافق للسنة إخلاص في طاعة الله، وإحسان إلى خلقه، وهم أربعة أصناف من الرجاء والنساء، ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز فقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النٍّساء: 69]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله : «ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة: النبي في الجنة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله في الجنة. ونساؤكم من أهل الجنة الودود الولود، التي إذا غضب أو غضبت جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها، ثم تقول: لا أذوق غَمْضًا حتى ترضى» أخرجه النسائي وباقيه على شرطه.

فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من سؤال الله الجنة، واعملوا لها أعمالها من واجب واجتناب محرم، واسألوه الفردوس منها، فإنه أعدل الجنة، وأعلا الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة. واسألوه تعالى العون على أعمال أهل الجنة.

أعوذ بالله من الشطيان الرجيم: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: 37]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، أحمده سبحانه أفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلا، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة منه وفضلا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بشر وأنذر، ودعا وحذر اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: عباد الله: إن الله تبارك وتعالى الذي أخبر عما في الجنة من أنواع الأطعمة، والأشربة، والملاذ المتنوعة قد أِشهد عباده

في هذه الدار من آثار الجنة وأنموذجًا منها: من الرائحة الطيبة، واللذات المشتهاة، والمناظر البهية، والفاكهة الحسنة، والنعيم، والسرور، وقوة العين. وقد روى أبو نعيم عن جابر، قال: قال رسول الله : «يقول الله للجنة: طيبي لأهلك، فتزداد طيبًا، فذلك البرد الذي يجده الناس بالسحر من ذلك» كما جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها تذكر بنار الآخرة. وأخبر النبي : «أن شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم» فلا بد أن يشهد عباده أنفاس جنته، وما يذكرهم بها، مع أنه ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر.

فاشكروه تعالى أن أوضح لكم الجنة وجَلاَهَا، حتى كأنكم ترون نعيمها وحلاها، واجتهدوا في العمل لها رجاء أن تكونوا من أهلها، واعلموا أنه ليس بعد الموت من دار إلا الجنة أو النار( )، إن أحسن الحديث كتاب الله ...

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين (1/7/1419هـ).

وكتبه بخطه محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

رأيك يهمنا