حاشية مقدمة التفسير

نبذة مختصرة

حاشية مقدمة التفسير : قد وضع الشيخ عبدالرحمن بن قاسم - رحمه الله - مقدمة في علم التفسير استفادها من مقدمة شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله - وجعل عليها حاشية نافعة يستفيد منها الطالب المبتدئ والراغب المنتهي.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

حاشية مقدمة التفسير

بقلم

الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

الحنبلي النجدي

رحمه الله تعالى

1312-1392 هـ



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسبحان الله رب العرش عما يصفون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق المأمون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين الذين هم بهديه متمسكون وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فحيث إن كتاب الله وبيانه أهم ما يهتم به، فهذه حاشية على المقدمة في تفسيره، توضح المقاصد، وتعين مريد معرفة معانيه، كأصل يتوصل بها إلى المراد منه، على ما كان عليه السلف الصالح، الله ولي التوفيق.



بسم الله الرحمن الرحيم([1])

الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى للمتقين([2]).

وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين([3]).

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين([4]) صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين([5]) وسلم تسليمًا كثيرًا([6]).

أما بعد: فهذه مقدمة في التفسير([7]) تعين على فهم القرآن العظيم([8])

الجدير بأن تصرف له الهمم ففيه الهدى والنور([9]) ومن أخذ به هدي إلى صراط مستقيم([10]).

..............................................


 تنزيل القرآن([11])

أجمعوا: على أن القرآن كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق([12]).

سمعه جبريل من الله([13]) وسمعه محمد من جبريل([14]). وسمعه الصحابة من محمد ﷺ‬([15]).

وهو الذي نتلوه بألسنتنا([16]) وفيما بين الدفتين([17]) وما في صدورنا([18]) مسموعا ومكتوبا ومحفوظا([19]) وكل حرف منه، كالباء والتاء، كلام الله غير مخلوق([20]) منه بدأ وإليه يعود([21]).

وهو كلام الله حروفه ومعانيه ليس الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف([22]).

وبدعوا من قال: إنه فاض على نفس النبي، من العقل الفعال، أو غيره كالفلاسفة والصابئية([23]).

أو أنه مخلوق في جسم من الأجسام كالمعتزلة والجهمية([24]).

أو في جبريل، أو محمد، أو جسم آخر غيرهما، كالكلابية والأشعرية([25]).

أو أنه حروف وأصوات، قديمة أزلية كالكلامية([26]) أو أنه حادث قائم بذات الله، ممتنع في الأزل، كالهاشمية والكرامية([27]).

ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فجهمي، أو غير مخلوق فمبتدع([28]).

..........................................

 مواضع نزوله([29]).

أجمعوا على أن القرآن مائة وأربع عشرة سورة([30]). والمشهور: سبع وعشرون مدني([31]) وباقيه مكي، واستنثي آيات([32]).

ومنه: النهاري، والليلي والصيفي والشتائي([33]).

وأول ما أنزل: اقرأ ثم المدثر([34]) وآخره: المائدة وبراءة والفتح وآية الكلالة، والربا والدين([35]).

..............................

 إنزاله([36])

أنزل القرآن جملة في ليلة القدر، إلى بيت العزة، في السماء الدنيا([37]) وأنزل منجما بحسب الوقائع([38]).

يلقيه جبريل، إلى النبي ﷺ‬ في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليه([39]).

ويأتيه في مثل صورة الرجل يكلمه([40]) وثبت أنه أنزل على سبعة أحرف([41]).

قيل: المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة كهلم وأقبل([42]) وكتب في الرقاع وغيرها في عهد النبوة([43]).

ثم في الصحف، في عهد أبي بكر([44]).

ثم جمع عثمان الناس على مصحف واحد([45]).

والجمهور: أنه مشتمل على ما يحتمله رسمها([46]) ومتضمنتها العرضة الأخيرة([47]).

وترتيب الآيات بالنص والسور بالاجتهاد([48]).

..........................................

 أسباب نزوله([49])

معرفة سبب نزول القرآن، يعين على فهم الآية([50]).

فقد يكون اللفظ عاما، والسبب خاص([51]) ومنه }إِنِ ارْتَبْتُمْ{([52]).

}فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ{ [البقرة]([53]).


 عامه وخاصه([54])

العام: أقسام([55]) منه: الباقي على عمومه، كـ }حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ{ ([56]).


والعام المراد به الخصوص كـ }الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ{([57]) والثالث: العام المخصوص([58]) وهو كثير إذ ما من عام إلا وقد خص([59]).


والمخصص: إما متصل وهو: خمسة أحدها الاستثناء([60]) والمنفصل كآية أخرى ([61])

أو حديث أو إجماع ([62]).

ومن خاص القرآن: «ما كان مخصصا لعموم السنة كـ }حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ{ خص: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله»([63]).


 الناسخ والمنسوخ([64])

يرد النسخ بمعنى الإزالة([65])، ومنه }فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ{([66]).

وبمعنى التبديل([67]) }وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ{([68]) وهو ثلاثة: ما نسخ تلاوته وحكمه كعشر رضعات([69]) أو تلاوته دون حكمه كآية الرجم([70]).

أو حكمه دون تلاوته([71]).


وصنفت فيه الكتب وهو قليل([72]).

ولا يقع إلا في الأمر، والنهي، ولو بلفظ الخبر([73]).


 المحكم والمتشابه([74])

المحكم: يميز الحقيقة المقصودة([75]) والمتشابه يشبه هذا ويشبه هذا([76]).

والذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه }ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ{ ليفتنوا به الناس إذا وضعوه، على غير مواضعه([77]).

}وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ{ وهو: الحقيقة التي أخبر عنها، كالقيامة وأشراطها([78]).

}وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ{ وقته وصفته }إِلا اللهُ([79]) وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ{([80]) ولم ينف عنهم علم معناه، بل قال }لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ{([81]).

قال شيخ الإسلام، وثبت أن اتباع المتشابه ليس في خصوص الصفات([82]).

ولا أعلم أن أحدا من السلف، جعلها من المتشابه الداخل في هذه الآية([83]).

وعندهم قراءتها تفسيرها([84]) وتمر كما جاءت دالة على ما فيها من المعاني، لا تحرف، ولا يلحد فيها([85]).

وكل ظاهر: ترك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام وتقييد المطلق، فإنه متشابه، لاحتماله معنيين([86]) وكذا المجمل وإحكامه رفع ما يتوهم فيه من المعنى الذي ليس بمراد([87]).

.......................................

 التأويل([88])

التأويل في القرآن: نفس وقوع المخبر به([89])

وعند السلف: تفسير الكلام وبيان معناه([90]).

وعند المتأخرين من المتكلمة والمتفقهة ونحوهم هو: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، لدليل يقترن به([91]).

أو حمل ظاهر، على محتمل مرجوح([92]).

ما تأوله القرامطة، والباطنية، للأخبار، والأوامر([93]). والفلاسفة للإخبار عن الله، واليوم الآخر([94]) والجهمية، والمعتزلة وغيرهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر، وفي آيات القدر، وآيات الصفات، هو من تحريف الكلم عن مواضعه([95]).

قال الشيخ: وطوائف من السلف، أخطئوا في معنى التأويل المنفي وفي الذي أثبتوه([96]).

والتأويل المردود، هو: صرف الكلم عن ظاهره، إلى ما يخالف ظاهره([97]) قال: ولم يقل أحد من السلف، ظاهر هذا غير مردود([98]) ولا قال: هذه الآية، أو هذا الحديث، مصروف عن ظاهره([99]) مع أنهم قد قالوا مثل ذلك، في آيات الأحكام المصروفة، عن عمومها، وظواهرها، وتكملوا فيما يستشكل مما قد يتوهم أنه متناقض([100]).

..............................

 نفي المجاز([101]).

صرح بنفيه المحققون([102]) ولم يحفظ عن أحد من الأئمة القول به([103]).

وإنما حدث تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، بعد القرون المفضلة([104]).

فتذرع به المعتزلة والجهمية إلى الإلحاد في الصفات([105]).

قال الشيخ: ولم يتكلم الرب به، ولا رسوله، ولا أصحابه، ولا التابعون لهم بإحسان([106]) ومن تكلم به من أهل اللغة، يقول في بعض الآيات: هذا من مجاز اللغة: ومراده: أن هذا مما يجوز في اللغة([107]).

لم يرد هذا التقسيم الحادث([108]) لا سيما وقد قالوا: إن المجاز يصح نفيه فكيف يصح حمل الآيات القرآنية على مثل ذلك([109]) ولا يهولنك إطباق المتأخرين عليه([110]) فإنهم قد أطبقوا على ما هو شر منه([111]).


وذكر ابن القيم: خمسين وجها في بطلان القول بالمجاز([112]). وكلام الله،

وكلام رسوله منزه عن ذلك([113]).


 الإعجاز([114])

المعجزة أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي([115]) سالم عن المعارضة([116]) والقرآن معجز أبدا([117]).

أعجز الفصحاء مع حرصهم على معارضته([118]) وقد تحداهم تعالى على أن يأتوا بحديث مثله أو عشر سور أو سورة([119]).

وذكر العلماء وجوها من إعجازه، منها: أسلوبه، وبلاغته([120]) وبيانه وفصاحته([121]).

وحسن تأليفه([122]) وإخباره عن المغيبات([123]) والروعة في قلوب السامعين وغير ذلك([124]).

حتى قال الوليد: إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة([125]) ومن تأمل حسنه، وبديعه، وبيانه، ووجوه مخاطباته: علم أنه معجز من وجوه كثيرة([126]).


 الأمثال([127])

أمثال القرآن: من أعظم علمه([128]) وعدَّه الشافعي مما يجب على المجتهد معرفته([129]) ضربها الله تذكيرا، ووعظا([130]) وهي: تصور المعاني بصورة الأشخاص([131]).


 الإقسام([132])

القسم: تحقيق للخبر، وتوكيد له([133]) ولا يكون إلا بمعظم([134]) وهو تعالى: يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته([135]) وبآياته المستلزمة لذاته وصفاته([136]).

تارة على التوحيد([137]) وتارة على أن القرآن حق([138]) وتارة على أن الرسول حق([139]) وتارة على الجزاء، والوعد، والوعيد([140]) وتارة على حال الإنسان([141]).

والقسم: إما ظاهر، وإما مضمر([142]) وهو قسمان: قسم دلت عليه اللام نحو }لَتُبْلَوُنَّ{([143]) وقسم دل عليه المعنى نحو }وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا{([144]).


 الخبر والإنشاء([145])

الكلام نوعان: خبر وإنشاء([146]) والخبر: دائر بين النفي والإثبات([147]).

والإنشاء: أمر، أو نهي، أو إباحة([148]) والخبر: يدخله التصديق والتكذيب([149]).

والإخبار: إما إخبار عن الخالق، وإما إخبار عن المخلوق، فالإخبار عن الخالق: هو التوحيد، وما يتضمنه من أسماء الله وصفاته، والإخبار عن المخلوق: هو القصص([150]) وهو الخبر عما كان، وما يكون([151]) ويدخل فيه الخبر عن الرسل وأممهم ومن كذبهم([152]) والإخبار عن الجنة، والنار، والثواب، والعقاب([153]).

...............................................


 طرق التفسير([154])

أصح طرق التفسير، أن يفسر القرآن([155]) فما أجمل في مكان، فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان، فقد بسط في موضع آخر([156]) فإن لم تجده فبالسنة([157]).

فإنها شارحة للقرآن وموضحة له([158]).

فإن لم تجده فارجع إلى أقوال الصحابة([159]) فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه([160]).

ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح([161]). لا سيما كبراؤهم كالخلفاء الراشدين([162]) والأئمة المهديين، كابن مسعود، وابن عباس([163]

وإذا لم تجده فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين([164]) كمجاهد، وسعيد بن جبير([165]).

وعكرمة وعطاء([166]) والحسن ومسروق، وسعيد بن المسيب([167]).


([168])وكمالك والثوري، والأوزاعي والحمادين، وأبي حنيفة، وغيرهم من تابعي التابعين([169]).

وكالشافعي وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأمثالهم من أتباع تابعي التابعين([170]).

قال الشيخ: وقد يقع في عباراتهم تباين، في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافا، وليس كذلك([171]) فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه، أو نظيره ومنهم من ينص على الشيء بعينه([172]).

ويرجع إلى لغة القرآن([173]).

أو السنة أو لغة العرب([174]) ومن تكلم بما يعلم من ذلك، لغة وشرعا فلا حرج عليه([175]).

ويحرم بمجرد الرأي([176]).


وقال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه([177]) وجه: تعرفه العرب من كلامها([178]) وتفسير لا يعذر أحد بجهالته([179]) وتفسير: يعلمه العلماء([180]).

وتفسير: لا يعلمه إلا الله([181]).


 التفاسير([182])

أحسن التفاسير، مثل تفسير عبد الرزاق([183]) ووكيع، وعبد بن حميد ودحيم([184]).

وتفسير أحمد، وإسحاق([185]) وبقي بن مخلد وابن المنذر([186]) وسفيان بن عيينة وسنيد([187]).

وتفسير ابن جرير، وابن أبي حاتم([188]) وأبي سعيد الأشج، وابن ماجة([189]) وابن مردويه، والبغوي، وابن كثير([190]).

وحدث طوائف من أهل البدع([191]) تأولوا كلام الله على آرائهم([192]).

تارة يستدلون بآيات الله على مذهبهم([193]) وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم([194]) كالخوارج والرافضة، الجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة وغيرهم([195]).

قال الشيخ: وأعظمهم جدالاً المعتزلة([196]).

وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم([197]) ومثل تفسير ابن كيسان الأصم والجبائي([198]) وعبد الجبار الهمداني، والرماني والكشاف([199]).

ووافقهم متأخرو الشيعة، كالمفيد، وأبي جعفر الطوسي([200]) اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه([201]).

ومنهم حسنُ العبارةِ، يدس البدع في كلامه، كصاحب الكشاف([202]) حتى إنه يروج على خلق كثير([203]).

وذكر: أن تفسير ابن عطية وأمثاله([204]) وإن كان أسلم من تفسير الزمخشري([205]) لكنه يذكر ما يزعم أنه من قول المحققين([206]).

وإنما يعني طائفة من أهل الكلام، الذين قرروا أصولهم بطرق، من جنس ما قررت به المعتزلة([207]) وذكر الذين أخطئوا في الدليل، مثل كثير من الصوفية، والوعاظ، والفقهاء، وغيرهم، يفسرون القرآن بمعان صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي، في حقائق التفسير([208]).

وإن كان فيما ذكروه ما هو معان باطلة، فإن ذلك يدخل في الخطأ في الدليل، والمدلول جميعا([209]) حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسدا([210]).

وبالجملة: من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين، وتفسيرهم، إلى ما يخالف ذلك، كان مخطئا في ذلك([211]).

بل مبتدعا([212]) وإن كان مجتهدا مغفور له خطؤه([213]).

فالمقصـود بيـان طـرق العـلم وأدلته([214]) وطرق الصواب([215]).


 سبب الاختلاف([216])

منه: ما مستنده النقل، أو الاستدلال([217]) والمنقول: إما عن المعصوم أو لا([218]).

فالمقصود: وإذا جاء عنه من جهتين، أو جهات من غير تواطؤ فصحيح([219]) وكذا المراسيل إذا تعددت طرقها([220]) وخبر الواحد، إذا تلقته الأمة بالقبول، أوجب العلم([221]).

والمعتبر في قبول الخبر: إجماع أهل الحديث([222]) وله أدلة يعرف بها أنه صدق([223]) وعليه أدلة يعرف بها أنه كذب([224]) كما في تفسير الثعلبي([225]).

والواحدي، والزمخشري وأمثالها([226]) وهو قليل في تفاسير السلف([227]) وما نقل عن بعض الصحابة نقلا صحيحًا، فالنفس إليه أسكن، مما نقل عن بعض التابعين([228] والإسرائيليات: تذكر للاستشهاد، لا للاعتماد([229]) ما علمت صحته مما شهد له الشرع، فصحيح([230]).

وما خالفه فيعتقد كذبه([231]) وما لم يعلم حكمه في شرعنا، لا يصدق، ولا يكذب([232]) وغالبه لا فائدة فيه([233]) والخطأ الواقع في الاستدلال. من جهتين حدثتا عمن تقدم ذكرهم من المبتدعة بعد تفسير الصحابة، والتابعين وتابعيهم اعتقدوا معاني، حملوا ألفاظ القرآن عليها([234]) أو فسروه بمجرد ما يسوغ أن يريدوه، مما لا يدل على المراد من كلام الله بحال([235]).

وتبعهم كثير من المتفقهة لضعف آثار النبوة([236]) والعجز، والتفريط([237]) حتى كانوا يروون ما لا يعلمون صحته.

وقد يكون الاختلاف، لخفاء الدليل، والذهول عنه([238]) وقد يكون: لعدم سماعه، وقد يكون للغلط في فهم النص، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح([239]).


 التفسير([240])

التفسير: كشف معاني القرآن، وبيان المراد منه([241]).

قيل بعضه يكون من قبل الألفاظ الوجيزة، وكشف معانيها([242]) وبعضه من قبل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض([243]) وأجمعوا: على أن التفسير من فروض الكفايات([244]).

وهو أجل العلوم الشرعية([245]) وأشرف صناعة يتعاطاها الإنسان([246]) والمعتني بغريبه، لا بد له من معرفة الحروف([247]).

وأكثر من تكلم فيها النحاة([248]) والأسماء، والأفعال([249]) وأكثر من تكلم فيها اللغويون([250]) ومنه: معرفة ما وضع له الضمير وما يعود عليه([251]

والتذكير والتأنيث والتعريف والتنكير([252]).

والخطاب بالاسم والفعل([253]).

وأولى ما يرجع في غريبه، إلى: تفسير ابن عباس، وغيره([254]) ودواوين العرب([255]).

ويبحث عن كون الآية مكملة لما قبلها أو مستقلة([256]).

وما وجه مناسبتها لما قبلها وكذا السور([257]).

وعن القراءة المتواترة، المشهورة والآحاد([258]) وكذا: الشاذة فإنها تفسر المشهورة وتبين معانيها([259]).

وإن كان لا تجوز القراءة بالشاذة إجماعا([260]).


 التلاوة([261])

تستحب تلاوة القرآن، على أكمل الأحوال([262]).

والإكثار منها([263]) وهو أفضل من سائر الذكر([264]). والترتيل أفضل من السرعة، مع تبيين الحروف([265]) وأشد تأثيرا في القلب([266]) وينبغي إعطاء الحروف حقها، وترتيبها([267]) وتلطيف النطق بها([268]).

من غير إسراف: ولا تعسف، ولا تكلف([269]) ويسن تحسين الصوت([270]) والترنم: بخشوع، وحضور قلب، وتفكر وتفهم([271]).

ينفذ اللفظ إلى الأسماع، والمعاني إلى القلوب([272]) قال الشيخ في زينوا القرآن بأصواتكم هو التحسين، والترنم بخشوع، وحضور قلب([273]).

لا صرف الهمة إلى ما حجب به أكثر الناس، من الوسوسة، في خروج الحروف([274]) وترقيقها وتفخيمها وإمالتها([275]) والنطق بالمد الطويل، والقصير، والمتوسط([276]) وشغله بالوصل والفصل([277]).

والإضجاع والإرجاع([278]) والتطريب وغير ذلك، مما هو مفض إلى تغيير كتاب الله([279]) والتلاعب به([280]).

حائل للقلوب([281]) قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه([282]) ومن تأمل هدي رسول الله ﷺ‬([283]) وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم([284]) تبين له: أن التنطع بالوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته([285]).

وقال: يكره التلحين الذي يشبه الغناء([286]) واستحب بعضهم القراءة في المصحف([287]) ويستحب الختم كل أسبوع([288]).

والدعاء بعده([289]) وتحسين كتابة المصحف([290]).

ولا يخالف خط مصحف عثمان في واو، أو ياء، أو ألف أو غير ذلك([291])ويحرم على المحدث مسه([292]).

وسفر به لدار حرب([293]) ويجب احترامه([294]).

وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.



 ([1]) ابتدأ بالبسملة: اقتداء بالكتاب العزيز، وتأسيا بالنبي ﷺ‬ في مكاتباته، وعملا بحديث: «كل أمر ذي بال، لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أقطع»، أي ناقص البركة والاسم مشتق من السمو، والله أعرف المعارف الجامع لمعاني الأسماء الحسنى والصفات العليا، وهو مشتق أي: دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية ومعناه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، والرحمن: رحمة عامة لجميع المخلوقات والرحيم: رحمة خاصة بالمؤمنين، اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة.

([2]) الحمد ثناء، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد؛ وقال الشيخ: الحمد، ذكر محاسن المحمود، مع حبه وإجلاله وتعظيمه وثنى بالحمد له بعد البسملة اقتداء بالقرآن العظيم وبالنبي الكريم، وعملا بحديث: «كل أمر ذي بال، لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم».

وإنزال القرآن على محمد ﷺ‬ لا يمتري فيه مسلم قال تعالى: }تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ }نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ{ إلى غير ذلك من الآيات، وتواترت به السنة وأجمع عليه المسلمون، وسماه تعالى كتابا: لجمعه العلوم، والقصص، والأخبار على أبلغ وجه.

    وجعله تبيانا لكل شيء، بين فيه علم كل شيء، من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دينهم ودنياهم، ومعاشهم ومعادهم؛ قال تعالى: }وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ{ فقد اشتمل على ما يجري في العالم، وقال ﷺ‬:«كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم»، وقد أفرد الناس كتبا فيما تضمنه، من جميع فنون العلوم؛ فلا إله إلا الله، ماذا حرمه المعرضون عنه من العلم والهدى؟!

    وجعله تعالى هدى للمتقين قال تعالى: }ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ{ ويطلق الهدى، ويراد به: ما يقر في القلوب من الإيمان، ويراد به بيان الحق، وتوضيحه، والدلالة عليه والإرشاد إليه.

([3]) أشهد، أي: أقطع وأجزم أن لا معبود حق، إلا الله وحده لا شريك له، ووحده: حال من الاسم الشريف تأكيد للإثبات ولا شريك له: تأكيد للنفي، تأكيد بعد تأكيد اهتماما بمقام التوحيد.

الملك: حقيقة، كما قال تعالى: }هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ{، وقال ﷺ‬: «لا مالك إلا الله» الحق، قال تعالى: }فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ{ فهو سبحانه الحق المبين، وقوله الحق وكتابه الحق، له الملك لا إله إلا هو، العزيز الحكيم.

([4]) أي: وأجزم أن محمدا، وهو أشرف أسمائه ﷺ‬ اسم مفعول من حمد فهو محمد إذ كان كثير الخصال التي يحمد عليها فهو الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره من البشر؛ عبده: أشرف اسم له أيضا فإنه لا أشرف ولا أتم للمؤمن، من وصفه بالعبودية لله تعالى ورسوله، أي: مرسله وسفيره بأداء شريعته الصادق فيما يبلغه عن الله تعالى، قال تعالى: }وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ{ الأمين، وعلى وحيه، وكان ﷺ‬ يسمى الأمين قبل بعثته، وأيده الله بالآيات، والدلالات الواضحات القاطعات بصدقه.

([5]) الصلاة من الله عليه ﷺ‬ هو الثناء والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وعلى آله أهل بيته، وقيل أتباعه، وأصحابه: جمع صاحب، وهم: من اجتمع بالنبي ﷺ‬ مؤمنا ومات على ذلك والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

([6]) سلم: من السلامة بمعنى التحية، أو الأمان أو السلامة من النقائص، طلب السلامة له من الله، أو اسم الله عليه، إذ كان اسم الله يذكر على الأعمال، توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيه، وتسليما مصدر مؤكد، كثيرا: دائما أبدا، والصلاة والسلام عليه ﷺ‬ مستحبة كل وقت، وتتأكد عند ذكر اسمه ﷺ‬ وآله وأصحابه والتابعون لهم، تبع في ذلك.

([7]) أما بعد: كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى غيره، ويستحب الإتيان بها في الخطب، والمكاتبات، اقتداء به ﷺ‬ وهي مبنية على الضم، لقطعها عن الإضافة مع نية المضاف إليه، أي: بعد ذكر الله والثناء عليه، والشهادتين، والصلاة على رسول الله ﷺ‬ وآله وأصحابه وأتباعه، فهذه إشارة إلى ما تصور في الذهن، وأقيم مقام المكتوب الموجود مقدمة: وهي من الكتاب فصل، يعقد في أوله، ومن كل شيء أوله، أو ما يتوقف عليه الشيء توقفا عقليا، أو عاديا أو جعليا وهذه نبذة مختصرة في أول التفسير الذي هو الكشف والإيضاح والتبيين والتأويل للقرآن العظيم.

([8]) تعين: أي تساعد على فهم، أي تصور وإدراك معاني القرآن: اسم علم لكتاب الله، قيل سمي به الكتاب المقروء، وقيل لجمعه ثمرات الكتب السابقة، أو لجمعه أنواع العلوم، أو السور ووصف بالعظيم، والذكر الحكيم والصراط المستقيم وغير ذلك مما يدل على شرفه، ولا ريب: أن كل كلام، المقصود منه فهم معانيه، لا مجرد ألفاظه، والقرآن أولى بذلك، وقد ندب تعالى إلى ذلك فقال: }لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ{}أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ{ وتدبره بدون فهم معانيه محال، والعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم ولا يستشرحونه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم؟

([9]) أي: فالقرآن العظيم، هو الجدير أي: الخليق بأن تصرف له الهمم جمع همة، يقال: هممت بالشيء إذا أردته بل وتثنى عليه الخناصر، ويستمسك به ويعتصم به ففيه الهدى والنور والشفاء لما في الصدور، قال تعالى: }قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ{ وقال: }هُدًى لِلْمُتَّقِينَ{.

}وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ{ }نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا{ وتكفل الله لمن اتبعه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.

([10]) أي: ومن أخذ بكتاب الله، واعتصم به ودعا إليه، هدي إلى صراط مستقيم قال تعالى: }فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى{ وفي صحيح مسلم: «إني تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به، وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به».

    وللترمذي وغيره: «ستكون فتن»، قيل: فما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».

([11]) أي بيان أن القرآن كلام الله، نزل من الله سمعه منه جبريل وسمعه محمد من جبريل عليهما الصلاة والسلام.

([12]) أي: أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين، وتابعيهم على أن القرآن كلام الله حقيقة قال تعالى: }فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ{ وغير ذلك وقال شيخ الإسلام وغيره: أجمعوا على أن القرآن كلام الله منزل من الله، كما قال تعالى: }وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ{ فأخبر أنهم يعلمون ذلك، والعلم لا يكون إلا حقا، فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة، كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرا منه من هذا الوجه.

    وقال تعالى: }تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ{ }تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ{ }تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{ ولم يخبر عن شيء، أنه منزل من الله، إلا كلامه جل وعلا، وهو غير مخلوق بإجماع المسلمين ومن قال كلام الله مخلوق، فهو كافر، قال: واشتهر عن السلف تكفير من قال القرآن مخلوق، وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.

([13]) جل وعلا، قال شيخ الإسلام: كما نص على ذلك أحمد، وغيره من الأئمة قال تعالى: }قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ{ فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس، وهو الروح الأمين كما قال تعالى: }نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ{ وقوله الأمين: دليل على أنه مؤتمن على ما أرسل به، لا يزيد فيه ولا ينقص.

    وهذا بيان لنزول جبريل به من الله، فإنه إذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي، لزم أن يكون نزله من الله، فلا يكون شيء منه، نزل من عين من الأعيان المخلوقة، ولا نزل من نفسه، وإذا كان روح القدس نزل به من الله، علم أنه سمعه من الله ولم يؤلفه هو، وهذا بيان من الله: أن القرآن الذي هو اللسان العربي المبين، سمعه روح القدس من الله؛ ولم يقل أحد من السلف أنه سمعه محمد من الله.

    ولو كان جبريل لم يسمعه من الله، وإنما وجده مكتوبا كانت العبارة عبارة جبريل وكان القرآن كلام جبريل، ترجم به عن الله، كما يترجم عن الأخرس الذي أكتب كلاما، ولم يقدر أن يتكلم به، وهذا خلاف دين المسلمين.

([14]) عليهما السلام قال تعالى: }قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ{ وقال: }إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ{ أي: قرأه رسولنا }فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ{ فاستمع له وأنصت }ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ{ أن نبينه بلسانك، وكان رسول الله ﷺ‬ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه كما قرأه جبريل وهو كقوله: }نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ{ وقوله: }نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ{ ونحو ذلك.

    فإنه تعالى أضافه تارة إلى رسول من البشر، وتارة إلى رسول من الملائكة فقال: }إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ{ إلى قوله: }تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ والرسول هنا: محمد ﷺ‬ وقال: }إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ{ إلى قوله: }إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ{ فالرسول هنا جبريل، وأضافه سبحانه إلى كل منهما باسم رسوله لأن ذلك يدل على أنه مبلغ له عن غيره، وأنه رسول فيه لم يحدث هو شيئا منه.

    قال الشيخ: ولم يقل أحد من السلف، إن جبريل أحدث ألفاظه ولا محمدا ﷺ‬ ولا إن الله تعالى خلقه في الهوى أو غيره من المخلوقات، ولا إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، بل هذه الأقوال، هي: من أقوال بعض الملحدين من الفلاسفة وغيرهم.

([15]) ولا نزاع في ذلك، وقال الشيخ: هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها، والدلائل على ذلك كثيرة، من الكتاب والسنة والإجماع؛ وكانوا يقولون: هذا عهده إلينا ونحن عهدناه إليكم وفي السنن أنه ﷺ‬ كان يعرض نفسه على الناس بالمواسم، فيقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي»، وفي الصحيح: «بلغوا عني ولو آية»،وقال: «ليبلغ الشاهد الغائب».

([16]) أي: والقرآن العزيز هو الذي نتلوه بألسنتنا ولا يخرج بذلك عن كونه كلام الله حقيقة؛ فإنه إذا أريد بالتلاوة الكلام نفسه، الذي يتلى فالتلاوة هي المتلو.

([17]) أي: القرآن الكريم، هو ما بين ضمامتي المصحف، ولا يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة، قال الشيخ: ما يكتب في المصاحف من كلامه فهو كلامه مكتوبا في المصاحف، وكلامه غير مخلوق، والمداد الذي يكتب به كلامه، وغير كلامه مخلوق، وقد فرق تعالى بين كلامه وبين مداد كلماته فقال: }قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي{.

([18]) أي: والقرآن العظيم، هو ما في صدورنا حفظناه عن ظهر قلب، ولا يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة.

([19]) أي: والقرآن الكريم، كلام الله حقيقة، مسموعا حال تلاوتنا له، ومكتوبا فيما بين الدفتين، قال الشيخ: وإذا كتب في المصاحف، كان ما كتب من كلام رب العالمين غير مخلوق، وإن كان المداد وشكله مخلوقا، وأيضا فإذا قرأ الناس كلام الله فالكلام في نفسه غير مخلوق، إذا كان الله تكلم به، فإن الكلام كلام من قاله مبتدئا أمرا يأمر به، أو خبرا يخبره، ليس هو كلام المبلغ له عن غيره، وإذا قرأه المبلغ يقال: هذا كلام الله؛ فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا.

    والقرآن كلام الله محفوظا في صدورنا، قال أحمد: القرآن كلام الله غير مخلوق، حيث تصرف.

قال الشيخ: أي: حيث كتب وقرئ، مما هو في نفس الأمر كلام الله فهو كلامه، وكلام غير مخلوق، وما كان من صفات العباد وأفعالهم التي يقرءون ويكتبون بها كلامه، كأصواتهم ومدادهم فهو مخلوق ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار فإنه معلوم أن القرآن واحد، ويقرؤه خلق كثير، والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء، وإنما يكثر ما يقرءون به القرآن، فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق، والقرآن نفسه، لفظه ومعناه، الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله، وسمعه محمد من جبريل، وبلغه محمد ﷺ‬ إلى الناس، وأنذر به الأمم قرآن واحد، وهو كلام الله ليس بمخلوق.

    قال أبو حامد الإسفراييني: مذهبي ومذهب الشافعي، وفقهاء الأمصار، أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله والنبي ﷺ‬ سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ‬ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا وكل حرف منه كالباء والتاء، كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق: فهو كافر، وعليه لعائن الله والناس أجمعين.

([20]) أي: وكل حرف من القرآن، الذي هو لفظه، قبل أن ينزل به جبريل، وبعدما نزل به، كالباء والتاء، إلى آخر حروف الهجاء الثمانية والعشرين، كلام الله، غير مخلوق، ولم يقل أحد من السلف إنه مخلوق، وإنما قاله الجعد بن درهم، ورد السلف هذا القول، قال الشيخ: كما تواترت الآثار عنهم بذلك وصنف في ذلك مصنفات متعددة، قال: ومن قال إنه مخلوق، فقد خالف إجماع السلف، ومن قال إنه مخلوق، يقول: إنه خلق في بعض المخلوقات القائمة بنفسها، فمن ذلك المخلوق، نزل وبدأ لا من الله وإخباره تعالى إنه نزل من الله، يناقض أن يكون قد نزل من غير الله.

([21]) أي: هو تعالى الذي تكلم به، لم يبتدأ من غيره، ومنه نزل كما قال تعالى: }تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ{ وقال بعضهم: منه خرج قال الشيخ: وليس مقصود السلف، أنه منه خرج، ومنه بدأ أنه فارق ذاته، وحل في غيره، فإن الصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره، وإنما قالوا ذلك: ردًا على المعتزلة والجهمية الذين يقولون: بدأ من المخلوق الذي خلق فيه، وكيف يجوز أن يفارق ذات الله كلامه، أو غيره من صفاته، وإليه يعود، أي علمه فلا يبقى في المصاحف منه حرف، ولا في الصدور منه آية.

    قال عمرو بن دينار: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة، وقال مرة: أدركت أصحاب النبي ﷺ‬ فمن دونهم يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، وفي الأثر: «إن القرآن يسرى به، حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية».

([22]) ذكره الشيخ وغيره في عقائد السلف، وقال: الذي عليه السلف، أن القرآن كلام الله، تكلم الله بحروفه ومعانيه، ليس شيئا منه كلاما لغيره، لا لجبريل ولا لمحمد، ولا لغيرهما بل كفر الله من جعله قول البشر، فالقرآن كلام الله حروفه ومعانيه والنبي ﷺ‬ إذا تكلم بكلامه تكلم بحروفه ومعانيه بصوته، ثم المبلغ عنه يبلغ كلامه بحركاته وصوته، والمبلغ عنه مبلغ حديثه كما سمعه، لكن بصوت نفسه، لا بصوت الرسول فالقرآن هو كلام الله، تكلم الله به بصوته، والمبلغ عن الله مبلغ كلام الله بصوت نفسه كما أن كلام الرسول تكلم به بصوته والمبلغ عنه بلغ بصوت نفسه.

    وقال ﷺ‬: «زينوا القرآن بأصواتكم» فجعل الكلام كلام الباري، وجعل الصوت الذي يقرؤه العبد، صوت القارئ، وأصوات العباد ليست هي الصوت الذي يتكلم الله به، ولا مثله، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فليس كلامه مثل كلامهم،ولا أصواته مثل أصواتهم ولا يلزم إذا كان صوت المبلغ مخلوقا، أن يكون كلام الله مخلوقا.

([23]) أي: وبدع السلف من الصحابة والتابعين، من قال: إن القرآن فاض على نفس النبي محمد ﷺ‬ من العقل والفعال، أو غير العقل الفعال، فإن المتفلسفة كابن سينا وأضرابه، والصابئة وهم قوم: يشبه دينهم دين النصارى، زعموا أن كلام الله ليس له وجود، إلا في نفوس الأنبياء، تفاض عليهم المعان، من الروح، الذي هو العقل الفعال أو غير ذلك.

    قال الشيخ: وهذا القول أعظم كفرا وضلالا، من قول الجهمية وغيرهم، وقال: تنازع الناس في كلام الله نزاعا كثيرا، والطوائف الكبار نحو ست فرق، فأبعدها عن الإسلام قول من يقول، من المتفلسفة والصابئة، إن كلام الله إنما يفيض على النفوس، إما من العقل الفعال، وإما من غيره وليس بكلام الله في الحقيقة، وإنما هذا في الحقيقة كلام النبي، وإنما سمي كلام الله مجازا.

    قال: ورأوا أن الرسول سمى القرآن كلام الله، فقالوا: هذا القرآن كلام الله، ولكن المعنى أنه فاض على نفس النبي من العقل الفعال، وربما قالوا: إن العقل هو جبريل، قال: وقد ضل بكلام ابن سينا وأضرابه، كثير من المشهورين، مثل أبي حامد، ذكر هذا المعنى في بعض كتبه.

    وصنفوا رسائل إخوان الصفا وغيرها، وجمعوا فيها على زعمهم، بين مقالات الصابئة المتأخرين، التي هي الفلسفة المبتدعة، وبين ماجاء به الرسول ﷺ‬ عن الله، فأتوا بما زعموا أنه معقول، ولا دليل على كثير منه، وبما ذكروا أنه منقول،وفيه من الكذب والتحريف، أمر عظيم وإنما يضلون به كثيرا، بما فيه من الأمور الطبيعية والرياضية التي لا تعلق لها بأمر النبوات والرسالات، لا بنفي ولا بإثبات ولكن ينتفع بها في مصالح الدنيا، كالصناعة والحياكة والبناية، والخياطة، ونحو ذلك.

([24]) أي: وبدع السلف من قال، إن كلام الله مخلوق، خلقه الله في جسم من الأجسام المخلوقة، فمن ذلك الجسم ابتدأ لا من الله، قال الشيخ: كما هو قول الجهمية، الذين قالوا بخلق القرآن، من المعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم، والسلف: يسمون كل من نفى الصفات، وقال: إن القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الآخرة جهميا فإن جهما أول من ظهرت عنه تلك البدعة، وانتشرت في خلافة هشام بن عبد الملك، وإن كان جعد سبقه إلى بعض ذلك، في أوائل المائة الثانية، وهؤلاء هم الذين دعوا من دعوه من الخلفاء إلى مقالتهم حتى امتحن الناس في القرآن بالمحنة المشهورة في إمارة المأمون ورفع الله شأن من ثبت فيها من أئمة السنة كالإمام أحمد بن حنبل وموافقيه وكشفها الله عن الناس في إمارة المتوكل.

    وقال أول من أظهر إنكار التكليم الجعد، وأمر علماء الإسلام كالحسن البصري وغيره، بقتله، وأخذ عنه الجهم بن صفوان فأنكر أن يكون الله يتكلم، ثم نافق المسلمين، فأقر بلفظ الكلام، وقال: كلامه يخلق في محل، كالهواء وورق الشجر.

    وقال: الجهمية والمعتزلة هم الذين يقولون كلام الله مخلوق، يخلقه في بعض الأجسام، فمن ذلك الجسم ابتدأ لا من الله ولا يقوم عندهم بالله كلام ولا إرادة، وبالجملة: فقد اتفق سلف الأمة، وأئمتها: على أن الجهمية من أشر طوائف أهل البدع، حتى أخرجهم كثير من السلف، من الثنتين والسبعين فرقة، قال: وهم أول من عارض الوحي بالرأي.

([25]) فإنهم يقولون: إن القرآن العربي ليس هو كلام الله، وإنماكلامه المعنى القائم بذاته والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى كما نقله الشيخ وغيره، وقال عنهم: إما أن يكون خلق في بعض الأجسام الهوائية، أو غيره، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، وألهمه محمد ﷺ‬ فعبر عنه بالقرآن العربي، أو يكون أخذه جبريل من اللوح المحفوظ أو غيره فهذه الأقوال التي تقال تفريع على هذا القول، يعني بخلق القرآن.

    وقوله: }مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ{ وأمثاله يعلم منه أن القرآن العربي نزل من الله، لا من الهواء، ولا من اللوح المحفوظ، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا محمد، ولا غيرهما، قال: وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس، وغيره من السلف، في تفسير قوله: }إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ{ أنه أنزل إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك منجما مفرقا، بحسب الحوادث، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، قبل نزوله كما قال تعالى: }بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ{ وقوله: }إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ{ وقوله: }كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ{ وقال: }وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ{ وكونه مكتوبا في اللوح المحفوظ، وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة، لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله، سواء كتبه قبل أن يرسل به جبريل أو غير ذلك.

    وإذا كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة، جملة واحدة في ليلة القدر، فقد كتبه كله قبل أن ينزله، والله تعالى يعلم ما كان وما يكون، أن لو كان كيف كان يكون، ثم ذكر مقادير الخلائق وكتب أعمالهم قبل أن يعلموها ثم قال: ومن قال إن جبريل أخذ القرآن عن الكتاب، لم يسمعه من الله، كان هذا باطلا من وجوه، وذكر الآيات الدالة على أنه منزل من الله لا من غيره، وأن الرسول مأمور بتبليغ ما أنزل إليه من ربه، وذكر أن ابن كلاب وموافقيه، وصفوا الله بالكلام في الأزل، لكن لم يجعلوه قادرا على الكلام، ولا متكلما بمشيئته وأن الحقائق المتنوعة شيء واحد، وذلك معلوم الفساد بالضرورة.

    وذكر هو وابن القيم عن الكلابية، ومن اتبعهم كالقلانسي والأشعري، أن كلام الله معنى قائم بذات الله، هو الأمر بكل مأمور، أمر الله به، والخبر عن كل مخبر، أخبر الله عنه، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، أو بالعبرية كان توراة، أو بالسريانية كان إنجيلا، والأمر والنهي والخبر، ليست أنواعا له، وإنما كلها صفات له إضافية.

([26]) من السالمية وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة، وغيرهم قال الشيخ، يقولون: إن كلام الله حروف وأصوات قديمة أزلية وإنها مع ذلك معان تقوم بذلك المتكلم وهم يوافقون الأشعرية والكلابية، في أن تكليم الله، ليس إلا مجرد إدراك للمتكلم ليس هو أمرا منفصلا عن المستمع،وأيضا: قد وافقت ابن كلاب، أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وقالت: بل الكلام القديم هو حروف، أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب، أزلا وأبدا، لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يتكلم بها شيئا بعد شيء، وهذا أيضا معلوم الفساد بالضرورة، ومنهم من يزعم، أن ذلك القديم هو ما يسمع من العباد من الأصوات بالقرآن وهو أظهر فسادا مما قبله.

([27]) أي: وبدع السلف، قول من قال: إن القرآن حادث، قائم بذات الله، بعد أن لم يكن متكلما بكلام، بل ما زال عندهم قادرا على الكلام، وهو عندهم لم يزل متكلما بمعنى أنه قادر على الكلام، وإلا فوجود الكلام عندهم في الأزل ممتنع كوجود الأفعال عندهم وعند من وافقهم، من أهل الكلام، كالمعتزلة وأتباعهم وهم يقولون: إنه حروف وأصوات حادثة بذات الرب، بقدرته ومشيئته ولا يقولون إن الأصوات المسموعة، والمداد الذي في المصحف قديم، بل يقولون: إن ذلك محدث كما قال الشيخ.

    وقال أيضا عنهم: لكنه لم يمكنه أن يتكلم بمشيئته في الأزل لامتناع حوادث لا أول لها وهؤلاء جعلوا الرب في الأزل غير قادر على الكلام بمشيئته ولا على الفعل.

    وذكر ابن القيم: مذهب الاتحادية وأنهم يقولون: كل كلام في الوجود كلام الله، بناء على أصلهم الفاسد: أن الله سبحانه هو عين هذا الوجود، وذكر المذاهب المتقدم ذكرها ثم قال: والبراهين العقلية والأدلة القطعية شاهدة ببطلان هذه المذاهب كلها، وأنها مخالفة لصريح العقل والنقل، والعجب أنها دائرة بين فضلاء العالم لا يكادون يعرفون غيرها.

    قال الشيخ: وكان قد كثر ظهور هؤلاء، في أول المائة الثانية والثالثة في إمارة المأمون بسبب تعريب كتب الروم، المشركين الصابئين الذين كانوا قبل النصارى، ومن أشبههم من فارس والهند، وظهرت هذه المقالة في أهل العلم والكلام،وفي أهل السيف والإمارة وصار في أهلها من الخلفاء والأمراء، والولاة والقضاة والفقهاء، ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الذين اتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، ولم يبدلوا ولم يبتدعوا وذلك لقصور وتفريط من أكثرهم في معرفة حقيقة ما جاء به الرسول ﷺ‬ وأتباعه وإلا فلو كان كثيرا فيهم لم يتمكن أولئك المبتدعة لما يخالف دين الإسلام، من التمكن منهم.

    وقال: ولهذا وافقهم في بعض ما ابتدعوه كثير، من أهل الفقه، والحديث والتصوف وذكر ابن القيم أنه لما ابتلي الناس بأهل البدع وقام سوقها أقام الله لدينه شيخ الإسلام، فغزاهم مدة حياته باليد والقلب واللسان، وكشف للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم، وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول، وأشفى واشتفى فجزاه الله أحسن الجزاء.

([28]) قال الإمام أحمد وغيره: وأن القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله على الحقيقة، وحيث تصرف كلام الله فهو غير مخلوق، وقال الشيخ: أنكر الأئمة قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق، وقالوا: من قال مخلوق، فهو جهمي ومن قال غير مخلوق، فهو مبتدع، وكذلك قالوا في التلاوة والقراءة لأن اللفظ والتلاوة والقراءة يراد بها المصدر الذي هو فعل العبد، وأفعال العباد مخلوقة فمن جعل شيئا من أفعالهم وأصواتهم وغير ذلك من صفاتهم غير مخلوق فهو مبتدع، ويراد باللفظ نفس الكلام الملفوظ كما يراد بالتلاوة والقراءة نفس الكلام وهو القرآن نفسه.

    ولا ريب أن من حدث عن النبي ﷺ‬ بحديث إذا سمعوه قالوا: هذا كلام النبي لأنهم قد علموا أنه تكلم بذلك الكلام، لفظه ومعناه وتكلم به بصوته، ثم المبلغ له عنه بلغه بصوت نفسه، فمن قال: إن هذا القرآن العزيز المسموع، ليس هو كلام الله، أو هو كلام القارئين كان فساد قوله معلوما بالضرورة شرعا وعقلا، كما أن من قال هذا الصوت المسموع ليس هو صوت العبد، أو هو صوت الله، كان فساد قوله معلوما بالضرورة شرعا وعقلا، وليس لأحد من الوسائط فيه، إلا التبليغ بأفعاله، لم يحدث أحد منهم شيئا من حروفه ولا نظمه ولا معانيه.

    وذكر ابن القيم: أن المنع من أحمد في النفي والإثبات من كمال علمه باللغة والسنة، وتحقيقه لهذا الباب والذي قصده أن اللفظ يراد به أمران، أحدهما: الملفوظ نفسه، وهو غير مقدور للعبد، ولا فعل له، والثاني: التلفظ به والأداء له وفعله، فإطلاق الخلق على اللفظ، قد يوهم المعنى الأول، وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني، وهو خطأ فمنع الإطلاقين.

    وذكر هو وشيخ الإسلام: اضطراب الناس في كلام الله، ثم قال: وأما التكفير فالصواب أن من اجتهد من أمة محمد ﷺ‬ وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغتفر له خطؤه ومن تبين له ما جاء به الرسول ﷺ‬ فشاق الرسول، من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، فهو كافر، ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص، مذنب ثم قد يكون فاسقا وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته.

    فالتكفير يختلف، بحسب اختلاف حال الشخص فليس كل مخطئ ولا مبتدع، ولا جاهل، ولا ضال، يكون كافرا، بل ولا فاسقا بل ولا عاصيا، لا سيما في مثل مسألة الكلام، قد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف المعروفين عند الناس بالعلم والدين، وغالبهم يقصد وجها من الحق، فيتبعه ويعزب عنه وجه آخر، لا يحققه فيبقى عارفا بعض الحق جاهلا بعضه، بل منكرا له، ومن هنا نشأ نزاعهم.

([29]) أي: ذكر مواضع نزول القرآن، من الله عز وجل، على محمد ﷺ‬ وأوقاته، ومعرفة علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة وغيرهما: من أشرف علوم القرآن ومن فوائده، العلم بالمتأخر إن كان ناسخا، أو مخصصا أو غير ذلك.

([30]) أي: أجمع أصحاب النبي ﷺ‬ في زمن عثمان، على ترتيب سور القرآن في المصحف مائة وأربع عشرة سورة، وقيل الأنفال وبراءة سورة وشبهة من قال ذلك: أنها لم تكتب بينهما البسملة ويرده تسمية النبي ﷺ‬ لهما،وكان في مصحف ابن مسعود مائة واثنتي عشرة سورة، لأنه لم يكتب المعوذتين وفي مصحف أبي: مائة وست عشرة سورة لأنه كتب في آخره سورتي: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد واستقر الأمر على مائة وأربع عشر سورة؛ والسورة قيل، من الإبانة، والارتفاع وقيل: لشرفها وارتفاعها، كسور البلد، وقيل: لكونها قطعة من القرآن، وجزاء منه، وقيل: من الجمع والإحاطة لآياتها.

([31]) ورد عن ابن عباس، وقتادة، وأبي بن كعب، وغيرهم، أنه نزل في المدينة سبع وعشرون سورة من القرآن، البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة والأنفال، وبراءة والرعد،والنحل، والحج والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح والحجرات، والرحمن والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة والصف، والجمعة، والمنافقون والتغابن والطلاق والتحريم إلى رأس العشر، وإذا زلزلت وإذا جاء نصر الله وسائر السور بمكة، وروي غير ذلك.

    قال القاضي: وغيره: المرجع في معرفة المكي من المدني، لحفظ الصحابة والتابعين ولم يرد عن النبي ﷺ‬ في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم، معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول ﷺ‬ وكان ابن مسعود وغيره يقول: «ما نزلت آية من كتاب الله، إلا ونحن نعلم فيمن نزلت؟ وأين نزلت».

([32]) أي: وباقي القرآن العزيز، سوى السبع والعشرين سورة على ما تقدم، نزل بمكة ويدخل في ذلك: ما نزل بضواحيها وكذا المدينة وورد عن ابن عباس وغيره: ذكر ما نزل بمكة وما استثني من الآيات، مما نزل بمكة وقيل والمدينة فروى أبو حاتم وغيره، عن مجاهد، أنه سأل ابن عباس عن ذلك، فقال سورة الأنعام، نزلت بمكة جملة واحدةن، فهي مكية، إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة }قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ{ إلى تمام الآيات الثلاث، وسورة النحل، سوى ثلاث آيات من آخرها، نزلت بالمدينة منصرفة من أحد؛ والحج سوى ثلاث آيات }هَذَانِ خَصْمَانِ{ إلى تمام الثلاث، نزلت بالمدينة، وسورة الشعراء، سوى }وَالشُّعَرَاءُ{ إلى آخرها، ولقمان، سوى ثلاث من }وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ{ والزمر سوى ثلاث من }يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا{ والتغابن إلا آيات من آخرها والمزمل إلا آيتين }إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ{ وعدا المدنيات كما تقدم، باقيه مكي، وروي عن قتادة وعكرمة والحسن وغيرهم، نحو ذلك، وقيل: غير ذلك، وذكر ابن كثير وغيره تفصيل المدني والمكي وما استثني.

    والآية من العلامة على انقطاع الكلام، عن الذي قبلها وعن الذي بعدها، وانفصالها وقيل: لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه، وقيل: لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها.

    وعدد آيات القرآن الكريم: ستة آلاف قيل: ومائتان وأربعة عشرة وقيل غير ذلك.

([33]) أي، ومن القرآن: ما نزل على رسول الله ﷺ‬ بالنهار، وهو أكثر القرآن، ومنه ما نزل بالليل، قيل منه آية تحويل القبلة، قال ابن عمر: أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة، ومنه أواخر آل عمران، فروى ابن حبان وغيره من حديث عائشة أنه قال: أنزل عليَّ هذه الليلة }إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ{ الآيات ومنه: }وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ{ وآية: الثلاثة الذين خلفوا وقيل: وسورة الأنعام، ومريم، وغير ذلك، ومنه ما هو بالليل والنهار كآية التيمم.

    ومنه ما نزل بالصيف كآية الكلالة، وفي الشتاء، كالتي في أول السورة والآيات النازلة في غزوة تبوك، في شدة الحر }وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي{ وآيات الذين جاءوا بالإفك، نزلت في يوم شات وليلة الأحزاب }اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ{ حتى قال شيخ الإسلام: سورة الحج، فيها مكي ومدني، وليلي ونهاري، وسفري وحضري، وشتائي وصيفي.

    وقال ابن العربي: من القرآن ما نزل سمائيا وأرضيا، وما نزل بين السماء والأرض، وما نزل تحت الأرض في الغار، يعني سورة المرسلات، ولمسلم: انتهى إلى سدرة المنتهى، وفيه فأعطي خواتيم سورة البقرة.

([34]) أي: وأول ما أنزل من القرآن، على رسول الله ﷺ‬ صدر سورة اقرأ يوم الاثنين بلا خلاف ففي الصحيحين من حديث عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ‬ من الوحي: الرؤيا الصادقة، قالت: حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{ حتى بلغ }مَا لَمْ يَعْلَمْ{ وللحاكم وغيره عنها: أول سورة نزلت، من القرآن }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{ وروي نحوه عن أبي موسى وغيره.

    ثم أنزل عليه صدر سورة }يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ{ بعد فترة الوحي ولما جاءه الملك، فرق منه فقال: دثروني فأنزل الله }يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ{ ثم حمي الوحي، وتتابع ويدل على ذلك ما في الصحيحين، من حديث جابر، بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي، بين السماء والأرض فرجعت فقلت زملوني، فدثروني فأنزل الله }يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ{ ولأن نزولها بعد سبب التدثر.

([35]) أي: وآخر ما نزل من القرآن، سورة المائدة، قاله: عبد الله بن عمرو حسنه الترمذي، وللنسائي وغيره، عن عائشة: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه صححه الحاكم، وفي الصحيح عن البراء آخر آية نزلت }يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ{ وآخر سورة نزلت: براءة وأولها نزل على رسول الله ﷺ‬ لما رجع من غزو تبوك وهم بالحج فأردف بها عليا.

    ولمسلم عن ابن عباس، آخر سورة نزلت }إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ{ وفي الصحيح عنه، آخر ما نزل على رسول الله ﷺ‬ آية الربا، ورواه أحمد عن عمر وروي عن ابن عباس من طرق إن آخر آية نزلت: }وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ{ وقال ابن جريج: عاش بعدها تسع ليال، ولعل الآيات، نزلت دفعة واحدة وكل أخبر بما بلغه، و}يَسْتَفْتُونَكَ{ آخر ما يتعلق بالمواريث وقيل ومنه: }لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ{ الآيتين وقيل: }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ{ فالله أعلم.

([36]) أي: إنزال القرآن العظيم، من الله تعالى، على رسوله ﷺ‬ وصفة ما يصيبه عن ذلك وكتابته وجمعه.

([37]) أي: إنزال القرآن جملة واحدة في ليلة القدر، قال تعالى: }إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ{ وقال: }إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ{ ولا نزاع في ذلك، وحكي الإجماع، على أنه أنزل جملة واحدة إلى بيت العزة، في السماء الدنيا، كما قاله ابن عباس، وغيره وتقدم، أنه لا ينافي كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل نزوله كما قال تعالى: }بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ{.

([38]) أي: وأنزل القرآن من الله تعالى، نزل به جبريل على رسول الله ﷺ‬ منجما، أي: مفرقا، يتلو بعضه بعضا، بحسب الوقائع قال تعالى: }وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا{ قال ابن عباس، وغيره: أنزل القرآن في ليلة القدر، إلى السماء الدنيا، جملة واحدة ثم أنزل بعد ذلك وقرأ الآية.

    وقال تعالى: }وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً{.

    وتقدم قول الشيخ: إن كون جبريل نزل به من الله على محمد ﷺ‬ كما قال تعالى}نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ{ لا ينافي كونه تعالى: كتبه قبل أن يرسل به، ولا كونه قد أنزل مكتوبا إلى بيت العزة، جملة واحدة، وأنه تعالى: كتب أعمال الخلائق، قبل أن يعملوها، ومن قال: إن جبريل أخذه عن الكتاب لم يسمعه من الله، فقوله باطل، مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.

    وفي الصحيح: إذا تكلم الله بالوحي، أخذت السموات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة خوفا من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، وكلما مر بسماء سأله ملائكتها، ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير وغير ذلك من الأحاديث.

([39]) أي: أشد كيفيات تلقي الوحي، على رسول الله ﷺ‬ من جبريل أن يأتيه الملك به في مثل صلصلة الجرس، كما في الصحيح عن ابن عمر، أنه ﷺ‬ قال: «أسمع صلاصل، ثم أسكت عن ذلك فما من مرة يوحى إلي، إلا ظننت أن نفسي تقبض»، وفيه: أنه أشد حالات الوحي ﷺ‬ وقال ابن عباس كان ﷺ‬ يعالج من الوحي شدة، وكان مما يحرك شفتيه فأنزل الله }إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ{ نجمعه لك في صدرك }وَقُرْآنَهُ{ أي: تقرؤه }فَإِذَا قَرَأْنَاهُ{ أي: قرأه جبريل }فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ{.

([40]) أي: ويأتيه جبريل بالوحي، أحيانا، في مثل صورة الرجل، فيكلمه جبريل به، وفي الصحيح، «وأحيانا يتمثل لي الملك فيكلمني فأعي ما يقول»، زاد أبو عوانة، «وهو أهونه علي» وأحيانا ينفث في روعه نفثا، كما رواه الحاكم وغيره: «أن روح القدس نفث في روعي».

([41]) أي: وثبت عن النبي ﷺ‬من غير وجه: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، من حديث أنس، وأبي وحذيفة وغيرهم أكثر من عشرين صحابيا قال أبو عبيدة وغيره: تواتر عن رسول الله ﷺ‬ أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ومر عمر بهشام بن حكيم، وهو يقرأ سورة الفرقان، فانطلق به إلى رسول الله ﷺ‬ فقال: سمعته يقرؤها على حروف لم تقرئنيها فقال له: اقرأها ثم قال لعمر: اقرأها وقال لكل واحد منهما، هكذا أنزلت ثم قال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه. قال الشيخ: ولا نزاع بين العلماء المعتبرين، أن الأحرف السبعة التي ذكر النبي ﷺ‬ أن القرآن أنزل عليها ليست هي قراءات السبعة أو تمام العشرة أو غير ذلك، كقول السلف إنها حرف من الأحرف السبعة، وليست هي مجموعها، وقيل: مجموع الأحرف السبعة، وهم مجمعون على أن الأحرف السبعة، لا يخالف بعضها بعضا، خلافا يتضاد فيه المعنى.

([42]) وتعال، كما قاله ابن مسعود، ولا تتضمن تناقض المعنى، قال الشيخ: بلا نزاع، وقد يكون معنى أحدها، ليس هو معنى الآخر، لكن كلا المعنيين حق، وهذا اختلاف تنوع، وتغاير، كما في الحديث: أنزل القرآن على سبعة أحرف إن قلت غفورا رحيما، أو قلت عزيزا حكيما، فإنه كذلك، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، وكما في القراءات المشهورة كلتزول وليزول وعَجبتَ وعَجبتُ ويخَدعون ويخُادعون.

([43]) أي: وكتب القرآن العظيم، في الرقاع، جمع رقعة وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد وكتب في غير الرقاع، كاللخاف والعسب والقتب والأظلاع وصدور الرجال وغير ذلك قال زيد بن ثابت، قبض النبي ﷺ‬ ولم يكن القرآن جمع في شيء قال الخطابي: إنما لم يجمع النبي ﷺ‬ القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ، لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاء الراشدين لذلك، وفاء بوعده الصادق، بضمان حفظه على هذه الأمة.

([44]) أي: ثم بعد وفاة النبي ﷺ‬ جمع القرآن العظيم في الصحف، في عهد أبي بكر رضي الله عنه؛ ففي الصحيح: أن زيد بن ثابت، قال: أرسل إليَّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر في اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا، لم يفعله رسول الله ﷺ‬؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني، حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي، لرسول الله ﷺ‬ فتتبع القرآن، اجمعه فوالله: لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به، من جمع القرآن قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ‬؟ قال: هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري، للذي شرح له صدر أبي بكر، وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال قال: فكانت الصحف، عند أبي بكر، حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر، وجاء نحوه من غير وجه، وقال علي: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله، وكان زيد بن ثابت: لا يكتب آية، إلا بشاهدي عدل مع وجدانه مكتوبا وحفظه له، مبالغة في الاحتياط.

    وقال البغوي: يقال: إن زيد بن ثابت، شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نسخ، وما بقي وكتبها لرسول الله ﷺ‬ وقرأها عليه وكان يقرئ الناس بها، حتى مات ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر لجمعه،وولاه عثمان كتب المصاحف، ووقعت الثقة لكونهم يبدون عن تأليف معجز، ونظم معروف، قد شاهدوا تلاوته من النبي ﷺ‬ عشرين سنة،ولا ريب أنهم كتبوا ما تحققوا أنه قرآن مستقر في العرضة الأخيرة، وكذا قال غير واحد: القراءة التي عرضت على النبي ﷺ‬ في العام الذي قبض فيه، هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم.

([45]) أي ثم لما كثر اختلاف القراء في وجوه القراءة وخشيت الفتنة جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه الناس، في خلافته على مصحف واحد، وأجمع الصحابة عليه، وترك ما سواه ففي الصحيح، أن حذيفة قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في وجوه القراءة فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا، اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف، ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

    قال الحافظ: وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، قال علي: إنما فعل ذلك في المصاحف، على ملأ منا، وذلك، أنه بلغ عثمان أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف قلنا: فنعم ما رأيت.

    وروي عن أنس أنه قال: اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون فبلغ ذلك عثمان، فقال: عندي تكذبون، وتلحنون فيه، فمن نأى عني، كان أشد تكذيبا وأكثر لحنا يا أصحاب محمد: اجتمعوا فاكتبوا للناس إمام فاجتمعوا فكتبوا فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا في آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله ﷺ‬ فلانا فيرسل إليه فيقال له كيف أقرأك؟ فيقول: كذا وكذا فيكتبونها وقد تركوا لذلك مكانا قال ابن سيرين: إنما كانوا يؤخرونه، لينظروا أحدثهم بالعرضة الأخيرة فيكتبون على قوله.

([46]) أي: ومذهب جمهور أهل العلم، من السلف، والخلف على أن مصحف عثمان، مشتمل على ما يحتمله رسم سبعة الأحرف، وذكر ابن جرير: أن القراءة على الأحرف السبعة، لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان جائزا لهم، ومرخصا لهم فيها، فلما رأى الصحابة، أن الأمة تفترق، وتختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد اجتمعوا على ذلك، إجماعا شائعا، وهم معصومون من الضلالة.

([47]) أي: ومذهب الجمهور، أن الأحرف السبعة، التي قال فيها ﷺ‬ أنزل القرآن على سبعة أحرف متضمنتها العرضة الأخيرة التي عارض جبريل بها النبي ﷺ‬ وقال الشيخ: هذا مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وسائر أئمة المسلمين فإنه ثبت في الصحاح، أنه كان يعارضه في كل عام مرة، وفي العام الذي قبض فيه عارضه مرتين، والآخرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي: التي أمر الخلفاء الراشدون بكتابتها في المصاحف،وجمع عثمان عليها الناس باتفاق من الصحابة.

    وقال القاضي عياض: قد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في جميع الأقطار المكتوب في المصحف، الذي بأيدي المسلمين ما جمعه الدفتان من أول }الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ إلى آخر }قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ{ كلام الله ووحيه المنزل على رسوله محمد ﷺ‬ وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو أبدله بحرف آخر، مما لم يشتمل عليه المصحف، الذي وقع عليه الإجماع، وأجمع عليه أنه ليس بقرآن عامدا لكل هذا فهو كافر.

([48]) أي: وترتيب الآيات القرآنية بالنص إجماعا حكاه غير واحد، وجزموا بأنه واقع بتوقيف النبي ﷺ‬ وأمره، من غير خلاف بين المسلمين،ودلت السنة على ذلك فإنه قد ثبت من قراءته سورا في صلواته، وثبت من قوله: ضعوا هذه الآية، في موضع كذا من هذه السورة، وقوله: في آية الصيف، التي في آخر سورة النساء، وخواتيم سورة البقرة،وعشر آيات من أول سورة الكهف، ومن آخرها، وغير ذلك مما يدل على أن ترتيب الآيات عنه ﷺ‬ توقيفي،وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبي ﷺ‬ يقرأ على خلافه.

    وقال القاضي: ترتيب الآيات، أمر واجب، وحكم لازم، والذي نذهب إليه، أن جميع القرآن الذي أنزله الله، وأمر بإثبات رسمه،ولم ينسخ، ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان وأنه لم ينقص منه شيء، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظمه ثابت، على ما  نظمه الله، ورتبه عليه رسول الله ﷺ‬ من آي السور لم يقدم من ذلك مؤخر، ولا أخر مقدم، وأن الأمة ضبطت عن رسول الله ﷺ‬ ترتيب آي كل سورة، ومواضعها كما ضبطت عنه نفس القراءات، وذات التلاوة وكذا قال البغوي وغيره، وأنه ثبت: أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد، لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، على هذا الترتيب، وأنه حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب عن تلاوته ﷺ‬ ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف، فإن عثمان: أمرهم أن يتابعوا الطوال فجعلت الأنفال والتوبة فيها،ولم يفصل بينهما بالبسملة ولما قيل له: قال: كانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، ولم يبين لنا النبي ﷺ‬ أنها منها، فمن أجل ذلك، قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال، ولا يمتنع أن يكون بعض السور توقيفا علم ترتيبه في حياته ﷺ‬.

([49]) أي: ذكر أسباب نزول القرآن، المعين على الوقوف على المعنى المتعين على المفسر معرفته.

([50]) قال ابن دقيق: بيان سبب النزول، طريق قوي في فهم معاني القرآن، وقال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية بدون الوقوف على قصة أو بيان نزولها، وقال شيخ الإسلام، -قدس الله روحه-: العلم بالسبب، يورث العلم بالمسبب وذلك: أن العلم بسبب نزول الآية، هو الطريق إلى العلم بالمسبب من ذلك قوله تعالى: }لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا{ قال مروان: لئن كان امرؤ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل،معذبا لتعذبن أجمعون فقال ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب، حين سألهم النبي ﷺ‬ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه.

    ومنه قصة عثمان بن مظعون، وعمرو بن عدي، في استدلالهما على حل الخمر بقوله: }لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا{ الآية ولأن نزولها في أناس قالوا لما حرمت الخمر: كيف بمن قتلوا في سبيل الله؟ وكانوا يشربونها وهي رجس؟

([51]) فإذا عرف السبب قصر التخصيص، على ما عدا صورته لأن صورة السبب قطعي، وإخراجها بالاجتهاد، حكى القاضي وغيره: الإجماع على منعه، وقال الشيخ: والآية التي لها سبب معين، إن كانت أمرا ونهيا، فهي متناولة لذلك الشخص، ولغيره ممن كان بمنزلته، لم يقصدوا أن حكم الآية مختص به دون غيره فإن هذا لا يقوله مسلم عاقل، على الإطلاق ولم يقل أحد من علماء المسلمين، إن عمومات الكتاب والسنة، يختص بالشخص المعين.

    وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ وقولهم: نزلت هذه الآية في كذا، يراد به تارة، أنه سبب النزول ويراد به تارة: أن هذا داخل في الآية، وإن لم يكن السبب كما يقال عنى بهذه الآية كذا وقول أحدهم: نزلت في كذا، لا ينافي قول الآخر: نزلت في كذا إذا كان اللفظ يتناولها.

([52]) أي: ومن اللفظ العام، وسببه خاص قوله تعالى: }إِنِ ارْتَبْتُمْ{ فإن من الناس من قال: الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب، ووضح ذلك سبب النزول، وهو أنه لما نزلت الآية في سورة البقرة، في عدد النساء، قالوا: قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن الصغار والكبار فنزلت هذه الآية، وعلم أنها خطاب لمن لم يعلم ما حكمهن في العدة، وارتاب هل عليهن عدة أو لا فمعنى }إِنِ ارْتَبْتُمْ{ إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن.

([53]) أي: ومن ذلك، قوله تعالى: }فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ{ فإن ظاهر اللفظ يقتضي أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة، حضرا ولا سفرا، وهو خلاف الإجماع وهي إنما نزلت في نافلة السفر، أو فيمن صلى باجتهاد فبان له الخطأ.

([54]) أي: ذكر عام القرآن، وخاصه، وما يتعلق بذلك.

([55]) العام: لفظ يستغرق الصالح له، من غير حصر؛ وتدخل النادرة، وغير المقصودة تحته، مطابقة إثباتا أو سلبا ودلالته على أصل المعنى قطعية وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال، والأزمنة والبقاع، وكل والذي والتي وأي وما، ومتى وحيثما ونحوها: للعموم، والجمع المعرف باللام، والإضافة، ما لم يتحقق عهد والنكرة في سياق النفي والنهي، والشرط وغير ذلك وينقسم العام إلى ثلاثة أقسام.

([56]) أي: من أقسام العام، القسم الباقي على عمومه، نحو }وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ }لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا{}الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ{ ونحو ذلك من الأحكام الفرعية }حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ{ وهو عزيز إذ ما من عام إلا ويتخيل فيه التخصيص فنحو }اتَّقُوا رَبَّكُمْ{ قد يخص منه غير المكلف و}حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ{ خص منه حالة الاضطرار والسمك، والجراد، ومن الربا: العرايا، وغير ذلك.

([57]) أي: والقسم الثاني، من أقسام العام، العام المراد به الخصوص، وليس عمومه مرادا، بل كلي استعمل في جزئي ويصح أن يراد به واحد، ولا يراد به شموله لجميع الأفراد بل هو ذو أفراد استعمل في فرد منها، مثاله قوله تعالى: }الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ{ والقائل واحد ويقوي ذلك قوله: }إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ{ وقعت الإشارة بقوله: }ذَلِكُمْ{ إلى واحد بعينه، ومن ذلك قوله: }أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ{ أي رسول الله ﷺ‬ وقوله: }أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ{ وقوله: }فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ{ والمراد جبرائيل وغير ذلك.

([58]) أي والثالث من أقسام العام المخصوص، وهو مراد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها،وتناوله للبعض الباقي بعد التخصيص، كتناوله لها بلا تخصيص.

([59]) أي: والمخصوص من العام، أمثلته كثيرة إذ ما من لفظ في القرآن عام، إلا وقد خص بالقرآن، أو بالسنة أو بالقياس والمطلق مع المقيد، كالعام مع الخاص، فمتى وجد دليل على تقييده، صير إليه، وإلا فلا.

([60]) أي: والمخصص قسمان، إما متصل بالمخصص منه، وإما منفصل والمتصل خمسة أشياء، أحدها الاستثناء، وهو الإخراج بإلا، أو إحدى أخواتها نحو قوله: }وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ{ إلى قوله: }إِلا الَّذِينَ تَابُوا{ ونحو }وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ{ إلى قوله: }إِلا الَّذِينَ آمَنُوا{ وقوله: }وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا{ إلى }إِلا مَنْ تَابَ{}كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ{.

    والثاني: الوصف، نحو }وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ{ والثالث: الشرط نحو }وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا{}كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ{ والرابع: الغاية، نحو }قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله{ إلى قوله: }حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ{ }وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ{ إلى قوله: }حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ{ }وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ{}وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ{ الآية، والخامس بدل البعض من الكل نحو }وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً{.

([61]) أي والقسم الثاني، المنفصل من المخصص منه كآية أخرى في محل آخر من القرآن نحو قوله: }وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ{ خص بقوله: }إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ{ وبقوله: }وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ{ ونحو قوله: }حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ{ خص من الميتة السمك، بقوله: }أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ{ ومن الدم الجامد، بقوله: }أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا{ وقوله: }وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا{ خص بقوله: }فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ{ وقوله: }فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ{ خص بقوله: }فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ{.

([62]) أي: أو خص بحديث، نحو قوله تعالى: }وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ{ خص منه البيوع الفاسدة، وهي كثيرة بالسنة، وقوله: }وَحَرَّمَ الرِّبَا{ خص منه العرايا؛ وآيات المواريث، خص منها: القاتل، والمخالف في الدين؛ وآية تحريم الميتة، خص منها: الجراد بالسنة. وآية: }ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ خص منها: الأمة، بالسنة، }مَاءً طَهُورًا{خص منه المتغير بالسنة؛ أو خص بإجماع، كآية المواريث، خص منها الرقيق، بالإجماع؛ وخص بالقياس: آية الزنا: }فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ{ خص منها العبد بالقياس على الأمة، المنصوصة في قوله: }فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ{ المخصص لعموم الآية المتقدمة.

([63]) وكذا قوله: }حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى{ خص عموم نهيه ﷺ‬ عن الصلاة، في الأوقات المكروهة، بإخراج الفرائض وقوله: }وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا{ الأية خص عموم قوله: «ما أبين من حي فهو كميتته» وقوله: }وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ{ خص عموم: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» وقوله: }فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي{ خص عموم قوله: «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار».

([64])النسخ: الإزالة للحكم، حتى لا يجوز امتثاله قال غير واحد من الأئمة لا يجوز لأحد أن يفسر القرآن، إلا بعد أن يعرف منه الناسخ من المنسوخ، وقال علي لقاض، أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت، والنسخ: مما خص الله به هذه الأمة، لحكم، منها، التيسير، وأجمعوا على جوازه ويرد بالقرآن للقرآن، وبالسنة للقرآن، وقال الشافعي: حيث وقع بالسنة فمعها قرآن، أو بالقرآن فمعه السنة عاضدة، تبين توافق القرآن والسنة.

([65]) تقول العرب: نسخت الشمس الظل إذا أزالته.

([66]) قال الشيخ: والنسخ هنا: رفع ما ألقاه الشيطان، لا رفع ما شرعه الله، قال: وإلقاء الشيطان في أمنيته قد يكون في نفس لفظ المبلغ، وقد يكون في سمع المبلغ، وقد يكون في فهمه قال تعالى: }ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ{ وإحكامه: رفع ما يتوهم فيه من المعنى، الذي ليس بمراد، وكذلك ما رفع حكمه فإن في ذلك جميعه نسخا لما يلقيه الشيطان في معاني القرآن، ولهذا كانوا يقولون: هل عرفت الناسخ من المنسوخ؟ فإذا عرفت الناسخ عرفت المحكم.

([67]) وأصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو، نقله من نسخة إلى أخرى وغيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم، إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارته منه، إلى غيره.

([68]) أي إذا نسخنا حكم آية، فأبدلنا مكانه حكم أخرى }وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ{ أي: والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه، فيما يبدله ويغير من أحكامه وقال: }مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ{ أي حكمها فنبدله، ونغيره ولا يكون إلا في الأمر والنهي، كما يأتي.

([69]) ففي الصحيحين عن عائشة، قالت: «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ‬ وهن مما يقرأ من القرآن»،ولعله قد قارب الوفاة أو أن التلاوة نسخت،ولم يبلغ ذلك كل الناس، إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ‬ فتوفي وبعض الناس يقرؤها وقال أبو موسى نزلت ثم رفعت.

([70]) أي: ومن القرآن ما نسخ تلاوته دون حكمه كآية الرجم فعن أبي بن كعب: أن سورة الأحزاب لتعدل سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموها ألبتة، نكالا من الله والله عزيز حكيم»، وقال عمر، لولا أن يقول الناس، زاد عمر في كتاب الله، لكتبتها وللحاكم أنها لما نزلت قال رسول الله ﷺ‬ اكتبها فكأنه كره ذلك.

    وفي مصحف عائشة: «إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلى الذين يصلون الصفوف الأول»، وللحاكم عن أبي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ }لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا{ ومن بقيتها: لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه، سأل ثانيًا، ولو سأل ثانيا فأعطيه، سأل ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية، ومن يعمل خيرا فلن يكفره»، ولأبي عبيد عن أبي موسى، نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها: «إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»، وروي غير ذلك وفي الصحيحين في قصة أصحاب بئر معونة قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع «أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا».

([71]) أي: والقسم الثالث: ما نسخ حكمه، ولم تنسخ تلاوته.

([72]) أي: وصنفت الكتب الكثيرة فيما نسخ حكمه وبقيت تلاوته، وممن صنف في ذلك أبو عبيد، وأبو داود، وأبو جعفر النحاس، وابن الأنباري، وابن العربي، وابن الجوزي، وغيرهم وهو قليل، وإن كان بعضهم أكثر من تعديد الآيات، فيه، سوى ما اصطلح عليه بعض السلف فسموا كل رفع نسخا، سواء كان رفع حكم أو رفع دلالة ظاهرة.

    قال ابن القيم: مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ، رفع الحكم بجملته تارة ةوهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر، وغيرها تارة، إما بتخصيص، أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد، وتفسيره، وتبيينه، حتى إنهم ليسمون الاستثناء، والشرط، والصفة، نسخا، لتضمن ذلك لرفع دلالة الظاهر وبيان المراد.

    فالنسخ عندهم وفي لسانهم، هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه، وإلا فإنما صحح النسخ في نحو: بضع عشر آية، كما حكاه ابن العربي وغيره منها: }إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ{ بآية المواريث }وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ{ قيل بـ }مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ{}يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ{}وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ{ بـ}قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ{}وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ{ بالآية قبلها }وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ{ بـ }لا يُكَلِّفُ اللهُ{ الآية }وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ{ بـ }أُولُو الأَرْحَامِ{ }وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ{ بآية النور }فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ{ بـ }أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ{ و}إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ{ بالآية بعدها و }قُمِ اللَّيْلَ{ بآخر السورة ثم بالصلوات الخمس، وفي بعض ذلك خلاف.

    وأما من أدخل في المنسوخ نحو }مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ{ بآية الزكاة، و}أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ{}وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا{ بآية السيف، ونحو ذلك فمحكم ليس بمنسوخ، وكذا ما هو من قسم المخصوص، أو ما كان قبل البعثة إلا ما كان في أول الإسلام، وليس في القرآن ناسخ، إلا والمنسوخ قبله سوى آية العدة، }لا تحل لك النساء{ وقيل: وآية الحشر في الفيء.

    والمرجع في النسخ: إلى نقل صريح صحيح، عن النبي ﷺ‬ أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت كذا، وقد يحكم به مع علم التأريخ، لتضمنه رفع حكم، وإثبات حكم، تقرر في عهد النبوة.

([73]) أي: ولا يقع النسخ، إلا في الأمر والنهي؛ ومنه الوعد، والوعيد، والحظر، والإطلاق، والمنع، والإباحة، ويقع النسخ، في الأمر، والنهي بلفظ الخبر، أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب، فلم يدخله النسخ، فإن النسخ: إنما يكون في المتعبدات، لأن لله أن يتعبد خلقه بما شاء، إلى أي وقت شاء ثم يتعبدهم بغير ذلك، وأما الأخبار بغير معنى الطلب، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ.

([74]) أي: بيان المحكم، الواضح الدلالة، والمتشابه الذي فيه اشتباه على كثير من الناس.

([75]) من غيرها حتى لا تشتبه بغيرها، قاله الشيخ وغيره، وعن أحمد: المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان وعن الشافعي: المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا وذكر الشيخ أن الإحكام تارة يكون في التنزيل، فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان فالمحكم المنزل من عند الله، أحكمه الله، أي فصله من الاشتباه بغيره، وفصل عنه ما ليس منه، فإن الإحكام هو الفصل والتمييز، والفرق والتحديد، الذي به يتحقق الشيء ويحصل اتقانه، وتارة يكون في إبقاء التنزيل، عند من قابله بالنسخ، الذي هو رفع ما شرع، وهو اصطلاحي وتارة يكون الإحكام في التأويل والمعنى وهو تمييز الحقيقة، وفسر بما وضح معناه وما كان معقول المعنى وغير ذلك.

([76]) قال الشيخ: فتكون محتملة للمعنيين، وعن أحمد ما احتاج إلى بيان، وعن الشافعي: ما احتمل من التأويل وجوها وقاله أحمد وغيره وقال الشيخ: المحكم في القرآن يقابل بالمتشابه، وبما نسخ كما قال تعالى: }هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ{ وقال: }فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ{ فجعل جميع الآيات محكمة محكمها ومتشابهها كما قال تعالى: }الـرْ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ{.

([77]) أي: الذين في قلوبهم زيغ، عدول عن الحق، يدعون المحكم الذي لا اشتباه فيه، مثل قوله تعالى: }وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ{ }إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي{ }مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ{ }لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ{ }لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ{ ويتبعون المتشابه الذي يشبه هذا ويشبه هذا كأنا ونحن فروي أن نصارى نجران، الذين وفدوا على النبي ﷺ‬ تأولوها على أن الآلهة ثلاثة لكونها ضمير جمع.

    قال الشيخ: ومعلوم أن: أنا ونحن، من المتشابه فإنه يراد بها الواحد الذي معه غيره من جنسه، ويراد بها الواحد الذي معه أعوانه، ولم يكونوا من جنسه، ويراد بها الواحد المعظم نفسه، الذي يقوم مقام من معه غيره، لتنوع أسمائه، التي كل اسم منها يقوم مقام مسمى فصار هذا متشابها، لأن اللفظ واحد، والمعنى متنوع، والأسماء المشتركة في اللفظ هي من المتشابه، وذكر أن ما تأوله المتفلسفة، غيرهم، مما أخبر الله به عما في الآخرة اتباع للمتشابه، وابتغاء الفتنة، بما يوردونه من الشبهات.

    وفي الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله ﷺ‬ قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» وقصة صبيغ مع عمر، حين بلغه أن يسأل عن متشابه القرآن، فسأل عمر عن }الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا{ فقال: ما اسمك؟ قال عبد الله صبيغ، فقال: وأنا عبد الله عمر، وضربه الضرب الشديد.

    وكان ابن عباس: إذا ألح عليه رجل، في مسألة من هذا الجنس، يقول: ما أحوجك أن أصنع بك ما صنع عمر بصبيغ لأنهم رأوا أن غرض السائل: ابتغاء الفتنة، لا الاسترشاد والاستفهام، وقوله: }الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا{ أي: فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد كالذي يعارض بين آيات القرآن وقد نهى النبي ﷺ‬ عن ذلك فقال: «لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض»، ولأن ذلك يوقع الشك في القلوب.

([78]) أي: والذين في قلوبهم: زيغ ويتبعون ما تشابه منه، مع ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله، وهو الحقيقة التي أخبر عنها فإن الكلام نوعان: إنشاء فيه الأمر وتأويله هو نفس الفعل المأمور به، والنوع الثاني: إخبار فيه ذكر أمور القيامة وأشراط الساعة وغير ذلك، وتأويله: عين الأمر المخبر به إذا وقع، وقد جاء اسم التأويل في القرآن في غير موضع؛ منه قوله تعالى: }هَلْ يَنْظُرُونَ{ أي ينتظرون }إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ{ الآية، ليس تأويله فهم معناه، وإنما ذلك مجيء ما أخبر به تعالى من أمور القيامة، وأشراط الساعة، كالدابة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها، ومجيء ربك والملك صفا صفا، وما في الآخرة من الصحف، والموازين والجنة والنار، وأنواع النعيم والعذاب وغير ذلك.

([79]) أي: وما يعلم تلك الحقائق، من أحوال القيامة، وغيرها إلا الله، قال تعالى: }إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ{}فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ{ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن ذلك التأويل، لا يعلمه وقتًا، قدرًا ونوعًا، وحقيقةً، إلا الله، وإنما نحن نعلم بعض صفاته بمبلغ علمنا.

    قال الشيخ: ولم يقل في المتشابه لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله، وإنما قال: }وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ{ وهذا: هو فصل الخطاب، بين المتنازعين في هذا الموضع، فإن الله أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو، والوقف هنا على ما دل عليه أدلة كثيرة وعليه أصحاب رسول الله ﷺ‬ وجمهور التابعين، وجماهير الأمة ومن جعل التأويل: بمعنى التفسير، فمخطئ قطعا، وإنما نشأ في عرف كثير من المتأخرين، بصرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، قال: وهذا الاصطلاح لم يكن يعرف في عهد الصحابة، ولا التابعين، بل ولا الأئمة الأربعة ولا كان التكلم بهذا التأويل المحدث، وهو: صرف اللفظ عن مدلوله، إلى خلاف مدلوله مدلولا عندهم.

([80]) }كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا{ كما قال تعالى: }لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ{ وقال: }وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ{ ولابن مردويه، من حديث عمرو بن شعيب: أن القرآن لم ينزل، ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به، وللحاكم من حديث ابن مسعود: واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا.

([81]) أي: ولم ينف عن الراسخين في العلم، علم معاني القرآن وتفسيره بل قال: }كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ{ وهذا يعم الآيات المحكمات، والآيات المتشابهات وما لا يعقل له معنى لا يتدبر وقال: }أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ{ ولم يستثن شيئا منه نهى عن تدبره، بل ذم من لا يتعقله ولا يتفقهه، ولا يتدبره، فقال: }وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ{ }وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ{ والله ورسوله: إنما ذم من اتبع المتشابه، ابتغاء تأويله، فأما من تدبر المحكم، والمتشابه كما أمره الله، وطلب فهمه ومعرفة معناه، فلم يذمه الله، بل أمر بذلك، ومدح عليه، وأخبر أنه إنما أنزل القرآن ليعلم، ويفهم ويفقه، ويتدبر، ويتفكر فيه، محكمه ومتشابهه.

    ولم يمتنع أحد من الصحابة، ولا التابعين، عن تفسير آية من كتاب الله، وقال هذه من المتشابه، الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها، ولا يفهمها رسول الله ﷺ‬ ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس وهذا لا ريب فيه.

    وذكر أن المسلمين: متفقون على أن جميع القرآن، مما يمكن العلماء معرفة معانيه، وأن من قال: إن من القرآن كلاما لا يفهم أحد معناه ولا يعرف معناه إلا الله، فإنه مخالف لإجماع الأمة مع مخالفته للكتاب والسنة.

([82]) لما تقدم في الصحيح، من حديث عائشة «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه»، وقصة صبيغ وغيرها، وقوله تعالى: }وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ{ إما أن يكون الضمير عائدا على الكتاب أو على المتشابه، فإن كان عائدا على الكتاب، فيصح أن جميع آيات الكتاب المحكمة، والمتشابهة التي فيها إخبار عن الغيب، الذي أمرنا أن نؤمن به، لا يعلم حقيقة ذلك الغيب، ومتى يقع، إلا الله، وقد يستدل لهذا: أن الله جعل التأويل للكتاب كله، مع إخباره أنه مفصل وتقدم وإن كان عائدا إلى ما تشابه منه، فلأن المخبر به من الوعد والوعيد، ونحوه متشابه قال: وما أحسن ما يعاد التأويل إلى القرآن كله، وقال: }بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ{ ففرق بين الإحاطة بعلمه وبين إتيان تأويله، فتبين: أنه يمكن أن يحيط أهل العلم والإيمان بعلمه، ولما يأتهم تأويله، فإن الإحاطة بعلمه: معرفة معاني الكلام على التمام، وإتيان التأويل: نفس وقوع المخبر به، فظهر: أن المتشابه ليس في خصوص الصفات.

([83]) وقال: أما إدخال أسماء الله وصفاته، أو بعض ذلك في المتشابه، الذي لا يعلم تأويله إلا الله، واعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله، كما يقول كل واحد من القولين، طوائف من أصحابنا، وغيرهم فإنهم وإن أصابوا في كثير مما يقولون، ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم.

    فالكلام على هذا من وجهين، الأول: من قال إن هذا من المتشابه، وأنه لا يفهم معناه، فنقول أما الدليل على ذلك، فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل، ولا غيره، جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته، بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا: كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية التي مضمونها: تعطيل النصوص عما دلت عليه وردوها وأبطلوها ونصوص أحمد والأئمة بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه، من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد، والفضائل وغير ذلك.

    قال: والدليل على أن هذا ليس بمتشابه، لا يعلم معناه، أن نقول: لا ريب أن الله سمى نفسه في القرآن بأسماء، مثل الرحمن والودود، والعزيز، والجبار، والعليم، والقدير والرءوف، ونحو ذلك، ووصف نفسه بصفات، مثل: سورة الإخلاص وآية الكرسي وأول الحديد، وآخر الحشر، وقوله: }إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ و}عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ وأنه }يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ{ ويرضى عن الذين آمنوا، و}اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ{ }مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ{}وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ{}وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي{ إلى أمثال ذلك، فيقال لمن ادعى في هذا، أنه متشابه، لا يعلم معناه، أتقول هذا في جميع ما سمى الله، ووصف به نفسه، أم في البعض؟ فإن قلت هذا في الجميع، كان هذا عنادا ظاهرا، وجحدا لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، بل كفر صريح، فإنا نفهم من قوله: }إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ معنى ونفهم من قوله: }إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ معنى ليس هو الأول ونفهم من قوله: }وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ{ معنى ونفهم من قوله: }إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ{ معنى، وصبيان المسلمين، بل كل عاقل يفهم هذا.

    قال: ومن أقر بفهم بعض معنى هذه الأسماء والصفات، دون بعض فما الفرق بين ما أثبته وبين ما نفاه، من جهة السمع؟ بأن أحد النصين دال دلالة قطعية، أو ظاهرة، بخلاف الآخر، أو من جهة العقل، بأن أحد المعنيين يجوز، أو يجب إثباته دون الآخر، وكلاهما باطل، في أكثر المواضع.

    قال: ونكتة الكلام: أن غالب من نفى، وأثبت شيئا، مما دل عليه الكتاب والسنة، لا بد أن يثبت الشيء لقيام المقتضى وانتفاء المانع، وينفي الشيء لوجود المانع، أو لعدم المقتضى فيبين له أن المقتضى فيما نفاه، قائم كما أنه فيما أثبته قائم، إما من كل وجه، أو من وجه يجب به الإثبات، وإما المانع فيبين أن المانع الذي يتخيله فيما نفاه، من جنس المانع الذي تخيله فيما أثبته، وعليه أن يسوي بين الأمرين في الإثبات والنفي.

    قال: وما أعلم أحد من الخارجين، عن الكتاب والسنة، من جميع فرسان الكلام، والفلسفة، إلا ولا بد أن يتناقض، فيحيل ما أوجب نظيره، ويوجب ما أحال نظيره، إذ كلامهم من عند غير الله، والصواب: ما عليه أئمة الهدى، وهو: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ‬ لا يتجاوز القرآن، والحديث ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضيين، أهل العلم والإيمان، والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة، لا ترد بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يعرض عنها فيكون من باب }الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا{ ولا يترك تدبر القرآن، فيكون من باب الذين }لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ{ فهذا أحد الوجهين، وهو: منع أن تكون من المتشابه.

    والوجه الثاني: إذا قيل هذه من المتشابه، أو كان فيها ما هو من المتشابه، كما نقل عن بعض الأئمة، أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابها، فيقال: الذي في القرآن، أنه لا يعلم تأويله إلا الله، إما المتشابه، وإما الكتاب كله ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه، كما تقدم في القيامة، وأمور القيامة وهذا الوجه قوي إن ثبت حديث وفد نجران، ويؤيده، أنه قد ثبت أن في القرآن متشابها، وهو ما يحتمل معنيين وفي مسائل الصفات، ما هو من هذا الباب، كما أن ذلك في مسائل المعاد، وأولى، فإن نفي المتشابه بين الله وبين خلقه، أعظم من نفي المتشابه بين موعود الجنة وموجود الدنيا.

    وإنما نكتة الجواب، هو ما تقدم أن نفي علم التأويل ليس نفيا لعلم المعنى، وذكر أن الله حظ على تدبره، وتفقه وتعقله والتذكر به، والتفكر فيه، وأنه تعالى لم يستثن من ذلك شيئا بل نصوص متعددة، تصرح بالعموم، وأن السلف من الصحابة والتابعين، وسائر الأمة، قد تكلموا في جميع نصوص القرآن آيات الصفات وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالتها، ورووا عن رسول الله ﷺ‬ أحادث كثيرة توافق القرآن وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم.

    وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا عن شيء من ذلك لم ينفوا معناه بل يثبتون المعنى وينفون الكيفية كقول مالك لما سئل عن قوله: }الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى{ قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس في أهل السنة من ينكره، وقد بين أن الاستواء معلوم، ولكن الكيفية لا تعلم،ولا يجوز السؤال عنها، لا يقال: كيف استوى ولم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه،  ولو قيل: كيف كلم موسى؟ قلنا: التكليم معلوم، والكيف غير معلوم؛ قال: ثم السلف متفقون على تفسيره، بما هو مذهب أهل السنة قال بعضهم: استوى على العرش ارتفع، علا على العرش، وأما التأويلات المحرفة، مثل استولى، وغير ذلك فهي من التأويلات المبتدعة.

([84]) أي: وعند السلف، قراءة الآيات، الواردة في الأسماء والصفات، هي تفسيرها فتعلم الذات المقدسة، والصفات المعظمة، من حيث الجملة، على الوجه الذي يليق بجلال الله وعظمته ويفهم من قراءتها، معنى ما دلت عليه، وتعتقد حقيقة لا مجازا.

([85]) أي: وتمر آيات الأسماء والصفات وتجري على ظاهرها، وتقر كما جاء في كتاب الله، دالة على ما فيها، من معاني صفات الكمال، ونعوت الجلال لا تحرف أي: لا تبدل ولا تؤول على غير المراد ولا يلحد أي: لا يميل أحد عن الاستقامة في معانيها وإذا قال السلف: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا علم حقائق الأسماء والصفات.

    قال الشيخ: وقد جمع أهل العلم، من أهل الحديث، والفقه والكلام والتصوف، آيات الصفات، وأحاديثها وتكلموا في إثبات معانيها، وتقرير صفات الله التي دلت عليها تلك النصوص لما ابتدعت الجهمية جحد ذلك والتكذيب له، قال: وكل من علم ما جاءت به الرسل، وما يقوله هؤلاء علم أنهم: في غاية المشاقة والمحادة والمحاربة لله ورسله، تأولوا كتاب الله على غير تأويله، فحرفوا الكلم عن مواضعه وألحدوا في أسماء الله وآياته، بحيث حملوها على ما يعلم بالاضطرار أنه خلاف مراد الله ورسوله، كما فعل إخوانهم القرامطة والباطنية.

([86]) العام: كل لفظ يستغرق الصالح له، من غير حصر، ويأتي تخصيصه متصلا ومنفصلا وتقييد المطلق، كالعام مع الخاص، ومتى وجد دليل على تقييد المطلق، صير إليه والتخصيص والتقييد متشابه، لاحتماله معنيين، فالأول كـ }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ{ قد يخص غير المكلف، والثاني نحو }وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ{ وأطلق الشهادة في البيوع.

([87]) أي: وكذا المجمل، وهو: ما لم تتضح دلالته فإنه متشابه نحو }وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ{ فإنه موضوع، لأقبل وأدبر وكقوله }ثَلاثَةَ قُرُوءٍ{، }وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ{، }وَلا تَعْضُلُوهُنَّ{،}يُلْقُونَ السَّمْعَ{ ومنه: احتمال العطف والتقديم والتأخير، وإحكام المتشابه، رفع ما يتوهم فيه، من المعنى الذي ليس بمراد.

    ومن المجمل، ما يقع إحكامه متصلا نحو }مِنَ الْفَجْرِ{ بعد قوله: }الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ{ ومنفصلا في آية أخرى نحو }فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ{ بعد قوله: }الطَّلاقُ مَرَّتَانِ{.

([88]) أي: ذكر حكم التأويل، في لغة القرآن، وعند السلف والمتأخرين من أهل الكلام وغيرهم، قال الشيخ: التأويل: مصدر، أوله يؤوله تأويلا، مثل حول تحويلا، وعول تعويلا، وأول يئول تعدية آل، يئول أولاً وقولهم آل يئول أي: عاد إلى كذا ورجع إليه، ومنه المآل وهو: ما يئول إليه الشيء قال: فتأويل الكلام، ما أوله إليه المتكلم، أو ما يئول إليه الكلام، أو ما تأول المتكلم ومطلقا: نفس المراد بالكلام؛ وفي النهاية: من آل الشيء إلى كذا رجع وصار إليه.

([89]) أي: التأويل في لغة القرآن: هو نفس وقوع المخبر به، لا يعلم حقيقته إلا الله عز وجل، وإنما نعلم بعض صفاته بمبلغ علمنا قال تعالى: }وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ{ فأخبر تعالى: أنه لا يعلم تأويله إلا هو جل وعلا، وقد جاء في غير موضع، منه قوله تعالى }وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ{ وذلك مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة، وأشراطها، وما فيها من الصحف والموازين والجنة والنار، وأنواع النعيم، والعذاب وغير ذلك فهذا ونحوه، لا يعلم وقته، وصفته إلا الله عز وجل قال تعالى: }يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي{ وكذا قوله: }بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ{ وغير ذلك فتأويل الأخبار عين المخبر به إذا وقع.

    وقال الشيخ: فالتأويل فيه، نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أو مستقبلة فإذا قيل: طلعت الشمس فتأويل هذا، نفس طلوعها هذا هو لغة القرآن التي نزل بها وأما تأويل الأمر، فهو: نفس الفعل المأمور به، كما قالت عائشة رضي الله عنها: كان يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن.

    قال: والتأويل في سورة يوسف، تأويل أحاديث الرؤيا والتأويل في الأعراف، ويونس تأويل القرآن، وفي قصة موسى، وصاحبه، تأويل الأفعال التي فعلها لعالم من خرق السفينة وقتل الغلام، وإقامة الجدار.

([90]) مع أنه عندهم مطلقا، نفس المراد بالكلام، ولهذا كان ابن جرير، يقول في تفسيره القول في تأويل قوله تعالى، واختلف أهل التأويل، في هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير وقال أبو عبيد وطائفة هما بمعنى.

وقال الشيخ: التأويل في لفظ السلف له معنيان أحدهما: تفسير الكلام،وبيان معناه، سواء وافق ظاهره، أو خالفه، فيكون التأويل، والتفسير، عند هؤلاء متقاربا، أو مترادفا، والمعنى الثاني: هو نفس التأويل،المراد بالكلام فالأول فيه من باب العلم والكلام، كالتفسير، والشرح والإيضاح ويكون وجود التأويل، في القلب واللسان له الوجود الذهني واللفظي والرسمي والثاني: التأويل فيه، نفس الأمور الموجودة في الخارج.

([91]) قال الشيخ: وهذا هو التأويل، الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف، فإذا قال أحد منهم: هذا النص مؤول أو هو محمول على كذا، قال الآخر: هذا نوع تأويل، والتأويل يحتاج إلى دليل، هذا هو التأويل، الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات، إذا صنف بعضهم، في إبطال التأويل أو ذم التأويل، أو قال بعضهم: آيات الصفات لا تؤول وقال الآخر يجب تأويلها وقال الثالث: بل التأويل جائز يفعل عند المصلحة، ويترك عند المصلحة، أو يصح للعلماء، دون غيرهم إلى غير ذلك من المقالات والتنازع.

    وبسبب الاشتراك في لفظ التأويل بين ما عناه الله في كتابه وبين ما كان يطلقه كثير من السلف، وبين اصطلاح كثير من المتأخرين، اعتقد كل من فهم منه معنى بلغته، أن ذلك هو المذكور في القرآن.

([92]) أي: والتأويل عند المتأخرين، من المتكلمة، وغيرهم، حمل ظاهر من نص على محتمل مرجوح، وكذا قاله الشيخ، وغيره من الأصحاب، والشافعية، وغيرهم، قال ولا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ متأول، بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح، إلى المعنى المرجوح.

([93]) أي: ومن التأويل الباطل، ما تأوله المخالفون للرسل، ومنهم القرامطة، والباطنية والمؤولون، للأخبار، والأوامر، وهو بلا مرية، من تحريف الكلم عن مواضعه، وقال: مثل ما يدعيه، الباطنية والقرامطة، من الإسماعيلية، والنصيرية، وأمثالهم ومن وافقهم من الفلاسفة، وغلاة المتصوفة، والمتكلمين وشر هؤلاء القرامطة ومبدأ حدوثهم: سنة عشرين ومائتين، فإنهم يدعون، أن للقرآن باطنًا يخالف الظاهر، فيقولون: الصلاة المأمور بها، ليست هذه إنما يؤمر بها العامة، وأما الخاصة: فالصلاة في حقهم معرفة أسرارنا، وجبريل هو العقل الفعال الذي تفيض منه الموجودات وأمثال هذه الأمور.

    وقد دخل في كثير من أقوالهم، كثير من المتكلمين والمتصوفين وباطنيتهم يقولون: في قوله: }اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ{ إنه القلب وممن سلك ذلك صاحب الأنوار وباطنية الفلاسفة، يفسرون الملائكة، بقوي النفس، ومنهم من يفسر القرآن بما يوافق باطنهم الباطل كقوله: }مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ{ هي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله، وقولهم: إن العذاب مشتق من العذوبة، وأمثال هذه التأويلات، والتفسيرات التي يعلم كل مؤمن أنها مخالفة لما جاءت به الرسل.

([94]) أي: وما تأوله الفلاسفة للإخبار عن الله كتأويلهم الـ }أَحَدًا{ أنه: الذي لا يتميز منه شيء عن شيء و }الْيَوْمِ الآخِرِ{ أنه تخييلات للحقائق، ونحو ذلك مما هو صرف للآيات عن ظاهرها.

([95]) أي: وما تأوله الجهمية، والمعتزلة وغيرهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر كزعمهم في بعث الأجساد ورد الأرواح إلى الأبدان، ووجود الجنة والنار، بأنها أمثلة ضربت للعوام، ليفهموا الثواب والعقاب، الروحانيين، وأن الله لم يقدر الأقدار ولم يتقدم علمه بها، وإنما يعلمها بعد وقوعها وكتأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد: بالنعمة وغير ذلك بما هو من تحريف الكلم عن مواضعه.

    والتحريف، هو العدول، بالمعنى عن وجهه، وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر، بقدر مشترك بينهما، وأما تحريف اللفظ، فهو: العدول عن جهته إلى غيرها، إما بزيادة أو نقصان، أو حركة.

([96]) الشيخ: هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم، بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الخضر، بن علي، بن عبد الله بن تيمية، الحراني، العالم الرباني، مفتي الأمة بحر العلوم قامع البدع، صاحب المصنفات المؤيدة بالكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة.

    وإذا أطلق الشيخ، أو شيخ الإسلام، فهو المعني، رحمه الله فإنه أكبر آيات الله في خلقه، أيد الله به كتابه، وسنة نبيه وما كان عليه السلف، وما ذاك إلا لما جمع الله له، من العلوم النقلية والعقلية الشرعية، والتأريخية، والفلسفية ومن الإحاطة بمذاهب أهل الملل، والنحل، وآراء أهل المذاهب، ومقالات الفرق، حفظا وفهما لم يعهد عن أحد من علماء الأرض قبله، ولا بعده، ولما أعطي من قوة الحكم، في إحقاق الحق وإبطال الباطل، بالبراهين، العقلية، والنقلية فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء.

    والخطأ الواقع في معنى التأويل المنفي: اعتقادهم، أن معنى التأويل، في القرآن هو: التفسير والمراد به: نفس وقوع المخبر به، والخطأ في التأويل، الذي أثبتوه كتأويل اليد بالنعمة، والاستواء بالاستيلاء، ونحو ذلك.

    قال: ومعرفة ماجاء به الرسول، وما أراده بألفاظ القرآن والحديث هو أصل العلم والإيمان والسعادة والنجاة ثم معرفة ما قاله الناس، في هذا الباب، لينظر المعاني الموافقة للرسول ﷺ‬ والمعاني المخالفة له.

([97]) وقال ابن القيم: المعتزلة، والجهمية، وغيرهم، من المتكلمين، مرادهم بالتأويل: صرف اللفظ، عن ظاهره، وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين، من أهل الأصول والفقه ولهذا يقولون: التأويل على خلاف الأصل، والتأويل يحتاج إلى دليل وهذا التأويل هو الذي صنف، في تسويغه، وإبطاله من الجانبين وقد حكى غير واحد إجماع السلف على عدم القول به.

    وقال: التأويل شر من التعطيل، لتضمنه التشبيه، والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها، وانتهاك حرمتها، التأويل الباطل، أنواع منها: ما لا يحتمله اللفظ أو لا يدل عليه، أو لا يؤلف استعماله فيه، وأهله هم الذين يقولون النصوص الواردة في الصفات، لم يقصد بها الرسول، أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معان،ولم يبين لهم ذلك، ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص، عن مدلولها.

([98]) أي: لم يقل أحد من سلف الأمة، وأئمتها ظاهر هذا النص، من القرآن، أو السنة غير مراد، والظاهر في عرف السلف بحيث لا يحرف الكلم عن مواضعه، لا يلحد في أسماء الله وآياته ولا يفسر القرآن، وكذا الحديث، بما يخالف تفسير سلف الأمة، وأهل السنة بل يجري ذلك على ما اقتضته النصوص وتطابق عليه دلائل الكتاب، والسنة وأجمع عليه سلف الأمة.

([99]) حاشاهم عن ذلك، ولا قالوا مجاز يصح نفيه، بل كلام الله ورسوله حق على حقيقته.

([100]) وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ‬ تناقض ولا اختلاف بل يصدق بعضه بعضا.

    قال ابن القيم: لما كان وضع الكلام للدلالة على مراد المتكلم وكان مراده لا يعلم، إلا بكلامه انقسم كلامه ثلاثة أقسام أحدها: ما هو نص في مراده، لا يقبل محتملا غيره والثاني: ما هو ظاهر في مراده، وإن احتمل أن يريد غيره، والثالث: ما ليس بنص، ولا ظاهر في المراد، فهو محتمل، محتاج إلى بيان فالأول: يستحيل دخول التأويل فيه، وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها، خصوصا آيات الصفات، والتوحيد والثاني: ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل فهذا ينظر في وروده فإن اطرد استعماله، على وجه واحد استحال تأويله، لأن التأويل، إنما يكون لموضع جاء خارجا عن نظائره، فيؤول حتى يرد إلى نظائره والثالث: الخطاب بالمجمل، الذي أحيل بيانه، على خطاب آخر فهذا أيضا: لا يجوز تأويله، إلا بالخطاب الذي بينه.

    والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة للتأويل، أن تكون له عدة معان، وليس معه ما يبين مراد المتكلم، فهذا التأويل فيه مجال واسع، وليس في كلام الله شيء من الجمل المركبة.

([101]) أي: ذكر نفي المجاز، الذي لهج به المتأخرون، وجعله الملحدون سلما لنفي حقائق الكتاب، والسنة قال في القاموس، المجاز: خلاف الحقيقة، وقد صرح الناس قديما وحديثا، بأنه لا يجوز أن يتكلم الله بشيء، ويعني به خلاف ظاهره.

([102]) أي: صرح بنفي المجاز، المحققون، من أصحاب الإمام أحمد غيرهم، كابن حامد، وابن وهب، وداود بن علي، ومنذر بن سعيد، وأنكر أبو إسحاق الإسفراييني وغيره، أن يكون في اللغة مجاز بالكلية، وأنكره شيخ الإسلام، وابن القيم وبينا خطأ من ادعاه، وقال شيخنا: من ادعاه في لغة العرب، لزمه أن يقوله في كتاب الله، وإلا تناقض لنزوله بلغتهم.

([103]) وقال الشيخ: لم ينطق به السلف ونفس هذا التقسيم باطل وقال ابن القيم: لم يرد الشرع بتقسيم الكلام، إلى حقيقة ومجاز، ولا دل عليه، ولا أشار إليه وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم، بأن العرب قسمت لغتها إلى حقيقة ومجاز ولا قال أحد من العرب قط، هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز ولا وجد في كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهة , ولا بواسطة ذلك، ولهذا: لا يوجد في كلام الخليل،وسيبويه والفراء وأبي عمرو بن العلاء، والأصمعي وأمثالهم، كما لم يوجد ذلك في كلام رجل واحد، من الصحابة، ولا من التابعين، ولا تابعي التابعين ولا في كلام أحد من الأئمة الأربعة.

([104]) وقال ابن القيم: هو اصطلاح حدث، بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص، وكان منشأه من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، من المتكلمين وأشهر ضوابطهم: أن الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا.

    قال: وتقسيمهم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إما أن يكون عقليا أو شرعيا أو لغويا أو اصطلاحيا والأقسام الثلاثة الأول باطلة فإن العقل لا مدخل له في دلالة اللفظ على معناه، والشرع لم يرد بهذا التقسيم، وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم بأن العرب قسمت لغاتها، إلى حقيقة ومجاز وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيما شرعيا ولا عقليا ولا لغويا، فهو اصطلاح حادث محض غير منضبط  ولا مطرد ولا منعكس بل متضمن للتفريق بين المتماثلين من كل وجه.

([105]) وإبطال الحقائق، وتعطيل الألفاظ عن دلالتها على المعاني، من ذلك قولهم في قوله تعالى: }وَجَاءَ رَبُّكَ{ هو من مجاز اللغة تقديره: وجاء أمر ربك وقولهم في اسمه }الرَّحْمَنِ{ وصفة بالرحمة مجاز لأن الرحمة رقة تعتري القلب، وقولهم في استوائه على العرش، أنه بمعنى استولى، أو قصد أو مجمل في مجازاته وفي اليدين مجاز في النعمة، أو القدرة وفي الوجه، أي: يبقى ربك أو ثوابه وادعوه في العلو والنزول وغير ذلك من صفات الرب، جل وعلا وتقدس.

    وقالوا: يمتنع حمله على الحقيقة حتى زعم ابن جني، وغيره من أهل البدع، والاعتزال: أن أكثر اللغة مجاز، وكان هو وشيخه أبو علي الجبائي، من كبار أهل البدع، المنكرين لكلام الله، في زمن قوة شوكة المعتزلة، وكانت الدولة، دولة رفض واعتزال، في عهد عضد الدولة، وكان وزيره ابن عباد معتزليا وقاضيه عبد الجبار معتزليا وتقدم أن أول من ظهر منهم تقسيم الكلام، إلى حقيقة ومجاز: المعتزلة، والجهمية.

    وقد علم بالاضطرار أن الله متكلم حقيقة، فكيف يتصور دعوى المجاز في كلامه، إلا على أصول الجهمية الذين يقولون: كلام الله مخلوق،ولم يقم به كلام، وقد أطبق السلف عن تضليلهم وتكفيرهم ومن أقر أن الله تكلم بالقرآن فإنه لا يتصور على أصله دخول المجاز في كلام الله بل كلامه تعالى حق على حقيقته، ولو احتمل أن يكون المراد به غير ظاهره، انتفى الوثوق به تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا.

    قال ابن القيم: وإذا كان ظاهر كلام الله والأصل فيه الحقيقة، لم يجز أن يحمل على مجازه، وخلاف ظاهره ألبتة، وذكر أن القائلين بالمجاز: منهم من أسرف فيه وغلا، حتى ادعى أن أكثر ألفاظ القرآن، بل أكثر اللغة مجاز، واختار هذا جماعة ممن ينتسب إلى التحقيق، والتدقيق، ولا تحقيق، ولا تدقيق، وإنما هو خروج عن سواء الطريق ومفارقة للتوفيق.

([106]) وليس لمن فارق بينهما حد صحيح يميز به بين هذا، وهذا وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول، بل يتكلم بلا علم، ولهذا كان كل ما يذكرونه من الفروق، يبين أنها فروق باطلة وكلما ذكر بعض المتأخرين فرقا أبطله الآخر.

([107]) أي: يسوغ ويمكن من جاز جوازا ومجازا أي: هذا غير ممنوع في اللغة.

([108]) أي: لم يرد هذا التقسيم،، الذي قسمه المتأخرون، الحادث بعد القرون المفضلة.

([109]) أي: على جواز نفي الحقائق، بل لا يجوز أن تسمى أدلة القرآن ظواهر لفظية، ومجازات فإن هذه التسمية: تسقط حرمتها من القلوب، ولا سيما إذا أضافوا إلى ذلك، تسمية شبه المتكلمين والفلاسفة قواطع عقلية.

([110]) الهائل المفزع، من الأمور، أي لا يفزعنك، ويعظم عليك اتفاق المتأخرين بعد القرون المفضلة، على القول بالمجاز في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ‬.

([111]) أي: شر من القول بالمجاز، فقد أطبق الأكثر على دعاء الأنبياء، والصالحين، وغيرهم، مع الله، باسم الوسائل واتخذوا أحبارهم، ورهبانهم أرباب، من دون الله واستباحوا المحرمات وتنقصوا من تمسك بالكتاب والسنة فالله المستعان.

([112]) ابن القيم: هو شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب، الزرعي، المعروف بابن قيم الجوزية، العالم الرباني، طبق ذكره الخافقين، أخذ عن شيخ الإسلام وغيره، وقام هو، وشيخه أتم قيام في إزالة البدع، وكانا من آيات الله، ونعمه العظمى، حفظ بهما دينه، لما اشتدت مناواة الإسلام، حتى عظمت بلية مدعية المجاز، توفي رحمه الله سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.

-قال قدس روحه-، في الصواعق المرسلة، في الرد على الجهمية، والمعطلة: فصل في كسر الطاغوت، الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء، والصفات، وهو طاغوت المجازت، هذا الطاغوت، لهج به المتأخرون، والتجأ إليه المعطلون وجعلوه جنة يتترسون به، من سهام الراشقين ويصدون به عن الوحي المبين، ذكر خمسين وجها، في إبطاله، منها: أنه قول مبتدع، وأن تقسيم الكلام، إلى حقيق ومجاز، تقسيم فاسد وتحكم محض، ولا يستلزم وجوده، وأن دعواه: تستلزم، وضعا قبل الاستعمال، وكلام الله ليس له وضع سابق على الاستعمال فلا تتصور فيه دعوى المجاز.

    وعد منها ما يثلج الصدر، وذكر شيئا من فروقهم، بين الحقيقة والمجاز، ثم قال: ولهذا قالت الجهمية المعطلة، في الصفات، إنها مجازات في حق الرب لا حقائق لها وهذا هو الذي حدانا، على تحقيق القول في المجاز، فإن أربابه: ليس لهم فيه ضابط مطرد ولامنعكس وهم متناقضون غاية التناقض خارجون عن اللغة والشرع، وحكم العقل، إلى اصطلاح فاسد، قال وقد صرح غلاتهم بإنكار معانيها باكلية ويقولون هي ألفاظ لا معاني لها.

    وقال أيضا: وتكون عندهم حقيقة للمخلوق، مجازا للخالق وهذا: من أبطل الأقوال، وأعظمها تعطيلا،وقد التزمه معطلوهم فلا يكون عندهم رب العالمين موجودا حقيقة ولا ملكا حقيقة، ولا ربا حقيقة، وكفى أصحاب هذه المقالة بها كفرا وهذا القول: لازم لكل من ادعى المجاز، في شيء من أسماء الرب، وأفعاله لزوما لا محيص لهم عنه

([113]) أي: عن المجاز، وتقدم أنه حق، وأن القرآن كلام الله حقيقة، حروفه، ومعانيه، وأن السلف الصالح، مجمعون على ذلك أن من قال خلاف ذلك فمبتدع ضال.

([114]) أي ذكر إعجاز القرآن، وهو أعظم معجزات نبينا محمد ﷺ‬ ولا نزاع بين العقلاء: أن كتاب الله معجز، لم يقدر أحد على معارضته وقال تعالى: }وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ{ فلولا أن سماعه حجة عليه، لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجة، إلا وهو معجزة وقال تعالى: }أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ{ فأخبر تعالى: أنه كاف في الدلالة، قائم مقام معجزات غيره، من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حيث ثبت كونه معجزة نبينا محمد ﷺ‬وجب الاهتمام بمعرفة إعجازه.

([115]) أي: المعجزة المتحدي بها، أمر من الأمور المهولة خارق للعادة المألوفة مما يعتاده الإنسان مخالف مقتضاها.

([116]) يعجز البشر، أن يأتوا بمثله، يقال: عارضة بمثل صنيعه وأتى إليه بمثل ما أتى وناقض كلامه وقاومه وباراه.

([117]) أي: والقرآن العزيز، معجز أبدا إلى يوم القيامة وكان أكثر معجزات الانبياء قبل محمد ﷺ‬ حسية انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة هذه الأمة عقلية باقية على صفحات الدهر، لبقاء هذه الشريعة، فلا يمر عصر من الأعصار، إلا وكتاب الله، آية من آيات الله، يظهر شيء مما أخبر به، أنه سيكون يراه أولو البصائر دال على صحته إلى يوم القيامة.

    وفي الصحيح: «ما من نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا».

([118]) أي: أعجز القرآن الفصحاء على أن يأتوا بمثله، مع حرصهم علىمعارضته وإطفاء نوره وإخفاء أمره، ولو كان في مقدرتهم معارضته لصالوا بها قطعا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه، بشيء من ذلك، ولا رامه بل عدلوا إلى العناد والاستهزاء.

([119]) أي: وقد تحدى تعالى العرب، وكانوا أفصح الفصاء ومصاقع الخطباء على أن يأتوا بحديث مثل القرآن كما قال تعالى: }فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ{ ثم تحداهم بعشر سور منه، كما في قوله تعالى: }أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ{ ثم تحداهم بسورة كما قال تعالى: }أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ{ }وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ{ فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه، على كثرة الخطباء فيهم، والبلغاء، والحرص على المعارضة نادى عليهم بإظهار العجز، وإعجاز القرآن فقال: }قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا{.

([120]) أي: وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، وجوها كثيرة من دلائل إعجازه وما بلغوا عشر معشارها، منها: أسلوبه الغريب، المخالف لأساليب كلام العرب، مع قوة فصاحتها، من دليل إعجازه أيضا: بلاغته، الخارقة لعادة العرب، الذين هم فرسان الكلام وارباب هذا الشأن وكل واحد من هذين النوعين الأسلوب الغريب بذاته، والبلاغة الخارقة بذاتها نوع إعجاز لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منها، إذ كل واحد منها خارج عن قدرتها مباين لفصاحتها وقال بعضهم الإيجاز مع البلاغة والإيجاز والإطناب من أعظم أنواع البلاغة.

([121]) أي: ومن وجوه إعجازه: بديعه الباهر، وبيانه الظاهر الذي هو في أعلى درجات البيان وفصاحته التي هي في الغاية، القصوى من الفصاحة واستمرارها فيه، من جميع أنحائها في جميعه، استمرارًا ظاهرًا لا يوجد له فترة ولا يقدر عليه أحد من البشر وبذلك قامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا ارباب الفصاحة ومظنة المعارضة وقال بعضهم: وجه الإعجاز الفصاحة وغرابة الأسلوب، والسلامة من جميع العيوب.

([122]) أي: ومن وجوه إعجازه: حسن تأليفه ومخالفته لنظم ما عداه والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم ونبه تعالى: على أن تأليفه، ليس على هيئة ما يتعاطاه البشر، فقال تعالى: }وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ{.

([123]) أي: ومن وجوه إعجازه أيضا: ما فيه من الإخبار، عن المغيبات المستقبلة، ولم يكن ذلك من شأن العرب، وما تضمنه أيضا من قصص الأولين، وسائر المتقدمين، حكاية من شاهدها، وحضرها وما تضمنه أيضا: من الإخبار عن الضمائر كقوله: }إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ{،}وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ{ وغير ذلك.

([124]) أي: وذكر بعضهم من وجوه إعجازه: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه، عند سماعه والتأثير في نفوسهم والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته بل لا تستمع كلاما غير القرآن إذا قرع سمعك خلص إلى قلبك من اللذة والحلاوة ما يخلص منه إليه قال تعالى: }لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ{ وقال: }تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ{.

    ومنها: كون سامعه، لا يمله، وكونه لم يزل، ولا يزال غضا طريا، في أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين.

ومنها: جمعه بين الجزالة، والعذوبة كونه آخر الكتب، غنيا عن غيره وذكروا غير ذلك، من وجوه إعجازه، لما اشتمل عليه، من التركيب المعجز، الذي تحدى به الجن والإنس، والمعاني الصحيحة، الكاملة التي هي من أعظم التحدي عند كثير من العلماء.

    وذكر الشيخ، وغيره أن الحروف المقطعة في أوائل السور، إنما ذكرت بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي، والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن، قال ابن كثير: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته.

    قال الشيخ: فالقرآن معجز بلفظه، ونظمه ومعناه وإعجازه يعلم من طريقين: إجمالي وتفصيلي، أما الإجمالي فهو أنه: قد علم بالتواتر أنه ﷺ‬ ادعى النبوة، وجاء بهذا القرآن وأن في القرآن آيات التحدي، والتعجيز وأخبر: أن جميع الإنس والجن، لو اجتمعوا لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.

    وعلم أنهم كانوا يعارضونه، ولم يأتوا بسورة من مثله، وذلك يدل على عجزهم عن معارضته لأن الإرادة الجازمة، لا يتخلف عنها الفعل مع القدرة وقد علم بالتواتر، أنهم أشد الناس حرصا ورغبة، على إقامة حجة يكذبونه بها قال: وأما الطرق فكثيرة جدا، متنوعة من وجوه،وليس كما يظنه بعض الناس، أن معجزته من جهة صرف الدواعي، عن معارضته أي: حتى إن من ظهور إعجازه مع شدة حرص البلغاء، على إخفاء أمره، أن قال الوليد، وكان أحد رؤساء قريش ويسمى ريحانة قريش، وكانوا سألوه عما يقول في القرآن، قبل أن يفكر ويقدر.

    كما ذكره الله عنه، وكان جاء إلى النبي ﷺ‬ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه كما ذكره أهل التفسير وغيرهم فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا، ليعطوكه، لئلا تأتي محمدا لتعرض لما عنده، فقال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك كاره له قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة والحلو ضد المر، الطيب، اللذيذ المعجب.

([125]) أي: حسن، وبهجة وقال: إنه لمثمر أعلاه، أي يجتنيه من هداه الله، مغدق أسفله خصب عذب، وإنه ليعلو، ولا يعلى عليه، يعني: أن القرآن ليعلو كل كلام، ولا يعلى عليه من التركيب المعجز وأنه ليحطم ما تحته وأنه لمن كلام الله.

([126]) أي: ومن تأمل حسن كلام الله عز وجل، وجلاله وفضله، ففي الخبر: أن فضله على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه وتأمل بديعه، وهو أنواع كثيرة، منها التمثيل، والتشبيه، والإيجاز والاتساع والإشارة وحسن النسق وائتلاف اللفظ مع المعنى والوعد والتخويف وغير ذلك.

    وتأمل بيانه، وفصاحته ووضوحه، وبلاغته وهي غاية المطلوب، أو غاية الممكن من المعاني، بأتم ما يكون من البيان وتأمل وجوه مخاطباته وقد عدها بعضهم أكثر من ثلاثين وجها، منها: خطاب العام، والمراد به الخصوص وعكسها وخطاب الجنس، والنوع والمدح والذم والتعجيز والتهييج والتحنن، والتحبب وغير ذلك: علم أنه معجز من وجوه كثيرة.

    قال الشيخ: وقد جعل بعضهم الوجوه، وهو اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان، كلفظ الآية، والنظائر وهي الألفاظ المتواطئة من أنواع معجزات القرآن،حيث كانت الكلمة الواحدة، تنصرف إلى عشرين وجها وأكثر وأقل ولا يوجد ذلك في كلام البشر.

    وقال ابن القيم: تأمل خطاب القرآن، تجد ملكا له الملك كله، وله الحمد كله، أزمة الأمور كلها بيده، ومصدرها منه وموردها إليه، مستويا على العرش، لا تخفى عليه خافية من أقطار مملكته، عالما بما في نفوس عبيده، مطلعا على أسرارهم، وعلانيتهم متفردا بتدبير الممكلة، ويسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي ويقدر ويعفي ويدبر الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة إليه، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه.

    فتأمل: كيف تجده يثني على نفسه، ويمجد نفسه ويحمد نفسه، وينصح عباده، ويدلهم على ما فيه سعادتهم، وفلاحهم ويرغبهم فيه، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه ويحذرهم من نقمته ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كان عاقبة هؤلاء وهؤلاء.

    ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسيئ أعمالهم، وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال، وينوع الأدلة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق ويهدي السبيل.

    ويدعو إلى دار السلام، ويذكر أوصافها، وحسنها ونعيمها، ويحذر من دار البوار، ويذكر عذابها، وقبحها وآلامها ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه، وأنهم لا غناء لهم عنه طرفة عين، ويذكرهم غناءه عنهم وعن جميع الموجودات وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها، إلا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته.

    وتشهد من خطابه، عتابه أحبابه ألطف عتاب، وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم، وغافر زلاتهم، ومقيم أعذارهم، ومصلح فسادهم، الدافع عنهم، والحامي عنهم، والناصر لهم والكفيل بمصالحهم، والمنجي لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده، وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه، فهو مولاهم الحق وينصرهم على عدوهم، فنعم المولى ونعم النصير.

    وذكر غيره وجوها، منها: مواضع نزوله، والناسخ والمنسوخ والعام والخاص، والأمر، والنهي والوعد والوعيد والحدود، والأحكام، والأعذار، والإنذار والحجة، والاحتجاج، والمواعظ، والأمثال.

([127]) المثل الشبه ومثل الشيء بالشيء وصفه به، وسواه وشبهه به.

([128]) أي: من أعظم علم القرآن، قال الماوردي، والناس في غفلة عنه، لاشتغالهم بالأمثال، وإغفالهم الممثلات، والمثل بلا ممثل، كالفرس بلا لجام.

([129]) وقال: ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال، الدوال على طاعته المبينة لاجتناب نواهيه.

([130]) مما اشتمل منها على تفاوت في ثواب، أو على مدح، أو ذم ونحوه، وقال غير واحد ضرب الله الأمثال في القرآن، يستفاد منه أمور كثيرة، منها: التذكير والوعظ، والحث والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره بصورة المحسوس.

([131]) لأنها أثبت في الأذهان، لاستعانة الذهن فيها بالحواس، قال إبراهيم: هي تشبيه شيء بشيء، في حكمه وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر قال تعالى: }وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ{ فامتن تعالى علينا بذلك، لما تضمنه من الفوائد، فإنها تريك المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد، وتؤثر في القلوب، ما لا يؤثر وصف الشيء في نفسه، قال تعالى: }وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلهُمْ يَتَذَكَّرُونَ{ والأمثال كثيرة في كتاب الله، وهي أقسام، منها: ما هو مصرح به }كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا{، }أَوْ كَصَيِّبٍ{،}أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً{ الآية }وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ{، }أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ{ والكامنة كما نقل الماوردي أنها تخرج منها أمثال العرب، نحو: ليس الخبر كالعيان، في نحو }وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي{ والجارية مجرى المثل، نحو }لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ{،}لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا{ الآية: }وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ{ وغير ذلك.

([132]) القسم: اليمين وأقسم بالله حلف به.

([133]) والله تعالى ذكر القسم في كتابه، لكمال الحجة، وتأكيدها، وقال ابن القيم: المقسم عليه، يراد بالقسم توكيده، وتحقيقه، فلا بد أن يكون مما يحسن فيه وذلك كالأمور الغائبة، والخفية، إذا أقسم على ثبوتها، فأما الأمور الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار، والسماء والأرض فهذه يقسم بها، ولا يقسم عليها.

([134]) أي: بما يعظم المقسم أو يجله ولهذا: نهى النبي ﷺ‬ عن الحلف بغير الله، وقال: «ومن حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك».

([135]) نحو قوله تعالى: }فَوَرَبِّكَ{ }فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ{ في سبعة مواضع من كتابه.

([136]) نحو }وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا{ }وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى{ وهو دليل على أنها من عظيم آياته، قال تعالى: }وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ{ فما أقسم عليه الرب، فهو من آياته، وهو تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله، وقال ابن القيم: القسم إما على جملة خبرية، وهو الغالب كقوله: }فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ{ وإما على جملة طلبية كقوله: }فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ{.

([137]) كقوله }وَالصَّافَّاتِ{ إلى }إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ{ وعلى أصول الإيمان، التي يجب على الخلق معرفتها، ونحو ذلك.

([138]) كقوله: }فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ{ إلى قوله: }إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ{.

([139]) كقوله: }يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ{ }وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى{.

([140]) كقوله: }وَالذَّارِيَاتِ{ إلى قوله: }إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ{ }وَالْمُرْسَلاتِ{ إلى }إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ{.

([141]) كقوله: }وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى{ إلى }إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى{ }وَالْعَادِيَاتِ{ إلى }إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ{ }وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ{ وغيرها.

    وهو سبحانه: يذكر جواب القسم تارة، وهو الغالب ويحذفه أخرى، كما يحذف جواب «لو» كثيرا للعلم به ويختصر فيحذف فعل القسم ويكتفي بالباء، ثم عوض عنه الواو في الأسماء الظاهرة، والتاء في اسم الله، وأكثر ما يحذف الجواب: إذا كان في نفس المقسم به دلالة على المقسم عليه، نحو }وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ{.

([142]) فالظاهرة نحو: }وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ{ }وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ{ وإما أن يكون القسم مضمرا كما مثل.

([143]) }فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ{ فاللام موطئة للقسم }لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ{ ونحو ذلك.

([144]) وتقدير القسم }و{ الله }إِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا{ }إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ{ ونحو ذلك.

([145]) الخبر لغة وعرفا: ما ينقل عن الغير، وأنشأ ابتدأ حديثا وهو من أفعال الشروع.

([146]) لأن الكلام: إما أن يدخله التصديق، أو التكذيب، أو لا، فالأول: الخبر، والثاني، قيل: إن اقترن معناه بلفظه فهو الإنشاء وإن لم يقترن بل تأخر عنه فهو الطلب والمحققون على دخول الطلب في الإنشاء، وحذاق النحاة وأهل البيان: على انحصار الكلام في النفي والإثبات وإن ادعى قوم أكثر منهما.

([147]) والنفي: هو شطر الكلام كله، والفرق بينه وبين الجحد أن النافي إن كان صادقا سمي كلامه نفيا، وإن كان كاذبا سمي جحدا ونفيا أيضا، نحو }مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ{ }قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ{ وأصل أدوات النفي لا، وما والإثبات نحو }مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ{.

    ونفي العام، يدخل على نفي الخاص، وثبوته لا يدل على ثبوته، وثبوت الخاص: يدل على ثبوت العام، ونفيه، لا يدل على نفيه، ونفي العام، أحسن من نفي الخاص، وإثبات الخاص: أحسن من إثبات العام، والأول كقوله: }فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ{ لم يقل بضوئهم والثاني كقوله }وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ{ ولم يقل طولها لأن العرض أخص.

([148]) أي: ومن أقسام الإنشاء، الأمر؛ وهو: طلب فعل غير كف، وصيغته افعل ولتفعل، وهي حقيقة في الإيجاب نحو }وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ{ ومن أقسامه: النهي، وهو: طلب الكف عن فعل وصيغته لا تفعل وهو حقيقة في التحريم، ويرد بمعنى الكراهة، وبمعنى الإرشاد والتسوية والتقليل وغير ذلك والإباحة نحو }فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا{ }وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا{ ومن أقسام الإنشاء: الاستفهام وأشهر أدواته، الهمزة ومن أقسامه التمني والترجي والنداء والقسم وغير ذلك.

([149]) وقيل الإنشاء: ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام والخبر خلافه، والقصد به: إفادة المخاطب، وخبر الله لا يكون إلا صدقا وكلامه لا يكون إلا صدقا قال تعالى: }وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً{ }قَوْلُهُ الْحَقُّ{.

([150]) والله تعالى: قص علينا في كتابه العزيز، حتى قيل: إنه ثلث القرآن.

([151]) أي: عما كان مما مضى تكوينه قبل وجودنا وما يكون في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

([152]) في غير موضع من كتابه، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وغيرهم،وما يثني ذكره من القصص ليس المقصود بها أن تكون مكررة بل المقصود بها: أن تكون عبرا كما قال: }عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ{ وليس من التكرار في شيء.

([153]) عن الجنة، وما أعد فيها من النعيم، وعن النار، وما أعد فيها من العذاب، وعن الثواب لمن أطاعه، والعقاب لمن عصاه، ولا ريب أنه سبحانه بين في القرآن، كل ما يحتاج إليه في أصول الدين، قرر فيه التوحيد، والنبوة والمعاد بالبراهين، التي لا ينتهي إلى تحقيقها نظر، واحتج فيه بالأمثال الصمدية التي هي المقاييس العقلية، المفيدة لليقين، وإما بالآيات المشهودة من عقوبات مكذبي الرسل، ومن عصاهم ومن نصر الرسل وأتباعهم على الوجه الذي وقع وما وقع من إكرام الله لأهل طاعته، وجعل العاقبة لهم وانتقامه من أهل معصيته، وجعل الدائرة عليهم لا بمجرد الخبر، كما يظنه طوائف من أهل الكلام بل قرر أمور الآخرة، وضرب الأمثال حتى كأنه مشاهد.

([154]) أي: بيان طرق تفسير القرآن، وأوجه التفسير، وغير ذلك.

([155]) قاله الشيخ وغيره، وقالوا أيضا: من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولا من القرآن.

([156]) وصنف ابن الجوزي، كتابا فيما أجمل من القرآن في موضع وفسر في موضع آخر منه.

والمجمل لغة: المجموع أو المبهم واصطلاحا ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء، وقيل: هو ما لم تتضح دلالته ومنه، الاشتراك نحو: }وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ{ و}ثَلاثَةَ قُرُوءٍ{ والحذف: نحو }وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ{ واحتمال اللفظ والاستئناف وغرابة اللفظ وغير ذلك وحكمه: التوقف على البيان الخارجي.

([157]) أي: فإن لم تجد تفسير القرآن، فطريقة تفسيره، بالسنة التي رواها الثقات، عن رسول الله ﷺ‬ ففي السنن «لما بعث معاذا إلى اليمن، قال: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ‬ قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي فضرب في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، لما يرضي رسول الله ﷺ‬».

    ويجب الحذر من رواية الضعفاء، والوضاعين، فإنه كثير، ولهذا قال أحمد: ثلاث كتب لا أصل لها، المغازي والملاحم، والتفسير ومراده، أن الغالب ليس لها أسانيد صحيحة متصلة، وقد صح من ذلك كثير، كتفسير الظلم، بالشرك والحساب اليسير بالعرض، وغير ذلك وقال تعالى: }لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ{.

([158]) قاله الشيخ: وغيره، وقال يجب أن يعلم أن النبي ﷺ‬ بين لأصحابه معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه فقوله تعالى: }لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ{ يتناول هذا وهذا، وقال: اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين أن السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عن مجمله وأنها تفسر مجمل القرآن، من الأمر والخبر.

    وقال ابن القيم: تقرر نصوص القرآن، وتكشف معانيها كشفا مفصلا وتقرب المراد منه، وتدفع عنه الاحتمالات وتفسر المجمل منه، وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به، ويعلم أن الرسول ﷺ‬ بين ما أنزل إليه من ربه، وأنه بلغ ألفاظه ومعانيه بلاغا مبينا، حصل به العلم اليقني، بلاغا أقام الحجة، وقطع المعذرة، وأوجب العلم، وبينه أحسن البيان، وأوضحه وقال: إنما يحسن الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات، ورثة الأنبياء عن رسول الله ﷺ‬ ثم يتبعون ذلك بما قاله الصحابة، والتابعون أئمة الهدى.

([159]) أي: فإن لم تجد تفسير القرآن، فيما تقدم، فارجع إلى أقوال الصحابة رضي الله عنهم، فقد أخذوا القرآن عن رسول الله ﷺ‬ ألفاظه ومعانيه.

    قال ابن القيم: بل كانت عنايتهم، بأخذ المعاني أعظم من عنايتهم بالألفاظ، يأخذون المعاني أولا، ثم يأخذون الألفاظ ليضبطوا بها المعاني، حتى لا تشذ عنهم، قال عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانا، فنقل معاني القرآن عنهم، كنقل ألفاظه سواء.

([160]) أي: فإن الصحابة رضي الله عنهم، أدرى بمعاني القرآن، لما شاهدوه من التنزيل، والقرائن، والأحوال التي اختصوا بها.

    قال ابن القيم: سمعوا من الأحاديث الكثيرة، ورأوا منه من الأحوال المشاهدة، وعلموا بقلوبهم من مقاصده، ودعوته، ما يوجب فهم ما أراد بكلامه، ما يتعذر على من بعدهم مساواتهم فيه، فليس من سمع وعلم، ورأى حال المتكلم كمن كان غائبا لم ير، ولم يسمع وعلم بواسطة ووسائط.

([161]) قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإظهار دينه، وحفظه فالرجوع إليهم متعين قال أحمد: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ‬ وقد شهد لهم فقال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي...».

    وقال البخاري: كانوا إذا جلسوا يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ‬ ولم يكن بينهم رأي، ولا قياس ولم يكن الأمر بينهم كما هو في المتأخرين قوم يقرءون القرآن ولا يفهمونه، وآخرون يتفقهون في كلام غيرهم، ويدرسونه، وآخرون يشتغلون في علوم أخر، وصنعة اصطلاحية.

    بل كان القرآن عندهم: هو العلم، الذي يعتنون به، حفظا وفهما وعملا وتفقها وكانوا أحرص الناس على ذلك ورسول الله ﷺ‬ بين أظهرهم، وهو يعلم تأويله ويبلغهم إياه كما يبلغهم لفظه فمن الممتنع أن يكونوا يرجعون إلى غير ذلك، ومن الممتنع أن لا تحرك نفوسهم لمعرفته، ومن الممتنع أن لا يعلمهم إياه، وهم أحرص الناس على كل سبب ينال به العلم والهدى، وهو أحرص الناس على تعليمهم وهدايتهم.

    وقال ابن القيم: وإذا كان للصحابة من ذلك ما ليس لمن بعدهم، كان الرجوع إليهم في ذلك، دون غيرهم متعينا قطعا وأن الرجوع إليهم في تفسير القرآن هو الطريق المستقيم.

([162]) أي: لا سيما كبراء الصحابة كالخلفاء الراشدين، المنوه بذكرهم في قوله ﷺ‬: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ»، وأكثر من روى عنه منهم، علي حتى إنه قال: سلوني عن كتاب الله فما من آية إلا وأنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل، أم في جبل وقال: وقد علمت فيما أنزلت.

([163]) أي: ولا سيما أيضا، الأئمة المهديين، كعبد الله بن مسعود الذي يقول: ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا، لأتيته وقال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن.

    وكترجمان القرآن عبد الله بن عباس الذي قال فيه رسول الله ﷺ‬: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل»، وقال فيه ابن مسعود: نعم الترجمان للقرآن وتوفي ابن مسعود سنة اثنتين وثلاثين وعمر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة ومنهم ابن أبي كعب وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأنس وأبو هريرة وجابر وغيرهم.

    ونص أحمد: على أنه يرجع إلى الواحد من الصحابة في تفسر القرآن ما لم يخالفه غيره منهم، وطائفة من أهل الحديث: يجعلون تفسيره في حكم الحديث المرفوع قال الحاكم: تفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع، والبخاري: يدخل قول الصحابي، نزلت هذه الآية في كذا، في المسند، وغيره لا يدخله فيه بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه، فكل العلماء: يدخلون مثله في المسند، وما فسروه من حيث اللغة، فهم أهل اللسان، فلا شك في اعتماده، أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه.

([164]) أي: وإذا لم تجد معاني القرآن في القرآن، لا فيما رواه الثقات، عن الرسول ﷺ‬ ولا فيما قاله الصحابة رضي الله عنهم، فقد رجع كثير من الأئمة الأربعة، وغيرهم في تفسير القرآن، إلى أقوال التابعين أئمة الهدى وهم تلقوا التفسير عن الصحابة، وقال ﷺ‬: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم» فكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع، والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر.

([165]) وكان مجاهد بن جبر المكي، مولى ابن مخزوم، آية في التفسير، وقال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، أسأله عنها فيم نزلت؟ وكيف نزلت؟ وكيف معناها؟ وقال ابن أبي مليكة: رأيت مجاهدا، يسأل ابن عباس، عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب حتى سأله عن التفسير كله، وقال سفيان: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، واعتمده البخاري وغيره في التفسير.

    وكان سعيد بن جبير: أعلم التابعين بالتفسير، قال قتادة كان أعلم التابعين أربعة؛ وكان سعيد بن جبير: أعلمهم بالتفسير، وقال سفيان: خذوا التفسير عن أربعة عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك.

([166]) قال عكرمة، كل شيء أحدثكم به في القرآن، فهو عن ابن عباس، وعطاء أيضا ممن أخذ عن ابن عباس.

    وقال شيخ الإسلام: أعلم الناس بالتفسير، أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير وطاوس وغيرهم.

([167]) والحسن البصري، وعطاء بن أبي سلمة الخراساني، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي العالية، والضحاك، وعطية العوفي وقتادة وزيد بن أسلم، ومرة الهمداني، وأبي مالك وغيرهم وغالب أقوالهم تلقوها من الصحابة رضي الله عنهم، وقال أحمد

([168])    = لا يكاد يجيء شيء عنهم إلا ويوجد فيه شيء عن أصحاب رسول الله ﷺ‬.

وقال الشيخ أيضًا: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء، وعكرمة، وكطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وكذا أهل الكوفة، من أصحاب ابن مسعود، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير وابن وهب، وذكر أيضا: من لهم لسان صدق في الأمة مثل سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وعلقمة، والأسود والحسن البصري وابن سيرين وغيرهم من التابعين.

     وقال: السلف محتاجون لشيئين معرفة ما أراد الله ورسوله بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نزل وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ فإن الرسول ﷺ‬ لما خاطبهم بالكتاب والسنة، عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا به حروفه.

([169]) فهم تلقوا معانيه عن التابعين، عن الصحابة، وأثنى عليهم رسول الله ﷺ‬ فقال: «خير القرون: قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، والناس محتاجون لمعرفة معاني ألفاظ القرآن عنهم، وهم الواسطة بين التابعين وأتباع تابعي التابعين.

([170]) فهم أئمة هدى وداخلون في المثنى عليهم، والمسلمون: محتاجون لأخذ معاني القرآن عنهم، وعن غيرهم من أئمة المسلمين وبهم حفظت الشريعة المطهرة.

([171]) أي: وليس التباين في الألفاظ، من تفاسير السلف، اختلافًا.

([172]) قال: الكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، وقال أيضًا: بعد أن ذكر أن النبي ﷺ‬ بين لهم ألفاظه ومعانيه، ولهذا كان النزاع بين الصحابة، في تفسر القرآن قليل جدا، وهو وإن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، ومن التابعين من تلقى جميع التفاسير عن الصحابة، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال.

    والخلاف بين السلف قليل، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد، بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى، غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى كتفسيرهم }الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ{ بعض بالقرآن أي: اتباعه وبعض بالإسلام فالقولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ولكن: كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ: صراط يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال هو السنة والجماعة وقول من قال هو طريق العبودية وقول من قال هو طاعة الله ورسوله، وأمثال ذلك فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.

    الثاني: أن يذكر كل منهم، من الاسم العام، بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه مثاله ما نقل في قوله تعالى: }ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا{ الآية، فمعلوم: أن الظالم لنفسه، يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات، وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات.

    فالمقتصدون أصحاب اليمين، والسابقون السابقون، أولئك المقربون، ثم كل منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت والمقتصد: الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار، ويقول: السابق: المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد: الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم: مانع الزكاة، قال: وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة، لتنوع الأسماء والصفات وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، وهو الغالب، في تفسير سلف الأمة، الذي يظن أنه مختلف.

    ومن التنازع الموجود عنهم، ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين، كلفظ: }عَسْعَسَ{ الذي يراد به إقبال الليل، وإدباره وإما لكونه متواطئا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشخصين كالضمائر في قوله: }ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى{ الآية، وكلفظ: }وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ{ وأشباه ذلك فمثل ذلك قد يجوز أن يراد به كل المعاني، التي قالها السلف وقد لا يجوز ذلك، فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد بها هذا تارة، وهذا تارة، وإما لكون اللفظ المشترك، يجوز أن يراد به معناه، وإما لكون اللفظ متواطئًا فيكون عامًا إذا لم يكن لمخصصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه القولان، كان من الصنف الثاني.

    ومن الأقوال الموجودة عنهم، ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، كما إذا فسر بعضهم }تُبْسَلَ{ بتحبس وبعضهم: ترتهن لأن كلا منهما قريب من الآخر.

([173]) أي: ويرجع فيما احتمل معان، ووقع في عباراتهم تباين إلى لغة القرآن في ذلك، فإن اللفظ في القرآن، يكون له نظائر، يعرف معناه، باطراد ذلك المعنى، في تلك النظائر، وعموم المعنى لموارد استعمال ذلك اللفظ، ولهذا تسمى تلك الألفاظ النظائر، وفيها صنف ابن الجوزي، وغيره: كتب الوجوه والنظائر فالوجوه: الألفاظ المشتركة والنظائر: الألفاظ المتواطئة، الوجوه فيما اتفق لفظه واختلف معناه، والنظائر: فيما اتفق لفظه ومعناه.

([174]) أي: ويرجع في تفسير القرآن فيما احتمل معان، ووقع في عبارات السلف فيه تباين: إلى لغة السنة في ذلك، أو يرجع إلى لغة العرب، فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، ونص عليه أحمد، وغيره، قال مجاهد: لا يحل لأحد يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله، إذا لم يكن عالما بلغة العرب، وقال مالك: لا أوتي برجل، غير عالم بلغة العرب، يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا فيجوز الرجوع إلى اللغة، لأن بها يعرف شرح الألفاظ، ومدلولاتها واستعمالها بحسب الوضع.

([175]) أي: ومن تكلم بما يعلم، من مقتضى لغة القرآن، والسنة ولغة العرب، وبالمقتضى من قوة الشرع، فلا حرج عليه في ذلك، وذلك هو: ما دعا به النبي ﷺ‬ لابن عباس حيث قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، وهو الذي عناه علي بقوله: إلا فهمًا يؤتاه رجل في القرآن وقد تعبدنا تعالى بتدبر كتابه وتفهمه واستنباط الأحكام منه وقال: }لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ{.

([176]) من غير لغة ولا نقل ولا معرفة لأصول العلم وفروعه، قال تعالى: }ولا تقف ما ليس لك به علم{ وقال: }وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ{ ولأبي داود وغيره: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»، وله أيضًا: «من قال في القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار».

    ومن أعظم الغلط في كلام الله، وكلام رسوله، أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث فيريد أن يفسر كلام الله، وكلام رسوله، بذلك الاصطلاح ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها لا بمقتضى اللغة.

([177]) هذا الأثر: رواه ابن جرير، وغيره، عن ابن عباس: من طرق، وروي مرفوعا: بسند ضعيف، بلفظ أنزل القرآن على أربعة أحرف، حلال وحرام، لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله.

([178]) وهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك اللغة والإعراب أما اللغة: فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها، وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلا للمعنى، وجب عليه تعلمه، ليصل به إلى معرفة الحكم، وإلا فلا لوصوله إلى المقصود بدونه.

([179]) وهو ما يتبادر معناه إلى الأفهام، من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله: }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ{ وأن مقتضى }أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ{ ونحوه: طلب إيجاد المأمور به فما كان من نحو هذا، فلا يعذر أحد بجهله بمعاني ألفاظه لأنها معلومة لكل أحد.

([180]) وهو: استنباط الأحكام، وبيان المجمل وتخصيص العموم وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فيرجع في ذلك إلى اجتهادهم وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي، وإذا كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي.

([181]) وهو ما يجري مجرى الغيوب، وهو نحو ما تقدم في المتشابه، الذي لا يعلمه إلا الله، كأشراط الساعة، وأما عدم وصول بعضهم إلى فهم المراد باللفظ فتارة يكون بسبب استعمال لفظ غريب، أو لعدم تمييز المنسوخ، أو معرفة أسباب النزول، أو حذف المضاف، أو الموصوف، أو غيرها، أو إبدال شيء مكان شيء أو حرف بحرف، أو اسم باسم أو فعل بفعل، أو ذكر الجمع موضع المفرد أو بالعكس وغير ذلك مما ينبغي الاطلاع عليه.

([182]) أي: بيان ذكر بعض التفاسير المقبولة، كتفاسير أئمة الإسلام؛ والمردودة كتفاسير أهل البدع.

([183]) أي: أحسن التفاسير التي لا يكاد يوجد فيها الخطأ لا من جهة الدليل ولا من جهة الاستدلال، مثل تفسير عبد الرزاق بن همام، بن نافع الصنعاني، الحافظ الحميري مولاهم.

([184]) أي: وأحسن التفاسير، مثل تفسير وكيع بن الجراح، الرواسي، أبي سفيان الحافظ الكوفي، روي عنه أحمد وطبقته، من كبار تابعي التابعين، قال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم، ولا أحفظ منه، مات سنة مائة وسبع وتسعين.

    وعبد -بغير إضافة- بن حميد بن نصر -الكسي -مدينة قرب سمرقند- قـيل اسمـه عبـد الحميـد، ثقـة حافظ مات سنة مائتين وتسع وأربعين له مسند كبير وتفسير مشهور، ودحيم، هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو، العثماني مولاهم الدمشقي الحافظ المتوفى سنة مائتين وخمس وأربعين وله خمس وسبعون.

([185]) أحمد هو الإمام أحمد بن حنبل الشيباني العالم الرباني، ناصر السنة وقامع البدعة، ولد ببغداد وطاف البلاد له المسند والتفسير، وغيرهما توفي سنة مائتين وإحدى وأربعين.

    وإسحاق هو ابن إبراهيم بن مخلد التميمي النيسابوري المعروف بابن راهويه، أحد أئمة التفسير توفي سنة مائتين وتسع وثلاثين.

([186]) بقي بن مخلد هو الأندلسي القرطبي الحافظ المفسر له تفسر قال ابن بشكوال: لم يؤلف مثله في الإسلام مات سنة مائتين وست وسبعين.

وابن المنذر هو: محمد بن إبراهيم النيسابوري، الإمام المشهور، صاحب التصانيف المتوفى سنة ثلاث مائة وتسع عشرة.

([187]) سفيان بن عيينة هو ابن أبي عمران ميمون الهلالي كوفي ثم مكي ثقة حافظ مشهور في التفسير، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وكذا سفيان بن سعيد، بن مسروق الثوري وسنيد وهو: حسين بن داود المصيصي إمام مشهور مات سنة مائتين وست وعشرين، ومثل تفسير شعبة ويزيد بن هارون، وابن أبي إياس، وروح بن عبادة وابن أبي شيبة وغيرهم، جمعوا فيها أقوال الصحابة والتابعين.

([188]) أي: ومثل تفسير ابن جرير، الإمام الحافظ، محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، صاحب التفسير المشهور، وغيره، قال النووي: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله، توفي سنة ثلاثمائة وعشرة، وابن أبي حاتم، وهو عبد الرحمن بن محمد، بن إدريس الحنظلي له التفسير وغيره مات سنة ثلاثمائة وسبع وعشرون، ومثل تفسير شعبة بن الحجاج ويزيد بن هارون وغيرهم.

([189]) أبو سعيد هو عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي، إمام أهل زمانه كوفي ثقة أخذ عنه ابن جرير وغيره مات سنة سبع وخمسين ومائتين.

    وابن ماجه هو محمد بن يزيد الربعي، مولاهم أبو عبد الله بن ماجه القزويني الحافظ صاحب السنة وغيرها توفي سنة مائتين وثلاث وسبعين.

([190]) ابن مردويه، هو أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني الحافظ له كتب منها التفسير وغيره، توفي سنة إحدى وأربعمائة والبغوي هو الإمام الجليل محيي السنة أبو محمد الحسين بن سعيد الفراء، المتوفى سنة خمسمائة، وست عشرة قال الشيخ: تفسير البغوي، مختصر من تفسير الثعلبي، لكنه صان تفسيره، عن الأحاديث الموضوعة، والآراء المبتدعة.

وابن كثير هو الحافظ عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن كثير القرشي، الدمشقي، المتوفى سنة سبعمائة، وأربع وسبعين وشيخه: شيخ الإسلام، والمزي، وغيرهما من أهل التحقيق، ولا ريب: أن الأكباب على كتب أهل السنة الذين لا تروج عليهم أحداث المحدثين، وتأويلات الجاهلين، وعلى تفاسيرهم وسيلة إلى سلوك سبيلهم.

    وقال ابن رجب: في زماننا تتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم، إلى زمن الشافعي، وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة وحدث من انتسب إلى متابعة السنة، والحديث من الظاهرية، ونحوهم وهم أشد مخالفة لها لشذوذهم عن الأمة وانفرادهم عنهم بفهم يفهمه، أو مأخذ لم تأخذ به الأمة من قبل، وأما الدخول مع ذلك في كلام المتكلمين والفلاسفة فشر محض.

([191]) قال: وهم نوعان، عالم بالحق يتعمد خلافه، يبتدع ما يخالف كتاب الله، ويقول: هو من عند الله، إما أحاديث مفتريات وإما تفسير وتأويل للنصوص باطل، وإما أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، تلاوة غير عارفين بمعناه.

([192]) قال: قد أخطئوا في الدليل والمدلول حيث اعتقدوا مذهبا يخالف الحق، الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها، عمدوا إلى القرآن، فتأولوه على آرائهم واستخرجوا التأويلات المستكرهة، التي هي بالألغاز أشبه منها بالبيان.

([193]) ولا دلالة فيها بل يتعسفون بكل طريق، حتى يجعلوا القرآن تبعا لمذاهبهم وتقوية لقول أئمتهم.

([194]) بما يحرفون به الكلم عن مواضعه، والمبتدع: ليس له قصد إلا تحريف الآيات، وتسويتها على مذهبه الفاسد، بحيث أنه متى لاح له شاذة من بعيد اقتنصها أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال سارع إليه.

([195]) وقل في تفاسيرهم: تفسير ما بعث الله به رسله، بل غالب ما فيها حق ملبوس بباطل، وقل من يتصور مرادهم ولما ذكر ابن القيم الاستدلال على معاني القرآن بما جاء عن الرسول ﷺ‬ وأصحابه والتابعين قال: وهذا خير مما أخذ عن أئمة الضلال، وشيوخ التجهم والاعتزال، كالمريسي والجبائي والنظام والعلاف وأضرابهم.

    وقال: أفيجوز الرجوع إلى تحريفات جهم، وشيعته وتأويلات العلاف، والنظام، والجبائي، والمريسي، وعبد الجبار، وأتباعهم من أعمى أعجمي القلب واللسان، بعيد عن السنة والقرآن مغمور عند أهل العلم والإيمان؟

    وقال الطبري: من شرط المفسر صحة الاعتقاد أولا، ولزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصا عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا، فكيف على الدين، ثم لا يؤتمن في الدين على الإخبار عن عالم فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى ولأنه لا يؤمن أن يكون متهما بالإلحاد أن يبغي الفتنة، ويغري الناس بليه وخداعه كدأب الباطنية وغلاة الرافضة.

    وإن كان متهما بهوى لم يؤمن أن يحمله هواه، على ما يوافق بدعته، كدأب القدرية فإن أحدهم يصنف الكتاب في التفسير ومقصوده منه إيضاح الساكن ليصدهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهدى.

    وقال التفتازاني: سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معان باطنة، لا يعرفها إلا المعلم وقصدهم بذلك: نفي الشريعة بالكلية.

([196]) ولهم عبارات مزخرفة تتضمن الداء العضال، قال: وكثير من المتأخرين غلب عليهم مذهب الأشاعرة، الذي حاصله نفي العلو وتأويل الآيات بالتأويلات الموروثة عن بشر، وأضرابه وبعضهم يذكر ما عليه السلف، وما عليه المتكلمون ويختاره ويقرره ولا خير في تكبير حجم تفسير بمذهب أهل البدع.

([197]) فصنفت الرافضة وتأولت آيات من كتاب الله على مذهبها كما يأتي وكذا الجهمية تأولت آيات الصفات والأسماء، وأنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات، ولا معاني والمعتزلة كما تقدم عنهم، والقدرية كنفيهم علم الله بما هو كائن، وكذا غيرهم من أهل البدع.

    قال الشيخ: وتأويلاتهم هي بعينها التأويلات، التي ذكرها بشر المريسي، وأضرابه، وقد أجمع أئمة الهدى على ذمهم وأكثرهم كفروهم وضللوهم.

([198]) ابن كيسان، هو محمد بن أحمد المعروف بابن كيسان، له كتب منها: معاني القرآن وتوفي سنة مائتين وتسع وتسعين والجبائي هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي البصري من أئمة المعتزلة، ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه تنسب الطائفة الجبائية مات سنة ثلاث وثلاث مائة.

([199]) عبد الجبار هو ابن أحمد بن عبد الجبار شيخ المعتزلة في عصره له تنزيه القرآن عن المطاعن والرماني هو: علي بن عيسى النحوي البغدادي له كتاب التفسير وغيره توفي سنة ثلاثمائة، وأربع وسبعين، والكشاف للزمخشري محمود بن عمر الخوارزمي المتوفى سنة خمسمائة وثمان وثلاثين وأشهر كتبه الكشاف في تفسير القرآن.

([200]) أي: ووافق المعتزلة، متأخرو الشيعة، وصنفوا تفاسير على أصول مذهبهم وتأولوا آيات الصفات، وحرفوها عن مواضعها، وألحدوا فيها والمفيد هو محمد بن النعمان رئيس الإمامية في وقته، له مصنفات منها: الكلام في وجوه إعجاز القرآن توفي سنة أربعمائة وثلاث عشرة وأبو جعفر الطوسي هو: محمد بن الحسن بن علي، من أكابر فقهاء الشيعة، له التبيان الجامع لعلوم القرآن المتوفى سنة أربعمائة وستين.

([201]) وذكر أيضًا: أنهم ابتدعوا ألفاظا ومعاني، وجعلوها هي الأصل المعقول المحكم الذي يجب اعتقاده والبناء عليه، ثم نظروا في الكتاب والسنة فما أمكنهم أن يتأولوه على قولهم، تأولوه وإلا قالوا: هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التي لا ندري ما أريد بها فجعلوا بدعتهم أصلا محكما وما جاء به الرسول ﷺ‬ فرعا له ومشكلا إذا لم يوافقه.

    والواجب: أن يجعل ما أنزل الله من الكتاب، والحكمة أصلا ثم يرد ما تكلم فيه الناس إلى ذلك، قال: وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين، لا في رأيهم ولا في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة، إلا وبطلانه يظهر، من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين، من العلم بفساد قولهم، ومن العلم بفساد ما فسروا به القرآن.

([202]) أي: ومن أهل البدع، من يكون حسن العبارة، فصيحا، ويدس البدع في كلامه، كما يدس البدع، وغيرها، صاحب الكشاف، يعني: الزمخشري ونحوه وأكثر الناس لا يعلمون.

([203]) ممن لا يعتقد الباطل، من تفاسيرهم الباطلة، قال ولسبب تطرفهم، وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة، ثم القرامطة وغيرهم، فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة، والقرامطة، والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم: }تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ{ هما أبو بكر وعمر }أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً{ هي: عائشة }قَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ{ طلحة والزبير }اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ{ الحسن والحسين }فِي إِمَامٍ مُبِينٍ{ علي.

    قال: ومما يقاربه من بعض الوجوه، ما يذكره كثير من المفسرين مثل قوله: }الصَّابِرِينَ{ رسـول الله }الصَّادِقِينَ{ أبو بكر و}الْقَانِتِينَ{ عمـر، و}الْمُنْفِقِينَ{ عثـمان و}الْمُسْتَغْفِرِينَ{ علي، وأمثال هذه الخرافات، التي تتضمن تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال.

    وتارة جعل اللفظ المطلق العام، منحصرا في شخص واحد نحو }إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا{ أريد بها علي وحده }وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ{ أريد بها أبو بكر وحده ونحو ذلك.

([204]) أي: وذكر شيخ الإسلام، أن تفسير ابن عطية، عبد الحق بن غالب بن عبد الرحيم، الغرناطي صاحب المحرر، والوجيز في تفسير الكتاب العزيز، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وأمثاله من أهل البدع.

([205]) وأتبع للسنة والجماعة قال البلقيني، في تفسير الزمخشري، استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش، من قوله، في تفسير: }فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ{ وأي فوز أعظم من دخول الجنة، أشار به إلى عدم الرؤية، والملحد فلا تسأل عن كفره، وإلحاده في آيات الله، وافترائه على الله ما لم يقل، وذكر قول الرافضة في: }أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً{ وغيره، ثم قال: وعلى هذا وأمثاله يحمل خبر: «إن في أمتي قومًا يقرءون القرآن، ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله».

([206]) ولو ذكر كلام السلف، الموجود في التفاسير، المأثور عنهم على وجهه، لكان أحسن، وأجمل فإنه كثير ما ينقل من تفسير محمد ابن جرير الطبري، وهو من أجل التفاسير، وأعظمها قدرا ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف، لا يحكيه بحال ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين.

([207]) يعني: أصولهم، وإن كان أهل الكلام، أقرب إلى السنة من المعتزلة لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، ويعرف أن هذا: من جملة التفسير على المذهب، قال: فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر، لأجل مذهب اعتقدوه وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، صاروا مشاركين للمعتزلة، وغيرهم، من أهل البدع في مثل هذا.

([208]) هو محمد بن الحسين، بن محمد، بن موسى، الأزدي، النيسابوري من علماء الصوفية وتفسيره على طريقتهم: يستدل عليها بألفاظ لم يرد بها القرآن، وهو الذي يسمونه الإشارات قال ابن الصلاح: وجدت عن أبي الحسين الواحدي المفسر، أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي، حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير، فقد كفر، وقال: الظن بمن يوثق بهم، إذا قال شيئا من ذلك، لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك، كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية.

([209]) أي: فإن ما فسروا به الآية، على ما لا يدل على مرادهم وأخطئوا في معنى الآية يدخل ذلك في الخطأ في الدليل، إذ لم يدل على مرادهم، وفي المدلول إذ أخطئوا في المعنى.

([210]) ليس المراد بيان معاني كتاب الله، وإيضاح المراد منه، بل تأييد مذاهبهم.

([211]) أي: في ذلك التفسير، الذي عدل فيه عن مذاهب الصحابة والتابعين، إلى ما يخالفها وكثير من الناس، لا يعرف حقيقة كلام السلف، والأئمة ومنهم: من يعظمهم ويظن أنه متبع لهم، مع أنه مخالف لهم، من حيث لا يشعر، ومنهم: من يظن أنهم كانوا لا يعرفون أصول الدين، ولا تقريرها بالدلائل البرهانية، وذلك لجهلهم بعلمهم، بل لجهلهم بما جاء به الرسول ﷺ‬ من الحق، الذي تدل عليه الدلائل العقلية، مع السمعية، بل فضلوا طريقة الخلف، على طريقة السلف حيث ظنوا أن طريقة السلف، هي: مجرد الإيمان، بألفاظ القرآن، والحديث من غير فقه، ولا فهم لمراد الله، ورسوله منها.

    واعتقدوا: أنهم بمنزلة الأميين، وأن طريقة المتأخرين، هي استخراج معاني النصوص، وظنهم هو الذي أوجب لهم نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، والتابعين، وراء ظهورهم فجمعوا بين الجهل، بطريقة السلف، والكذب عليهم، وبين الجهل والضلال، بتصويب طريقة الخلف، وبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى وهذا طريقة السلف عندهم، وبين صرف اللفظ عن حقيقته، وما وضع له، إلى ما لم يوضع له، ولا دل عليه بأنواع من المجازات والتكلفات، التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان والهدى.

([212]) قال: لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق، الذي بعث الله به رسول الله ﷺ‬ وأسباب هذا الضلال، التقصير عن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ‬ وما كان عليه السلف وكم هلك بسبب قصور العلم، وعدم معرفة الحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من خلل وريب وغمة.

([213]) أي: وإن كان من عدل عن مذاهب الصحابة، وتأول الآيات مجتهدا باذلا وسعه، مغفور له خطؤه، للخبر: «وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد»، وخبر: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان».

([214]) أي فالمقصود من ذكر من أخطأ في التفسير، بيان طرق العلم، الذي ينبغي أن تسلك، وأدلة العلم المقبولة، والتنبيه على المردودة.

([215]) أي: والمقصود بيان طرق الصواب، من الخطأ والضلال، قال الشيخ: ومن أعظم أسباب البدع الباطلة، التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه، وفسروا كلام الله ورسوله بغير ما أريد به، وتأولوه على غير تأويله، فمن أصول العلم بذلك: أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه، وأنه الحق: وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرف: أن تفسيرهم محدث مبتدع، ثم أن يعرف بالطرق المفصلة، فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة، على بيان الحق.

([216]) أي: ذكر سبب الاختلاف بين الناس، في تفسير القرآن.

([217]) أي: من الاختلاف في التفسير كما قال الشيخ وغيره، منه: ما مستنده النقل، والمرجع فيه إلى الصحة، ومن يقبل منه، ومنه: ما يعلم بغير النقل، وهو: ما مستنده الاستدلال والمرجع فيه إلى صحة الاستدلال، وقال: إذ العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق.

([218]) أي: والمنقول في التفسير، وغيره: إما عن المعصوم ﷺ‬ أو عن غيره من الصحابة أو التابعين.

    قال الشيخ: ومن المنقول، ما يمكن معرفة الصحيح منه، والضعيف، وما يحتاج المسلمون إلى معرفته، فإن الله نصب على الحق دليلا، وما لا يمكن، فلا طريق بالجزم بالصدق منه، فالبحث عنه: مما لا فائدة فيه.

    ومثال ما لا يفيد، ولا دليل على الصحيح منه، الاختلاف في أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح، وفي اسم الغلام الذي قتل الخضر، ونحو ذلك، فهذا طريقة العلم به النقل، فما كان منقولا نقلا صحيحا، عن المعصوم، كاسم صاحب موسى، أنه الخضر، فمعلوم، وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب، فلا يجوز تصديقه، ولا تكذيبه، إلا بحجة، وكذا: ما نقل عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون، لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض.

([219]) أي: وإذا جاء التفسير عن المعصوم ﷺ‬ من جهتين، من غير تواطؤ فصحيح، لاعتضاد أحدهما بالآخر، أو جاء عن المعصوم من جهات، وقد علم، أن المخبرين لم يتواطئوا على اختلافه وعلم أن ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقا بلا قصد، فهو صحيح.

([220]) أي: فهي صحيحة، قال الشيخ: المراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصدا أو الاتفاق بغير قصد، كانت صحيحة قطعا والمراسيل: جمع مرسل، وهو قول التابعي: قال رسول الله كذا أو فعل كذا.

([221]) قال الشيخ: جمهور أهل العلم من جميع الطوائف، على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له، وعملا به، أنه يوجب العلم إلا فرقة من المتأخرين اتبعوا طائفة من أهل الكلام، أنكروا ذلك، وأكثر أهل الكلام: يوافقون الفقهاء على ذلك وقال ابن القيم: هذا الذي اعتمده نفاة العلم،، عن أخبار رسول الله ﷺ‬ خرقوا به إجماع الصحابة، المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة، والخوارج، الذين انتهكوا حرمة هذه الأمة وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك، بل صرح الأئمة بخلاف قولهم، ومن له إلمام بالسنة، والتفات إليها، يعلم ذلك، وذكر عليه أكثر من عشرين دليلا.

([222]) كما أن المعتبر في الإجماع على الأحكام: بإجماع أهل العلم بالأمر، والنهي والإباحة، ولا تجتمع الأمة على خطأ فإذا أجمعوا على حكم جزمنا بأنه ثابت.

([223]) أي: وللخبر الوارد من طريق، أو طرق أدلة شرعية، يعرف بها أنه صدق لموافقته الأصول الشرعية.

([224]) لمناقضته الأصول الشرعية، يعلم ذلك من له إلمام بأصول الشرع، وإطلاع تام، وذهن ثاقب، وفهم قوي، ومعرفة بالقرائن الدالة على ذلك.

([225]) أحمد بن محمد بن إبراهيم، المتوفى سنة سبع وعشرين وأربعمائة له التفسير الكبير، اختصره البغوي، قال الشيخ: هو نفسه فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.

([226]) الواحدي: هو علي بن أحمد بن محمد بن علي، معروف بالواحدي، له البسيط والوسيط والوجيز، في التفسير والزمخشري، هو محمود بن عمر صاحب الكشاف وذكر الشيخ: أن في كتب التفسير، من الموضوعات شيء كثير، وقال: مثل ما يرويه الثعلبي، والواحدي، والزمخشري في فضائل سور القرآن، سورة، سورة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم.

([227]) أي: والخبر الذي عليه أدلة، يعرف بها أنه كذب، قليل في تفاسير السلف، وأكثرهم يوضح ذلك، كابن كثير، ويورده بسنده ليعلم ذلك.

([228]) لأن الصحابة رضي الله عنهم، أخذوا القرآن عن رسول الله ﷺ‬ ألفاظه ومعانيه، وكانت عنايتهم بأخذ المعاني أعظم من عنايتهم بالألفاظ ورأوا من الأحوال المشاهدة، وعلموا بقلوبهم من مقاصده ما يتعذر على من بعدهم مساواتهم فيه.

([229]) ففي شرع محمد ﷺ‬ غنية عنها، وشريعته ناسخة لشريعة من قبله.

([230]) يعرفه من له بصر بشريعة محمد ﷺ‬.

([231]) لما تقرر من تحريفهم وتبديلهم.

([232]) إلا بحجة لقوله ﷺ‬: «إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، قال الشيخ: وكذا ما نقل عن بعض التابعين، ولو لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب.

([233]) أي: وغالب ما في الإسرائيليات لا فائدة فيه.

([234]) أي: قسم ممن جاء بعد الصحابة والتابعين، اعتقدوا معاني، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليها، وراعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن، من الدلالة والبيان، وهم تارة يسلبون لفظ القرآن، ما دل عليه، وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه، ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا تفسيره أو إثباته من المعنى باطلا.

([235]) أي: والقسم الثاني، فسروا القرآن، بمجرد ما يسوغ أن يريدوه بكلامه، ممن كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به، وهو مما لا يدل على المراد من كلام الله بحال، وإنما راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به وسياق الكلام.

([236]) فيهم لضعف الهمم، وتشعبها والاشتغال بما لايجدي.

([237]) أي: والعجز عن معرفة معاني القرآن العزيز، والتفريط في التحصيل حتى أخطئوا في الاستدلال.

([238]) لما بهم من الوهن، عن التفتيش عليه.

([239]) وغير ذلك، مما هو من أسباب الاختلاف، قال الشيخ: وكثير من الكتب المصنفة، في أصول علوم الدين، وغيرها، نجد الرجل المصنف فيها، في المسألة العظيمة، كمسألة القرآن، والرؤية والصفات، والمعاد، وحدوث العالم وغير ذلك، يذكر أقوالا متعددة والقول الذي جاء به الرسول، وكان عليه سلف الأمة ليس في تلك الكتب، ولا عرفه مصنفوها ولا شعروا به.

([240])أي: ذكر أحكام التفسير وما لا بد للمفسر منه والتفسير: تفصيل من المفسر، وهو البيان والكشف.

([241]) هذا المعروف عند العلماء، كما حكاه الأصبهاني، وغيره، وقال الزركشي، وغيره: علم يفهم به كتاب الله المنزل، على نبيه محمد ﷺ‬ وبيان معانيه، واستخراج أحكامه، وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة، والنحو والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ، والمنسوخ، وغير ذلك، ومن ذكر فضائل القرآن، يذكرها في أول كل سورة، لما فيها من الترغيب والحث على حفظها.

    وقال غيره: يجب أن يتحرى مطابقة المفسر، وأن يتحرز من نقص لما يحتاج إليه في إيضاح المعنى، أو زيادة لا تليق بالغرض، ويتحرى الغرض الذي سيق له الكلام، وقال أبو حيان: كثيرا ما يشحن المفسرون تفاسيرهم، عند ذكر الإعراب، بعلل النحو ودلائل أصول الفقه، ومسائله ودلائل أصول الدين وكل ذلك مقرر في تآليف هذه العلوم، وإنما يؤخذ ذلك مسلما في علم التفسير دون استدلال عليه.

    وكذلك أيضا: ذكروا ما لا يصح من أسباب النزول، وأحاديث في الفضائل، وحكايات، لا تناسب، وتواريخ إسرائيلية ولا ينبغي ذكر هذا في التفسير.

([242]) وقال الثعلبي وغيره: بيان وضع اللفظ، وإخبار عن دليل المراد، وروى البيهقي وغيره الحث على إعرابه،وهو معرفة معاني ألفاظه، والمرجع في ذلك، إلى كتب أهل الفن في ذلك، كالزجاج، والفراء، والأخفش، وأبي عبيد، وابن الأنباري، وغيرهم.

([243]) وقيل هو: التأويل وتقدم بيان التأويل في القرآن، وعند أهل التفسير، أنه يراد به عند بعضهم التفسير.

([244]) للحاجة إليه، وما أنزل إلا ليفهم، وقال الشيخ: معرفة معنى كل آية فرض على الكفاية، ولا يجب على كل مسلم، معرفة معنى كل آية، بل معرفة ما لا بد منه.

([245]) بالإجماع بل القرآن أصل العلوم، وفضله وفضل حامله مشهور معلوم، فإيضاحه وبيانه، أجل العلوم، وأشرفها وأعلاها بل به عصمتنا، وسعادتنا في الدنيا والآخرة

([246]) وكان أصحاب رسول الله ﷺ‬ إذا تعلموا عشر آيات، لم يجاوزوهن حتى يتعلموا معانيهن، والعمل بهن، وفي الخبر: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وقال تعالى لنبيه ﷺ‬: }لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ{ وشرف كلام الله لا يخفى، فبيانه أشرف بيان وأفضله، وقال ابن عباس: الذي يقرأ القرآن، ولا يحسن تفسيره كالذي يهذ الشعر هذا.

([247]) أي: والمعتني بتفسير القرآن، لا بد له من معرفته معنى الكلمة، وصيغتها ومحلها، ومعرفة الحروف، لاختلاف مواقعها، قال ابن عباس: الحمد لله الذي قال: }عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ{ ولم يقل: في صلاتهم.

    وقال في: }إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ{ الآية، فالأربعة الأول يملكونها ملكا مطلقا، والأربعة الأخيرة ملكا مراعا، كما هو معروف في موضعه، والحروف يراد بها الاسم، والفعل وحروف المعاني، واسم حروف الهجاء، وكثيرا ما يوجد في كلام المتقدمين هذا حرف من الغريب، يعبرون بذلك عن الاسم التام فقوله ﷺ‬: «بكل حرف عشر حسنات»، مثله بقوله ألف حرف ولام حرف وميم، حرف، والمراد هنا: حروف المعاني، التي هي قسيمة الأسماء، والأفعال، وباعتبار معانيها: إلى حروف استفهام وحروف نفي، وحروف تحضيض وغير ذلك، وحروف الهجاء، تسمى حروفا، وهي أسماء كالحروف المذكورة في أوائل السور، لأن مسماها هو الحرف، الذي هو حرف الكلمة، وسميت حروف الكلام حروفا، لأنها طرف الكلام وحده ومنتهاه.

([248]) فيرجع في ذلك إلى كتبهم، وهي كثيرة مشهورة.

([249]) أي: ومعرفة الأسماء فنحو }قل هو الله أحد{ أحد: أكمل من واحد والاسم الشريف: علم على ربنا تعالى، ومعرفة الأفعال ومدلولاتها وكذا الظروف.

([250]) فيرجع في ذلك، إلى كتب أهل اللغة، كالمحكم لابن سيدة، والتهذيب للأزهري، والصحاح للجوهري، ومجمع البحرين للصاغاني وأمثالها من كتب اللغة.

([251]) أي: ومن معرفة غريب القرآن، معرفة ما وضع له الضمير، وأصل وضعه للاختصار قال تعالى: }أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا{ قام الضمير مقام [خمسة وعشرين]* كلمة ([251]).

    ومنه: معرفة ما يعود إليه الضمير، فإنه لا بد له من مرجع يعود إليه ويكون ملفوظا به، سابقا، نحو }وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ{ أو متضمنا له نحو }اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى{ أو دالا عليه، نحو }إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ{ أو متأخرا نحو }أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى{ }كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ{ أو دل عليه السياق، نحو }كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ{ وإذا اجتمع في الضمائر مراعاة اللفظ والمعنى بدئ باللفظ ثم بالمعنى.

([252]) التأنيث الحقيقي: لا تحذف تاؤه غالبا إلا إن وقع فصل، وغير الحقيقي الحذف أحسن نحو }فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ{ وكذا الإثبات نحو }وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ{ وإن وقع ضمير، وإشارة بين مبتدأ وخبر، جاز.

    وكل أسماء الأجناس: يجوز فيها التذكير، حملا على الجنس، والتأنيث حملا على الجماعة، والتعريف والتنكير، لكل منهما حق لا يليق بالآخر، فللتنكير إرادة الوحدة، كجاء رجل، والنوع نحو }هَذَا ذِكْرُ{ والتعظيم والتكثير، وضدهما وغير ذلك، وللتعريف أل والإضمار، والعلمية، والإشارة والتعريض وغير ذلك.

ــــــــــ

*- بهذا العدد في البرهان والإتقان ولعل الصواب: «عشرين».

([253]) الاسم: يدل على الثبوت، والاستمرار، والفعل: يدل على التجدد، والحدوث، ومعرفة ذلك من معرفة غريب القرآن، وكذا السؤال، والجواب، والمصدر، والعطف، وغير ذلك.

([254]) من الصحابة، وغيرهم، وورد عن ابن عباس، وأصحابه: ما يستوعب أكثر غريب القرآن، وتقدم: أن أصح الطرق عنه، طريق مجاهد، ولذلك اعتمده البخاري وغيره.

([255]) لأن الله تعالى قال: }إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا{ وقال: }بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ{ وقد احتج الصحابة، والتابعون، على غريب القرآن، ومشكله، بشعر العرب، وقال ابن عباس: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن، الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها، فالتمسنا معرفة ذلك منه، وروي عنه من ذلك كثير، وتقدم: لغة قريش، ثم أهل الحجاز.

    وليس فيه شيء من التراكيب الأعجمية، وقال القرطبي: أجمعوا على أنه ليس في القرآن شيء، من التراكيب الأعجمية، وأجمعوا على أن فيه أعلاما من الأعجمية، كإبراهيم ونوح ولوط، واختلفوا هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية؟ فأنكره بعضهم، وقالوا: ما وقع فيه مما يوافق الأعجمية، فهو من باب ما توافقت فهي اللغات.

    وقال غير واحد: ما كان معلوم المعنى، عند غير العرب، ثم استعملته العرب في ذلك المعنى كإبراهيم، وإسماعيل، ونحوهما، فلا ينبغي أن يقع فيه خلاف.

    وأما ما كان من غير الأعلام، فإن العرب استعملت كلمات: أصلها أعجمية ثم عربتها بألسنتها، وحولتها عن ألفاظ العجم، إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن، وقد اختلطت بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية، باعتبار التعريب الطارئ فصادق ومن قال إنها أعجمية، باعتبار أصلها فصادق والجمع بين القولين أن نحو }نَاشِئَةَ اللَّيْلِ{ و}مِشْكَاةٍ{ و}إِسْتَبْرَقٍ{ أصلها بغير العربية، ثم عربتها العرب واستعملتها فصارت من لسانها، بتعريبها واستعمالها وإن كان أصلها أعجميا.

([256]) أي: ويبحث المفسر عن كون الآية من القرآن، مكملة للآية التي قبلها، وظاهرة الارتباط، لتعلق الكلم بعضه ببعض، وعدم تمامه بالأولى، وكذا إذا كانت الثانية للأولى، على وجه التأكيد، أو التفسير، ونحو ذلك، أو كونها مستقلة، غير ظاهرة الارتباط.

([257]) أي: ويبحث عن وجه مناسبتها لما قبلها، أو كانت مستقلة والمرجع في ذلك، إلى معنى رابط بين الآيات، عام، أو خاص، بأي نوع من أنواع العلاقات، ومنه: أن تكون معطوفة بحرف من حروف العطف، المشركة في الحكم، أو توجد قرائن معنوية تؤذن بالربط كإلحاق النظير بالنظير، أو استطراد أو انتقال من حديث إلى آخر، أو غير ذلك، كما في سورة ص بعد ذكر الأنبياء ذكر المتقين ثم الجنة وأهلها، ثم النار وأهلها قال ابن الأثير: هذا في هذا المقام من الفصل الذي هو أحسن من الوصل، وهي: علاقة أكيدة بين الخروج من كلام إلى آخر، وقيل: الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات، أن تنظر الغرض، الذي سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض، من المقدمات وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات، في القرب والبعد من المطلق، وتنظر إلى انجرار الكلام، في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع، إلى الأحكام واللوازم التابعة له، التي تقتضي البلاغة شفاء الغليل، بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فإذا عقلته تبين لك وجه النظم.

    وقال ابن العربي: ارتباط آي القرآن بعضها ببعض، حتى يكون كالكلمة الواحدة، منتسقة المعاني منتظمة المباني، علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد، عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله لنا فيه، فلما لم نجد له حملة، ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه، وكذا السور، يبحث عن وجه مناسبتها لما قبلها ووجه اتصالها بها، ووجه ما سيقت له.

    وقيل: أول من أظهر علم المناسبة، أبو بكر النيسابوري، وكان يقول على الكرسي، إذا قرئ عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه الآية؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة، إلى جنب هذه السورة؟ وذكر الخطابي: أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن وضعوا سورة القدر عقب العلق، استدلوا بذلك على أن المراد بالكناية، في قوله: }إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ{ الإشارة إلى قوله اقرأ.

    وقال ابن العربي: هذا بديع جدا، ومن المناسبة التي تطلب الحكمة فيها: إيراد الآية تشبه الآية، والقصة تشبه القصة، نحو: }وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ{ وفي أخرى }وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ{ و}هُدًى لِلْمُتَّقِينَ{ و}هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ{ والقصص في كل موضع: بلفظ غير الآخر.

([258]) وهي: ما صح سندها ولم تبلغ درجة المتواترة، ولا المشهورة فإنها تفسر معنى الآية وتبين معانيها.

([259]) وإن لم يصح سندها نحو: }مَلَك{ بصيغة الماضي، ونصب }يَوْمَ{.

([260]) فإنها تعتبر في التفسير، والإيضاح وأما القراءة بها، فحكى ابن عبد البر وغيره: الإجماع على أنه لا تجوز القراءة بالشاذة، وما ذكر موهوب الجزري، من جواز القراءة بها في غير الصلاة، قياسا على رواية الحديث بالمعنى فلا يلتفت إليه.

([261]) أي: ذكر أحكام تلاوة القرآن العزيز، وتحسينها وبيان ما صرف عنه الأكثر، من فهم كتاب الله، والخشوع عند تلاوته، بتكلف المخارج ونحو ذلك وذكر أحكام المصحف.

([262]) متطهرا مستقبل القبلة، متحريا أفضل الأوقات، كبعد الفجر، لقوله }إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا{. قال الشيخ: قراءة القرآن بعد الفجر، أفضل من قراءته آخر النهار، ومتهجدا آخر الليل أفضل لقوله: }إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً{ ولا بأس بالقراءة في كل حال، قائما، وقاعدا ومضطجعا وراكبا وماشيا، ولا في شيء من الأوقات لمعنى فيه ولا تكره مع حدث أصغر، أو نجاسة بدن، أو ثوب وتكره في المواضع القذرة، والأسواق التي يصيح فيها أهل الأسواق بالنداء، والبيع ويكره الجهر بها مع الجنازة.

    وتحرم مع الجنابة، لخبر: «لا يحجبه من القرآن شيء ليس الجنابة»، رواه الخمسة، ولفظ الترمذي: «يقرئنا القرآن، ما لم يكن جنبا»، وقال الشيخ: تحرم باتفاق الأئمة والجمهور آية فصاعدا وعند الشيخ: تباح قراءته للحائض، إذا خافت نسيانه، وقال: بل تجب وله قول: ما وافق قرآنا لم يقصده، ويمنع الكافر من قراءته، وهو أولى من الجنب، لقوله: }إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ{ ورجح البغوي وغيره: جواز تعليمه إن رجي إسلامه.

([263]) أي: ويستحب الإكثار من تلاوة القرآن قال تعالى: }يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ{ وثبت: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار»، وأنه: يأتي يوم القيامة شفيعا، ومن قرأه وهو ماهر فيه، فهو مع السفرة الكرام، ومن قرأه وهو يتتعتع فيه، وهو عليه شاق، وفي رواية شديد فله أجران، وللترمذي: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها».

([264]) ففي الحديث القدسي: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي للسائلين»، وفي الخبر: «فضل كلام الله على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه»، صحح الترمذي وبعضه أفضل من بعض، فما تكلم به في وصف نفسه المقدسة أفضل مما تكلم به في وصف خلقه، وفي الصحيح: «إنه لم ينزل في القرآن، ولا في غيره أفضل من الفاتحة»، و}قل هو الله أحد{، تعدل ثلث القرآن، وأعظم آية فيه: آية الكرسي، ويجب منه ما يجب في الصلاة، ويبدأ الصبي وليه به قبل العلم، ويستحب حفظه إجماعا، وحفظه فرض كفاية إجماعا.

([265]) وأما السرعة، مع عدم تبيين الحروف، فتكره، ومن الناس من إذا حدر كان أخف عليه، وإذا رتل أخطأ ومنهم من لا يحسن الحدر والناس في ذلك على ما يخف عليهم، فيستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه، ويخف عليه، فربما تكلف ما يشق عليه فيقطعه عن القراءة، والإكثار منها، ولا خلاف، أن الأفضل الترتيل لمن تساوى في حالته الأمران.

([266]) وأجل قدرا، وأقرب إلى الإجلال، والتوقير، بل قراءة آية بتدبر وتفهم خير من قراءة ختمة، بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاة القرآن وقال تعالى: }وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً{ وهكذا كانت قراءته ﷺ‬ والسلف من بعده، حتى إنه ليردد الآية إلى الصباح، وهذا هو أصل صلاح القلب.

([267]) حالة النطق بها، ورد الحرف إلى مخرجه، وأصله.

([268]) على كمال الهيئة فإن التجويد حلية القراءة، وفي الحديث: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا، كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد»، يعني ابن مسعود، وكان قد أعطي حظا عظيما في حسن الأداء وكما أن الأمة متعبدة بفهم معاني القرآن، وإقامة حدوده فهي متعبدة بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه.

([269]) ولا إفراط في مخارج الحروف ونحوها.

([270]) لقوله ﷺ‬: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وقوله: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، وغير ذلك، قال النووي: والذي يتحصل من الأدلة، أن حسن الصوت بالقراءة مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع، ولا يخرج بتحسينه عن حد القراءة، إلى التمطيط المخرج له عن حدوده، وتحسينه من غير مراعاة قوانين النغم مطلوب بلا نزاع، وقال الحافظ: ما كان طبيعة وسجية، كان محمودا، وما كان تكلفا وتصنعا، كان مذمومًا، وهو الذي كرهه السلف.

([271]) أي: ويسن الترنم، وهو تحسين الصوت، وفي الخبر: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن»، وفي رواية حسن الصوت يترنم بالقرآن، ويسن أن يكون بخشوع وحضور قلب، وتفكر، وتفهم فهو المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم، وبه ينشرح الصدر، ويستنير القلب، قال تعالى: }لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ{ وقال: }أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ{، وذلك أن يشغل قلبه في معنى ما يتلوه، سائلا عند آية الرحمة، مستعيذا عند آية العذاب، مستغنيا بمعانيه، وحكمه عن غيره، من كلام الناس، وإذا سمع شيئا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن فإن شهد له بالتزكية، قبله، وإلا رده، وإن لم يشهد له بقبول ولا رد، وقفه، وهمته عاكفة على مراد ربه من كلامه ويستحب البكاء عند القراءة، وهي صفة العارفين وشعار الصالحين وقرأ ابن مسعود، على النبي ﷺ‬ فإذا عيناه تذرفان وروي: «فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»، وطريقه في تحصيل البكاء، أن يتأمل ما يقرأه من التهديد والوعيد الشديد، والمواثيق، والعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها فإن لم يحضره حزن وبكاء، فليبك على فقد ذلك، فإنه من المصائب.

([272]) وهو المراد منه قال تعالى: }لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ{.

([273]) أي: قال شيخ الإسلام، في شرحه الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري، وغيره: أنه ﷺ‬ قال: «زينوا القرآن بأصواتكم» تزيين القرآن بالأصوات، هو: التحسين، أي تزيين الصوت وجعله حسنا، يقال: فلان يحسن القراءة ويتغنى بها، وفي الحديث: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، ولابن ماجه، عن جابر مرفوعا: «إن من أحسن الناس صوتا: الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله»، وقال النووي: يستحب طلب القراءة من حسن الصوت، والإصغاء إليها بالاتفاق.

([274]) أي: من مواضعها وظهورها وتميزها.

([275]) الترقيق: ضد التفخيم، والتفخيم: فتح الشخص فاه بالحرف وتحريك أوساط الكلم بالضم، والكسر، في المواضع المختلف فيها دون إسكانها، والغالب على أهل الحجاز تفخيم الكلام، والإمالة، أن ينحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء.

([276]) أي: ولا صرف الهمة بالنطق، بالمد الطويل، وهو عبارة عن زيادة مط في حرف المد، على المد الطبيعي، ولا النطق بالمد القصير، وهو ترك تلك الزيادة ولا صرف الهمة بالمد المتوسط، وحرف المد: الألف مطلقا، والواو الساكنة، المضموم ما قبلها والياء الساكنة المكسور ما قبلها.

([277]) الذي قد جعله طوائف أصلا كبيرا في الوقف، وذكروا: أن الوقف على ثلاثة أوجه، تام وحسن وقبيح وأن التام: الذي يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده، وأن الحسن هو الذي يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، واستغرب بعضهم هذه التسمية، وأما الوقف على رءوس الآي فسنة لخبر أم سلمة: أنه ﷺ‬ كان إذا قرأ قطع آية آية.

([278]) الإضجاع في الحركات كالإمالة، والإرجاع، الإعادة والترديد.

([279]) أي: وشغل القارئ باله، بالتطريب، وهو الترجيع، والتمديد ونحو ذلك، مما هو مفض إلى تغيير نظم كتاب الله، الذي أمرنا بتدبره، ولأبي داود، عن جابر رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ‬ ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والأعجمي، فقال: اقرءوا فكل حسن وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح ويتعجلونه ولا يتأجلونه» أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة للرياء، والمباهاة، الشهرة والتأكل ويذهب الخشوع قال الذهبي: القراءة المجودة فيها تنطع وتحرير زائد يؤدي إلى أن المجود القارئ يبقى مصروف الهمة، إلى مراعاة الحروف، والتنطع في تجويدها، بحيث يشغله ذلك، عن تدبر كتاب الله، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة حتى ذكر أنهم ينظرون إلى حفاظ كتاب الله، بعين المقت.

([280]) أي: وشغله بذلك، مفض إلى التلاعب بكتاب الله، والتنطع والوسوسة المستكرهة.

([281]) عن مراد الرب من كتابه، وقال ابن رشد: الواجب أن ينزه القرآن عما يؤدي إلى هيئة تنافي الخشوع، ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع منه القلب، ويزيد في الإيمان، ويشوق فيما عند الله.

    وقال الشيخ: الثواب، ورفع الدرجات، والأقدار، على قدر معاملة القلوب، وما يحصل عند تلاوته، من وجل القلب، ودمع العين، واقشعرار الجسم، هو أفضل ذلك.

([282]) فينزه كلام الله عن ذلك، وأما التغني بما تقتضيه الطبيعة وتسمح به القريحة، من غير تكلف، ولا تمرين، فممدوح بل إذا خلي وطبعه، واسترسلت طبيعته بفضل تزيين، وتحسين حسن، كما قال أبو موسى، لحبرته لك تحبيرا فإن من هاجه الطرب، والحب والشوق، لا يملك من نفسه، دفع التحزين، والتطريب في القراءة، والنفوس تقبله، وتستحليه.

([283]) في تلاوة كتاب الله.

([284]) مع تباين نطقهم بالأحرف.

([285]) قاله: شيخ الإسلام، وغيره.

([286]) وكرهها أحمد، وقال: هي بدعة وروي أن النبي ﷺ‬ ذكر في أشراط الساعة: أن يتخذ القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم، ولا أفضلهم، إلا ليغنيهم غناء.

وقال الشيخ: الألحان التي كره العلماء قراءة القرآن بها، هي التي تتضمن قصر الحرف الممدود، ومد المقصور، وتحريك الساكن، وتسكين المتحرك ونحو ذلك، يفعلون ذلك، لموافقة نغمات الأغاني المطربة، فإن حصل مع ذلك تغيير نظم القرآن، وجعل الحركات حروفا، فهو حرام.

([287]) لأن النظر إليه عبادة، وقال النووي: لم أر فيه خلافا، ولعله: ما لم يكن من الحفظ أحضر وأخشع.

([288]) أي: ويستحب ختم القرآن كل أسبوع، لقوله ﷺ‬ لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن كل أسبوع، ولا تزد على ذلك»، وإن قرأه في ثلاث فحسن، لقوله لابن عمرو، وقد قال أجد بي قوة، قال: «اقرأه في ثلاث»، وللترمذي وصححه، لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، ولا بأس فيما دونه أحيانا، وفي الأزمنة والأمكنة الفاضلة، كرمضان خصوصًا الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، وكمكة، واغتناما للزمان، والمكان، ويتقدر بالنشاط وعدم المشقة، فمن السلف من يختمه في ليلة، ويكره تأخير الختم فوق أربعين بلا عذر، ويحرم إن خاف نسيانه.

([289]) أي: ويستحب الدعاء عند ختم القرآن، وجمع أهله وعياله وكان أنس إذا ختم جمع أهله، وعياله ودعا، وقال الحكم بن عتبة أرسل إلي مجاهد، وعنده ابن أبي أمامة.

وقال: إنا أرسلنا إليك، لأنا أردنا أن نختم القرآن، والدعاء يستجاب عند ختم القرآن، واستحبه أحمد وغيره، ونقله عن عثمان وغيره وللطبراني عن العرباض مرفوعا: «من ختم القرآن فله دعوة مستجابة».

 وقال مجاهد: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن، ويقول: عنده تنزل الرحمة، وكان بعض السلف يقول: أدركت أهل الخير، من صدر هذه الأمة، يستحبون الختم في الشتاء أول الليل، وفي الصيف أول النهار، يقولون: إذا ختم أول النهار، صلت عليه الملائكة حتى يمسي وإذا ختم أول الليل، صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وينبغي أن يشرع في أخرى لما روى الترمذي: «أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل».

([290]) أي ويستحب تحسين كتابة المصحف الشريف، وتبيينها وإيضاحها وتحقيق الخط، فروى أبو عبيد عن عمر رضي الله عنه أنه وجد مع رجل مصحفا، قد كتب بقلم دقيق فكره ذلك وضربه، وقال: عظموا كتاب الله وكان إذا رأى مصحفًا عظيما سر به وكره أن يكتب في الشيء الصغير، وكره علي أن تتخذ المصاحف صغارا.

([291]) وقاله: أحمد وغيره، وسل مالك: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا، وقال الدارمي: لا مخالف له من علماء الأمة، وقال البيهقي: من يكتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوه شيئا فإنهم كانوا أكثر علمًا، وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم.

([292]) أي: ويحرم على المحدث حدثا أكبر، أو أصغر: مس المصحف الشريف من أصحف بالضم، أي: جمعت فيه الصحف، لقوله تعالى: }لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ{ أي: من الجنابة والحدث وقول ابن عباس وغيره: }إِلا الْمُطَهَّرُونَ{ يعني الملائكة لا ينفي القول الأول، وكتب ﷺ‬ لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر»، وقال ابن عبد البر: أشبه التواتر، وقال أحمد: لا شك أن النبي ﷺ‬ كتبه له.

    وقال الشيخ: مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، وذكره الوزير، إجماعا، وقال الزركشي: إذا كتب بعض القرآن مفردا عن تفسير وغيره، فإنه لا يجوز للمحدث مسه وإن لم يسم مصحفا، وسواء حصل المس بيد، أو غيرها من أعضائه بلا حائل، ولو بصدره، اتفاقا.

([293]) أي: ويحرم سفر بالمصحف لدار حرب، لما في الصحيحين نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو لأنه عرضة إلى استيلاء الكفار عليه، واستهانتهم به.

([294]) أي: ويجب احترام المصحف، وحيث كتب كلام الله قال النووي: أجمعوا على وجوب صيانة المصحف واحترامه فلو ألقاه والعياذ بالله، في قاذورة كفر، ولكن لو خلف المحدث على المصحف، من حرق أو غرق، أو وقوع نجاسة عليه، أو وقوعه بيد كافر جاز أخذه مع الحدث، وصرح به الدارمي وغيره بل يجب ذلك صيانة له.

    ويحرم أن يكتب القرآن، بحيث يهان، كأن يكتب ببول حيوان، ونحوه، حكاه الشيخ إجماعًا، وتجب إزالته، وفي الفنون: إن قصد بكتبه بنجاسة إهانته، وجب قتله وكذلك دوسه، وتكره: كتابته على الحيطان والجدران ونحوها: لأنه يوطأ قال عمر بن عبد العزيز: لا تكتبوا القرآن حيث يوطأ ويحرم توسده، واستناد إليه وجلوس عليه إجماعا ويكره: مد رجل إليه إذا لم يقصد إهانته، وإلا حرم وذكر بعضهم أنه يكفر بذلك.

ويكره استدباره، وتخطيه ورميه إلى الأرض بلا وضع، قال الشيخ، وجعله عند القبر منهي عنه، ومذهب الجمهور: أنه يكره تحليته، بذهب أو فضة وجزم الشيخ بالتحريم، ككتب علم، ويكره، استفتاح الفأل فيه، اختاره الشيخ، وحكى ابن العربي تحريمه.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

رأيك يهمنا