الإفادة فيما ينبغي أن تُشغل به الإجازة

نبذة مختصرة

الإفادة فيما ينبغي أن تُشغل به الإجازة : إن الإنسان مسئول عن أوقات فراغه فينبغي للمسلم أن ينتهز أوقات الإجازات.
إجازة الأسبوع أيام الخميس والجمع، وإجازة الموظف السنوية وإجازة نصف السنة الدراسية بالنسبة للطلبة والطالبات والمدرسين والمدرسات، والإجازة الصيفية لهؤلاء التي تقارب ثلاثة شهور أو أكثر وإجازات الأعياد التي شرع فيها التكبير وأنواع العبادات من صلاة وصيام وصدقة وحج وأضاحي إلى غير ذلك.
ونظرًا لما لوحظ من ضياع أوقات بعض الشباب في الإجازات والعطل فقد أشار عليَّ بعض المحبين والناصحين بتأليف رسالة في هذا الموضوع، وهي مستفادة من كلام الله تعالى، وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكلام المحققين من أهل العلم.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 الإفادة فيما ينبغي أن تُشغل به الإجازة

جمعها الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم آل جار الله

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين


بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ‬ وعلى آله وأصحابه وأتباعه المهتدين بهديه المتمسكين بسنته إلى يوم الدين وبعد:

فإن الإنسان مسئول عن أوقاته ومحاسب عليها ومجزي على ما عمل فيها من خير أو شر، والأوقات محدودة والأنفاس معدودة فينبغي حفظها والاستفادة منها فيما ينفع الإنسان في دينه ودنياه وآخرته وصونها عما يضر.

ينبغي له اغتنام فرص الحياة قبل الموت، والصحة قبل المرض والشباب قبل المشيب، والفراغ قبل الانشغال والغنى قبل الفقر بالأعمال الصالحة كما ورد الحديث بذلك([1]) وسوف يسأل الإنسان عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به؟ كما في الحديث الذي رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح، وأقسم ربنا تعالى بنفسه الكريمة أنه سوف يسألنا جميعًا عن أعمالنا قال عز وجل: ]فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ [الحجر: 92، 93] فلنعد لهذه الأسئلة جوابًا صحيحًا عن طريق محاسبتنا لأنفسنا فيما نقول ونفعل ونأتي ونذر ونتكلم ونسمع ونرى ونمشي ونتناول هل هي مشروعة أو ممنوعة؟

أيها القارئ الكريم: ولنتذكر نعم الله علينا وإحسانه إلينا حيث خلقنا ورزقنا ولطف بنا وأحيانا وعافانا وأخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا وجعل لنا الأسماع والأبصار والأفئدة لكي نشكره بقلوبنا وألسنتنا وجوارحنا بأداء ما افترض علينا وترك ما حرم علينا فيزيدنا من فضله.

أيها القارئ الكريم: إن الإنسان مسئول عن أوقات فراغه فينبغي للمسلم أن ينتهز أوقات الإجازات.

إجازة الأسبوع أيام الخميس والجمع، وإجازة الموظف السنوية وإجازة نصف السنة الدراسية بالنسبة للطلبة والطالبات والمدرسين والمدرسات، والإجازة الصيفية لهؤلاء التي تقارب ثلاثة شهور أو أكثر وإجازات الأعياد التي شرع فيها التكبير وأنواع العبادات من صلاة وصيام وصدقة وحج وأضاحي إلى غير ذلك.

فينبغي شغل هذه الإجازات فيما يسعد الإنسان في دينه ودنياه وآخرته من تلاوة القرآن الكريم وحفظ ما تيسر منه، فخير الناس من تعلم القرآن وعلمه، ومن قراءة الكتب المفيدة النافعة ككتب التفسير والحديث والفقه والتاريخ والسيرة النبوية، وفي حضور حلقات العلم لدى العلماء، حيث تنزل السكينة وتغشى الرحمة وتحف الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده، وفي الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الاشتراك في المراكز الصيفية، وزيارة المكتبات الخيرية، ومجالسة الأخيار المطيعين لله ورسوله والاستفادة منهم فالمرء معتبر بقرينه وسوف يكون على دين خليله فلينظر من يخالل.

ومن أهم ما تقضى به الإجازة بر الوالدين وخدمتهما ومساعدتهما فيما يحتاجان إليه وإرضاهما في غير معصية الله فرضى الله في رضاهما وسخط الله في سخطهما وقد جاء رجل يستأذن النبي ﷺ‬ في الجهاد فقال: «أحي والداك»؟ قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» ومن بر والديه بره أولاده كما جاء في الحديث: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم» رواه الطبراني في الكبير والأوسط والحاكم في المستدرك وقال المنذري: إسناده حسن.

ومن أهم الأمور صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب بالزيارة والإكرام وأنواع الإحسان كالأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة والجد والجدة، فمن وصل رحمه وصله الله ومن قطعها قطعه الله والجزاء من جنس العمل في الخير والشر ]وَمَا رَبُّكُ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ[.

ومن أهم ما يشغل به الوقت ذكر الله عز وجل بالتسبيح والتهليل والدعاء والاستغفار وهو خفيف على اللسان وثقيل في الميزان وحبيب إلى الرحمن، واللسان سوف لا يسكت أبدًا فإن تكلم فيما ينفع وإلا تكلم فيما يضر ولا بد له من الكلام، وفي الحديث «ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله» أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن، وهو دليل على فضل الذكر وأنه من أعظم أسباب النجاة من المخاوف في الدنيا والآخرة وضرب النبي ﷺ‬ مثلًا للذاكر والغافل بقوله: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت» رواه البخاري ورواه مسلم بلفظ: «مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت» فالذي يذكر الله مثل الحي والذي لا يذكره مثل الميت ]وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ[ [فاطر: 22] .

فمن أعظم ما ينبغي أن يشغل به الوقت ويتقرب به العبد إلى الله تعالى من النوافل كثرة تلاوة القرآن الكريم والاستماع إليه بتفكر وتدبر وتفهم في معانيه قال الله عزوجل ]كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ[ [ص: 29] ومما يتقرب به العبد إلى الله تعالى كثرة ذكر الله في كل وقت على كل حال كما وصف الله المؤمنين بذلك في قوله: ]الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ[ [آل عمران: 191].

ولنا في رسول الله ﷺ‬ أسوة حسنة فقد كان يذكر الله على كل أحيانه كما في الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنه، وفي مقدمة ذلك الأذكار المشروعة للمسلم في اليوم والليلة مثل أذكار الصباح والمساء وأذكار النوم والانتباه وأذكار الأكل والشرب والأذكار المشروعة بعد السلام من الصلاة،.

والأذكار المشروعة عند الدخول والخروج بالنسبة للمسجد والبيت والحمام، وهذه الأذكار موجودة في كتب الحديث وفي الكتب المؤلفة في الأذكار وهي كثيرة ومن أجمعها كتاب (الأذكار) للإمام النووي (الوابل الصيب) لابن القيم وقد لخص منها (زاد المسلم اليومي) وهو رسالة صغيرة جامعة.

ومما يعين المسلم على حفظ أوقاته والاستفادة منها مجالسة العلماء والاستفادة منهم وقراءة تراجم الصحابة والعلماء والالتجاء إلى الله بالدعاء قال تعالى: ]ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[ ونظرًا لما لوحظ من ضياع أوقات بعض الشباب في الإجازات والعطل فقد أشار عليَّ بعض المحبين والناصحين بتأليف رسالة في هذا الموضوع فجمعت هذه الرسالة وسميتها: (الإفادة فيما ينبغي أن تشغل به الإجازة) وهي مستفادة من كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ‬ وكلام المحققين من أهل العلم أسأل الله تعالى أن ينفع بها من كتبها أو طبعها أو قرأها أو سمعها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم ومن أسباب الفوز لديه بجنات النعيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

المؤلف في 4/ 1/ 1411.


 الشباب والإجازة

لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد، فبمناسبة الإجازة، فإنه يسرني أن أوصي الشباب خاصة والمسلمين عامة بتقوى الله عز وجل أينما كانوا واستغلال هذه الإجازة فيما يرضي الله عنهم ويعينهم على أسباب السعادة والنجاة ومن ذلك شغل هذه الإجازة بمراجعة الدروس الماضية والمذاكرة فيها مع الزملاء لتثبيتها والاستفادة منها في العقيدة والأخلاق والعمل، كما أوصي جميع الشباب بشغل هذه الإجازة بالاستكثار من قراءة القرآن الكريم بالتدبر والتعقل وحفظ ما تيسر منه لأن هذا الكتاب العظيم هو أصل السعادة لجميع المسلمين وهو ينبوع الخير ومنبع الهدى أنزله الله سبحانه تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وجعله سبحانه هاديًا للتي هي أقوم ورغب عباده في تلاوته وتدبر معانيه كما قال سبحانه ]أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[ [محمد: 24] وقال تعالى: ]كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ[ [ص: 29] وقال عز وجل: ]إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا[ [الإسراء: 29].

فنصيحتي للشباب ولجميع المسلمين أن يكثروا من تلاوته وتدبر معانيه وأن يتدارسوه بينهم للعلم والاستفادة وأن يعملوا به أينما كانوا، كما أوصي الشباب وجميع المسلمين بالعناية بسنة رسول الله ﷺ‬ وحفظ ما تيسر منها ولا سيما في هذه الإجازة مع العمل بمقتضاها لأنها الوحي الثاني والأصل الثاني من أصول الشريعة.

كما أوصي جميع الشباب بالحذر من السفر إلى بلاد الكفار لما في ذلك من الخطر على عقيدتهم وأخلاقهم، ولأن بلاد المسلمين في أشد الحاجة إلى بقائهم فيها للتوجيه والإرشاد والتناصح والتعاون على البر والتقوى والتواصي بينهم بالحق والصبر عليه.

وأوصي جميع المدرسين في هذه الإجازة باستغلالها في إقامة الحلقات العلمية في المساجد والمحاضرات والندوات لشدة الحاجة إلى ذلك كما أوصيهم جميعا بالتجول للدعوة إلى الله في البلدان المحتاجة لذلك حسب الإمكان وزيارة المراكز الإسلامية والأقليات الإسلامية في الخارج للدعوة والتوجيه وتعليم المسلمين ما يجهلون من دينهم وتشجيعهم على التعاون فيما بينهم والتواصي بالحق والصبر عليه وتشجيع الطلبة الموجودين هناك على التمسك بدينهم والعناية بما ابتعثوا من أجله والحذر من أسباب الانحراف مع وصيتهم بالعناية بالقرآن الكريم حفظًا وتدبرًا وعملاً وبالسنة المطهرة حفظًا ومذاكرة وعملاً بمقتضاها.

وأسأل الله أن يوفقنا شيبًا وشبابًا وأساتذة وطلابًا وعلماء وعامة لكل ما فيه صلاحنا وسعادتنا ونجاتنا في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وصفوته من خلقه نبينا محمد وآله وصحبه([2]).

الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية

والإفتاء والدعوة والإرشاد


 حفظ وقت الشباب وقت عطلة المدارس([3])

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ‬ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.

أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله تعالى واشكروه على ما خولكم من الأموال والأولاد واعلموا أن هذه النعمة إما منحة يسعد بها الإنسان في دنياه وآخرته وإما محنة تكون سببًا لخسارته وشقوته فإن راعى الإنسان هذه النعمة وقام بما أوجب الله عليه فيها فهي منحة وسعادة وإن ضيع واجب الله فيها وأهملها صارت محنة وشقوة.

أيها الإخوة: في هذه الأيام يختتم الشاب عامه الدراسي الذي أمضى فيه جهدا كبيرا في النظر والعمل وسوف يعاني من مشكلة الفراغ التي قال فيها رسول الله ﷺ‬: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ»([4]) وهاتان النعمتان متوفرتان الآن لشبابنا فما أدري أيكون شبابنا من الكثير المغبون فيهما أم سيكون من ذوي الحزم والقوة الذين يربحون أوقات صحتهم وفراغهم؟

أيها المؤمنون: إن هذا الفراغ الذي حصل للشباب بعد انقضاء العام الدراسي الذي كانوا فيه مشتغلين مستغلين أوقاتهم وقواهم العقلية والفكرية والجسمية: هذا الفراغ الذي حصل لا بد أن تنعكس آثاره على نفوسهم وتفكيرهم وسلوكهم فإما أن يستغلوه في خير وصلاح فيكون ربحا وغنيمة للفرد والمجتمع يربح فيه النفس والوقت، ويستغل قواه فيما يسعده ويسعد أمته، وإما أن يستغلوه في شر وفساد فيكون خسارة وغبنا للفرد والمجتمع يخسر فيه نفسه ووقته ويستغل قواه فيما يشقى به وتشقى به الأمة، وإما أن يمضوا أوقاتهم ويضيعوها سدى لا يعلمون ولا يفيدون، يتجولون في الأسواق والمجالس بأذهان خاوية وأفكار ميتة ينتظرون طلوع الشمس وغروبها ووجبات غذائهم، فتتجمد أفكارهم وتتبلد أذهانهم ويصيرون عالة على المجتمع.

إن الشباب بعد الجهد الجهيد الذي أمضاه في عامه الدراسي إذا صارت العطلة، فسيجد الفجوة الواسعة بين حالته اليوم وحالته بالأمس وسيحس بالفراغ النفسي والفكري سيقول ماذا أعمل، بماذا أمضي هذه العطلة، ولكن الشباب المتطلع إلى المجد والعلى، يستطيع أن يستغل هذه العطلة بما يعود عليه وعلى أمته بالخير.

يمكن أن يستغل وقت العطلة بمذاكرة العلم ودراسته سواء في دروسه الرسمية الماضية أو المستقبلة أو في دروس أخرى يتثقف بها ثقافة عامة فيقرأ في كتب التفسير القيمة السالمة من الزيغ في تحريف معاني القرآن، ويقرأ في كتب الحديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم ويقرأ في كتب التاريخ المعتمدة البعيدة عن الأهواء لا سيما تاريخ صدر الإسلام كسيرة النبي ﷺ‬ وخلفائه الراشدين لأنها سيرة وسلوك تزيد القارئ علمًا بأحوال النبي ﷺ‬ وخلفائه ومحبة لهم وفقها في الدين وأسرار أحكامه وتشريعاته وليحذر الشباب من النظر أو القراءة فيما يخشى منه على عقيدته وأخلاقه وسلوكه سواء كانت كتبًا مؤلفة أو صحفًا يومية أو مجلات أسبوعية.

فإن كثيرًا من الناس ينظر في مثل هذا أو يقرؤه يظن أنه واثق من نفسه ثم لا يزال الشر يتجارى فلا يستطيع الخلاص منه.

وإن الشباب إذا لم يمكنه استغلال العطلة بالقراءة والنظر، فإنه يمكن أن يستغلها بالعمل البدني يكون مع أبيه في دكانه أو مزرعته أو مصنعه أو أية مهنة مباحة يمارسها أو يشتغل في عمل حكومي أو شعبي ليكسب من ذلك ويفيد غيره ويسلم من خمول الذهن وتبلد الفكر واضطراب المنهج والسلوك فإن ذلك ينتج عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع.

إن الشباب إذا لم يمكنه استغلال العطلة بالقراءة والنظر ولا بالعمل البدني فإنه يمكنه أن يقضي وقتًا في رحلة يكسب بها استطلاعًا على البلاد وتعرفًا على إخوانه ودعوة إلى دين الله بشرط أن يحافظ على دينه وخلقه فيصلي الصلاة بوقتها على الوجه المطلوب، ويتجنب كل رذيلة وخلق سافل ويستصحب القرناء الصالحين الذين يذكرونه إذا نسي ويقومونه إذا اعوج.

أيها الشباب: إننا نتحدث عن الشباب لأنهم جيل المستقبل ورجال الغد وأمانة في أعناق من فوقهم وفي أعناق أوليائهم بالذات ولقد كان للمدرسة أثناء الدراسة دور كبير في حفظهم ورعايتهم، أما الآن فقد أصبح العبء الثقيل والمسئولية على أولياء أمورهم من الآباء والأمهات والإخوة والأعمام فعلى هؤلاء مراعاة أولادهم وحمايتهم من ضياع الوقت وانحراف العمل والسلوك، عليهم أن يتفقدوهم كل وقت وأن يمنعوهم من معاشرةومصاحبة من يخشى عليهم من الشر والفساد فإنهم عنهم مسئولون وعلى إهمال رعايتهم وتأديبهم معاقبون.


 التحذير من تضييع الأوقات في العطلة الصيفية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه بين يدين الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًاكثيرًا.

أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله واعلموا أن الوقت الذي تعيشونه في هذه الدنيا لايقدر بالأثمان فاحفظوه فيما ينفعكم في دنياكم وآخرتكم، ولا تضيعوه باللهو واللعب والغفلة فتخسروا الدنيا والآخرة.

فهذا العمر الذي تعيشه أيها العبد هو مزرعتك التي تجني ثمارها في الدار الآخرة، فإن زرعته بخير وعمل صالح جنيت السعادة والفلاح وكنت مع الذين ينادى عليهم في الدار الباقية ]كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ[ [الحاقة: 24] وإن ضيعته في الغفلات، وزرعته بالمعاصي والمخالفات، ندمت يوم لا تنفعك الندامة وتمنيت الرجوع إلى الدنيا يوم القيامة، فيقال لك: ]أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ[ [فاطر: 37].

أيها المسلمون: صح عن رسول الله ﷺ‬ أنه قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟، وعن جسمه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن علمه ما عمل به؟»([5]). فهذا العمر هو أعز شيء لديكم فلا تضيعوه ولا تفرطوا فيه.

فإن الله سبحانه وتعالى جعل في كل يوم وظائف لعباده من وظائف طاعته فمنها ما هو فرض كالصلوات الخمس ومنها ما هو نافلة كنوافل الصلوات والذكر وغير ذلك، وجعل سبحانه للشهور وظائف كالصيام والزكاة والحج ومن هذه العبادات ما هو فرض وما هو نافلة وجعل سبحانه لبعض الأوقات فضلاً على بعض في مضاعفة الحسنات وإجابة الدعوات كالأشهر الحرم وشهر رمضان. وعشر ذي الحجة، وليلة القدر، ويوم عرفة ويوم الجمعة.

وما من موسم من هذه المواسم إلا ولله نفحة من نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى الله بأنواع الطاعات، فعسى أن تدركه نفحة من تلك النفحات فيسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، روى الإمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ‬ أنه قال: «ليس من عمل يوم إلا ويختم عليه»([6]) وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن مجاهد قال: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم دخلت عليك اليوم، ولن أرجع إليك إلى يوم القيامة فانظر ماذا تعمل في فإذا انقضى طواه ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذي يفك ذلك الخاتم يوم القيامة، ويقول اليوم حين ينقضي: الحمد لله الذي أراحني من الدنيا وأهلها، ولا ليلة تدخل على الناس إلا قالت كذلك وقد كان عيسى عليه السلام يقول: «إن الليل والنهار خزانتان فانظروا ماذا تضعون فيهما».

وكان عليه السلام يقول: «اعملوا الليل لما خلق له، واعملوا النهار لما خلق له»، وعن الحسن رضي الله عنه أنه قال: ليس يوم يأتي من أيام الدنيا إلا يتكلم يقول: «يا أيها الناس إني يوم جديد وإني على ما يعمل في شهيد وإني لو غربت الشمس لم أرجع إليكم إلى يوم القيامة»، وعنه أنه قال: اليوم ضيفك، والضيف مرتحل يحمدك أو يذمك.

أيها المسلمون: إن الله سبحانه قد أمر بشغل الأوقات بذكره وطاعته قال تعالى: ]وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ[ [آل عمران: 41] وقال: ]وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ[ [الأعراف: 205]. وقال تعالى: ]فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ[ [الروم: 17، 18].

أيها المسلمون: إننا بمناسبة بداية العطلة الصيفية نوصيكم بتقوى الله تعالى وحفظ أوقات هذه العطلة فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة، وإعطاء الجسم فيها قسطًا من الراحة الخالية من الإثم وعليكم بملاحظة أولادكم وتوجيههم إلى استغلال هذه العطلة فيما يعود عليهم بالنفع فالناس في العطلة ينقسمون إلى أقسام فمنهم الرابح فيها ومنها الخاسر، «وكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»([7]).

1- فمنهم من يقيم في بلده يقضيها بتعليم أولاده القرآن الكريم ويحضرهم إلى المساجد لتلقي القرآن، ويراقب حضورهم وغيابهم ويتعاهد حفظهم وتحصيلهم ويلزمهم بأداء الصلوات الخمس مع الجماعة، فهذا قد نصح أولاده،وحفظ أمانة الله فيهم ويسعى في إصلاحهم ليكونوا عونًا له في الحياة، وخلفًا وذخرًا له بعد الممات، قد قام بالواجب وبذلك الأسباب، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

2- والبعض يقضي العطلة بالسفر لزيارة المسجد الحرام والمسجد النبوي فيقضي أوقاته في الحرمين الشريفين بأنواع الطاعات، والصلاة الواحدة في المسجد الحرام عن مائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي عن ألف صلاة([8]) فهذا عرف قيمة الوقت ووفق لاستغلاله.

3- والبعض الآخر: يسافر لزيارة أقاربه وصلة أرحامه ويقضي العطلة معهم وعندهم لتقر أعينهم به ويؤدي حقهم عليه فهذا مأجور وقد استفاد من وقته وأدى ما عليه.

4- والبعض الآخر: يسافر للنزهة في داخل البلاد وبين أظهر المسلمين في أرجاء المملكة يقضي وقته في ناحية من نواحيها محافظًا على دينه فعمله هذا مباح لا لوم عليه فيه.

5- والبعض الآخر: يقضي العطلة في اللهو واللعب وترك الواجبات وفعل المحرمات، أو يسافر إلى البلاد الكافرة بلاد الكفر والفجور، والعهر والخمور، لينغمس في أوحال الضلالة ويتربى في أوكار السفالة، يقضي وقته بين لهو ومزمار، ولعب وميسر ومسرح وحانة خمر، وربما يستصحب معه نساءه وأولاده ليأخذوا حظهم من الشقاء، فتخلع المرأة لباس الستر، وتلبس لباس ذوات الكفر، هذا الذي قد ضيع الزمان، وباء بالإثم والخسران، وسوف يندم عن قريب، إن لم يتب إلى ربه.

أيها المسلمون: قد وجد في هذا الزمن سلاح يستعمل لقتل الأخلاق والقضاء على الفضيلة حتى تحل مكانها الرذيلة، سلاح صنعه الكفار ورمونا به في بلادنا حتى تسلل إلى كثير من بيوت المسلمين، وصار في متناول النساء والأطفال والرجال، ألا وهو جهاز الفيديو ذلكم الجهاد الخبيث الذي تعرض على شاشته أفلام الدعارة والمجون أفلام الزنا واللواط.

وأفلام الرقص والاختلاط والأفلام التي تعلم السرقة والخيانة وممارسة الجريمة إن هذا الفيديو الخبيث يقضي على الغيرة والحياء، ويجرئ على ارتكاب الفحشاء فيا من عافاك الله منه احمد الله واحذر أن يدخل بيتك، ويا من ابتليت به تب إلى الله وأخرجه من بيتك، لا تفسد به أخلاق نسائك وأولادك وجيرانك فتكون مع الذين يحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم([9]).


 عطلة نصف السنة الدراسية وما ينبغي فعله فيها

الحمد لله رب العالمين أمر بحفظ الأوقات، فيما ينفع من فعل الخير والطاعات، ونهى عن إضاعتها في اللهو والغفلات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وما له من الأسماء والصفات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أول سابق إلى الخيرات، ومحذر عن طريق الهلكات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب العظيمة والكرامات، وسلم تسليمًا كثيرًا.. أما بعد.

أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واشكروا نعمه عليكم واحفظوا أوقاتكم فيم يفيدكم، ولا تستعينوا بنعمه على معاصيه، ولا تضيعوا أوقاتكم فيما تندمون عليه يوم الحساب فإن أعماركم محدودة، وأعمالكم مشهودة، وعند الموت يقول المفرط والمضيع لأوقاته: ]رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ[ [المؤمنون: 99، 100].

وأنكم ستحاسبون على هذه النعم التي بين أيديكم بماذا صرفتموها، وماذا أديتم من شكرها قال تعالى: ]ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ[ [التكاثر: 8].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك ماذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته وقد قال النبي ﷺ‬ يوما لما أكلوا من البسر والرطب وشربوا عليه من الماء «هذا من النعيم الذين تسألون عنه يوم القيامة»([10]) وروى الترمذي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ‬ «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعم أن يقال له: ألم نصح لك بدنك ونروك من الماء البارد»([11]).

وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ‬ في قوله تعالى: ]ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ[ قال: الأمن والصحة، وقال زيد بن أسلم عن رسول الله ﷺ‬: ]ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ[ يعني شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم رواه ابن أبي حاتم، وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا، وثبت في صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ‬: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين لا يقومون بواجبهما ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون، وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال: «يقول الله عز وجل: يا ابن آدم حملتك على الخيل والإبل وزوجتك النساء وجعلتك تربع وترأس فأين شكر ذلك»؟([12]).


فيا عباد الله:

انظروا ماذا تمتعون به اليوم من نعم الله العظيمة، أمن في الأوطان وصحة في الأبدان، ووفرة في الأموال والأولاد، ورفاهية في المآكل والمشارب، والمساكن والمراكب، وطمأنينة في النفوس وراحة من الهموم والأحزان، وفراغ من الأشغال المتعبة فأين شكر هذه النعم؟ وبماذا تصرفونها؟ وما هي إجابتكم يوم تحاسبون عنها ؟

إننا نرى الكثير يستعينون بنعم الله على معاصيه، ويضيعون فرائضه، ويفعلون ما حرم الله عليهم ويضيعون أوقاتهم ويستنفذون قواتهم في اللهو والغفلة والفسوق والعصيان.

وإننا بمناسبة حلول عطلة نصف السنة الدراسية، نحذر إخواننا وخصوصًا الشباب من تضييعها في الغفلة واللهو واللعب واستغلالها في المرح والفرح المذموم بعضهم يخرجون إلى البراري في تلك الأيام ويكونون اجتماعات في الغالب أنها تكون سيئة يخالطون فيها العصاة ويضيعون فيها الصلوات ويستعملون الملاهي وآلات الطرب والطبول.

ويستمعون إلى المغنيين والمطربين وربما يشربون المسكرات، ويسرفون في طبخ الأطعمة واللحوم التي لا يؤكل منها إلا القليل وأكثرها يهدر في التراب، وهذه أعمال سيئة وكفران للنعم، ونخشى على هؤلاء وعلى غيرهم ممن لا ينكر عليهم، نخشى عليهم من العقوبة العاجلة لأن الله تعالى يقول: ]وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[ [إبراهيم: 7].

وكم أهلك الله من أمثال هؤلاء عند غفلتهم وسكرتهم وكفرانهم للنعم، فالواجب على المسلمين الحذر من معاصي الله، والمحافظة على نعم الله، والانضباط في صرف الأموال والأوقات فيما ينفع ويفيد، لأن كفر النعم يعرضها للزوال ويعرض من كفرها للعقوبة في الدنيا والحساب الشديد في الآخرة لأن الإنسان لم يعط هذه النعم وثمنها هو شكرها وصرفها في طاعة الله،ثم أيضًا هذه النعم إنما تعطى للعبد من أجل الابتلاء والامتحان قال تعالى: ]وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[ [الأنبياء: 35] فقيدوا نعم الله أيها الناس بشكر المنعم واعتبروا بمن حولكم ممن سلبت منهم هذه النعم فبدلوا بالأمن خوفًا وبالشبع جوعًا، وبالصحة أوجاعًا كما قال الله تعالى: ]وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ[ [النحل: 112].

وبعض الشباب يستغل هذه العطلة في السفر إلى الخارج لقضائها في الفساد وإعطاء نفسه ما تشتهي من الشهوات المحرمة والأفعال الخبيثة وهذا أشد جرمًا وأعظم إثمًا ومثل هذا يجب الأخذ على يده من قبل أوليائه أولاً ثم من قبل الجهة المسئولة بألا تمنحه جواز السفر، حفاظا عليه وعلى دينه وحفاظًا على المجتمع من شره إذا سافر وعاد إليه ملطخًا بجرائمه، ولئلا يكون قدوة سيئة لغيره من الشباب.

لا مانع أن الإنسان يتمتع بنعم الله، ويلذذ نفسه في حدود المباح الذي لا يلهي عن ذكر الله، ومن غير إسراف ولا إفساد، لا مانع أن الإنسان يخرج للبر لأجل النزهة ولكن مع المحافظة على طاعة الله، وأداء الصلاة مع الجماعة في أوقاتها، واختيار الجلساء الصالحين الذين يعينونه على طاعة الله ويبصرونه بطرق الخير والله سبحانه وتعالى يقول: ]يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ[ [الأعراف: 31-34].

إن الحكومة وفقها الله جعلت هذه العطلة للانتقال من فصل دراسي إلى فصل آخر، ولتمكين الطلاب من قضاء بعض أشغالهم الضرورية كالسفر لزيارة الأقارب أو لأداء العمرة وما أشبه ذلك مما فيه مصلحة مستحبة أو مباحة فينبغي استغلال هذه الفترة فيما يفيد، وألا تضاع في اللهو واللعب والغفلة، لأن ذلك يضر ولا ينفع، ويكسل عن الطلب وبسبب ضياع المعلومات ويميت الذاكرة([13]).

 ظاهرة قضاء الإجازة خارج البلاد([14])

إذا آن أوان العطلة الصيفية واشتداد الحر والبحث عن الجهة التي يقضي فيها الفرد هذه الفترة تطلع الكثير من الناس إلى قضاء الإجازة في الخارج، وموضة قضاء الإجازة خارج البلاد في المناطق الباردة أو معتدلة الجو، موضة جاءت مع الحضارة الزائفة ومع موجة الترف وارتفاع مستوى المعيشة وكثرة الأموال بأيدي الناس ونقص الإيمان والوازع الديني.

إن الاستعمار الذي تغلغل في البلاد الإسلامية ينخر في جسمها، قد خطط للقضاء على أخلاقها وإسلامها وهو حاليًا جاد في تنفيذ مخططاته الهدامة لعلمه علم اليقين أن الإسلام هو العدو اللدود الواقف في طريقه لإحباط مخططاته الاستعمارية العدائية، وما يسمى اليوم بالحضارة الزائفة ما دخلت وحدها بلدًا إلا هدمت أخلاقياته ومثله العليا وقوضت بناء أركانه وقد استخدمها الاستعمار اليوم وصقلها لتكون من أوسع المنافذ العديدة التي يدخل منها الفساد لهذا المجتمع المسلم.

وقد حشاها بالأفكار المضللة ليستفيد منها ماديًا ومعنويًا.

ماديًا: هذه العملة الصعبة التي يبعثرها السائح أثناء إقامته خارج وطنه.

ومعنويًا: حينما يعود مدعي السياحة مشبعًا بالأفكار الاستعمارية يحكي لنا مغامراته البشعة وصفقاته الخاسرة، يشيد بالإباحية الفاجرة والتحلل من الدين والأخلاق والمثل، ويتهم الإسلام بالتحجر والرجعية لأنه يفرض القيود ويضع الحدود ويمنع الحرية المطلقة الحرية البهيمية والوحشية.

إن هذه الظاهرة الخطيرة التي يدمى لها قلب كل مسلم غيور، يذهب ضحيتها إيمان وأموال وأخلاق، كل عام يستشري شرها ويتضاعف العدد بسبب الدعايات التي يروجها، من وقع في حمأة الرذيلة وانغمس في مستنقعات العهر وبؤر الفساد، حتى شملت النساء والشباب اليافعين الصغار وأشد ما يذكي نارها ويشب أوارها([15]) تشجي هؤلاء على مستوى الأجهزة والمستوى الشعبي فتجد بعض الأجهزة، تدفعهم ولو بطريق غير مباشر على طرق هذه الأبواب بتهيئة الجو لهم وتيسير سبل الراحة في الحصول على أسباب السفر.

ولكن لهذا التخفيف مغزى آخر أشد خطورة من تطويل الروتين وهو إتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن للسفر في أي وقت لإفساد أخلاقه ونقض إسلامه، ودفع المبالغ الطائلة للمغنين والمغنيات والممثلين والمهرجين، ودعاة الشر عباد المادة الذين باعوا أخلاقهم وشرفهم للشيطان، تشجيعًا لهم على مواصلة باطلهم، كما تفعل أجهزة الإعلام اليوم بتشجيع العاهرات والمومسات ودعاة الفجور الخالعين لربقة الإسلام من أعناقهم إن كانوا ممن يدعي الإسلام بشراء ترهاتهم ومفاسدهم وتأوهاتهم من أغان خليعة وتمثيليات ماجنة تفسد الأخلاق وتحل عرى الإسلام عروة عروة، تدفع المبالغ الطائلة في الوقت الذي نحن بحاجة إلى كل قرش.

ويصرف على معاطن الفجور باسم الفن وتشجيع الفنانين (الذين يجب قمعهم وتأديبهم حسب تعاليم الإسلام الحنيف) إننا في زمان الإسلام فيه في أشد غربته ما دامت هذه الأجهزة تدفع إمكاناتها عصب حياتها على حبائل الشيطان، ومطايا جنوده، تشتري هذه المفاسد بأموال أمة مسلمة تحت شعار إرضاء الجمهور أو الاحتيال لتكذيب المثل القائل (رضى الناس غاية لا تدرك).

قد اختلط فيه الحابل بالنابل وصار الدخلاء هم السواد الأعظم وفيهم المندسون الذين يكيدون للإسلام والمسلمين وهم الصوت النشاز الذي نسمع أنه غير راض عن الحلقات الدينية والتوجيهية إلخ إن هؤلاء لو أتيت بكل مفاسد الدنيا لطلبوا منك الزيادة ولظلوا غير راضين عنك مهما التمست رضاهم بسخط الله، لأن من طلب رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ومن طلب رضى الله بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، إن هذه الأجهزة الخطيرة أوجدت لتوجيه المجتمع المسلم لا لترضي الغوغاء في هوتشبع ميولهم البهيمية إنها أوجدت لتقول: هذا حلال وهذا حرام وهذا يجب أن تكون عليه.

أوجدت لتدعو إلى الدين الحنيف والتمسك بأهدابه وأخلاقه أوجدت لتسمع صوت الإسلام مدويًا في جميع بقاع العالم: ]قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي[ [يوسف: 108] ولم توجد للتخطيط لهدم الدين والتجني على الإسلام والمسلمين بأموالنا وأيدينا نهدم ديننا ومثلنا وأخلاقنا، ]يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ[ [الحشر: 2] كل هذا بدعوى إرضاء الجمهور أو مجاراة لإعلام الآخرين الذين يتخذون الأغاني والأنعام ترانيم دينية ونوعًا من العبادة في كنائسهم ويستحلون الحرام، إن لهؤلاء دينًا، يؤمنون به، إن صح التعبير، ولنا دين نؤمن به والحمد لله ولو جاريناهم لخرجنا من ديننا إلى ما يؤمنون به كما أنهم لو جارونا وعملوا مثل ما يفعله الصالحون منا لصاروا مثلنا ولدخلوا في ديننا.

يا أخي المسئول هل أنت تابع للجمهور أم أن الجمهور تابع لك؟ فإنك إن طلبت رضاه كنت تابعًا له، إن المريض المدنف لا يرضى بشرب الدواء ولكن الطبيب يرغمه على شربه ولا ينظر إلى رغبته لأن الطبيب أعلم منه بما ينفعه ويشفي مرضه وإنه لو لم يشرب هذا الدواء فإنه لن يحصل على الشفاء، وهذه أوجدت لتعالج ما في هذا المجتمع من أمراض أخلاقية وسلوكية والتلفزيون والإذاعة مؤسستان حكوميتان وليستا ملزمتين بإرضاء الجمهور، وضعتهما الدولة دولة الإسلام والمسلمين الكبرى لتوجه الناس وليس لإرضائهم ويتحتم على الجميع لزوم طريق الطاعة وإن كان طويلا وأن نصبر على ذلك وموضوعنا الذي به حديثنا هذا لا يقل خطر على الدين مما أسلفنا.

فهو من الوباء الفتاك الذي ينخر في جسم الأمة الإسلامية الذي تجب محاربته في عقر داره بالمهند المصقول وليس ببذل المال وبعث البعوث ليصفقوا لهذه الأشباح الموحشة والجيف المنتنة الخبيثة دمى الاستعمار وألاعيبه التي يحركها كما يشاء ونحن أمة الإسلام نمولها بدمائنا بعصب حياتنا بأخلاقنا بإسلامنا الغالي الذي أرخصناه وبعناه بالزهيد بالشهوات الفانية بضياع أبنائنا.

إننا على المستوى الشعبي أيضًا نشجع دعاة الرذيلة بشراء أشرطتهم وصورهم ومخازيهم، ونسمح لأولادنا الصغار والكبار بالسفر إليهم وإعطائهم المال الوفير لإنفاقه على مسارحهم الماجنة ومعاطن فسادهم المنتنة ونسائهم العارية ومراقصهم الخليعة ومستنقعات الدعارة وبيارات الفجور والبغاء، وحانات الخمر وبارات السلب والنهب واستنزاف الأموال.

وإذا سافر أحدهم إلى تلك الأماكن المتبرجة لا للتجارة ولا للعلاج ولا لأي سبب أو غرض من الأغراض الشريفة وهو لا يقصد بسفره هذا إلا مجرد الالتقاء بتلك العاهرات، والخائنات الماجنات والخلوة بهن وارتكاب الفاحشة علنًا والتردد على حانات الخمر والتحلل من التكاليف الإسلامية ونشدان الحرية الإباحية المطلقة البعيدة عن الرقباء فلا يخشى ردع السلطان أو وخز الجيران، فلا يصل إلى هناك إلا وقد تخلى عن الالتزام بأوامر الدين ثم يعود وقد ارتكب الخطايا وكبائر الذنوب هذا إن رجع بشيء من الإسلام، ثم نستقبله في المطار ونحتفي به ونأخذه بحفلات التكريم وكأنه قد عاد من الحج أو العمرة أو الجهاد في سبيل الله (حاشا الله) وبهذا نكون قد أقررناه على أفعاله وخطاياه ونكون بذلك قد أعناه على تكرار فجوره وعصيانه.

كان السابقون (رحمهم الله) إذا عاد الإنسان من بلد غير إسلامية أو بلد يحكمها غير المسلمين، ولو كان عائدا من تجارته، يهجر ثلاثة أيام لا يسلم عليه وقد أقمنا لهم بدل الهجر المهرجانات والحفلات ونحتفي بهم احتفاءً يدفعهم إلى السفر مرات ومرات إنها لمآس تجرح قلوب المسلمين وتجرح إيمانهم.

وللحد من هذه الظاهرة الخطيرة نقترح أن توضع حدود للسفر وتشرف على ذلك لجنة تشترك فيها وزارة العدل، والإفتاء والدعوة والإرشاد، ورئاسة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويمثل هاتين الجهتين مشايخ مشهود لهم بالتقوى والصلاح وتعطى صلاحية الموافقة والتفسير، فمن كان قاصرًا أو سفيهًا أو معروفًا بالانحراف أو ليس لديه سبب شريف فإن بقاءه خير له من السفر، وبهذا نوفر أموالاً وأخلاقًا وجهودًا، ونحافظ على سمعتنا وسمعة بلادنا الإسلامية ونحافظ على شبابنا من الضياع وقد أوردت جريدة اليوم في أحد أعدادها قصصا ومآس وقع بها هؤلاء يدمي لها الجبين وطالبت بوضع حد للسفر وأن لا يترك الباب على مصراعيه لهؤلاء.

إنها صرخة في آذان المسئولين راجين أن يعيروها اهتمامهم المهود لينجو من عذاب الله «كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته»([16]) لأن الفرد المسلم إذا سعى إلى معصية فكل من ساعده للوصول إليها مشترك معه بالإثم، وهذا معروف في كل الأعراف أن من سهل الأمر وساعد مرتكب الجريمة شريك له فيها.

فمن ساعد هؤلاء من أهل أو أصدقاء أو مسئولين على السفر وهم يعلمون أنهم لم يذهبوا إلا لارتكاب الكبائر فإنهم شركاء معهم والأمر عظيم والتهاون به أعظم.

وبجانب هذا نهتم بتطوير المستشفيات ورفع شأنها سدا للذريعة، ونحن ولله الحمد قادرون على ذلك.

وفتح الأقسام المختلفة في الجامعات والدراسات العليا وجلب كبار الأساتذة والمعامل وتطوير المناطق السياحية التي يناسب جوها لقضاء الإجازة بفتح الطرق وبناء الوحدات السكنية الأثرية مثل الدرعية.. وغيرها، والمدن الساحلية، وبهذا نحتفظ بمليون مسافر سنويا ونوفر عشرة آلاف مليون ريال بمعدل كل مسافر عشرة آلاف ريال وبعضهم يصرف مائة ألف ريال في الليلة الواحدة، ثم نبني بهذه المبالغ ديننا وأمتنا ومجتمعنا وبلادنا وسمعتنا فهل نحن سامعون؟ نرجو ذلك (عن مجلة الدعوة).


 أهمية الوقت في الإسلام

لا شك أن الإحساس بالزمن يتفاوت من شخص إلى آخر، كما يختلف من أمة إلى أمة، ولم يعرف التاريخ أمة قدس دستورها الزمن، وعظم شأن الوقت كهذه الأمة المحمدية، التي كان حديث الله سبحانه وتعالى إليها دائمًا مقاسًا بكل دقة، وذلك على سبيل التربية، كما هو من باب وصف نظام الكون ]مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ[ [الملك: 3].

لقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن خلق السموات والأرض، فذكر أنه كان في ستة أيام وحدث عن أمره وإرادته وقدرته على الخلق والإيجاد، فذكر أن ذلك يتم في أي وقت ]إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ [يس: 82].

فأمره بين الكاف والنون، وحدث سبحانه عن علمه بالخلق وأحوالهم، فذكر أن ذلك يتناول أدق الأمور، وأنه يتم على قياس دقيق بالغ الدقة، شامل لكل ما في الكون ]اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ[ [الرعد: 8].

والمقدار هنا كما يكون وزنًا، يكون زمانًا أيضًا، كما حدثنا جل شأنه عن تسجيل أعمال الناس، فذكر أن ذلك يتناول كل جزئية من أعمارهم، حتى ما لا يتصورون أنه يدخل في حساب: ]وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا[ [الكهف: 49].

كما حدثنا المولى جل وعلا عن حسابه للناس يوم القيامة، فذكر أنه يتم وفقا لميزان دقيق، لا تفته الذرة، ولا تسقط منه الخردلة ]وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ[ [الأنبياء: 47].

بل لقد حدثنا جل شأنه حديثًا يأخذ بمجامع القلوب في آيات بينات تصدع لسماعها الأفئدة عن طريقة الحساب للعمر الضائع، والزمن المهدور فقال: ]قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ[ [المؤمنون: 112-116].

هذه هي الدقة الإلهية، التي حكاها لله سبحانه لعباده حتى يتعلما منها دروس الحساب الذي يضبط حياتهم ويرفع شأنهم ويدعم وجودهم ويجعلهم أمة وسطا شهداء على الناس، وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه ]قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ[ [إبراهيم: 31].

وفي هذه الآية الكريمة يوجه الله جل جلاله إلينا رسالة رحيمة كل الرحمة، ومضمون الرسالة يصور إشفاق العناية الإلهية على عباد الرحمن وحرصها على أن يبلغوا بأعمالهم أقصى درجات الإتقان وأن يستغلوا كل ذرة من أعمارهم المحدودة في محاولة كسب رضوان الله وذلك بإقامة الصلاة وبالإنفاق السخي سرًّا وعلانيةً، وهم قادرون على ذلك بما أوتوا من حب للخير، وإيمان بالله، وإدراك لقيمة الوقت المتاح لهم، فهم حريصون على طاعة الله في هذه الفرصة من الزمن قبل أن تفلت من بين أصابعهم، حين تنتهي أعمارهم ويذهب معها خيارهم، ويواجه كل امرئ بحصيلة عمله ]فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[ [الزلزلة: 7، 8]. ويلاحظ في هذه الرسالة الإلهية أمران.

أولهما حساب الزمن:

فقد وهبنا الله سبحانه عمرًا وجعل له خاتمة ونهاية، ولا ريب أن المؤمن الواعي يحس في أعماقه بأنه في سباق مع هذه النهاية، يحاول أن يسجل قبلها أكبر قدر من العمل النافع ]يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا[ [آل عمران: 30].

فموقف الإنسان يوم الحساب مرتبط بالزمن، فهو يحب أن يقرب الله منه ما عمل من خير، وأن يجعل بينه وبين السوء أمدًا بعيدًا.


وثانيهما:

إن الرسالة الإلهية تجعل من أعمال الخير التي طلبها الله من عباده، كالصلاة والإنفاق رصيدًا مدخرًا، ينفع صاحبه يوم الحساب، وهو يوم لا بيع فيه ولا خلال، وإنما تدور حركته على الجزاء المؤدي لكل من قدم عملاً صالحًا، أو اقترف عملاً سيئًا استوجب غضب الله عليه.

إن الدقائق والثواني أعمار الأمم، وفي حياة الأفراد لها حساب، فالساعات الطوال ليست في حقيقتها سوى دقائق وثوان، وضياع الثواني هو في حقيقته ضياع لتلك الساعات التي ينقضي بمرورها عمر الإنسان، وينتهي بها كفاحه من أجل الحياة.

والواقع أن الثروة التي يجمعها أي إنسان مكافح ليست سوى كمية من الزمن تحولت إلى مال، وكان من الممكن أن تضيع في النوم والكسل، أو إلى شخير ينطلق من صدر نائم خامل، أو شهوة خاطفة تمضي وتخلف لصاحبها حسرة العمر على الضياع والغفلة، والوقت الضائع، والطاقة المبددة كم من الأيام والسنين تضيع في حياة هذه الأمة؟ على حين يسهر أعداؤنا ويكدحون في كل دقيقة، بل في كل ثانية من أجل تحصيل أسباب القوة، ومن أجل فرض سيطرتهم على مصائر العرب والمسلمين.

فنحن نضيع السنين ولا نحس بمرورها، وهم يحاسبون أنفسهم على الثواني مخافة أن تمضي دون إنتاج، لأن الزمن جزء من تفوقهم ونجاحهم، كما هو جزء من ضياعنا وفشلنا، ونحن المسلمون مأمورون أن نحافظ على الوقت وأن نعمل حساب المستقبل، لقد أمرنا بالصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، في أوقات معلومة، وشرع الله الأذان إعلانًا بحلول الوقت، وإيذانًا ببدء تكليف جديد متجدد.

كما جعل الإسلام من آدابه ألا يضيع وقت المؤمن في لغو الحديث، فلا وقت لدى المؤمن للغو، بل كل وقته للعمل الجاد المثمر ]وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ[ [القصص: 55] .

كذلك حدد الضوء وخط الظلام، وهو أمر بالغ الدقة في القياس فقال عز من قائل: ]وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ[ [البقرة: 187].

ونحن المسلمين مطالبون بأن نحول أوقاتنا إلى عمل صالح، وإلى إنتاج مثمر، يعود علينا وعلى أمتنا بالخير والتوفيق، ونحن على أبواب كفاح طويل، نحاول أن نؤكد به وجودنا في مواجهة قوى الشر والعدوان، ولا سلاح لنا إلا الوقت، الذي هو أمضى سلاح، نستطيع أن نحوله إلى مصانع، وإلى معامل، وإلى مصادر للقوة والثروة، ومخترعات نساير بها ركب الحضارة والمدنية وإلى سلاح نحارب به عدو الله وعدونا.

مما سبق يتضح لنا قيمة الزمن، وأهمية الانتفاع بالوقت، وبهذا الحساب الدقيق ساد المسلمون الأوائل وشادوا، وأقاموا أحكام شريعتهم وأسسوا للدنيا حضارة شامخة دونها كل حضارة وبذلك يمكن أن ينطبق علينا قوله عز من قائل: ]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ[ [آل عمران: 110] والله ولي التوفيق([17]).

عمر بن محمد بن إبراهيم


 حفظ الأوقات والاستفادة منها

أوجد الله الإنسان في هذه الحياة ليعبده قال تعالى: ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ[ [الذاريات: 56] وأعطاه القوة والسمع والبصر والفؤاد وعلمه ما لم يكن يعلم وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة لكي يشكره عليها باستعمالها في مرضاته والاستعانة بها على طاعته، وجعل له عمرًا محدودًا وأنفاسًا معدودة وكلفه بحفظها فيما ينفعه في دينه ودنياه ووكل به ملائكة حافظين كرامًا كاتبين يحفظون أعماله ويكتبون أقواله وأفعاله من خير وشر فإذا كان يوم القيامة شهدت عليه حفظته وشهدت عليه جوارحه وشهدت عليه بقاع الأرض التي يعمل فوقها وشهدت بما عمل العاملون عليها من خير ومن شر، وينشر له يوم القيامة ديوان أعماله الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فيجزى بما عمل: ]فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[ [الزلزلة: 7، 8] .

فعلى المسلم أن يكون رقيبًا على نفسه محاسبًا لها في كل يوم وساعة ودقيقة ماذا عملت؟ وبأي شيء تكلم به لسانه؟ وما الذي سمعته أذناه ونظرت إليه عيناه ونواه قلبه وبطشته يداه ومشت إليه رجلاه؟ فإن هذه الحواس والجوارح سوف يسأل عنها وتشهد عليه قال تعالى: ]إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً[ [الإسراء: 36] ]يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ [النور: 24] وعلى المسلم أن يحاسب نفسه على لفظاته ولحظاته وخطراته وخطواته فيحميها عن الكلام المحرم والنظر المحرم والسماع المحرم والمشي المحرم والبطش المحرم والأكل والشرب المحرم فيحفظ لسانه بذكر الله وجوارحه بطاعة الله حتى يكسب بها خيرًا ويصرفه عن الشر وقد قال تعالى: ]قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ[ [النور: 30].

وفي الحديث: «النظر سهم مسموم من سهام إبليس من تركه لله أورثه الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه»([18]) وإن في الاشتغال بهذه الحواس والجوارح بطاعة الله اشتغالا عما حرم الله، وفي ذلك فائدتان عظيمتان.

إحداهما: صونها عما حرم الله مما يوجب سخطه وعقابه.

والثانية: فوزها بطاعة الله المقربة من رضاه وجنته فإن في الاشتغال بذكر الله اشتغالا عن الكلام الباطل من الغيبة والنميمة واللغو ومدح الناس وذمهم وغير ذلك فإن اللسان لا يسكت أبدا فإما لسان ذاكر أو لسان لاغ ولا بد من أحدهما فإن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل والقلب إن لم تسكنه محبة الله تعالى سكنته محبة المخلوقين، واللسان إن لم تشغله بذكر الله شغلك باللغو وما هو عليك فاختر لنفسك إحدى الخطتين وأنزلها في إحدى المنزلتين إن العبد إذا نسي نفسه من العمل بما يسعده أعرض عن مصالحها ونسيها واشتغل عنها هلكت وفسدت ولا بد كمن له زرع أو بستان أو ماشية أو غير ذلك مما صلاحه بتعاهده والقيام عليه فأهمله ونسيه واشتغل عنه بغيره وضيع مصالحه فإنه يفسد ولا بد هذا مع إمكان قيام غيره مقامه فيه فما الظن بفساد نفسه وهلاكها إذا أهملها وضيعها واشتغل عن مصالحها وعطل مراعاتها وترك القيام عليها بما يلحها وهذا هو الذي صار أمره فرطًا فانفرط عليه أمره وضاعت مصالحه وخسر منفعة أوقاته وأحاطت به أسباب القطيعة والخيبة والهلاك ولا سبيل إلى الأمان من ذلك إلا بحفظ الأوقات من أن تضيع سدى معطلة من ذكر الله وطاعته.

وأعظم من ذلك إضاعتها في معصية الله وذلك هو الخسران المبين، فطاعة العبد لربه وذكره له بمنزلة حياته التي لا غنى له عنها ومنزلة الماء عند شدة العطش وبمنزلة اللباس في الحر والبرد وبمنزلة الكن في شدة الشتاء والسموم، فحقيق بالعبد أن ينزل طاعة الله وذكره في جميع أوقاته من نفسه بهذه المنزلة وأين هلاك الروح والقلب وفسادهما من هلاك البدن وفساده فهلاك البدن لا بد منه وقد يعقبه صلاح الأبد، وأما هلاك القلب والروح فهلاك لا يرجى معه صلاح ولا فلاح ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد قيل: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك».

وإذا كانت أوقات الغفلة عن طاعة الله وذكره تكون على العبد حسرات يوم القيامة فكيف بضياع الأوقات في معصية الله؟ وفي الحديث: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»([19]) ومعنى ذلك أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين وكل من لا يقوم بشكر ما أنعم الله به عليه فهو مغبون قال الشاعر:

ولا تغبنن بالنعمتين بل اجهد

 ولا يذهبن العمر منك سبهللاً

ومن أعظم نعم الله على عباده في هذا الوطن العزيز نعمة الإسلام والصحة في الأبدان والأمن والاستقرار في الأوطان حيث يأمن الإنسان فيه على نفسه وأهله وماله بفضل الله ثم بفضل حكومته الرشيدة التي تحكم بالكتاب والسنة وتقيم الحدود الشرعية التي هي السبب في حماية وصيانة الأنفس والعقول والدين والأنساب والأموال والأعراض.

فعلى المسلم أن يتقي الله في نفسه وأن يحفظ أوقاته فيما ينفعه ويسعده وأن لا يخلي وقتًا معطلاً من عمل ينفعه أو خير يطلبه وأن يحاسب نفسه ليلاً ونهارًا وصباحًا ومساءً في قوله وعمله وفعله وتركه وكلامه وسمعه وبصره وبطشه ومشيه حتى يربح أوقاته ويسلم له دينه ويزكو إيمانه ويقينه ويفوز بسعادة الدنيا والآخرة وتتم له الأعمال الظاهرة والباطنة قال الشاعر:

وأراه أسهل ما عليك يضيع

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه

يجب على المسلم أن ينتهز فرص الحياة والشباب والصحة والفراغ بالعمل الصالح ما دام قويًا قادرا صحيح البدن والسمع والبصر قبل أن تضعف قوته وتذهب مقدرته ويمرض جسمه ويكل سمعه وبصره وتذهب أوقاته فيندم حين لا ينفعه الندم ويتأسف على تفريطه وإضاعته وإهماله فيقول: ]يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي[ [الفجر: 24] ]يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ[ [الزمر: 56].

وفي الحديث: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وحياتك قبل موتك وفراغك قبل شغلك وغناك قبل فقرك»([20]).

وفي الحديث أيضًا: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه»؟([21]) فعلى المسلم الناصح لنفسه أن يتقي الله ربه وأن يعد للسؤال جوابًا صحيحًا وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم([22]).



([1]) الذي رواه الحاكم وصححه بلفظ: (اغتنم خمسًا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك وغناك قبل فقرك).

([2]) مجلة البلاغ عدد (825) في (2/ 5/ 1406 هـ).

([3]) خطب الشيخ محمد الصالح العثيمين (616).

([4]) رواه البخاري.

([5]) رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح انظر الترغيب والترهيب للمنذري (5/ 357).

([6]) رواه أحمد والطبراني والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بأن فيه رشدين واه، وتعقب الهيثمي سند أحمد والطبراني بأن فيه ابن لهيعة (انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير) (5/ 383).

([7]) كما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري.

([8]) كما في الأحاديث التي رواها أحمد وأصحاب السنن بأسانيد صحيحة انظر الترغيب والترهيب للمنذري (2/ 337).

([9]) خطب الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان (1/ 297).

([10]) رواه مسلم.

([11]) رواه ابن حبان في صحيحه.

([12]) قال في بلوغ الأماني شرح الفتح الرباني (19/ 94): وسنده صحيح ورجاله من رجال الصحيحين.

([13]) المصدر السابق: (3/ 291).

([14]) بقلم ناصح.

([15]) رواه البخاري

([16]) رواه البخاري ومسلم.

([17]) مجلة الدعوة عدد 600 في 28/ 5/ 1397 هـ.

([18]) رواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

([19]) رواه البخاري.

([20]) رواه الحاكم وصححه.

([21]) رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح ورواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

([22]) مواضيع تهم الشباب للمؤلف 38.

رأيك يهمنا