من وصايا الآباء والأمهات للبنين والبنات

نبذة مختصرة

هذه الرسالة تحتوي على ما تيسر من وصايا الآباء والأمهات للبنين والبنات.

تنزيــل

تفاصيل

 من وصايا الآباء والأمهات للبنين والبنات

جمع وإعداد الفقر إلى عفو ربه

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين القائل: }وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ{.

والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل: «أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة» وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ‬ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن التواصي بالحق والصبر عليه من أهم المهمات وأوجب الواجبات كما قال الله تعالى:}وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ{ فأقسم تعالى بالعصر وهو الدهر أن الإنسان من حيث هو خاسر إلا من اتصف بأربعة أوصاف وهي: الإيمان الصادق، والعمل الصالح الخالص لله الموافق لسنة نبيه ﷺ‬، والتواصي بلزوم الحق الذي أمر الله به ورسوله، والتواصي بالصبر على طاعة الله والصبر على معاصي الله والصبر على أقدار الله المؤلمة فمن اتصف بالأوصاف الأربعة فهو من الفائزين ومن لم يتصف بها فهو من الخاسرين. لذا فقد جمعت في هذه الرسالة ما تيسر من وصايا الآباء والأمهات للبنين والبنات أسأل الله تعالى أن ينفع بها وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبدالله بن جار الله آل جار الله

 1- قصة لقمان ووصيته لابنه([1])

قال الله تعالى:

}وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ{ ([2])

يخبر تعالى عن إمتنانه على عبده الفاضل لقمان بالحكمة، وهي العلم بالحق على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام ومعرفة ما فيها من الأسرار والأحكام، فقد يكون الإنسان عالماً ولا يكون حكيماً، وأما الحكمة فهي مستلزمة للعلم بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح. ولما أعطاه الله هذه المنى العظيمة أمره أن يشكره على ما أعطاه ليبارك له فيه وليزيده من فضله، وأخبره أن شكر الشاكرين يعود نفعه عليهم وأن من كفر فلم يشكر الله وعاد وبال وذلك عليه والله غني عنه حميد فيما يقدره ويقضيه على من خالف أمره، فغناه تعالى من لوازم ذاته وكونه حميداً في صفات كماله حميدا في جميع صنعه من لوزام ذاته، وكل واحد من الوصفين صفة كمال. واجتماع أحدهما إلى الآخر زيادة كما إلى كمال واختلف المفسرون هل كان لقمان نبياً أو عبدًا صالحًا، والله تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدل على حكمته في وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال }وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ{ وقال له قولا يعظه به، والوعظ الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص ونهاه عن الشرك وبين له السبب في ذلك. فقال:}إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{ ووجه كونه ظلما عظيما انه لا أفظع وأبشع ممن سوى المخلوق من تراب بمالـك الرقاب، وسوى الذي لا يملك من الأمر شيئًا بمالك الأمر كله، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ودنياهم وأخراهم وقلوبهم وأبدانهم إلا منه ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء وهل أعظم ظلمًا ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده فذهب بنفسه الشريفة فجعلها في أخس المراتب، جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئًا فظلم نفسه ظلمًا كبيرًا. ولما أمر بالقيام بحقه بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد أمر بالقيام بحق الوالدين فقال:}وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ{ أي عهدنا إليه وجعلناه وصية عنده سنسأله عن القيام بها وهل حفظها أم لا، فوصيناه }بِوَالِدَيْهِ{ وقلنا له:}اشْكُرْ لِي{ بالقيام بعبوديتي وأداء حقوقي وأن لا تستعين بنعمي على معصيتي }وَلِوَالِدَيْكَ{ بالإحسان إليهما بالقول اللين والكلام اللطيف والفعل الجميل والتواضع لهما وإكرامهما وإجلالهما والقيام بمئونتهما وإجتناب الإساءة إليهما من كل وجه بالقول والفعل، فوصيناه بهذه  الوصية وأخبرناه أن }إِلَيَّ الْمَصِيرُ{ أي سترجع  أيها الإنسان إلى من وصَّاك وكلفك بهذه الحقوق فيسألك هل قمت بها فيثيبك الثواب الجزيل، أم ضيعتها فيعاقبك العقاب الوبيل. وذكر السبب الموجب لبر الوالدين في الأم فقال:}حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ{ أي مشقة على مشقة فلا تزال تلاقي المشاق من حين يكون نطفة في الرحم والمرض والضعف والثقل وتغير الحال ثم وجع الولادة ذلك الوجع الشديد }وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ{ وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها رضاعها أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد مع شدة الحب أن يؤكَّد على ولده ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه }وَإِنْ جَاهَدَاكَ{ أي إجتهد والداك }عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا{ ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما، لأن حق الله مقدم على حق كل أحد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولم يقل: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما بل وقال:}فَلا تُطِعْهُمَا{ أي في الشرك، وأما برهما فاستمر عليه، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي فلا تتبعهما }وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ{ وهم المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله المستسلمون لربهم المنيبون إليه، واتباع سبيلهم أن يسلك مسالكهم في الإنابة إلى الله التي هي انجذاب دواعي القلب وإرادته إلى الله ثم يتبعها سعي البدن فيما يرضي الله ويقرب:}ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ{ للطائع والعاصي والمنيب وغيره }فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ{ فلا يخفى على الله من أعمالهم خافية }يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ{ التي هي أصغر الأشياء وأحقرها }فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ{ أي في وسطها }أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ{ في أي جهة من جهاتهما }يَأْتِ بِهَا اللهُ{ لسعة علمه وتمام خبرته وكمال قدرته، ولهذا قال }إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ{ أي لطف في علمه وخبرته حتى اطلع على البواطن والأسرار وخفايا القفار والبحار. والمقصود من هذا الحث على مراقبة الله والعمل بطاعته مهما أمكن والترهيب من عمل القبيح قل أو كثر }يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ{ حثه عليها وخصها لأنها أكبر العبادات البدنية }وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ{ وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به والعلم بالمنكر لينهي عنه، والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به من الرفق والصبر وقد صرح به في قوله:}وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ{ ومن كونه فاعلاً لما يأمر به كافًا لما ينهي عنه فتضمن هذا تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر وتكميل غيره بذلك بأمره ونهيه. ولما علم أنه لابد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس أمره بالصبر على ذلك فقال:}وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ{ الذي وعظ به لقمان ابنه}مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ{ أي من الأمور التي يعزم عليها ويهتم بها ولا يوفق لها إلا أهل العزائم.}وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ{ أي لا تمله وتعبس بوجهك للناس تكبرًا عليهم وتعاظمًا }وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا{ أي بطرًا فخرًا بالنعم ناسيًا المنعم معجبًا بنفسك }إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ{ في نفسه وهيئته وتعاظمه }فَخُورٍ{ بقوله }وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ{ أي امش متواضعًا مستكينًا لا مشي البطر والتكبر ولا مشي التماوت }وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ{ أدبًا مع الناس ومع الله }إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ{ أي أفظعها وأبشعها }لَصَوْتُ الْحَمِيرِ{ فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة لما اختص بذلك الحمار الذي قد عُلِمتْ خستهُ وبلادتهُ. وهذه الوصايا التي وصى بها لقمان لابنه تجمع أمهات الحِكَم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرًا وإلى تركها إن كانت نهيا، وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة أنها العلم بالأحكام وحِكَمها ومناسبتها، فأمره بأصل الدين وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك وبين له الموجب لتركه، وأمره ببر الوالدين وبين له السبب الموجب لبرهما وأمره بشكره وشكرهما. ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقهما بل يحسن إليهما وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك. وأمره بمراقبة الله وخوفه القدوم عليه، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر إلا أتى بها، ونهاه عن التكبر وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك، وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمركما قال تعالى:}وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ{ فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا أن يكون مخصوصًا بالحكمة مشهورًا بها، ولهذا من منة الله على عباده أن قص عليهم من حكمته ما يكون لهم به أسوة حسنه.

 2-نداء

إلى الأولاد عامة.

وإلى أولادي خاصة.

يا معشر الأولاد! يا فلذات الأكباد! يا من أصبحتم أو ستصبحون آباء وأمهات.

منذ سنين خلت كنت ابناً مثلكم، وكان لي أم وأب يحنوان علي ويريان الدنيا جميلة بي، حلوة بوجودي. وكنت سعيدًا بهما، هانئاً بقربهما فلما فقدت أبي فقدت شطرًا من السعادة وجزءاً كبيراً من النعيم، وجرح قلبي موته، فبقيت سنين أبكيه، ثم أنحصر بعده نعيم الحياة ولذاتها في أمي، وكانت والله أماً طيبة، سقت ترعرعي بدموع عينيها، والتمست سعادتي بشقائها، وراحتي بتعبها، وكنت أجد فيها حنانها وعطف أبي، وأعدُّها رأس مالي في الدنيا، وزادي إلى الآخرة ([3]) ثم حل بها الأجل فلحقت بأبي بعد عشر سنين، فتصدع شرخ شبابي وهو يومئذ على أشده، وتضعضعت أركان حياتي وهي بالغة قوتها، ووهب الله لي البنين والبنات فلم ألمس فيهم لذة الأبوين ومحبتهما، لأني كنت أسعد بشقاء والدي، ويسعد اليوم أولادي بشقائي، وأستريح بتعبهما ويستريحون بتعبي، وكانا يبكيان لألمي، وأبكي اليوم لألمهم، فشتان بين تجارتين.

لقد كنت باراً بهما في حياتهما، أوثرهما على نفسي، وأعمل ما يرضيهما، وأقبل أيديهما صباحاً ومساء ([4]) احتراماً لهما، وأتمرغ على أقدامها اعترافاً بفضلهما. ولا والله ما وجدت ألين من أقدامهما إذا التصق بها خداي، ولا أزكى من ريحها حين تلثمها شفتاي، ولا أعز من نفسي حين أذلها لهما ([5]). ولست أدعي أني كنت أبر الأبناء، ولكني بحمد الله كسبت رضاهما، وادخرته في صحيفتي لمآلي، ولمست آثاره في حياتي وأعمالي.

أما بعد موتهما فلا أنساهما يوماً من صدقة، ولا من الدعاء في كل صلاة، وأحب من كان يحبان، وأصل أهل ودهما.

وأنتم أيها الأبناء من كان له أبوان فليهنأ بهما، وليحرص عليهما، وليسع جهده في إرضائهما لأنه أوتي سعادة الدنيا والآخرة. ومن فقد أحدهما فقد خسر نصفها، فليحرص على نصفها الآخر قبل أن يزول. ومن فجعه الدهر بهما كما فجعني، فلا ينسهما من صلاته ودعواته. ومن أصبح منكم أباً يدرك هذا، ومن لم يصبح فعما قريب.

«بروا آباءكم تبركم أبناءكم» ([6]). بروا أبناءكم فالحياة دين ووفاء ([7]).

 3-من والد إلى ولده

أوفدت وزارة الخارجية ([8]) الشاب النابه عبدالهادي حسنين مخلوف أفندى في بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة لنيل الدكتوراه في الإقتصاد من جامعة برنتسون بولاية نيوجرسي. وبمناسبة سفره إلى أمريكا على الباخرة (محمد على) في 7 من أغسطس سنة 1950 كتب له هذا الخطاب القيم الآتي والده فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ/حسنين مخلوف المفتي السابق للديار المصرية وعضو جماعة كبار العلماء.

بسم الله الرحمن الرحيم

ولدي العزيز عبدالهادي: حفظك الله من كل سوء، ووقاك كل ضير، ووجهك للخير، وفقك لما فيه رضاه، وبلغك كل ما تتمناه، أعلم أنك ستمكث في هذه الدنيا الجديدة سنين عديدة مغترباً عن الأهل والوطن في سبيل العلم ونيل أرقى الشهادات الجامعية التي تفتح لك طريق الحياة التي يعظم فيها قدرك ويرفع ذكرك. فمطلبك عظيم وشاق يقتضى منك مثابرة وجهاداً وصبراً وشجاعة وعزمًا وهمة فكن كما ننتظر منك رجلاً جلدًا قويًا مجاهدًا صبورًا واستعن على ذلك بتقوى الله تعالى في سرك وعلانيتك فهو الفتاح العليم الذي بيده مقاليد الأمور وبتوفيقه تذلل الصعاب وتدرك الآمال. واستعن بالصلاة فأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وبتلاوة القرآن فإنه جلاء القلوب وشفاء الصدور والهدى والنور واجتنب في جهادك قرناء السوء وخلطاء الفتنة وما حرم الله تعالى من طعام وشراب ولذائذ فلن يستقيم لك أمر إذا ألممت بمحرم يغضب الله.

واحذر وسوسة الشيطان وتزينه فإنه رصد للمؤمنين، واحذر ما يبرر به المفسدون عصيانهم من معاذير كاذبة وأعاليل فاسدة واحذر اتباع الهوى فإنه إن كان في أوله رخاء فهو في آخره عصف وإعصار. واعلم أنك في تربيتك ونشأتك وبيئتك يُنظر إليك هنا وهناك نظرة احترام إذا أنت اعتصمت بدينك وتقاليدك واحترمت نفسك بالاستقامة على الجادة وكنت أسوة حسنة لغيرك بدلا من أن تكون إمّعة تتبع غيرك وتنقاد إليه. ما كل ما هناك قبيح ولا حسن فخذ مما ترى وتعلم أحسنه وانفعه واجتنب أقبحه وأضره وعد إلينا موفور الكرامة عالي الهمة بما عرفت عنك من الإستقامة، واحرص على أن تحتل من نفوس أساتذك محل الكرامة والتقدير ومكن أخوتك وزملائك محل الإعزاز والتوقير وأن تظهر أمام الجميع بمظهر الرجولة الكاملة والإستقامة التامة والإباء والعزة والشرف الرفيع وافحص ودقق النظر في الأمور وتعرَّف كل ما تستطيع أن تعرفه واعقد بينك وبين رجال الأعمال صلات تعارف في الحدود المشرفة ليكون لك منهم بعد عودتك لمصر عون على العمل النافع ويجب أن تكاشفني بكل ما في نفسك وتقفني على خطواتك لأسر بك وأوجهك ما استطعت إلى ما علمتنا التجارب وأفادنا الزمن، وأقرأ هذه الوصية مرارًا واتخذها منهاجًا ودستورًا وأحمد الله تعالى أن سافرت ولك والد يرعاك بعطفه ويدعو الله أن يوفقك ولك والدة حنون كلها عطف ورحمة ومحبة وشفقة عليك وآمل أن تكون دائمًا على ما نعهد فيك من رجولة واستقامة ولك إخوة وأقارب وأصهار وأصدقاء كلهم آمال فيك والله يفتح عليك ويسدد خطاك...

7 من أغسطس سنة 1950م                               حسنين محمد مخلوف

 4-وصية ذي الأصبع العدواني لابنه ([9])

قال ابو عمرو: ولما احتضر ذو الأصبع دعى ابنه أسيد فقال له:

يا بني، إن أباك قد فني وهو حي، وعاش حتى سئم العيش؛ وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته فاحفظ عني: ألِن جانبك لقومك يحبوك، وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيء يُسَوَّدوك، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم، يكرمك كبارهم، ويكبر على مودَّتك صغيرهم، واسمح بمالك، واحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن من أستعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع إلى النهضة في الصريخ فإن لك أجلا لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة احد، فبذلك يتم سؤددك، ثم أنشا يقول:

أَأسَــيْدُ إنْ مالاً ملكت

فسر به سيراً جميلا

آخي الكرام إن استط عت

إلى إخائهم سبيلا

واشرب بكأسهم وإن

شربوا به السم الثميلا

أهن اللئام ولا تكن

لإخائهم جملا ذلولا

إن الكرام إذا تؤا

خيهم وجدت لهم قبولا

أبني إن المال لا

يبكي إذا فقد البخيلا

أَأُسيد إن أزمعت من

بلد إلى بلد رحيلا

فاحفظ وإن شمطَّ المزار

أخا أخيك أو الزَّميلا

واركب بنفسك إن هممت

بها الحزونة والسهولا

وصل الكرام وكن لمن

ترجو مودته وصولا

ودع التواني في الأمور

وكن لها سلساً ذلولا

وابسط يمينك بالندى

وامدد لها باعاً طويلاً

وابسط يديك بما ملكت

وشيَّد الحسب الأثيلا

واعزم إذا حاولت أمراً

يفرج الهم الدخيلا

ابذل لضيفك ذات رحلك

مكرماً حتى يزولا

وانزل إلى الهيجا إذا

أبطالها كرهوا النزولا

وإذا دعيت إلى المهم فكن

لفادحه حمولاً


 5- وصية أمانة بنت الحارث لابنتها ([10])

كان ملك من ملوك اليمن يقال له الحارث بن عمرو الكندي، بلغه عن ابنه لعوف الكندي جمال وكمال ، وهو الذي يقال له: لا أحد يشبه عوفًا جمالاً وكمالاً، فبعث إلى امرأة من قومها، يقال لها عصام، فقال: إنه بلغني عن بنت عوف جمال وكمال، فاذهبي، فاعلمي لي علمها.

فانطلقت حتى إذا دخلت على أمها، وهي أمانة بنت الحارث، فأخبرتها خبر ما جاءت له، وإذا أمها كأنها خاذل ([11]) من الظباء، وحولها بنات لها كأنهن شوادن ([12]) الغزلان فأرسلت إلى ابنتها، فقالت: يا بنية، إن هذه خالتك أتتكِ لتنظر إلى بعض شأنك فأخرجي إليها، ولا تستترى عنها بشيء، وناطقيها فيما استنطقتك فيه فدخلت عليها، ثم خرجت من عندها وهي تقول:

«ترك الخداع من كشف القناع». فأرسلتها مثلا. فلما جاءت إلى الحارث قال: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أيها الملك: صرَّح المخض عن الزبد. فأرسلتها مثلا.

ثم قالت: أقول حقًا، وأخبرك صدقًا؛ ثم وصفتها وصفًا دقيقًا مفصلاً كأجمل الفتيات حسنًا.

فبعث الحارث إلى أبيها يخطبها فزوجها إياه.

فلما حان أن تحمل إلى بيت زوجها أوصتها أمها فقالت:

(أي بنية، إن الوصية لو تركت لعقل وأدب، أو مكرمة في حسب لتركت ذلك منك، ولزويته عنك، ولكن الوصية تذكرة للعاقل، ومنبه للغافل. أي بنية؛ إنه لو استغنت المرأة بغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها لكنتِ أغنى الناس عن الزوج، ولكن للرجال خُلق النساء، كما لهن خلق الرجال.

أي بنية، إنك قد فارقت الحِواء الذي منه خرجت، والوكر الذي منه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك ملكًا، فكوني له أمة يكن لك عبداً، واحفظي عني خلالاً عشرا، تكن لك دركًا وذكرًا، فأما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة فإن في القناعة راحة القلب وحسن السمع والطاعة رأفة الرب.

وأما الثالثة والرابعة: فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا طيب الريح. واعلمي، أي بنية، أن الماء أطيب الطيب المفقود، وأن الكحل أحسن الحسن الموجود.

وأما الخامسة والسادسة: فالتعهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النومة مغضبة.

وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ بماله، والرعاية على حشمه([13]) وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير، والرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير.

وأما التاسعة والعاشرة: فلا تفشي له سراً، ولا تعصي له أمرًا، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره.

واتقي الفرح لديه إن كان ترحا ([14])، والاكتئاب عنده إذا كان فرحاً، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير.

واعلمى أنك لن تصلي إلى ذلك منه حتى تؤثري هواه على هواك، ورضاه على رضاك، فيما أحببت وكرهت. والله يخير لك، ويصنع لك برحمته).

فلما حملت إليه غلبت على أمره، وحظيت عنده.


 6- وصية أم معاصرة لابنتها قبل الزفاف

ونصحت أم معاصرة ابنتها بالنصيحة التالية وقد مزجتها بابتسامتها ودموعها:

يا بنيتي!

أنت مقبلة على حياة جديدة .. حياة لا مكان فيها لأمك أو لأبيك أو لأحد من أخوتك فيها.. ستصبحين صاحبة لرجل لا يريد أن يشاركه فيك أحد حتى لو كان من لحمك ودمك...

كوني له زوجة يا ابنتي وكوني له أمًا، اجعليه يشعر انك كل شيء في حياته وكل شيء في دنياه ... اذكري دائمًا أن الرجل أي الرجل – طفل كبير-، أقل كلمة حلوة تسعده لا تجعليه يشعر أنه بزواجه منك قد حرمك من أهلك وأسرتك، إن هذا الشعور نفسه قد ينتابه هو، فهو أيضا قد ترك بيت والديه وترك أسرته من أجلك، ولكن الفرق بينك وبينه هو الفرق بين المرأة والرجل... المرأة تحن دائمًا إلى أسرتها، إلى بيتها الذي ولدت فيه ونشأت وكبرت وتعلمت ... ولكن لابد لها أن تعوَّد نفسها على هذه الحياة الجديدة، لابد لها أن تكيف حياتها مع الرجل الذي أصبح لها زوجًا وراعياً وأبًا لأطفالها.. هذه هي دنياك الجديدة.

يا ابنتي، هذا هو حاضرك ومستقبلك هذه هي أسرتك التي شاركتما –أنت وزوجك- في صنعها، أما أبواك فهما ماض... إنني لا أطلب منك أن تنسى أباك وأمك وأخوتك، لأنهم لن ينسوك أبداً يا حبيبتي وكيف تنسى الأم فلذة كبدها ولكنني أطلب منك أن تحبي زوجك وتعيشي له وتسعدي بحياتك معه([15])..

 7- وصية بعض نساء العرب إلى ابنها وقد أراد السفر

قال أبان بن تغلب، وكان عابدًا من عُباد أهل البصرة، شهدت أعرابية وهي توصى ولداً لها يريد سفرًا، وهي تقول له:

أي بُني: اجلسي أمنحك وصيتي وبالله التوفيق، فإن الوصية أجدى([16]) عليك من كثير عقلك. قال أبان: فوقفت مستمعًا لكلامها، مستحسنًا لوصيتها فإذا هي تقول: أي بُني إياك والنميمة، فإنها تزرع الضغينة وتفرق بين المحبين، وإياك والتعرض للعيوب فتتخذ غرضًا ([17]) وخليقٌ ألا يثبت الغرض على كثرة السهام. وقلما اعتورت ([18]) السهام غرضًا إلا كلمته ([19]) حتى يهي ([20]) ما اشتد من قوته.

وإياك والجود بدينك، والبخل بمالك. وإذا هززت فأهزز كريمًا يلن لهزتك، ولا تهزز اللئيم فإنه صخرة لا ينفجر ماؤها.

ومثل لنفسك مثال ما استحسنت من غيرك، فاعمل به، وما استقبحت من غيرك فاجتنبه فإن المرء لا يرى عيب نفسه.

ومن كان مودته بِشْرَهُ، وخالف ذلك منه فعله، كان صديقه منه على مثل الريح في تصرفها. والغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم. ومن جمع الحلم والسخاء، فقد أجاد الحلة ريطتها وسربالها([21])

 8 – وصية عبدالله بن شداد لابنه ([22])

قال الكلبي: لما حضر عبدالله بن شداد الوفاة دعا ابنا له يقال له (محمد) فقال: يا بني، إني أرى داعي الموت لا يقلع، وأرى من مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع ([23]) وإني موصيك بوصية فاحفظها:

عليك بتقوى الله العظيم، وليكن أولى الأمور بك شكر الله، وحسن النية في السر والعلانية؛ فإن الشكور يزداد والتقوى خير زاد. وكن كما قال الخطيئة:

ولست أرى السعادة جمع مال

ولكن التقي هو السعيد

وتقوى الله خير الزاد زخراً

وعند الله للأتقى مزيد

وما لابد أن يأتي قريبٌ

ولكن الذي يمضي بعيد

أي بني: لا تزهدن في معروف، فإن الدهر ذو صروف، والأيام ذات نوائب، على الشاهد والغائب، فكم من راغب كان مرغوبًا إليه، وطالب أصبح مطلوبًا ما لديه. وأعلم أن الزمان ذو ألوان. ومن يصحب الزمان يرى الهوان. وكن أي (بني) كما قال أبو الأسود الدؤلي:

وعُدَّ من الرحمن فضلا ونعمة

عليك إذا ما جاء للعرف ([24]) طالب

وإن امرءًا لا يرتجى الخير عنده

يكن هينا ثقيلا على من يصاحب

فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالبا

فإنك لا تدري متى أنت راغب

رأيت التوا ([25]) هذا الزمان بأهله

وبينهم فيه تكون النوائب

أي بني: كن جوادا بالمال في موضع الحق، بخيلا بالأسرار عن جميع الخلق فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر، وأن أحمد بخل الحر الضن بمكتوم السر وكن كما قال قيس([26]) بن الخطيم الأنصاري:

أجود بمكنون التلاد وإنني

بسرك عمن سألني لضنين ([27])

إذا جاوز الاثنين سرٌ فإنه

يبث وتكثير الحديث قمين ([28])

وعندي له يوما إذا ما ائتمنني

مكان بسوداء الفؤاد مكين ([29])

أي بني: وإن غلبت يومًا على المال، فلا تدع الحيلة على حال، فإن الكريم يحتال والدَّنيَّ عيال. وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالاً، وأقل ما تكون في الباطن مالاً، فإن الكريم من كرمت طبيعته، وظهرت عند الأنفاد([30]) نعمته. وكن كما قال ابن خذاق([31]) العبدي:

وجدت أبي قد أورثه أبوه

خلالا قد تعد من المعالى ([32])

فأكرم ما تكون على نفسي

إذا ما قل في الأزمات مالي

فتحسن سيرتي وأصون عرضي

ويجمل عند أهل الرأي حالي

وإن نلت الغنى لم أغل فيه

ولم أخصص بجفوتي الموالى ([33])

أي بني: وإن سمعت كلمة من حاسد، فكن كأنك لست بشاهد، فإنك إن أمضيتها حيالها ([34]) رجع العيب على من قالها. وكان يقال: الأريب العاقل هو الفطن المتغافل ([35]). وكن كما قال حاتم الطائي:

وما من شيمتي شتم ابن عمي

وما أنا مخلف من يرتجيني

وكلمة حاسد في غير جرم

سمعت فقلت مُرَّي فانفذيني ([36])

فعابوها عليَّ ولم تسؤني

ولم يغرق لها يوماً جبيني

وذو اللونين يلقاني طليقاً

وليس إذا تغيب يأتليني ([37])

سمعت بعيبه فصفحت عنه

محافظة على حَسَبي وديني

أي بني: لا تؤاخي امرءًا حتى تعاشره، وتتفقد موارده ومصادره، فإذا استطعت العشرة، ورضيت الخبرة ([38])، فواجه على إقالة العثرة، والمواساة في العسرة وكن كما قال المقنع الكندي ([39]):

ابْل الرجال إذا أردت إخاءَهم

وتوسَّمن فعالهم وتَفَقَّدِ

فإذا ظفرت بذي اللبابة والتقى

فبه اليدين قرير عين فاشدد ([40])

وإذا رأيت ولا محالة زلة

فعلى أخيك بفضل حلمك فاردُدِ

أي بني: إذا أحببت فلا تُفْرطْ، وإذا أبغضت فلا تُشطِطْ([41])، فإنه قد كان يقال أحبِبْ حبيبك هونا ما([42]) عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغضيك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما، وكن حليماً كما قال هدبة ([43]) بن الخشرم العذري:

وكن معقلا للحلم واصفح عن الخنا

فإنك راءٍ ما حييت وسامح

وأحبب إذا أحببت حبا مقاربا

فإنك لا تدري متي أنت نازع ([44])

وأبغض إذا أبغضت بغضا مقاربا

فإنك لا تدري متي أنت راجع ([45])

 9- وكتب أبو الفضل بديع الزمان الهمزاني المتوفي سنة 398هـ إلى ابن أخته

أنت ولدي ما دمت: والعلم شأنك، والمدرسة مكانك، والمحبرة حليفك، والدفتر أليفك. فإن قصرت ولا إخالك، فغيري خالك والسلام.

 10- وصية ابن سعيد المغربي المتوفى سنة 967هـ لابنه وقد أراد السفر

أودعك الرحمن في غربتك

مرتقبا رحماه في أوبتك

فلا تطل حبل النوى إنني

والله أشتاق إلى طلعتك

واختصر التوديع أخذا فما

لي ناظر يقوى على فرقتك

واجعل وصاتي نصب عين ولا

تبرح مدى الأيام من فكرتك

خلاصة العمر التي حنّكت

في ساعة زفت إلى فطنتك

فللتجاريب أمور إذا

طالعتها تشحذ من غفلتك

فلا تنم عن وعيها ساعة

فإنها عون إلى يقظتك

وكل ما كابدته في النوى

إياك أن يكسر من همتك

فليس يُدْرى أصل ذي غربة

وإنما تُعْرَف من شيمتك

وامش الهُوينا مظهرا عفة

وابغ رضا الأعين عن هيئتك

وانطلق بحيث العيُ مستقبح

واصمت بحيث الخير في سكتتك

ولِجْ على رزقك من بابه

واقصد له ما عشت في بكرتك

ووف كُلاً حقه ولتكن

تكسر عند الفخر حِدَّتك

وحيثما خَيَّمت فاقصد إلى

صحبة من ترجوه في نصرتك

وللرزايا وثبة ما لها

إلا الذي تزخر من عدتك

ولا تقل أسلمُ لي وحدتي

فقد تقاسي الذُّلَّ في وحدتك

ولتجعل العقل مَحكَّما وخذ

كلا بما يظهر في نقدتك

واعتبر الناس بألفاظهم

واصحب أخاً يرغب في صحبتك

كم من صديق مظهر نصحه

وفكره وقف على عثرتك

إياك أن تقربه إنه

عون مع الدهر على قربتك

وانْمُ نَمُو النَّبت قد زاره

غِبُّ الندى واسم إلى قدرت

ولا تضيع زمنًا ممكنًا

تذكاره يزكي لظى حسرتك

والشر مهما اسطعت لا تأته

فإنه جور على مهجتك

يا بني: الذي لا ناصح له مثلي، ولا منصوح له مثله قد قدَّمت لك في هذا النظم ما إن أخطرته بخاطرك في كل أوان رجوت لك حسن العاقبة (إن شاء الله تعالى) وإنَّ أخفَّ منه للحفظ، وأعلق بالفكر، وأحق بالتقدم قول الأول:

يزين الغريب إذا ما اغترب

ثلاث فمنهن حسن الأدب

وثانية حسن أخلاقه

وثالثة اجتناب الريب

واضع يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر، وسلم الكرم والصبر:

ولو أنَّ أوطان الديار نبت بكم

لسكنتم الأخلاق والأدابا

إذا حُسن الخلق أكرمُ نزيل، والأدب أرحب منزل ولتكن كما قال بعضهم في أديب مُتَعرَّب: وكان كلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد، وإليه قصد غير مستريب بدهره، ولا منكر شيئا من أمره.

وإذا دعاك قلبُك إلى صُحبة من أُحذ بمجامع هواه، فاجعل التكلُّف له سُلَّماً، وهُبَّ في روض أخلاقه هُبوب النَّسيم، وحُلَّ بطرفه حُلول الوسن وانزل بقلبه نزول المسرة، حتى يتمكن لك وداده، ويخلص فيك اعتقاده وطَهَّر من الوقوع فيه لسانك، وأغلق سمعك ولا تُرَخَّص في جانبه لحسود لك منه، يريد ابعادك عنه لمنفعه، أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك. ومع هذا. فلا تغتر بطول صحبة، ولا تتمهد بدوام رقدته، فقد يُنَبَّهه الزمان، ويتغير منه القلب واللسان، وإنما العاقل من جعل عقله معيارا، وكان كالمرآة يلقى كل وجه –بمثاله- وفي الأمثال العامة: «من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل». فاحتذ بأمثلة من جرب، واستمع إلى ما خَلَّد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال فإنها خلاصة عمرهم، وزبدة تجاربهم. ولا تتكل على عقلك، فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم، وأبتاعوه غاليا بتجاربهم، يربحك، ويقع عليك رخيصا وإن رأيت من له عقل ومروءة وتجربة، فاستفد منه، ولا تضَيَّع قوله ولا فعله، فإن فيما تلقاه تلقيحاً لعقلك، وحثا لك واهتداء.

وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه، حتى تتدبره فإن كان موافقًا لعقلك، مصلحًا لحالك، فراعِ ذلك عندك، وإلا فانبذه نبذ النواة فليس لكل أحد يُتَبسم، ولا كل شخص يُكلم، ولا الجود مما يُعم به، ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد ولله در القائل:

ومالي لا أفي البرية قسطها

على قدر ما يعطى وعقلي ميزان

وإياك أن تُعطي من نفسك إلا بقدر. فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء ولا الكفء بمعاملة الأعلى، ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع، ويثيبك على مصلحة حاضرة عاجلة، بغائبة آجله، ولا تجف الناس بالجملة، ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل، ولا ضجر، ولا جفاء. فمتى فارقت أحد، فعلى حسنى في القول والفعل. فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه؟! فلذلك قال الأول (ولما مضى سلم بكيت على سلم) وإياك والبيت السائر:

وكنتَ إذا حللتَ بدار قوم

رحلتَ بخزين وتركت عارا

واحرص على ما جمع قول القائل: (ثلاثة تبقى لك الود في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام، وتوسع له المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه)، واحذر كل ما بينه لك القائل: (كل ما تغرسه تجنيه، إلا ابن آدم، فإذا غرسته يقلعك). وقول الآخر: (إن ابن آدم ذئب مع الضعف، أسدٌ مع القوة) وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل إختياره. ويحكى أن ابن المقفع خطب من الخليل صحبته، فجاوبه: (إن الصحبة رق، ولا أضع رقي في يديك حتى أعرف كيف ملكتك) واستمل من عين من تعاشره، وتفقد في فلتات الألسن، وصفحات الأوجه. ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تُبيَّنه، فإن الكلام سلاح السَّلم، وبالأنين يعرف ألم الجُرْحْ. واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية، وتجعلها نهاية لك.

وخذ من الدهر ما أتاك به

من قر عينا بعيشه نفعه

إذ الأفكار تجلب الهموم، وتضاعف الغموم، وملازمة القطوب، عنوان المصائب والخطوب، يستريب به الصاحب، ويشمت العدو والمجانب، ولا تضر بالوساوس إلا نفسك، لأنك تنصر بها الدهر عليك ولله در القائل:

إذا ما كنت للأحزان عونًا

عليك مع الزمان فمن تلوم؟!

مع أنه لا يرد عليك الغائب الحزن، ولا يرعوي بطول عتبك الزمن ولقد شاهدت (بغرناطة) شخصًا قد ألفته الهموم، وعشقته الغموم، ومن صغره إلى كبره لا تراه أبدا خليا من فكرة، حتى لقب "بصدر الهم".

ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج، ويتنكد في الرخاء خوفًا من أن لا يدوم ينشد:

(توقع زوالا إذا قيل تم) وينشد: (وعند التناهي يقصر المتطاول) وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب. ومثل هذا عمره محصور يمر ضياعا.

ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسدًا لك وقصدًا لتصغير قدرك عندك، وتذهيدا لك فيه، فلا يحملك ذلك على أن تذهد في عملك وتركن إلى العلم الذي مدحوه، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه، ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه فبقي مخبل المشي كما قيل:

إن الغراب وكان يمشى مشية

فيما مضى من سالف الأجيال

حسد القطا وأراد يمشى مشيها

فأصابه ضربٌ من العقال

فأضل مشيته وأخطأ مشيها

فلذاك كنوه (أبا مر قال)

ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزمان وأهله، ويقول: ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل، ولا مكان يرتاح فيه، فإن الذين تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممن صحبهم الحرمان، واستحقت طعلتهم للهوان، وأبرموا على الناس بالسؤال فمقتوهم. وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها. فاستراحوا إلى الوقوع في الناس. وأقاموا الأعذار لأنفسهم بقطع أسبابهم، ولا تُزل هذين البيتين من فكرك:

لن إذا ما نلت عزًّا

فأخو العزَّ يلين

فإذا نابك دهر

فكما كنت تكون

والأمثال تضرب لذي اللُّبَّ الحكيم، وذو البصر يمشى على الصراط المستقيم، والفطِنُ يقنع بالقليل، ويستدل باليسير. والله سبحانه خليفتي عليك لا رب سواه ([46])

 11- وصية الخطاب بن المعلّى المخزومي ابنه ([47])

قال الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي المتوفى سنة 354هـ رحمه الله تعالى:

أخبرني محمد بن المنذر بن سعيد، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، حدثني عبدالرحمن بن أبي عطية الحمصى عن الخطاب بن المُعلَّى المخزومي القرشي: أنه وعظ ابنه فقال: (يا بُنيَ، عليك بتقوى الله وطاعته، وتجنب محارمه باتباع سنته ومعالمه حتى تصح عيوبك، وتقر عينك، فإنها لا تخفى على الله خافية، وإني قد وسمت لك وسمًا، ووضعت لك رسمًا، إن أنت حفظته ووعيته وعملت به ملأت أعين الملوك، وانقاد لك به الصعلوك، ولم تزل مرتجى مشرفًا يحتاج إليك، ويرغب إلى ما في يديك، فأطع أباك، واقتصر على وصية أبيك. وفرغ لذلك ذهنك، واشغل به قلبك ولبك، وإياك وهذر الكلام، وكثرة الضحك والمزاح، ومهازلة الإخوان، فإن ذلك يذهب البهاء، ويوقع في الشحناء، وعليك بالرزانة والتوقر، من غير كبر يوصف منك، ولا خيلاء تحكي عنك، وألق صديقك وعدوك بوجه الرضى، وكف الأذى، من غير زلة لهم ولا هيبة منهم، وكن في جميع أمورك في أوسطها، فإن خير الأمور أوساطها).

وقلل الكلام، وأفش السلام وامش متمكنا قصدا، ولا تخط برجلك، ولا تسحب ذيلك، ولا تلو عنقك، ولا رداءك، ولا تنظر في عطفك، ولا تكثرالالتفات، ولا تقف على الجماعات، ولا تتخذ السوق مجلسا، ولا الحوانيت متحدثا، ولا تكثر المراء، ولا تنازع السفهاء، فإن تكلمت فاختصر، وإن مزحت فاقتصر، وإذا جلست فتربع، وتحفظ من تشبيك أصابعك وتفقيعها، والعبث بلحيتك وخاتمك، وذؤابة سيفك وتخليل أسنانك، وإدخال يدك في أنفك، وكثرة طرد الذباب عنك، وكثرة التثاؤب والتمطي، وأشباه ذلك مما يستخفه الناس منك، ويتغمزون به فيك.

وليكن مجلسك هاديا، وحديثك مقسوما، واصغ إلى الكلام الحسن ممن حدَّثك، بغير إظهار عجب منك، ولا مسألة ولا إعادة، وغض عن الفكاهات من المضاحك والحكايات، ولا تحدث عن إعجابك بولدك، ولا جاريتك، ولا عن فرسك، ولا عن سيفك، وإياك وأحاديث الرؤيا، فأنك إن أظهرت عجبًا بشيء منها طمع فيها السفهاء، فولدوا لك الأحلام واغتمزوا في عقلك ولا تَصَنَّع تصنع المرأة، ولا تَبَذّل تبذل العبد، ولا تَهلُب لحيتك ([48])  ولا تبطنها، وتوق كثرة الحف، ونتف الشيب، وكثرة الكحل، والإسراف في الدهن، وليكن كحلك غبا، ولا تُلح في الحاجات، ولا تخََشَّع في الطلبات، ولا تُعْلِم أهلك وولدك –فضلا عن غيرهم- عدد مالك، فإنهم إن رأوه قليلا هنْتَ عليهم، وإن كان كثيرا لم تبلغ به رضاهم وأخفهم في غير عنف ولن لهم في غير ضعف، ولا تهازل أمتَك، وإذا خاصمت فتوقر، وتحفظ من جهلك، وتجنب من عجلتك، وتفكر في حُجَّتك، وأر الحاكم شيئًا من حلمك، ولا تكثر الإشارة بيدك، ولا تَحفَّزْ على ركبتيك، وتَوقَّ حمرة الوجه، وعرق الجبين وإن سفه عليك فاحلم، وإذا هدأ غضبك فتكلم، وأكرم عرضك، وألق الفضول عنك، وإن قرَّبك سلطان فكن منه على حد السنان، وإن استرسل إليك فلا تأمن من انقلابه عليك، وارفق به رفقك بالصبي، وكلمه بما يشتهي، ولا يحملنك ما ترى من إلطافه إياك، وخاصته بك: أن تدخل بينه وبين أحد من ولده وأهله وحشمه، وإن كان لذلك منك مستمعا، وللقول منك مطيعًا، فأن سقطة الداخل بين الملك وأهله صرعةٌ لا تنهض، وزلَّة لا تُقال، وإذا وعدت فحقق، وإذا حَدَّثت فاصدق، ولا تجهر بمنطقك كمنازع الأصم، ولا تخافت به كتخافت الأخرس، وتخير محاسن القول بالحديث المقبول، وإذا حدثت بسماع فانسبه إلى أهله، وإياك والأحاديث العابرة المشنعة التي تنكرها القلوب، وتقفُّ لها الجلود([49]) وإياك ومُضَعَّف الكلام، مثل: نعم، نعم، ولا، لا، وعجل، وعجل، وما أشبه ذلك، وإذا توضأت فأجد عرق كفيك، وليكن وضعك الحرض ([50]) من الأشنان في فيك كفعلك بالسواك، ولا تنخع في الطست، وليكن طرحك الماء من فيك مترسلاً، ولا تمج فتنضح على أقرب جلسائك، ولا تَعَضَّ نصف اللقمة، ثم تعيد ما بقي منها منصبغًا، فإن ذلك مكروه، ولا تكثر الاستسقاء على مائدة الملك، ولا تعبث بالمشاش ([51])، ولا تَعِب شيئًا مما يقربْ إليك على مائدة بقلة خل أو تابل أو عسل، فإن السحابه قد صيرت لنفسها مهابة، ولا تمسك إمساك المثبور، ولا تبذر تبذير السفيه المغرور، واعرف في مالك واجب الحقوق، وحرمة الصديق، واستغن عن الناس يحتاجوا إليك، واعلم أن الجشع يدعوا إلى الطبع، والرغبة – كما قيل – تدق الرقبة، ورب أكلة تمنع أكلات، والتعفف مال جسيم وخلق كريم، ومعرفة الرجل قدره، تُشَرَّفُ ذكره، ومن تَعَدَّى القَدْرَ، هوى في بعيد القَعْر. والصدق زين، والكذب شين، ولصدق يسرع عطب صاحبه أحسن عاقبة من كذب يسلم عليه قائله، ومعاداة الحليم خير من مصادقة الأحمق، ولزوم الكريم على الهوان خير من صحبة اللئيم على الإحسان، ولَقُربِ مَلكٍ جواد، خير من مجاورة بحر طرَّاد، وزوجة السوء الداء العضال. ونكاح العجوز يذهب بماء الوجه، وطاعة النساء تُزرِي بالعُقَلاء. تشبه بأهل العقل تكن منهم، وتصنع للشرف تدركه، واعلم أن كل أمرىء حيث وضع نفسه، وإنما ينسب الصانع إلى صناعته، والمرء يعرف بقرينه، وإياك وإخوان السوء. فإنهم يخنون من رافقهم، ويحزنون من صادقهم، وقُرْبُهم أعدى من الجرب، ورَفْضُهم استكمال الأدب، واستخفار المستجير لؤم. والعجلة شؤم، وسوء التدبير وهن.

والإخوان اثنان: فمحافظ عليك عند البلاء، وصديق لك في الرخاء، فاحفظ صديق البلاء، وتجنب صديق العافية، فإنهم أعدى الأعداء.

ومن اتبع الهوى، مال به الردى، ولا يُعْجِبَنَّك الجهم من الرجال، ولا تَحْقِرَ ضئيلاً كالخلال ([52]) فإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، ولا ينتفع به أكثر من أصغريه. وتوق الفساد، وإن كنت في بلاد الأعادى، ولا تفرش عرضك لمن دونك، ولا تجعل مالك أكرم عليك من عرضك، ولا تكثر الكلام فتثقل على الأقوام، وامنح البِشْر جليسك، والقبول ممن لاقاك.

وإياك وكثرة التبريق والتزليق، فإن ظاهر ذلك ينسب إلى التأنيث.

واحذر ما يلزمك اللائمة في آخرتك، ولا تعجل في أمر حتى تنظر في عاقبته، ولا ترد حتى ترى وجة المصدر.

وعليك بالنورة في كل شهر مرة، وإياك وحلاق الإبط بالنورة، وليكن السواك من طبيعتك، وإذا استكت فعرضا. وعليك بالعِمارة، فإنها أنفع التجارة، وعلاج الزرع خير من اقتناء الضرع، ومنازعتك اللئيم تطمعه فيك، ومن أكرم عرضه أكرمه الناس، وذم الجاهل إياك أفضل من ثنائه عليك، ومعرفة الحق من أخلاق الصدق، والرفيق الصالح ابن عم، ومن أيسر أُكْبِر، ومن افتقر احتُقِر. قَصَّر في المقالة، مخافة الإجابة، والساعي إليك غالب عليك، وطول السفر ملالة، وكثرة المنى ضلالة، وليس للغائب صديق، ولا على الميت شفيق، وأدب الشيخ عناء، وتأديب الغُلام شقاء، والحمق داء لا شفاء له. والحلم خير وزير، والدَّينُ أزين الأمور، والسماجة سفاهة، والسكران شيطان، وكلامه هذيان، والشعر من السحر، والتهدد هُجْر، والشح شقاء، والشجاعة بقاء، والهدِيَّةُ من الأخلاق السرية، وهي تورث المحبة، ومن ابتدأ المعروف صار دَيْنًا، ومن المعروف ابتداء من غير مسألة، والعِرْقُ نزَّاع، والعادة طبيعية لازمة: إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشر، ومن حل عقداً احتمل حقدا، ومراجعة السلطان خرق بالإنسان، والفرار عار، والتقدم مخاطرة، وأعجلُ منفعة إيسار في دَعَه، وكثرة العلل من البخل، وشر الرجال الكثير الاعتلال، وحسن اللقاء، يذهب بالشحناء، ولين الكلام من أخلاق الكرام.

يا بني، إن زوجة الرجل سكنهُ، ولا عيش له مع خلافها، فإذا هممت بنكاح أمرأة فسل عن أهلها، فإن العروق الطيبة تنبت الثمار الحلوة.

واعلم أن النساء أشد اختلافًا من أصابع الكف، فتوق منهن كل ذات بذا، مجبولة على الأذى، جعلك الله يا بني ممن يقتدي بالهدى، ويأتم بالتقى، ويجتنب السخط، ويحب الرضى.

والله خليفتي عليك، والمتولي لأمرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد نبي الهدى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.



([1]) تفسير ابن سعدي:6/76-80،ط1.

([2]) سورة لقمان: الآيات 12-19.

([3]) زاد الآخرة هي التقوى كما قال الله تعالى: }وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى{ [سورة البقرة: الآية 197] ويدخل في التقوى الموجبة لدخول الجنة والنجاة من النار بر الوالدين.

([4]) قال ابن الوردي:

    أنا لا أختار تقبيل يد           قطعها أجمل من تلك القُبَل

    ولعله اراد بذلك غير الوالدين والله أعلم.

([5]) لا ينبغى الخضوع والذل إلا لله تعالى.  

([6]) بُر الوالدين للأستاذ عبدالرؤوف الحناوي-رحمه الله-

([7]) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، والحاكم في المستدرك. قال المنذري: إسناده حسن.

([8]) المصرية.  

([9]) كتاب الأغاني الجزء الثالث.

([10]) "المعمرون والوصايا".

([11]) الخاذل: الظبية أقامت على ولدها.

([12]) المستغنية عن أمهاتها.

([13]) ذوي القربى.

([14]) الترح ضد الفرح.

([15]) تحفة العروس ص93-94.

([16]) أنفع.

([17]) هدفا.

([18]) تداولت.

([19]) جرحته

([20]) يضعف.

([21]) جواهر الأدب ص184.

([22]) هو عبدالله بن شداد بن الهادى الليثي كان من رجالات العراق ومن ذوي المكانة عند الحجاج، ثم خرج عليه مع ابن الأشعث، ويقال أنه قتل سنة (83هـ)

([23]) نزع إليه كجلس: اشتاق.

([24]) العرف: المعروف.

([25]) التوا مصدر التوى وقصره للضرورة. والتوى به الزمان. الأعوج. وألوى به: أهلكه.

([26]) شاعر من أهل يثرب وبينه وبين حسان بن ثابت مناقصة.

([27]) سهل الشاعر همزة سأل للوزن.

([28]) قطع همزة اثنين للضرورة. وبث الحديث: أفشاه.

([29]) سوداء الفؤاد أو القلب وسويداؤه وسواده وأسوده: حبته.

([30]) الانفاد: الفقر.

([31]) اسمه يزيد وهو شاعر قديم.

([32]) نقلت حركة الهمزة من أورث إلى الواو وحذفت هي للوزن والخلال. جمع خَلَّة وهي الخصلة.

([33]) غلا في الأمر غلوا: جاوز الحد. والموالي: والأقارب. يقول إن كثر مالي لم أجف أقاربي.

([34]) حيال ظرف في معنى إزاء أي تركتها تذهب في طريقها إلخ.

([35])في معنى هذا قول الشاعر:

ليس الغَني بسيد في قومه           لكن سيد قومه المتغابي

([36])نفذه: جازه..

([37]) ائتلى كألا أي قصر. يقول إذا غاب عني فلن يقصر في نكايتي.

([38]) الخبرة وبغير هاء العلم بالشيء كالاختبار

([39]) هو محمد بن عميرة والمقنع لقب شاعر رصين المباني حكيم المعاني من شعراء الدولة الأموية.

([40])  اللبابة مصدر لَبَّ أي صار ذالب وهو العقل؛ وكل ما قبل فاشدد من الشطر الثاني معمول له وتكررت الفاء

      للربط وكذا في البيت التالي.

([41]) شطط وأشط: جاوز الحد.    

([42]) الهون: الرفق، وما: إما زائدة، وإما صفة لهونا مثلها في قوله تعالى: }إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا{.

([43]) هو شاعر من شعراء الدولة الأموية جيد البديهة وهو القائل:

ولست بمفراح إذا الدهر سرني

ولا جازع من صرفه المتقلب

ولا أتمنى الشر والشر تاركي

ولكني متى أحمل على الشر أركب

([44])  نزع عن الأمر نزوعا: انصرف وانتهي عنه.

([45]) المصدر السابق: ص188-191.

([46]) المصدر السابق: ص179-183.

([47]) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لأبي حاتم- رحمه الله-: ص198.

([48]) هلب الشعر: نتف ما غلظ منه، وتبطين اللحية: أن يؤخذ مما تحت الذقن والحنك من الشعر.

([49]) تَقُفُّ لها الجلود: تقشعر.

([50]) الحرض – بزنة قفل أو عنق -: الأشنان تغسل به الأيدي إثر الطعام.

([51]) المشاش – بزنة غراب -: العظم الذي لا مخ فيه.

([52]) الخلال – بكسر الخاء – بزنة الكتاب-: العود الذي تخلل به الأسنان، يريد الرجل النحيف البالغ النحافة.

رأيك يهمنا