رسالة إلى أئمة المساجد وخطباء الجوامع

نبذة مختصرة

اشتملتْ على نصيحة في الحثِّ على العناية بالصلاة، وعلى مِقدار صلاة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى بيان واجباتِ إمام المسجد ومسؤوليته، وما يَنبغي له، وبيان الإمامة الصحيحة، ووظيفة الأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحُكم الجَهْر بالقراءة في المسجد، وعلى ذِكْر حالات المأموم مع إمامة في صلاة الجماعة، وتنبيهات على بعضِ الأخطاء التي يفعلُها بعضُ المصلِّين في صلاتِهم.
وعلى ذِكْر مسائلَ في السَّهو في الصلاة، وحُكم القنوت في صلاة الوتر، وصلاة الفَجْر، وحُكم إمامةِ مَن يَشربُ الدُّخان، وحُكم إمامةِ حالِقِ اللِّحية للصلاة، وعلى ذِكْر أسماء بعض الكتب التي تناسب قراءتُها على الجماعة في المساجد والمجالس وغيرها، وذِكْر ما يتعلَّق بصلاة الجُمُعة وخُطبتِها، وحُكمها وحِكمتها، وذِكْر أسماء بعض مراجع خُطب الجُمُعة والعيدين.
كما اشتملتْ على ثلاث نصائحَ لم يتخلَّفون عن أداء الصلاةِ مع الجماعة، وعلى ذِكْر الأمور التي ينبغي على الإمام مراعاتُها تجاهَ المأمومين في نُصْحهم وإرشادِهم، كما اشتملتْ على ذِكْر ما تيسَّر من أحكام الإمامة والائتمام، وذكر في آخرِها أسماء المراجع والفهرس.

تنزيــل

تفاصيل

 رسالة إلى أئمة المساجد وخطباء الجوامع

                         جمع وتحقيق الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى أتْباعه المتمسِّكين بسُنَّته، والمُهتَدِين بهَديِه إلى يوم الدِّين.

أمَّا بعد:

فلأهميَّةِ الصلاة في الإسلام، وكونِها عِمادَ الدِّين، والصلةَ بربِّ العالمين، ولوجوب التعاون على البِرِّ والتقوى، والتواصي بالحقِّ، والصبر عليه؛ فقد ألَّفْتُ رسالةً إلى أئمَّة المساجد والمؤذِّنين والمأمومين، وتوسعتُ فيها حتى شملتْ أحكامَ الصلاة مِن أولها إلى آخرِها، وضُمَّ إليها فتاوى تتعلَّق بالصلاة، وخُطبةِ الجُمُعة، وفهارس بعضِ الكتب والخُطب ليُستفادَ منها ويُحذَى حذوَها، وبلغتْ 263صفحة من الحَجْم الكبير؛ لذا رأيتُ أن أختصرَ منها ما يتعلَّق بأئمَّة المساجد وخطباء الجوامع، الذين هم قُدوةُ الناس في هذه العِبادة الجليلة من أحكام وآداب.

 وقد اشتملتْ على نصيحة في الحثِّ على العناية بالصلاة، وعلى مِقدار صلاة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى بيان واجباتِ إمام المسجد ومسؤوليته، وما يَنبغي له، وبيان الإمامة الصحيحة، ووظيفة الأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحُكم الجَهْر بالقراءة في المسجد، وعلى ذِكْر حالات المأموم مع إمامة في صلاة الجماعة، وتنبيهات على بعضِ الأخطاء التي يفعلُها بعضُ المصلِّين في صلاتِهم.

وعلى ذِكْر مسائلَ في السَّهو في الصلاة، وحُكم القنوت في صلاة الوتر، وصلاة الفَجْر، وحُكم إمامةِ مَن يَشربُ الدُّخان، وحُكم إمامةِ حالِقِ اللِّحية للصلاة، وعلى ذِكْر أسماء بعض الكتب التي تناسب قراءتُها على الجماعة في المساجد والمجالس وغيرها، وذِكْر ما يتعلَّق بصلاة الجُمُعة وخُطبتِها، وحُكمها وحِكمتها، وذِكْر أسماء بعض مراجع خُطب الجُمُعة والعيدين.

كما اشتملتْ على ثلاث نصائحَ لم يتخلَّفون عن أداء الصلاةِ مع الجماعة، وعلى ذِكْر الأمور التي ينبغي على الإمام مراعاتُها تجاهَ المأمومين في نُصْحهم وإرشادِهم، كما اشتملتْ على ذِكْر ما تيسَّر من أحكام الإمامة والائتمام، وذكر في آخرِها أسماء المراجع والفهرس.

 وهي مستفادَةٌ من كلام الله - تعالى - وكلام رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكلام المحقِّقين من أهْل العِلم، أسأل الله - تعالى - أن ينفعَ بها مَن كَتَبها أو قرأها، أو سَمِعها فعمل بها، وأن يجعلَها خالصةً لوجهه الكريم، ومن أسباب الفوْز لديه بجنَّات النعيم، وهو حسبنا ونعمَ الوكيل، ولا حولَ ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


نصيحة في الحث على العناية بالصلاة:

من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى مَن تبلغُه هذه النصيحة من إخواننا المسلمين أئمَّة المساجد والمأمومين وسواهم، سلَكَ الله بنا وبهم صراطَه المستقيم، آمين.

سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد:

فغير خافٍ على الجميع شأْنُ الصلاة في الإسلام، إذ هي عمودُه، بها يستقيم دِينُ المسلم، وتصلح أعمالُه، ويعتدل سلوكُه في شؤون دِينه ودنياه متى أُقيمت على الوجهِ المشروع عقيدةً وعبادة، وتأْسيًا برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لِمَا لها من خاصية، قال الله عنها في محكم التنزيل: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ [العنكبوت: 45]، وقال: ﴿قَدْ أفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1 - 2]، وكما أنَّ هذا شأْنها، فهي أيضًا مطهرة لأدران الذُّنوب، ماحية للخطايا.

 فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((أرأيتُم لو أنَّ نهرًا بباب أحدِكم يغتسل منه كلَّ يوم خمسَ مرَّات، هل يبقَى مِن درنه شيء؟)) قالوا: لا يبقَى من درنه شيءٌ، قال: ((فذلك مثل الصلواتِ الخمسِ؛ يمحو الله بهنَّ الخطايا))؛ متفق عليه.

فحريٌّ بالمسلم تُجاهَ فريضةٍ هذا شأْنُها ألاَّ يفرِّطَ فيها، كيف وهي الصلة بينه وبين ربِّه – تعالى؟! كما أنَّها جديرةٌ بالتفقُّه في أحكامها، وغير ذلك ممَّا شَرَع الله فيها، حتى يؤدِّيها المؤمن بغاية الخشوع، والإحسان والطمأْنينة؛ ظاهرًا وباطنًا؛ فعن عثمان بن عفَّان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((ما مِن امرئ تحضرُه صلاةٌ مكتوبة، فيُحسِن وضوءَها وخشوعَها إلاَّ كانتْ كفَّارة لِمَا قَبْلها من الذنوب، ما لم تُؤتَ كبيرة، وذلك الدَّهرَ كله))؛ رواه مسلم.

فعليكم - معشرَ المسلمين - بتقوى الله في أُموركم عامَّة، وفي صلاتكم خاصَّة؛ أن تُقيموها محافظين عليها، وحافظين لها عمَّا يُبطِلها، أو ينقص كمالَها؛ من تأْخير لها عن أوقاتِها الفاضلة من غير عُذْر شرعي، أو التثاقل عن أدائِها جماعةً في المساجد، أو الإتيان فيها بما يُذْهِب الخشوع، ويُلهي القلوب عن استحضار عَظمةِ مَن تقفون بين يديه - تعالى - وتدبُّر لكلامه وذِكْره، ومناجاته -جلَّ شأْنُه - من نحو تشاغُلٍ في أُمور خارجة عنها، أو حركات غير مشروعة فيها، كالذي يَحْدُث من البعض عبثًا، من تعديل لباسِه من غترة وعقال، ونَظَر إلى الساعة، أو تسريح شَعْر لحية، ونحوها، بعدَ الإحرام بها، كلُّ هذا ممَّا يُنافي الخشوعَ الذي هو لُبُّ الصلاة ورُوحها، وسبب قَبولها، وتحذيرًا من مِثْل هذا جاء الحديث: ((إنَّ الرجل ليقومُ في الصلاة، ولا يُكتب له منها إلاَّ نِصفُها، إلى أن قال: إلاَّ عُشرُها))؛ رواه أبو داود بإسناد جيِّد.

فعلى الجميع عامَّة، وعلى الأئمَّة خاصَّة، أن يكونوا على جانبٍ كبير مِن الفِقه في أحكام الصلاة، وأن يكونوا قدوةً حسنة في إقامة هذه الشعيرة العظيمة؛ لأنَّه يَقتدي بهم المأْمومون، ويتعلَّم منهم الجاهلُ والصغير، وربَّما ظنَّ البعضُ من العامَّة أنَّ ما يفعله الإمامُ - ولو كان خلاف السُّنَّة - أنَّه سُنَّة، ولا سيَّما بعضُ المسلمين الوافدين من بعض البُلدان الخارجيَّة، ممَّن لا يعرف أحكامَ الصلاة على الوجه المشروع، كما أنَّ ممَّا تساهل فيه بعضُ الأئمَّة وبعض المأمومين: العنايةَ بتسوية الصفوف، واستقامتها، والتراص فيها، وهو أمرٌ يُخشى منه للوعيد الوارد؛ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يمسح مناكِبَنا في الصلاة ويقول: ((استووا، ولا تَختَلِفوا، فتختلفَ قلوبُكم))؛ رواه مسلم.

وفي المتفق عليه: ((لتُسوُّنَّ صفوفَكم، أو ليُخالفنَّ الله بين وجوهكم))، وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((سووا صفوفَكم، فإنَّ تسوية الصفِّ من تمام الصلاة))؛ متفق عليه.

 فكانتْ سُنَّةُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الحثَّ على تسوية الصفوف، والحث على المحافظة على أداء الصلوات في المساجِد جماعةً، كما دَرَج عليها الصحابة والتابعون لهم بإحسان سَلفًا وخلفًا، وفي ذلك الأجرُ العظيم من الله؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن غَدا إلى المسجدِ أو راح، أعدَّ الله له في الجَنَّة نُزُلاً، كلَّما غدَا أو راح))؛ متفق عليه.

وعنه - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن تطهَّر في بيته، ثم مَضَى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضيَ فريضةً من فرائض الله، كانت خُطواتُه إحداها تحطُّ خطيئةً، والأُخرى ترفع درجةً))؛ رواه مسلم.

وإذا عُلِم هذا، فممَّا يجب الحذرُ منه ظاهرةُ التثاقُل من البعض عن صلاة العشاء، وصلاة الفجر في المساجد جماعةً، وهي عادة خطيرة؛ لأنَّها من صفات المنافقين؛ لِمَا صحَّ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((أثقلُ الصلاةِ على المنافقين صلاةُ العِشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتَوْهما ولو حَبوًا)).

 فلا عُذرَ ولا رخصةَ دونما عذر شرعي لِمَن سمع النداءَ فلم يُجِب؛ لقول النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن سمع النِّداءَ فلم يأْتِ، فلا صلاةَ له، إلاَّ من عذر) واستأْذنَه رجلٌ أعمى ليس له قائد يُلازِمه: هل له رُخصةٌ أن يُصلِّي في بيته، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((هل تسمع النِّداء بالصلاة؟)) قال: نعم، قال: ((فأجِبْ) وفي رواية أُخرى قال: ((لا أجِدُ لك رُخصةً)).

 وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "مَن سرَّه أن يَلْقى الله غدًا مسلِمًا، فليحافظْ على هؤلاءِ الصلوات حيثُ يُنادَى بهنَّ، فإنَّ الله شَرَع لنبيِّكم سُننَ الهُدَى، وإنهنَّ من سُنن الهدى، ولو أنَّكم صَلَّيتُم في بيوتكم، كما يُصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتُم سُنَّة نبيِّكم، ولو تركتُم سُنَّة نبيِّكم لَضللتُم، ولقدْ رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلاَّ منافقٌ معلوم النِّفاق، ولقدْ كان الرجل يؤتَى به يُهادَى بين الرَّجلَين حتى يقامَ في الصفِّ))؛ رواه مسلم.

فهذه الأحاديثُ وما جاء في معناها دليلٌ على وجوب حضور الجماعة حيثُ يُنادَى بالصلاة، وفي امتثالها طاعةُ الله ورسوله، وسعادةُ الدارَين، والبُعدُ عن مشابهة أهل النِّفاق وصفاتهم.

 فأسأل اللهَ - تعالى - أن يُوفِّقنا وإيَّاكم لِمَا يُرضِيه، وأن يرزقَنا الاستقامةَ على دِينه، والمحافظةَ على هذه الصلوات الخمس حيثُ يُنادى بهنَّ، وأداءَهنَّ، والخشوعَ الكامل؛ رغبةً فيما عند الله، وحذرًا من عذابه، إنَّه وليُّ هذا والقادر عليه، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وآله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرئيس العام

لإدارات البحوث العلمية

والإفتاء والدعوة والإرشاد


مقدار صلاة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فينبغي لكلِّ إمام ومُنفرِد، وكلِّ مصلٍّ: أن يراعيَ هدي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في صلاته القائل: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي))؛ متفق عليه، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ طولَ صلاة الرجل وقِصَر خُطبته مَئِنَّة (علامة) مِن فِقهه، فأطيلوا الصلاةَ، واقْصُروأ الخُطبة))؛ رواه مسلم.

وأمَّا قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا صلَّى أحدُكم بالناس فليخفِّف))؛ متفق عليه.

 فقال ابن القيِّم: "التخفيف أمرٌ نسبيٌّ إضافي راجع إلى السُّنَّة، لا إلى شهوة الإمام والمأمومين، فكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُصلِّي صلاةً تامَّة متناسبة، كان إذا أطال القِيام، أطالَ الرُّكوع والسُّجود، والاعتدال بعدَ الركوع، والجلوس بين السجدتين، وإذا خفَّف القيامَ خفَّف الرُّكوع والسُّجود وما بينهما.

وكان يقرأ في صلاة الفجر من سِتِّين آية إلى مائة آية، وكان يقرأ فيها بسورة ﴿ق﴾ ونحوها من السُّور، وكان يقرأ في كلِّ ركعة من الركعتين الأُولَيَينِ من صلاة الظُّهْر بقدر ثلاثين آية، وفي الأخيرتين على النِّصف من ذلك، وكان يقرأ في الأُوليَين من صلاة العصر في كلِّ ركعة قدر خمس عشرة آية كالأخيرتين من الظُّهْر، وفي الأخيرتين على النِّصف من ذلك.

وأحيانًا كان يقتصر في الركعتين الأخيرتين من الظُّهْر والعصر على الفاتحة، وكان يقرأ في صلاة المغرب أحيانًا من قِصار المفصَّل، وأحيانًا من طواله، وطوالُ المفصل من سورة ﴿ق﴾ إلى سورة ﴿النبأ﴾، وأوساطه من سورة ﴿النبأ﴾ إلى سورة ﴿والضحى﴾، وقصارُه من ﴿والضحى﴾ إلى آخر القرآن، ووقَّت - عليه الصلاة والسلام - لمعاذ بن جبل بالقراءة في صلاة العِشاء بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿واللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ونحوها من السُّور من أوساط المفصَّل.

وكان مقدار تسبيحات الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الرُّكوع والسُّجود عشرَ تسبيحات، وكان الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُطيل القِيام بعد الرُّكوع والجلوس بين السَّجدتين، فكان إذا رَفَع رأْسَه من الرُّكوع مَكَث قائمًا، حتى يقول القائلُ قد نسي، وإذا رفع رأْسَه من السُّجود مَكَث جالسًا، حتى يقول القائل قد نسي.

ويُلاحَظ على بعض الأئمَّة عدمُ تطبيق السُّنَّة في ذلك، وفي إطالة القراءة في صلاة الفجر والركعتين الأُوليَين من صلاة الظهر، كما يُلاحظ على الكثير منهم أنَّهم يُطيلون القراءةَ في قيام رمضان، ويُخفِّفون الركوع والسجود، وكذلك في صلاة الكسوف، كما يُخفِّفون القيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، وهو خِلافُ السُّنَّة، والخيرُ كلُّه في هدي النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - والاقتداءِ به - صلوات الله وسلامه عليه"؛ انظر مقدار صلاة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في كتاب "الصلاة" لابن القيم، وفي "زاد المعاد" له ج1.


المسؤولون عن المسجد وواجبات الإمام:

إذا كان المسجدُ بهذه المنزلة العظيمة، والمكانة الرفيعة، فلا بدَّ له من مسؤولين عنه، فأوَّل مسؤول عن المسجد هو الإمام؛ لذا يجبُ أن يُختارَ من ذوي العِلم والأهلية، وممَّن يُتقِنون القِراءة، ويُحسِنون التِّلاوة، وممَّن هم على جانب كبير مِن المعرفة بأحكامِ الدِّين والعِبادة، لا سيَّما الصلاة.

ويجب على الإمام أن يكونَ قُدوةً صالحة لِمَن يُصلُّون خَلفَه، فالإمام متقلِّدٌ أمرًا عظيمًا في إمامة المسلمين، وتولِّي شؤون المسجد الذي هو أمانةٌ في عنقه، سيُسأل عنها يومَ القيامة، فيجب عليه إذًا أن يبذلَ مهجتَه في نُصْح إخوانه المسلمين، وإرشادِهم وتوجيههم إلى الطريق الأسلم، والسبيل الأقوم، فهو المسؤول الأوَّل في المسجد الذي تولَّى إمامتَه، وتَقدَّم المصلِّين يَقتدونَ به في أعظم ركن من أركان الإسلام بعدَ الشهادتين، ألاَ وهو الصلاة، وبهذا يجب عليه أن يستشعرَ هذه المسؤوليةَ العظيمة، وأن يتقيَ الله في نفسه، وفيمن تقلَّد أمرَهم.

أيُّها الإمامُ الكريم، يقول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كُلُّكم راعٍ، وكُلُّكم مسؤول عن رعيَّتِه، الإمامُ راعٍ ومسؤول عن رعيَّتِه، والرجلُ راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيَّتِه، والمرأةُ راعيةٌ في بيت زوجِها ومسؤولة عن رعيَّتِها، والخادم راعٍ في مال سيِّده ومسؤول عن رعيَّتِه))[1]، فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ الله - تعالى - سيسأل كلّ من استرعى على أمر ماذا عمل، وفيما استرعَى عليه، وبدأ بالإمام الأعظم، وانتهى بالخادم، ومعلومٌ أنَّ إمامة المسجد ولايةٌ عظيمة.

أيُّها الإمام، اتَّقِ الله في نفسك وجماعتِك، فإنَّهم أمانةٌ في عنقك، وستُسأل عنها يومَ القيامة، يوم تُعرض على الله.

كُن قدوةً لِمَن يأتمُّون بك، إذا وقفتَ أمامَهم فتصوَّرْ قدرَهم، ثم تصوَّرْ ما أنت عليه من أعمال وتصرُّفات، وهل هي مُرضِيةٌ لله، فأنت أهل لهذه الإمامة، أم أنَّ لك أعمالاًَ وتصرفاتٍ لا يعلمون عنها، وهي غير مُرْضِية لله، فتجنَّبْها لتكونَ قدوةً حَسَنة في سِرِّك وعلانيتك، كن ناصحًا لجماعتك مُتفقِّدًا لهم، كن حذرًا من حركاتك وتصرُّفاتك خاصَّة أثناء الصلاة، واعلم أنَّه يُنظر إليك من حيث تدري، ومن حيث لا تدري، اجعلْ لجماعتِك قيمةً في نفسك؛ ليكونَ لك قيمةٌ في نفوسهم، وبذا يحترمونك.

أيُّها الإمام، أصلِحْ نِيَّتَك، واجعلْ عملك خالصًا لوجه الله - تعالى - لأنَّ الإخلاص أساسُ نجاح الأعمال، اتخذِ الإمامة طريقًا للدعوة إلى الخير، محتسبًا الأجر عند الله، راعِ مصالِحَ الناس وظروفَهم وحاجاتِهم، لقد ورد في الحديث عن تميم بن أوس الداري - رضي الله عنه -: أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((الدِّينُ النصيحة) قُلْنا: لِمَن؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامتهم))[2].

 فعِمادُ الدِّين ولُبُّه وقوامُه: النُّصْح لكلِّ مَن ذُكِر في الحديث، وذلك بحبِّ الخير لأئمَّة المسلمين وعامَّتِهم، وبذْل النُّصْح لهم، وإرشادِهم، والحِرْص على هدايتهم لكلِّ خير، وإبعادهم عن كلِّ شر.

عليك - رحمك الله ووفقك - أن تستشعرَ هذه القيادةَ الدِّينيَّة العظيمة، وأن تقوم بحقِّها، وألاَّ تجعلَها طريقًا للكسْب المادي، فليس هذا مِن شأْنِ المتقين، ومِن عِظم الإمامة ما ورد في الحديث: ((الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّن مؤتمن، اللهمَّ أَرْشِدِ الأئمَّة، واغفر للمؤذِّنين))[3].

وممَّا ينبغي للإمام أن يقومَ به: تعليمُ الناس وإرشادُهم، خصوصًا العاملين في المسجد كالمؤذِّن والخادم، فيبادر إلى تعليمِ المؤذن الأذانَ الصحيح، والإقامةَ الصحيحة، السالِمَينِ من الأخطاء والبِدع، أو تشويه الأذان كتلحينه والإطراب به.

كما ينبغي للإمامِ ألاَّ يبخلَ بالتوجيه والإرشاد لأهلِ الحي وجيران المسجد، فيُحسِن معاشرتَهم، ويَحضُّهم على الصلاة، ويتعاهدهم بالزِّيارةِ في منازلهم، ويتفقَّد أحوالَهم، ويَسعى في مساعدة المحتاجين، وفضِّ المنازعات، والإصلاح بينهم، ويعود مَرْضَاهم، ويُعلِّمهم الأخلاق الإسلاميَّة بالقول والفِعْل، ويتحبَّب إلى الأطفال، ويُرشِدهم إلى الصلاة، والأخلاق الحميدة.

وينبغي للإمامِ أن يُخصِّص بعضَ الأوقات للتدريس، كقراءة بعض الأحاديث وشَرْحها بشكلٍ موجز بعد صلاة العصْر، والقراءة على جماعته قبلَ صلاة العشاء، وأن يتحيَّن الفُرَصَ المواتية والمناسِبةَ لوعظِهم، أحيانًا بعدَ بعض الصلوات، خصوصًا إذا رأى خطأً من بعض المأمومين، أو نحو ذلك.

ويَنبغي لأئمَّة الجوامع أن يعتنوا بالخُطَب، وأن يحرصوا على جَعْلها وافيةً بالمطلوب، تُعالِج المشاكلَ العصريَّة، وأن يتجنبوا التَّكْرار، وأن يتحقَّقوا من صِحَّة الأحاديث التي يُستشهد بها أثناء الخطبة، وأن يتجَّنبوا الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وعليهم أن يعتنوا بضبطِ الآيات المُراد الاستشهادُ بها في الخُطبة، وغيرها مِن كلمة تُلقى على الجماعة ونحوها، وأن تكونَ الخُطبة مستوفيةً لأركانها، وهي: حمد الله، والشهادتان والصلاة على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - والوصية بتقوى الله، وقراءة آية من القرآن.

كذلك يَنبغي لخُطباء الجوامع الاعتناءُ بالخطبة من ناحية التركيز على موضوع مُعيَّن والإعدادِ له؛ لاستيعاب جوانبه، مع الاعتناء بالخُطبة الثانية أيضًا، وعدم جَعْلها على وتيرةٍ واحدة، بلِ الأولى أن يجعلَها مناسبةً لموضوع الخُطبة الأولى، ومُكمِّلة لها.

 وممَّا يَنبغي لخُطباء الجوامع التَّنبُّهُ له: عدمُ إطالة الخُطبة إطالةً مُمِلَّة؛ فقد ورد في الحديث عن عمَّار بن ياسر قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((إنَّ طُولَ صلاة الرجل، وقِصرَ خُطبته مَئِنَّةٌ مِن فقهه، فأطيلوا الصلاةَ، واقْصُروا الخُطبة، وإنَّ من البيان سِحْرًا))[4]، ومعنى المئنة: العلامة والمظنَّة.

 وعن عبدالله بن أبي أَوْفى - رضي الله عنه - قال: "كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُكثِر الذِّكْر، ويُقِلُّ اللَّغْو، ويُطيل الصلاةَ، ويقصر الخُطبة، ولا يأنف أن يمشيَ مع الأرملةِ والمسكين، فيَقضيَ له الحاجة"[5].

ويَنبغي تجنُّبُ الخُطب التي عَفَى عليها الدهْر، والتي تعدَّاها منطقُ العصر وأوضاعُه، ويجب التركيزُ على دعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة السليمة؛ عقيدةِ السَّلف الصالِح، مع بيان عظمة الإسلام وكماله، وأنَّه صالح لكلِّ زمان ومكان؛ لتكونَ الخُطبةُ هادفةً تُعطي السامعَ عِظةً وعبرة من كلِّ حدثٍ يَجِدُّ على الساحة، وبذا يَجِدُ السامع في الخطبة متعةً يشتاق إليها وإلى استماعها، ويَرِقُّ لها قلبُه.

ويجب على خطيب الجُمُعة أن يلقيَ الخُطبة بصوت وحماس، وبذا يكون أداةَ تبيين وإرشاد، وتوعية ودعوة إلى الله، لا أداة تنويم وتمليل، أو تنفير عن الدِّين، و((كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا خَطَب، احمرَّتْ عيناه، وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبُه، حتى كأنَّه منذرُ جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم))[6]، وهذا يدلُّ على مشروعية تفخيم أمْر الخطبة، ورفْع الصوت بها، وأن يجزلَ كلامَه.


الإمامة الصحيحة:

الإمامةُ هي مسؤوليةُ الإمام الكبرى لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الإمام ضامنٌ، والمؤذِّن مؤتَمَن، اللهمَّ أَرْشِد الأئمة، واغفرْ للمؤذِّنين))[7]، فعليه أن يتحرَّى إتمامَ الصلاة، وإتقانَ أفعالها، وعدم إنقاص شيء منها؛ فعن عقبة بن عامر الجُهني - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((مَن أَمَّ قومًا؛ فإنْ أتمَّ، فلَه التمامُ ولهم التمام، وإن لم يتمَّ، فلهم التمامُ وعليه الإثم))[8]، وفي رواية أخرى: ((مَن أمَّ الناس فأصابَ الوقتَ وأتمَّ الصلاةَ، فله ولهم، ومَن انتقصَ من ذلك شيئًا، فعليه ولا عليهم))[9]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((يُصلُّون لكم؛ فإن أصابوا، فلكم ولهم، وإنْ أخطؤوا، فلكم وعليهم))[10]، وجاء أيضًا أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ثلاثةٌ على كُثْبان المِسْك: عبدٌ أدَّى حقَّ الله وحقَّ مواليه، ورَجلٌ أمَّ قومًا وهم به راضون، ورجلٌ يُنادِي بالصلوات الخمس في كلِّ يوم وليلة))[11].

والإمام يجبُ أن يكونَ مرضيًّا عنه أمامَ جماعته، غيرَ مكروه عندَهم؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ثلاثةٌ لا ترتفع صلاتُهم فوقَ رؤوسهم شبرًا: رجلٌ أَمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأةٌ باتتْ وزوجُها عليها ساخِط، وأَخوانِ متصارمان))[12].

والإمام مرشِد، وهو القدوةُ للمأمومين في الصلاة؛ فلا ينبغي له أن يُطيلَها كثيرًا كي لا يفتن الناس، ولا يجعلها كنَقْرِ الدِّيَكَةِ، وخَطْف الثعالب، بل يجب عليه أن يطمئنَّ ويعتدلَ في صلاته؛ فعن أبي مسعود البدريِّ قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تُجزئ صلاةُ الرجل حتى يقيم ظهرَه في الرُّكوع والسُّجود))[13].

 وعن أبي قتادةَ قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أسوأُ الناسِ سرقةً الذي يَسرِق من صلاته) قالوا: يا رسولَ الله، كيف يسرق مِن الصلاة؟ قال: ((لا يُتمُّ ركوعَها ولا سجودَها، أو لا يُقيمُ صلبَه في الركوع والسجود))[14].

والواجبُ أن يكونَ الإمام مؤهلاً عِلميًّا، سليمَ العقيدة، حتى لا يُضلِّلَ الناس في عقائدهم، عالِمًا بالفروع؛ كي يُصحِّحَ العبادات، ويُجيبَ على أسئلة المأمومين، وأن يكونَ نبيهًا صالِحًا، تقيًّا ورعًا زاهدًا، غير مجاهر بمعصية، يُطبِّق ما يقول؛ لأنَّ ذلك أدعى إلى قبول الموعظة منه.

تنبيهات:

 1- يَنبغي للإمام إذا سلَّم من صلاته ألاَّ ينصرفَ عن القبلة إلى المأمومين حتى يستغفرَ الله ثلاثًا، ويقول: ((اللهمَّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام))؛ لحديث عائشة، رواه مسلم.

2- إذا صلَّى النِّساء مع الرِّجال في المسجد، مَكَث الرِّجالُ قليلاً حتى ينصرفَ النساء؛ لحديث أُم سلمة، رواه البخاري.

3- ينبغي للإمام ألاَّ يُطيلَ الجلوس في مصلاَّه لحديث أُمِّ سلمةَ المتقدِّم ذِكرُه: أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - "كان يَمكُث في مكانه يسيرًا قبلَ أن يقوم"؛ رواه البخاري.


1- مسؤولية الإمام:

الإمام مسؤولٌ وضامن، وعليه أن يتحرَّى إتمامَ الصلاة، وعدم إنقاص شيء منها، والإتيان بها على وجهِها؛ فعن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((مَن أمَّ قومًا؛ فإن أتمَّ، فله التمام، ولهم التمام، وإن لم يتمَّ، فلهم التمام، وعليه الإثم))[15].

وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة: أنَّ رسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((يُصلُّون لكم؛ فإن أصابوا، فلكم ولهم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم)).

وقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاثةٌ على كُثْبان المسك: عبد أدَّى حقَّ الله وحقَّ مواليه، ورجلٌ أمَّ قومًا وهم به راضون، ورجلٌ يُنادِي بالصلوات الخمس في كلِّ يومٍ وليلة))[16].

فالإمام يجب أن يكون مرضيًّا عنه غير مكروه[17]؛ فعن ابن عباس عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ثلاثةٌ لا تُرفع صلاتُهم فوقَ رؤوسهم شبرًا: رجلٌ أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأةٌ باتتْ وزوجُها عليها ساخِط، وأخوانِ متصارمان))[18].

والإمام مرشِد، وراعٍ مسؤول عن رعيته، فهو الذي يتحرَّى الصلاةَ في الوقت، وهو الذي يتحرَّى القِبلةَ واتجاهَها، وهو الذي يُسوِّي الصفوفَ عمليًّا ويرصُّها، وهو الذي يعهد إلى أولى الأحلام والنُّهى أن يلوه في الصفِّ؛ ليحلُّوا محلَّه إذا أصابه عذر، أو يفتحوا عليه إذا الْتبستْ عليه القراءةُ، أو ينبهوه بالتسبيح إذا أخطأ.

 وهو الذي يأمرُ بسدِّ الخلل في الصفوف وبتقارُبِها، وهو الذي يأمر بتأخُّر النِّساء، وتَقدُّم الرجال في الصفوف؛ ففي "صحيح مسلم": ((خيرُ صفوف الرِّجالِ أوَّلُها وشرُّها آخِرُها، وخيرُ صفوف النِّساء آخرُها وشرُّها أوَّلها)).

 وهو الذي يَرقُب حركاتِ المصلِّين والمتوضئين ويُصحِّحها.

 والإمامُ هو القدوةُ في الصلاة، فلا يُطيلها كثيرًا؛ كي لا يفتن الناس، ولا يجعلها كنَقر الدِّيك[19]، بل يطمئنُّ ويعتدل، ويُسمِع صوتَه في الصلاة الجهريَّة، ويُرتِّل القرآن ترتيلاً حسنًا، ويقف على رؤوس الآي، فلا يصلها بما بعدَها، ويُحسِّن صوتَه بالقرآن[20]، ولا يتقعَّر، ولا يجعله غناءً، أو نواحًا، ولا يتخصَّر[21] ولا يلتفت[22] في صلاته، ولا يَقِف أعلى من المأمومين[23]، ويَنتظر إن أحسَّ داخلاً؛ ليدركَ فريضةَ الجماعة، ويمكث قليلاً بعدَ الصلاة كي ينصرفَ النِّساء.

فالإمام الحق: هو الذي يَقتدي برسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويفعل كما يفعل - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين كان يَؤمُّ الناس، فلقد روى ابن خزيمة في "صحيحه" عن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يأتي الصفَّ من ناحية إلى ناحية، فيَمسحُ مناكِبَنا أو صدورنا، ويقول: ((لا تختلفوا، فتختلفَ قلوبُكم))، وكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((إنَّ الله وملائكته يُصلُّون على الذين يَصِلُون الصفوفَ الأُولى))؛ رواه أبو داود.

وروى البخاري في "صحيحه" عن أنس قال: أُقيمت الصلاةُ، فأقبل علينا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بوجهِه، فقال: ((أقيموا صفوفَكم وتراصُّوا، فإنِّي أراكم مِن وراء ظهري) وفي رواية البخاري: ((فكان أحدُنا يُلزِق مَنكِبَه بمنكبِ صاحبه، وقدَمه بقدمِه) وفي روايةٍ عند أبي داود عن النعمان بن بشير: "فرأيتُ الرجل يُلزِق منكبَه بمنكب صاحبِه، ورُكبتَه بركبةِ صاحبه، وكعبَه بكعبه)) وسنده صحيح.

ويُشترطُ في الإمام - لا سيَّما إذا كان هو الخطيبَ أيضًا - أن يكون عالِمًا بالعقائد الصحيحة، حتى لا يزيغ، ويُضلِّل الناس، وعالِمًا بالفروع؛ كي يصحِّحَ العباداتِ، ويجيبَ عن أسئلةِ المأمومين، وعالِمًا باللُّغة العربية؛ كي يؤلِّف الكلامَ البليغ، والموعظة الحسنة، وأن يكون نبيهًا، فطنًا، وجيهًا تهابُه القلوب، وتُجلُّه العيون، صالِحًا تقيًّا، مهذَّبًا ورعًا، قنوعًا زاهدًا، غير مجاهر بمعصية، يفعلُ ما يقول، فذلك أدْعى إلى قَبولِ الموعظة منه والإرشاد[24].


ومما ينبغي للإمام:

إحياءُ دروس العِلم في المساجد؛ لأنَّ طلب العلم وتعليمَه فريضةٌ على كلِّ مسلم، لا سيَّما إذا كان ممَّن له ولايةٌ على أبناء المجتمع، كإمام المسجد إذا كان ممَّن آتاه الله - تعالى - حظًّا وافرًا من العِلم، فيجب عليه إذًا ألاَّ يبخلَ بعلمِه، وأن يُنيرَ الدَّرْب، ويضيءَ الطريق للراغبين في الخير والإصلاح، وأول ما يجب تعلُّمُه وتعليمه كتابُ الله، وسُنَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال  الله - تعالى -: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].

وقد حثَّ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على تعلُّمِ القرآن وتعليمه، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خَيرُكم من تعلَّم القرآنَ وعلَّمه))[25].

وقد وَعَى الصحابةُ ومَن جاء بعدهم من السلف الصالح هذه الأوامرَ، فكانوا يجعلون من بيوت الله مكانًا ومنطلقًا لتعليم الناس، وتبصيرهم بأمور دِينهم، ومن ذلك الحين والمسجدُ يُعتبرُ منارةَ الهدى، ومكانَ الإصلاح.

فجديرٌ بِمَن وَلِي هذه الولايةَ، وآتاه الله عِلمًا أن يقومَ بما أُنِيط به خيرَ قيام، وأن يشكر ربَّه على ما أنعمَ به عليه مِن نِعمة العِلم، وأن يُزكِّي هذه النعمةَ ببذْلها لِمَن يحتاجون إليها، وورد في الحديث: ((فضْلُ العالِم على العابد كفضلي على أدناكم، إنَّ الله وملائكتَه، وأهلَ السموات والأَرَضين، حتى النملة في جُحرِها، وحتى الحوت - لَيُصلُّون على مُعلِّم الناسِ الخيرَ))[26]، فعلى أئمَّة المساجد - وخصوصًا الجوامع - أن يَعُوا هذا الأمرَ، ويُعطوه حقَّه من العِناية والاهتمام.


وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون مع مراكز الهيئة:

وهناك أمرٌ مهمٌّ يجب التنبُّهُ له، والحرص عليه، ودعوةُ الناسِ إليه، وهو الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكر، فيجبُ على إمام المسجدِ أن يقومَ بهذا الأمر، وأن يتعاهدَ سُكَّان الحي بالنُّصْح والتوجيه والإرشاد، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ على كلِّ مسلِم، فيكونانِ متعيِّنَيْن على مَن يَعنِيه الأمرُ أكثرَ من غيره، كالإمام والمؤذِّن مثلاً، وفي المسجد آكدُ من غيره؛ لأنَّه مكانُ التعاون على البرِّ والتقوى، ومكان التناصُح، وهو مكانُ اجتماع المسلمين، وقد كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يأُمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتعاهَدُ أُمَّته بالنُّصْح والتوجيه؛ فقد روى مسلم عن أبي قتادة، قال: دَخلتُ المسجدَ ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - جالسٌ بينَ ظهراني النَّاس، قال: فجلستُ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما مَنَعَكَ أنْ تَرْكعَ رَكْعتَيْن قَبْلَ أنْ تَجْلِس؟) قال: فقلتُ: يا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: رَأيْتُك جالسًا والنَّاسُ جلوس، قال: ((فإذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ، فلا يَجْلِسْ حتَّى يَرْكعَ رَكْعَتَين))[27].

وكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى جانبِ أمره بالمعروف، ينهى عن المنكر حيثُ يراه، فمِن ذلك إنكارُه على المسيء صلاتَه، وقال له عدَّةَ مرَّات: ((ارجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) حتى قال له هذا الرجل: والَّذي بَعَثكَ بالحقِّ ما أُحْسِنُ غَيْرَ هَذا فَعَلِّمْنِي، فعلَّمه - صلَّى الله عليه وسلَّم - كيفيةَ الصلاةِ بقيامِها، وركوعِها، وسجودِها، وقعودِها[28]، ولَمَّا رأى - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجلاً وقد توضَّأ، وتَرَك على قدمِه مثل موْضع الظُّفر، قال له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ارْجِعْ فَأحسِنْ وُضُوءَك))[29].

 والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يُحَدُّ بِحَدٍّ، بل إنَّه من الواجب على إمام المسجد أن يُوسِّعَ دائرةَ هذه الوظيفِة، وألاَّ يحصرَها في المسجد، بل يتعاهد سُكَّان الحي بالنُّصْح والتوجيه والإرشاد والمتابعة الجادَّة، وأن يقومَ بالتنسيق والتعاون مع الجِهات المعنيَّة، كمراكز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراكز الدَّعوة، ومع عُمدةِ الحيِّ ونحوهم؛ لأنَّ المسلِمَ مأْمورٌ بالتعاون مع إخوانه المسلمين على البرِّ والتَّقوى، والتواصي بالحقِّ والصبر عليه؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَان﴾ [المائدة: 2]، وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ [سورة العصر].

كما أنَّ المسلِمَ واحدٌ بنفسه، كثيرٌ بإخوانه، فإذا وُجِدَ التعاونُ والتناصحُ والتكاتفُ مع الجهاتِ المعنيَّةِ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّه يزول من الشُّرور، ومن هذا المنطلق تحيا وظيفةُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نفوسِ الناس، ويَكْثر الخيرُ، ويقلُّ الشرُّ، وتحصل الخيرية لهذه الأُمَّة بعدَ قيامها بهذه الوظيفة، ويحصل المرادُ من قوله - تبارك وتعالى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110].

فالواجب على أئمَّةِ ومؤذِّني المساجد أن يتعاونوا بأنفسِهم مع مراكز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يَحثُّوا الناس على ذلك، وأن يبذلوا قصارَى جهدهم في هذا السبيل؛ لأنَّ الأجر والثواب لا يحصل إلاَّ بعد جهْد ومشقَّة، وصبر ومصابرة؛ كما قال - تعالى -: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].

فإذا تعاوَنَ الأفرادُ مع مراكز الهيئة، سَهُل القضاءُ على كثير من المنكرات، وزال الكثيرُ من المشاكل، وأصبح لهذه المراكز وقْعٌ في النفوس، ومن التصوُّرات الخاطئة لَدَى كثير من الناس، وخصوصًا بعض أئمَّة المساجد، والتي يجب تلافيها: تصوُّرهم أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقصورٌ على مراكز الهيئة، وأنَّه بوجودِ هذه المراكزِ ترتفعُ اللائِمةُ عنهم، وكذا تزولُ عنهم مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا لا شكَّ أنَّه تصوُّرٌ خاطئٌ، ومجانبٌ للصواب؛ لأنَّ كلَّ مسلمٍ يُعْتبَر مسؤولاً عن ثَغْر من ثُغُور الإسلام.

كما أنَّ لفظَ العمومِ الواردَ في الحديث الصحيح عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من قوله: ((مَن رَأى مِنْكُم مُنكَرًا فَلْيُغيِّرْه بِيَدِه، فإنْ لمْ يَستطعْ فبِلِسانِه، فإنْ لم يَسْتَطعْ فَبقَلْبِه، وذلكَ أضْعَفُ الإيمان))[30] يدلُّ على أن تغييرَ المنكر مسؤوليةُ كلِّ مسلِم، فليس الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر مقصورًا على رِجالاتِ الهيئة فحسبُ، وإن كان عليهم مسؤوليةٌ أعظم من غيرِهم، لكن يدخل في هذا الحديثِ كلُّ مسلِم، لا سيَّما أئمَّة ومؤذِّني المساجد.

فلو تكاتَف الناسُ، وتعاونوا، وشدَّ بعضُهم أزْرَ بعض، لكثُر الخير، وقلَّ الشرُّ واضمَحَلَّتِ المنكرات، وزال كثيرٌ من أسبابها.

فليتقِ الله كلُّ مسلِم، وليعملْ بقول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، ولْيَبْذُلْ مِن وقتِه، ومن جاهِه بالتعاون مع تلك المراكز، وكلُّ مشقَّةٍ تهونُ مع الصبر، واحتساب الأجر على الله.

والله الموفِّق للصواب، وصلَّى الله وسَلَّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.


2- مسؤولية الإمام والمأموم:

فمن مسؤوليات الإمام:

 أن يحرصَ على إكمال الصلاة، بحيثُ تكون مثلَ صلاة النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في أصحابه - رضي الله عنهم - فإنَّها أتمُّ صلاة وأخفُّها؛ كما قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: ((ما صليتُ وراءَ إمام قطُّ أخفَّ صلاةً، ولا أتم صلاةً من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم))[31]، فالإمامُ لو صلَّى وحدَه، لكان له الخيارُ بين أن يَقتِصر على أقلِّ الواجب في الصلاة، وبين أن يفعلَ أعلى مطلوب فيها، ولكنَّه إذا صلَّى بالجماعة، لم يكن مُخيَّرًا في ذلك، بل يجب عليه أن يُراعيَ مَن خلفَه، بحيث يتمكَّنون مِن فِعْل أدنى الكمال في صلاتهم؛ لأنَّه لا يصلِّي لنفسه فحسبُ، وإنَّما يصلِّي لنفسه ولِمَن خلفه، فليتقِ الله فيهم، ولا يَحْرِمْهم من فعْل أدني الكمال خلفَه، وإن ترقَّى إلى أن تكون صلاتُه كصلاة النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهو أكملُ وأطيب.

ومن مسؤوليات الإمام:

أن يَحرِصَ على إقامة الصُّفوف وتسويتها بالقوْل، وبالفعل إذا لم يُفِد القول، فيأْمرهم بتسويةِ الصُّفوف، وإقامتها، ويؤكِّد عليهم، ويتوعَّدهم على مخالفتها، ويُسوِّيها بيده إن لم ينفعْ ذلك، كما كان نبيُّنا وإمامنا وقدوتنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - يفعل ذلك؛ فعَن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((سَووا صفوفَكم، فإنَّ تسويةَ الصفِّ من تمام الصلاة))؛ متفق عليه، وللبخاري ((مِن إِقامة الصلاة))، ولأبي داود ((رُصُّوا صفوفَكم، وقارِبوا بينها، وحاذوا بالأعناق) وله من حديث ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أقيموا الصفوفَ، وحاذوا بين المناكِب، وسُدُّوا الخللَ، ولِينوا بأيدي إخوانكم، ولا تَذرُوا فُرجاتٍ للشيطان) يعني: الفضاء بين الرجلين، فإنَّ الشيطان يدخل فيه من بين أهل الصفِّ، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ومَن وَصَل صفًّا وصله الله، ومَن قطع صفًّا قطعه الله)).[32]

وفي "الصحيحين" عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: أُقيمَتِ الصلاة، فأقبل علينا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((أقيموا صفوفَكم وتراصُّوا))، وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُسوِّي صفوفَنا، حتى كأنما يُسوِّي بها القداحَ، حتى رآنا أنَّا قد عَقلْنا عنه، ثم خرج يومًا فقام، حتى كاد يُكبِّر فرأى رجلاً باديًا صدرُه من الصفِّ، فقال: ((عبادَ الله، لتُسوُّنَّ صفوفَكم، أو ليخالفنَّ بين وجوهكم) أي: بين قلوبكم - كما في روايةٍ لأبي داود - وهذا وعيدٌ شديد على مَن لا يُسوُّون الصفوف، أن يخالِفَ الله بين قلوبهم، فتختلف وجهاتِ نظرِهم، وتضيع مصالِحهم بسبب اختلافهم، وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتخلَّل الصفَّ من ناحيةٍ إلى ناحية يمسح صدورَنا ومناكبَنا، ويقول: ((لا تختلفوا، فتختلفَ قلوبُكم))[33]، وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُسوِّي - يعني: صفوفنا - إذا قمْنا للصلاة، فإذا استوينا كبَّر"؛ رواهما أبو داود[34].

فانظروا قوله: "فإذا استوينا كبَّر"، هذه الجملة الشرطية تجدوها صريحةً في أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يُكبِّر للصلاة حتى تستويَ الصفوف.

 ولقد أدركَ ذلك الخلفاءُ الراشدون، والأئمَّة المتَّبِعون لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ففي "الموطأ" عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "أنَّه كان يأمرُ بتسوية الصفِّ، فإذا جاؤوه فأخبروه أنْ قدِ استوت كبَّر، وكان قد وَكَّل رجالاً بتسويةِ الصفوف"، وقال مالك بن أبي عامر: "كنتُ مع عثمان بن عفَّان، فقامت الصلاة وأنا أُكلِّمه - يعني: في حاجة - حتى جاء رجالٌ كان قد وكَّلهم بتسوية الصفوف، فأخبروه أنَّ الصفوفَ قدِ استوتْ، فقال لي: استوِ في الصفِّ، ثم كبَّر".

فهذا فِعْل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وخلفائِه الراشدين، لا يُكبِّرون للصلاة حتى تستويَ الصفوف، أفليس من الجدير بنا أن يكونَ لنا فيهم أُسوةٌ أن نأمرَ بتسوية الصفوف وإقامتها، وأن ننتظرَ فلا نُكبِّر للصلاة حتى نراهم قد استوَوْا على الوجه المطلوب، وألاَّ نخشى في ذلك لومةَ لائم أو تضجُّر مُتضجِّر؟!

 لكن - مع الأسف - إنَّ كثيرًا من الأئمَّة - فَتَح الله علينا وعليهم - لا يُولِي هذا الأمرَ عنايةً، وغاية ما عندَه أن يقولَها كلمةً على العادة: استووا اعتدلوا، فلا يُشعِر نفسَه بالمقصود منها، ولا يُبالي مَن خلفه بها ولا يأتمرون بها، تجدُه يقول ذلك وهم باقون علي اعوجاجهم وتباعُدِ بعضهم عن بعض، ولو أنَّ الإمام شعر بالمقصود، ونظر إلى الصُّفوف بعينه، وانتظرَ حتى يراهم قد استووا استواءً كاملاً، ثم كبَّر - لبرئتْ ذِمَّتُه، وخرج من المسؤولية، هذه بعضٌ من مسؤوليات الإمام في إمامته.

 أمَّا المأموم: فإنَّه لو كان يُصلِّي وحده، لكان مُخيَّرًا بين أن يقتصر على أدنى واجب في صلاته، أو أن يُطوِّل فيها، ولكنَّه إذا كان مع الإمام، فقد ارتبطتْ صلاتُه بصلاة إمامه، فلا يجوز أن يتقدَّم على الإمام بالتكبير، ولا القيام، ولا القعود، ولا الرُّكوع، ولا السُّجود، ولا يأتي بذلك مع الإمام أيضًا، وإنَّما يأْتي بعدَه متابعًا له، فلا يتأخَّر عنه؛ قال النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أمَا يخشى الذي يرفع رأسَه قبلَ الإمام أن يُحوِّل الله رأْسَه رأْس حمار، أو يجعل صورتَه صورةَ حمار))[35]، وقال أيضًا: ((إنَّما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا رَكَع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لِمَن حمده، فقولوا: ربَّنَا ولك الحمد، وإذا سَجَد فاسجدوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون))[36].

ومن مسؤوليات المأموم: المحافظةُ على تسوية الصفوف، وأن يَحْذرَ من العقوبة على مَن لم يُسوِّها، وأن يحافظَ على المراصَّة فيها، وسدِّ خَللها، والمقاربة بينهما، ووصلها بتكميل الأوَّل فالأول، وأن يحذرَ من عقوبة قطْع الصفوف، فإنَّ من قطع صفًّا قطعه الله.

 وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لو يعلمُ الناس ما في النِّداء - يعني: الأذان - والصفِّ الأول، ثم لم يَجِدوا إلاَّ أن يَستَهِموا عليه - يعني: يقترعوا عليه - لاسْتَهمُوا) وقال: ((خيرُ صفوف الرِّجالِ أوَّلُها، وشرُّها آخِرُها))[37]، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أَتِمُّوا الصفَّ المقدَّم، ثم الذي يليه، فما كان من نَقْص، فليكنْ في الصفِّ المؤخَّر))؛ رواه أبو داود[38]، ورأى في أصحابة تأخُّرًا، وفي لفظ: رأى قومًا في مؤخَّرِ المسجد فقال: ((تقدَّموا فأتَمُّوا بي، وليأتمَّ بكم مَن بعدَكم، لا يزال قومٌ يتأخَّرون، حتى يُؤخِّرَهم الله))[39].

فهل ترضى أيُّها المسلم، لنفسك أن تكونَ في شرِّ الصفوف - وهو آخِرُ الصفوف - مع تمكُّنك من أوَّلِها؟! هل ترضى لنفسك أن تُعرِّضها للعقوبة بالتأخُّر عن مقدَّم الصفوف، حتى يؤخِّرَك الله في جميع مواقف الخير؟! هل ترضى لنفسك ألاَّ تَصُفَّ بين يدي ربِّك كما تَصُفُّ الملائكة عند ربِّها؛ يتراصُّون في الصفِّ، ويُكْمِلون الصفوف المقدَّمة؟! ما مِن إنسان يرضى لنفسه بذلك إلاَّ وقد رَضِي لها بالخسران.

قتقدَّموا أيُّها المسلمون، إلى الصفوف، وأكْمِلوا الأوَّلَ فالأول، وتراصُّوا فيها وتساووا، ولِينوا بأيدي إخوانكم إذا جَذبوكم لتسويةِ الصفِّ، أو التراصِّ فيها؛ لتتمُّوا صلاتَكم، وتَمتثِلوا أمرَ نبيِّكم؛ وتقتفوا أثرَ سلفِكم الصالح، ومَن وجد الصَّفَّ تامًّا، ولم يجد له مكانًا فيه، فليصلِّ خلفه، ولا حرج عليه، ومَن صلَّى وحدَه خلف الصف، وهو يَجِدُ مكانًا فيها، فلا صلاةَ له.

 وإذا اجتمع ثلاثةٌ فصلَّى بهم أحدُهم، فليتقَدَّم عليهم، وإذا كانوا يُصلُّون على بساط ونحوه لا يَتَّسِع لتقدُّم الإمام عليهم، فلْيصلُّوا صفًّا واحدًا، ويكون الإمام بينهما مساويًا لهما، أحدُهما عن يمينه والثاني عن يساره، وإذا اجتمع اثنانِ، وأرادَا الصلاة جماعة؛، صلَّى الإمام عن يسار المأموم، والمأْمومُ عن يمينه، مستويين لا يتقدَّم الإمامُ عن المأموم لا قليلاً ولا كثيرًا[40].


مما ينبغي للإمام:

يتعيَّن على كلِّ إمام مسجد أن يُذكِّر جماعته من الرجال والنساء، ويُرشدَهم لِمَا فيه صلاحُهم وفلاحهم في معاشهم ومعادهم، فإنَّ هذا من التعاون على البرِّ والتَّقوى، والتواصي بالحقِّ وبالصبر، فمِن أهمِّ المهمَّات، وأهمِّ الواجبات: الصلواتُ الخمس، فيتعيَّن الحثُّ عليها، والأمرُ بالمحافظة عليها جماعةً، وتَفقُّد المتخلِّفين عنها.

 فالإمام مسؤول عن هذا، فعليه أن يؤدِّيَ ما يستطيعه من الأمر بها، وبيانِ فَضْلها، وما يتعلَّق بها مِن بيان أركانها، وواجباتها، وشروطها، وبيانِ ما يجبُ لها من أركان الوضوء، وشروطه، ونواقضِه، ثم ما يستطيع بيانَه من الزكاة، ومحلها مِن الشريعة، وأنَّها أحدُ أركان الإسلام ومَبانِيه، ثم ما يستطيعه مِن بيان الصَّوْم، وأنَّ صوْم شهر رمضان أحدُ أركان الإسلام، وما يجب له، وما يُستحَبُّ فيه، وما يَحرُم على الصائم، وما يُكره في حقِّه على حسبِ استطاعته.

وكذلك ينبغي أن يَحُثَّ جماعتَه على المسارعة إلى الخيرات، واستدراك الوقت قبلَ الفوات[41].

حُكم صلاة مَن صلَّى بغير وضوء إمامًا وهو لا يعلم، أو عليه نجاسة لا يعلم بها، وحُكم صلاة مَن خلفه:

س: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن رجل صلَّى بغير وضوء إمامًا وهو لا يَعلمُ، أو عليه نجاسةٌ لا يعلم بها: فهل صلاتُه جائزة، أم لا؟ وإن كانتْ صلاتُه غيرَ جائزة، فهل صلاة المأمومين خلفَه تصحُّ؟ أفتونا مأجورين.

ج: فأجاب: أمَّا المأموم إذا لم يعلمْ بحَدَث الإمام أو النجاسة التي عليه حتى قُضِيتِ الصلاة، فلا إعادةَ عليه عندَ الشافعي، وكذلك عند مالك وأحمد، إذا كان الإمامُ غيرَ عالِم، ويُعيد وحدَه إذا كان مُحْدِثًا، وبذلك مضتْ سُنَّة الخلفاء الراشدين، فإنَّهم صَلَّوْا بالناس، ثم رأَوُا الجنابة بعدَ الصلاة فأعادوا، ولم يأْمروا الناسَ بالإعادة، والله أعلم[42].

حكم الجهر بالقراءة في المسجد:

س: وسُئل - رحمه الله -: ما يقول سيِّدُنا فيمَن يجهر بالقراءة، والناس يُصلُّون في المسجد السُّنَّة أو التحية، فيحصل لهم بقراءته جهرًا أذًى، فهل يُكره جهرُ هذا بالقراءة، أم لا؟

ج: فأجاب: ليس لأحدٍ أن يجهرَ بالقراءة، لا في الصلاة، ولا في غير الصلاة، إذا كان غيرُه يصلِّى في المسجد، وهو يُؤذِيهم بجهْرِه؛ بل قد خرج النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على الناس وهم يُصلُّون في رمضان، ويَجهَرُون بالقراءة، فقال: ((أيُّها الناسُ، كلُّكم يُناجي ربَّه، فلا يجهرْ بعضُكم على بعض في القراءة)).

وأجاب أيضًا - رحمه الله -: وليس لأحدٍ أن يجهرَ بالقراءة، بحيثُ يؤذي غيرَه كالمصلِّين[43].

حالات المأموم مع إمامه في صلاة الجماعة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه كلمةٌ في بيان حالات المأموم مع إمامه في صلاة الجماعة:

1- الحالة الأولى: المسابقة:

وهي أن يَتقدَّمه في التكبير، أو الرُّكوع، أو الرَّفْع من الركوع، أو السُّجود، أو السلام، وهذا الفِعْل لا يجوز، وقد ورد فيه الوعيدُ الشديد، كقوله: ((أمَّا يخشى أحدُكم إذا رَفَع رأسَه قبلَ الإمام أن يُحوِّل الله رأسَه رأسَ حِمار، أو يُحوِّل صورتَه صورةَ حمار؟!))؛ رواه الجماعة.

ولأنَّ الإمام هو قدوة المأموم، فلا يجوز التقدُّم عليه، وقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الإمام يركعُ قبلَكم، ويرفع قبلكم))؛ رواه مسلم، وقال أيضًا: ((لا تسبقوني بالرُّكوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالقعود، ولا بالانصراف))؛ رواه مسلم، وأحمد.

ولا خلافَ أنَّ المسابقة عمدًا تُبطِل الصلاة، وقد نقل الإمامُ أحمد - رحمه الله - في رسالته عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنَّه نظر إلى مَن سَبَق الإمام فقال: "لا وحدَكَ صليتَ، ولا بإمامِك اقتديت!"، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّه قال له: "لا صليتَ وحْدَك، ولا صليتَ مع إمامك، ثم ضَرَبه، فأمره أن يُعيدَ الصلاة".

فإن كانت المسابقة سهوًا بأن رَكَع قبلَ الإمام، أو سَجَد قبلَه، فإنَّ عليه أن يرجع ليأتيَ به بعدَه، فإن لم يفعل عالِمًا عامدًا بطَلَتْ صلاتُه، فإن كان جاهلاً أو ناسيًا، فقد عذَرَه الجمهور، وصحَّحوا صلاتَه لعُذْرِ الجهل والغفلة، وألْزموه بالمتابعة، ولكنَّ الإمام أحمد في رسالته يرى بطلانَ صلاتِه، حتى لو كان ساهيًا؛ لعموم الأحاديث.

2- الحالة الثانية: الموافقة:

وحقيقتها: أن تتوافقَ حركةُ الإمام والمأموم عندَ الانتقال من رُكنٍ إلى ركن، كركوعهما وسجودِهما سواء، وهذا أيضًا خطأٌ حيث لم يحصل الاقتداءُ الذي أمر به في قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّما جُعِل الإمام ليُؤتمَّ به، فإذا كَبَّر الإمام فَكبِّروا، ولا تُكبِّروا حتى يكبِّر، وإذا رَكَع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع...)) الحديث؛ رواه أحمد، وأبو داود.

فإن كانتِ الموافقةُ في التحريمة، بأن كبَّر للإحرام مع إمامه، أو قبلَ إتمام الإمام تكبيرته، فإنَّه لا تصحُّ عمدًا أو سهوًا، فإن كانتْ في غير التحريمة - تكبيرة الإحرام - فإنَّها تنعقدُ مع الكراهة، والنقْص في الاقتداء، والمسلِمُ يَبتعد عن كلِّ ما يُنقص صلاتَه أو يُبطِلُها.

3- الحالة الثالثة: المتابعة:

وهي الأمرُ المطلوب من المأموم، ويحصُل به الاقتداء المطلوب في الصلاة، وحقيقتها: أن تحصل أفعالُ المأموم عقبَ حركة إمامه؛ كما أمر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بذلك بقوله: ((إذا كبَّر الإمام فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رَفَع رأسَه وقال: سمع الله لِمَن حمده، فارفعوا وقولوا: ربَّنا ولك الحمد، وإذا سَجَد فاسجدوا))؛ رواه مسلم.

 ومعناه: أن تنتظروا الإمامَ حتى يكبِّرَ ويفرغ من تكبيرِه، ثم تُكبِّرون بعدَه، وعلى الإمام ألاَّ يمدَّ التكبير، فإنَّ المأموم قد يُسرِع بالتكبير فيفرغ قبلَ إمامه، فتبطل صلاتُه، وهكذا على المأموم أن يبقى قائمًا، حتى يركعَ الإمامُ، وينقطع صوتُه بالتكبير، ثم يَنحني للرُّكوع، ويبقى راكعًا، حتى يَتمَّ رَفْع الإمام من التسميع - سمع الله لمن حمده - ثم يرفع بعدَه، ثم يبقى منتصبًا حتى يُكبِّرَ إمامُه ويضع وجهه على الأرض، ثم ينحطُّ بعده، وكذا بقية أفعال الصلاة؛ كما قال البراء بن عازب - رضي الله عنه -: "كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا انحطَّ للسجود، لا يَحْني أحدٌ منَّا ظهرَه حتى يضعَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - جبهتَه على الأرض"؛ رواه مسلم، وهكذا، كأن يكونَ قائمًا، وهم سُجود بعدُ، ثم يتبعونه، فهذه حقيقةُ المتابعة التي تتمُّ بها الصلاة.

4- الحالة الرابعة: المخالفة:

معناها أن يتأخَّر المأمومُ عن إمامه، وقد عدَّ - اعتبر - العلماءُ هذه الحالةَ مثل المسابَقة؛ لِمَا فيها من تَرْك الاقتداء المأمور به، فإنْ تأخَّرَ حتى ركع الإمام ورفع عمدًا، بَطلتْ صلاتُه، فإنْ كان هناك عذرٌ - كنعاس، أو غفلة، أو عجلة الإمام - فإنَّه يركع بعدَه وتصحُّ صلاتُه، فإنْ تأخَّرَ حتى ركع الإمام، ورَفَع وسَجَد قبلَ ركوع المأموم عمدًا، بطلتْ صلاتُه، فإن كان سهوًا أو جهلاً، فالصحيح أنَّه يُعيدُ تلك الركعةَ التي فاته الاقتداءُ في معظمها.

فعلى المأموم أن يكونَ منتبِهًا مُقبِلاً على صلاته، حاضرَ القلب لِمَا يقول ويفعل، حتى يحصلَ منه الاقتداءُ الذي به تتمُّ صلاته، والله أعلم، وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتَبَها الفقير إلى عفو ربِّه

الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين


تنبيهات على بعض الأخطاء التي يفعلها بعض المصلين في صلاتهم:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعدَه، محمد وآله وصحبه.

وبعد، فنظرًا لأهميَّة الصلاة وعِظَمِ أمرها، وحرصًا على إكمالها بما تَبْرأ به الذِّمة، ويحصل به الأجرُ المترتِّب على أداء هذه العبادة، وحيثُ لوحظ أنَّ الكثير من العامَّة يخالفون التعليماتِ الواردةَ في صفة الصلاة - استدعى ذلك التنبيهَ على بعض تلك المخالفات التي تَنبَّه لها بعضُ الناصحين، ولو كان أغلبُها من سنن الصلاة ومكملاتها، وهي كما يلي:

1- الإسراعُ الشديد في المسير إلى المسجد، أو السَّعْي الشديد لإدراك الصلاة في المسجد، أو لإدراك الرُّكوع، وذلك يُفوِّت السكينة، واحترام الصلاة، ويُشوِّش على المصلِّين، وقد ورد في الحديث: ((إذا أُقِيمت الصلاةُ، فلا تأتُوها تَسعَوْن، وأتُوها تَمشُون وعليكم السَّكينة))؛ متفق عليه.

2- استعمالُ ما يُسبِّب الروائحَ المُنتِنةَ المستكرهة في مَشامِّ الناس؛ كالدُّخان، والنارجيلة – الشيشة - ممَّا هو أقبح من الكُرَّاث والثُّوم والبصل، الذي تتأذَّى منه الملائكة والمصلُّون، فعلى المصلِّي أن يأتيَ وهو طيِّب الرائحة، بعيدًا عن تلك الخبائث.

3- تَرْك رَفْع اليدين عندَ التحريمة - تكبيرة الإحرام - وعندَ الركوع، والرفع منه، وبعدَ القيام من التشهد الأول، وهو مِن سُنن الصلاة، وكذا رَفْع اليدين في تكبيرات الصلاة على الميِّت، والتكبيرات الزوائد في صلاة العيدين والاستسقاء.

4- كثيرٌ من الأئمَّة وغيرهم يتركون دعاءَ الاستفتاح للصلاة، والتعوُّذ والبسملة، أو بعض ذلك، أو التسمية (البسملة) في الركعة الثانية، وما بعدَها، وكلُّ ذلك من مندوبات (مستحبَّات) الصلاة.

5- يُكبِّر كثير من المسبوقين بعدَما ينحني راكعًا، إذا وجد الإمام في الرُّكوع، والأصل أن التحريمة (تكبيرة الإحرام) تُفعَل من قيام، ثم يركع بعدَها، ولو استعجل فترَك تكبيرةَ الركوع أجزأتْه صلاته، واكتفى بالتحريمة (تكبيرة الإحرام).

6- رَفْع البصر إلى السماء أثناءَ الصلاة، أو النظر إلى الإمامِ، أو عن اليمين والشِّمال ممَّا يُسبِّب السَّهْو وحديث النفس، وقد وردَ الأمر بخفضِ البصر، والنظرِ إلى مَوْضع السُّجود.

7- كثرةُ الحركة أثناءَ الصلاة؛ كتشبيك الأصابع، وتنظيف الأظافر، والتحريك المستمرِّ للقدمين، وتسوية العمامة (الغترة) أو العقال، والنظر في الساعة، ورَبْط الأزرار، ونحو ذلك ممَّا يُبطِل الصلاة، أو ينقص الثواب.

8- مسابقةُ الإمام، أو موافقته، أو التأخُّر عنه في الركوع والسجود، والرفْع والخفْض، فيجب الانتباه لذلك.

9- القراءةُ في المصحف، أو متابعة الإمام في المصحف في التراويح ونحوها لغير حاجَةٍ؛ لِمَا فيه من العبث، فإن كان فيه فائدةٌ كالفتح على الإمام أو نحوه، فلا مانعَ بقدرِ الحاجة.

10- التحديبُ في الرُّكوع، أو تدلية الرأس، وقد ورد النهي عن تحديبِ الظهر؛ أي: تقويسه، فإنَّ الراكع يسوي ظهرَه، ولا يرفع رأسه ولا يخفضه.

11- عدم التمكُّن من السُّجود، ورفْع بعضِ الأعضاء عن الأرض، كمَن يَسجُدُ على كور العمامة - أي: على مقدمة رأسه - ولا تمسُّ جبهتُه الأرض، أو يسجد على جبهتِه ويرفع أنفَه، أو يرفع قدميه عن الأرض، فلا يكون ساجدًا إلاَّ على خمسة أعضاء، مع أنَّ أعضاء السُّجود سبعةٌ معروفة؛ كما في الحديث[44].

12- تَرْك التجافي في السُّجود، وصِفة التجافي المطلوب: أن يرفعَ بطنَه عن فخذيه، ويُبعد عَضُدَيْه عن جنبيه بقَدْرِ ما يُمكنه، ولا يضايق مَن يليه، وأن يرفعَ ذِراعيه عن الأرض، ويضعَ كفَّيه حذاءَ منكبيه، لا حذاء رُكبتيه، لكن لا يُبالِغ في التجافي كثيرًا، فيمدُّ صلبَ ظهره كهيئة المضطجع على بطنِه، بحيث يصلُ رأسه إلى الصفِّ الذي أمامه، ويُكلِّف نفسه بهذا الامتداد.

13- تخفيف كثيرٍ من الأئمَّة لأركان الصلاة، بحيث لا يتمكَّن المأموم من المتابعة، ولا مِن الإتيان بالذِّكْر الواجب، وهو خلاف الطُّمأنينة الواردة في الحديث، فلا بدَّ من المكوث في الرُّكوع، أو السُّجود بقدر ما يتمكَّن المأموم من التسبيح ثلاثَ مرَّات مع التؤدة، وعدم العَجَلة.

14- فعْل التورُّك في الثنائيَّة، كالفجر والجمعة والنافلة، أو تَرْكه في الرباعيَّة أو الثلاثية في التشهد الأخير منها، وإن كان فعلُه وتركه جائزًا، لكن العمل بالسُّنَّة أفضل، وهو أن يكون التورُّك في التشهد الأخير في الثلاثية أو الرباعية، على ألاَّ يضايقَ مَن بجانبه من المصلِّين.

15- التحريك المستمرُّ للسبابة أو غيرها من الأصابع أثناءَ التشهد، وهي إنَّما يُشار بها مَرَّة أو مرتين عندَ الشهادتين، أو عند ذِكْر اسم الله ونحوه.

16- تحريك الكفَّين عندَ الخروج من الصلاة من جهة اليمين، أو من الجِهتَين عندَ الالْتفاتِ للسلام، وقد كان الصحابة يفعلونَه، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما لي أراكم ترفعونَ أَيديَكم كأنَّها أذناب خيل شُمس؟!)) فتركوا الرفْعَ، واكتَفَوا بالالتفات؛ رواه أبو داود، والنسائي.

17- كثيرٌ من الناس الذين لا يَلبسُون الثيابَ السابغة، وإنَّما يلبس أحدُهم السراويل وفوقَه جُبَّة (قميص) على الصدر والظهر، فإذا رَكَع تقلَّصت الجبة، وانحسرتِ السراويل، فخَرج بعضُ الظَّهر، وبعض العَجُز، ممَّا هو عورة، بحيث يراه مَن خلفه، وخروج بعضِ العورة يُبطِل الصلاة.

18- كثيرٌ من المصلِّين يمدُّون أيديَهم لمصافحة مَن يليهم، وذلك بعد السلام من الفريضة مباشرةً، ويدعون بقولهم: تقبَّل الله، أو حرمًا، وهذا بدعةٌ لم تُنقل عن السَّلَف.

19- القيام مباشرةً بعدَ السلام، وتَرْك الأذكار المشروعة بعدَ الصلاة، كالتسبيح والتحميد والتكبير ونحوها، وللشيخ ابن باز - رحمه الله - رسالة في الأذكار الواردة بعد الصلوات المكتوبة، فلتراجع[45].

20- يعتادُ بعضُ الناس رَفْعَ الأيدي للدُّعاء بعد السلام من المكتوبة مباشرةً، وترْك الأذكار المشروعة، وهذا خلاف السُّنَّة، وإنما يشرع الدعاءُ بعدَ الفراغ من الأذكار، فهو مِن مظانِّ إجابة الدعاء، وكذا الدعاء بعدَ النوافل، والله أعلم.

كتبها الفقير إلى عفو ربه

فضيلة الشيخ: عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين


مسائل في السهو في الصلاة:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد الذي بلَّغ البلاغ المبين، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

أما بعد:

فإنَّ كثيرًا من الناس يجهلون كثيرًا من أحكام سجود السَّهْو، فمنهم من يتركُ السُّجود في موضعِه، ومنهم من يسجُدُ في غير موضع السجود، ومنهم من يسجد قبلَ السلام، كلَّما سها، وإن كان موضعُ السُّجود بعد السلام، حتى أصبح السجود للسهوِ بعدَ السلام أمرًا مستنكرًا غريبًا لدى أكثر المصلِّين، ولهذا فإنِّي أُقدِّم لإخواني بعضًا من أحكام هذا الباب، راجيًا من الله أن يفتحَ بها، وينفع بها عِبادَه، والله الموفق.

وقد جعلت الكلام في خمس مسائل يكثر وقوعها:

المسألة الأولى: إذا نسي فسلَّم قبلَ تمام صلاته، ثم تذكَّر أو ذُكِّر، فإن كان ذلك بعد زمن قليلٍ لا يتجاوز خمس أو أربع دقائق مثلاً، فإنَّه يكمل صلاتَه، ويُسلِّم منها، ثم يسجد للسهو بعدَ السلام، سجدتَين ويُسلِّم بعدهما مرَّة ثانية، وإن لم يتذكَّر إلاَّ بعدَ أن طال الزمن، فإنَّه يُعيد الصلاةَ من جديد؛ لتعذُّر بناء آخرِها على أولها، دليل ذلك:

ما ثَبَت في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: أنَّ النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلَّى بهم الظُّهرَ، أو العصر فسلَّم من ركعتَين، فخرج السرعان من أبواب المسجد يقولون: قصرتِ الصلاة، وقام النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى خَشبةٍ في المسجد، فاتَّكأَ عليها كأنَّه غضبان، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أنسيتَ أم قصرتِ الصلاة؟ فقال النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لم أنسَ ولم تقصر) فقال الرجل: بلى قد نسيت، فقال النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - للصحابة: ((أحقٌّ ما يقول؟)) قالوا: نعم، فتقدَّم النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فصلَّى ما بقي من صلاته، ثم سَلَّم، ثم سجد سجدتَين، ثم سَلَّم".

المسألة الثانية: إذا زاد في الصَّلاة قيامًا أو قعودًا، أو ركوعًا أو سجودًا سهوًا، فإنَّه يسجد للسهوِ بعدَ السلام، ودليل ذلك ما رواه عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلَّى الظهر خمسًا، فقيل له لَمَّا سلَّم: أَزِيدَ في الصلاة؟ قال: ((وما ذاك؟) قالوا: صليتَ خمسًا، فسجد سجدتين، وفي رواية: "فثنى رِجليه، واستقبل القِبلةَ، فسجد سجدتَين، ثم سلَّم".

وإذا قام المصلِّي إلى الركعة الزائدة فتذكَّر أو ذُكِّر وهو في أثنائها، فإنَّه لا يجوز له أن يستمرَّ فيها، بل يجب عليه أن يجلسَ في الحال، ويقرأ التشهد الأخيرِ، ثم يُسلِّم، ثم يسجد للسهو ويسلم؛ لأنَّه لا يجوز للإنسان أن يَزيدَ في صلاة على العدد المحدود شرعًا.

المسألة الثالثة: إذا نسي التشهدَ الأول، ونهض حتى استتمَّ قائمًا، فإنَّه لا يرجع، بل يستمرُّ في صلاته، ويسجد للسهو قبلَ السلام، وإن تذكَّر أو ذُكِّر بعد نهوضه، وقبل أن يستتمَّ قائمًا، فإنَّه يرجع، ويقرأ التشهد، ثم يكمل صلاتَه، وإن تذكَّر أو ذُكِّر قبلَ أن ينهض؛ يعني: أنَّه رفع من السُّجود يريد القيامَ، ولكنَّه تذكَّر أو ذُكِّر قبل أن ينهضَ فخذيه عن ساقيه، فإنه يستقرُّ في الجلوس وجوبًا ويأتي بالتشهُّد، ثم يكمل صلاتَه ولا يسجد للسهوِ في هذه الحالة؛ لأنَّه لم يأتِ بزيادة، ولا نقص في صلاته.

ودليل السُّجود لترْك التشهد:

الأول: ما رواه البخاريُّ وغيرُه عن عبدالله بن بُحَينة - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلَّى بهم الظهرَ، فقام في الركعتَين الأوليين، ولم يجلسْ، فقام الناس معه، حتى إذا قضَى الصلاة، وانتظر الناسُ تسليمَه كبَّر - وهو جالس - وسَجَد سجدتَين قبلَ أن يُسلِّم، ثم سلَّم".

ومِثل ذلك إذا نسي شيئًا من واجبات الصلاة، مثل أن يَنسى قولَ: "سبحان ربِّي العظيم" في الركوع، أو قول: "ربَّنا ولك الحمد" في الرَّفْع منه، أو قول: "سبحان ربِّي الأعلى" في السجود، فإنَّه يسجد للسهو قبلَ السلام؛ جبرًا لِمَا نقص من صلاته بترْك الواجب.

المسألة الرابعة: إذا نسي سجدةً من إحدى الركعات، حتى قام إلى الركعة التي تليها، فإنَّه يجب عليه أن يرجعَ إلى الركعة السابقة ليأتيَ بالسجدة التي نَسِيَها، ثم يُكمِل صلاتَه، ويسجد للسهو قبلَ أن يُسلِّم، فإن لم يتذكَّر حتى وصل إلى موضعها من الركعة التي تليها، فإنَّه يلغي الركعة السابقة، وتقوم التي تليها مقامَها، فيكمل عليها صلاتَه، ويسجد للسهو بعدَ السلام.

مثال ذلك: إنسانٌ تَرَك السجدة الثانية من الركعة الأُولى سهوًا، فلمَّا قام إلى الركعة الثانية تذكَّر، أو ذِكِّر قبل أن يَصِلَ إلى محلِّ السجود الثاني من الركعة الثانية، فإنَّه يرجع إلى الركعة الأولى، ويأتي بسجدتها التي نسيها، ثم يقوم إلى الركعة الثانية؛ ليُتمَّ صلاته، ويسجد للسهو بعدَ السلام، وإن قام إلى الركعةِ الثانية، ولم يتذكَّر إلاَّ بعدَ السجدة الأولى منها، فإنَّ الركعة الأولى تُلغى، وتقوم الركعة الثانية مقامَها، فتكون هي الأولى، يُكمِل عليها صلاتَه، ويسجد للسهو بعدَ السلام.

المسألة الخامسة: إذا شكَّ في عدد الركعات: هل صلَّى ركعتين أو ثلاثًا؟ فإن ترجَّح عنده أحدُ الأمرين عَمِل بالراجح، وأتمَّ عليه صلاته، ثم سلَّم، وسجد للسهوِ بعدَ السلام.

مثال ذلك: إنسان يُصلِّي الظهر، فلمَّا كان في الركعة الثانية شكَّ هل هي الركعة الثانية أو الثالثة، وترجَّح عنده أنَّها الثانية، فيجعلها الثانية وليأْتِ بركعتين، ثم يُسلِّم، ثم يسجد للسهو بعدَ السلام، ويسلِّم له، وإن ترجَّح عنده أنها الثالثة جعلها الثالثة، وأتى بركعة واحدة، ثم سلَّم وسجد للسهو بعدَ السلام.

ودليل ذلك ما ثبت في "الصحيحين" وغيرِهما من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا شَكَّ أحدكم في صلاتَه، فليتحرَّ الصواب)).

وفي رواية: ((فلينظرْ أقربَ ذلك إلى الصواب، فليتمَّ عليه، ثم يسلِّم، ثم ليسجدْ سجدتين، وإن لم يترجح عنده شيء، فإنه يعمل بالأقلِّ، فيتمُّ عليه، ويسجدُ سجدتَين قبلَ أن يُسلِّم)).

مثاله: إنسان يُصلِّي الظهر، فلمَّا كان في الركعة الثانية شكَّ: هل هي الثانية أو الثالثة؟ ولم يترجَّحْ أحدُ الأمرَين، فيجعلها الثانية، وليأْتِ بركعتين، ثم يسجد للسهو قبلَ أن يُسلِّم.

ودليل ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا شكَّ أحدُكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلَّى؛ ثلاثًا أم أربعًا، فليطرحِ الشكَّ، ولْيبنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتَين قبلَ أن يُسلِّم))؛ رواه أحمد، ومسلم.

واعلم أنَّه إذا حصل الشكُّ بعد فراغ الصلاة والسلام منها، فإنَّه لا يلتفت إليه، والأصل وقوعُ الصلاة على الصواب، كما لو تَيقَّن الطهارة وشكَّ في الحَدَث، فإنَّه لا يلتفت إلى هذا الشكِّ إلاَّ إذا تيقَّن أن في الصلاة زيادةً أو نقصًا، فليعملْ بمقتضى يقينه، والله أعلم.

فائدة:

عُلِم مما سبق أنَّ السجود للسهو كله قبلَ السلام، إلاَّ في موضعَين:

أحدهما: إذا زاد في صلاتِه، ومنه إذا سلَّم قبلَ تمام صلاته ناسيًا، ثم ذكر قريبًا وأتمَّها، فإنَّه يسجد للسهو بعدَ السلام.

الثاني: إذا شكَّ في عدد الركعات، وترجَّح عندَه أحدُ الأمرين، فإنَّه يعمل بالراجح، فيتمُّ عليه، ويسجد للسَّهو بعدَ السلام، والله أعلم.

وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وآله وصحبه وسلَّم.

قاله كاتبه: محمد الصالح العثيمين.


فتوى في حكم القنوت في صلاة الفجر:

سؤال وجواب من الفتوى رقم 2222وتاريخ 29/11/1398هـ

س: قراءة القنوت في صلاة الصبح، وقراءة القنوت في صلاة الوِتر؛ هل هو جائز، أم لا؟

ج: أمَّا القنوتُ في الوتر، فمستحبٌّ؛ لحديث الحسن بن على - رضي الله عنهما - قال: علَّمني رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كلماتٍ أقولهنَّ في قنوت الوتر: ((اللهمَّ اهدني فيمَن هديت، وعافني فيمَن عافيت، وتولَّني فيمَن توليت، وبارك لي فيمَا أعطيت، وقِنِي شرَّ ما قضيت، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنَّه لا يذلُّ من واليتَ، ولا يَعِزُّ مَن عاديت، تباركتَ ربَّنا وتعاليت))؛ رواه الخمسة.

أمَّا القنوت في الصبح وفي غيرها من الصلوات الخمس، فلا يُشْرع، بل هو بدعةٌ، إلاَّ إذا نَزَل بالمسلمين نازلةٌ من عدوٍّ، أو غرق، أو وباء، أو نحوها، فإنَّه يُشرعُ القنوت لرَفْع ذلك؛ لأنَّ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَنَتَ في الصلوات يدعو على أحياء من العرب قتلوا بعضَ أصحابه - رضي الله عنهم - والأكثر أنَّ ذلك كان منه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في صلاة الفجر بعدَ الرُّكوع من الركعة الثانية، أمَّا اتِّخاذه دائمًا في الصبح فهو بدعة، وإن قال به بعضُ أهل العلم؛ لأنَّ ذلك لم يُحفظْ عن النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وإنَّما جاء في أحاديثَ ضعيفة.

 وروى أحمدُ وأهل السُّنن بإسناد جيِّد عن سعد بن طارق الأشجعي، قال: "قلت لأبي: إنَّك قد صليتَ خلفَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - رضي الله عنهم - أفكانوا يَقنتُون في الفجر؟ فقال: أي بُنيَّ، مُحْدَث".

وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وآله وصحبه وسلَّم.

اللجنة الدائمة

عضو

نائب رئيس اللجنة

الرئيس

عبدالله بن غديان

عبدالرازق عفيفي

عبدالعزيز بن عبدالله بن باز


حكم إمامة من يشرب الدخان:

س: يسأل أحدُ الإخوة عن حُكمِ شُرْب الدُّخَان، وحُكم إمامة مَن يُجاهِر بذلك؟

ج: قد دلَّت الأدلةُ الشرعيَّة على أنَّ شُرْب الدخان من الأمور المحرَّمة شرعًا؛ وذلك لِمَا اشتمل عليه من الخبث والأضرار الكثيرة، والله - سبحانه - لم يُبحْ لعباده من المطاعم والمشارب إلاَّ ما كان طيِّبًا نافعًا، أما ما كان ضارًّا لهم في دِينهم، أو دنياهم، أو مُغيِّرًا لعقولهم، فإنَّ الله - سبحانه - قد حرَّمه عليهم، وهو - عزَّ وجلَّ - أرحمُ بهم من أنفسهم، وهو الحكيم العليم في أقواله وأفعاله، وشَرْعه وقَدَره، فلا يُحرِّم شيئًا عبثًا، ولا يخلق شيئًا باطلاً، ولا يأمر بشيء ليس لعباد فيه فائدة؛ لأنَّه - سبحانه - أحكمُ الحاكمين، وأرحم الراحمين، وهو العالِم بما يُصلِح العبادَ وينفعهم في العاجل والآجل؛ كما قال - سبحانه -: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 128]، وقال - عزَّ وجلَّ -: ﴿إنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: 1]، والآياتُ في هذا المعنى كثيرة.

ومن الدلائل القرآنية على تحريم الدُّخَان: قولُه - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم في سورة المائدة: ﴿يَسْألُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4]، وقال في سورة الأعراف في وصْف نبيِّنا محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ...﴾ الآية [الأعراف: 157].

 فأوضح - سبحانه - في هاتين الآيتَين الكريمتين أنَّه - سبحانه - لم يُحلَّ لعباده إلاَّ الطيبات، وهي الأطعمة والأشربة النافعة، أمَّا الأطعمة والأشربة الضارَّة، كالمسكرات، والمخدِّرات، وسائر الأطعمة والأشربة الضارَّة في الدِّين، أو البدن، أو العقل - فهي من الخبائث المحرَّمة.

 وقد أجمع الأطباءُ وغيرهم من العارفين بالدُّخَان وأضراره: أنَّ الدخان من المشارِب الضارَّة ضررًا كبيرًا، وذكروا أنَّه سبب لكثير من الأمراض، كالسرطان، وموت السكتة، وغير ذلك، فما كان بهذه المثابة فلا شكَّ في تحريمه، ووجوب الحذر منه.

فلا ينبغي للعاقل أن يغترَّ بكثرة مَن يشربه؛ فقد قال الله - تعالى - في كتابه المبين: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَإنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام : 116]، وقال - عز وجل -: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلاَّ كَالْأنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: 44].

أمَّا إمامة شارِب الدُّخَان وغيره من العُصاة في الصلاة، فلا ينبغي أن يُتَّخذ مثلُه إمامًا، بل المشروع أن يُختارَ للإمامة الأخيارُ من المسلمين، المعروفين بالدِّين والاستقامة؛ لأنَّ الإمامة شأنُها عظيم، ولهذا قال النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعْلمُهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السنَّة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سِلْمًا))؛ الحديث رواه مسلم في "صحيحه".

وفي "الصحيحين" عن النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال لمالك بن الحويرث وأصحابه: ((إذا حضرتِ الصلاة فليؤذِّن لكم أحدُكم وليؤمَّكم أكبرُكم))، لكن اختلف العلماء - رحمهم الله -: هل تصحُّ إمامةُ العاصي، والصلاة خلفَه؟ فقال بعضهم: لا تصحُّ الصلاة خلفَه؛ لضَعْف دِينه، ونقص إيمانه، وقال آخرون مِن أهل العلم: تصحُّ إمامته والصلاة خلفَه؛ لأنَّه مسلم قد صحَّت صلاتُه في نفسه، فتصحُّ صلاةُ مَن خلفَه، ولأنَّ كثيرًا من الصحابة صلَّوْا خلف بعض الأُمراء المعروفين بالظُّلم والفسق، ومنهم ابن عمر - رضي الله عنهما - قد صلَّى خلف الحَجَّاج وهو من أظلم الناس، وهذا هو القول الراجح، وهو صِحَّة إمامته والصلاة خلفه؛ لكن لا ينبغي أن يُتَّخذ إمامًا مع القدرة على إمامة غيره من أهل الخير والصلاح.

 وهذا جوابٌ مختصر أردْنا منه التنبيهَ على أصْل الحكم في هاتين المسألتين، وبيان بعضِ الأدلة على ذلك، وقد أوضح العلماءُ حُكمَ هاتين المسألتين، فمن أراد بسط ذلك وجده، والله المسؤول أن يُصلِحَ أحوال المسلمين، ويوفقهم جميعًا للاستقامة على دِينه، والحذر ممَّا يخالف شرعه، إنَّه جواد كريم.

 وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وآله وصحبه.

مجلة الدعوة - عدد 1078 - بتاريخ 11 / 6 / 1407 هـ

الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز


فتوى في حكم إمامة الحليق للصلاة*:

صادرة برقم 1640 وتاريخ 7/8/1397هـ عن رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية.

وفيما يلي نص الفتوى:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه وبعد:

فقد اطلعتِ اللجنةُ الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدَّم من... إلى سماحة الرئيس العام، والمحال إليها من الأمانة العامة برقم 257/2 وتاريخ 24/6/1397هـ، ونصُّه:

س: رجل حالِقٌ لحيتَه، خطيب في الجامع، هل ترون أن نُصلِّي وراءَه؟ بَيِّنوا تؤجروا.

وقد أجابتِ اللجنة بما يلي:

ج: حَلْق اللحية حرامٌ؛ لِمَا رواه أحمد والبخاري، ومسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((خالِفوا المشركين، وَفِّرُوا اللِّحى، وأحْفُوا الشوارب)).

ولِمَا رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((جُزُّوا الشوارب، وأَرْخُوا اللِّحى، خالِفوا المجوس)).

والإصرار على حَلْقها من الكبائر[47]، فيجب نُصحُ حالِقها، والإنكار عليه، ويتأكَّد ذلك إذا كان في مَرْكز قيادي دِيني[48]، وعلى هذا إذا كان إمامًا لمسجد، ولم ينتصح وَجَب عَزلُه [49] إن تيسَّر ذلك، ولم تحدث فتنة، وإلا وجبتِ الصلاة وراءَ غيره من أهل الصلاح على مَن تيسَّر له ذلك؛ زجرًا له، وإنكارًا عليه، إن لم يترتبْ على ذلك فتنة، وإن لم يتيسَّر الصلاة وراءَ غيره، شُرِعت الصلاة وراءَه؛ تحقيقًا لمصلحة الجماعة[50].

وإن خِيف من الصلاة وراءَ غيره حدوث فتنة، صلَّى وراءَه؛ درءًا للفتنة، وارتكابًا لأخفِّ الضررَين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وآله وصحبه وسلم.

                   عضو

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

نائب رئيس اللجنة

الرئيس

عبدالله بن قعود

عبدالله بن غديان

عبدالرزاق عفيفي

عبدالعزيز بن عبدالله بن باز


من الكتب التي تناسب قراءتها على الجماعة في المساجد والمجالس وغيرها:

1- "تفسير ابن كثير"، أو أحد مختصراته، وهو من التفاسير الصحيحة المعتمَدة.

2- "تفسير ابن سعدي"، أو مختصره، وهو تفسير سلفي عصري، يُعْنى بالمعاني والأحكام.

3- "رياض الصالحين"؛ للنووي، وهو كتاب عظيم، لا يستغني عنه مُسلِم.

4- "مشكاة المصابيح"؛ للخطيب التبريزي، وأصلها للبغوي من أهمِّ الكتب.

5- "الترغيب والترهيب"؛ للمنذري، وهو مجهول القدر.

6- "المنتقى من أخبار المصطفى"؛ لمجد الدين ابن تيميةَ في أحاديث الأحكام.

7- " كتاب الكبائر"؛ للذهبي، يشتمل على سبعين كبيرة وَقَع فيها كثير من الناس.

8- "موارد الظمآن"؛ لابن سلمان، وهو يُعتبر موسوعةً وعظية - أربعة أجزاء.

9- "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"؛ لابن القيم، في آثار وأضرار الذنوب والمعاصي.

10- "زاد المعاد في هدي خير العباد"؛ لابن القيم، ويُعتبر موسوعةً علميَّة يشتمل على الأحكام، والسِّيرة النبوية، والطِّبِّ النبوي.

11- "بهجة الناظرين فيما يصلح الدنيا والدين"؛ للمؤلف.

12- "الثِّمار اليانعة من الكلمات الجامعة"؛ للمؤلف.

13- "بلوغ المرام من أدلة الأحكام"؛ لابن حجر العسقلاني في أحاديث الأحكام.

14- "جامع العلوم والحِكم"؛ لابن رجب.

15- "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف"؛ لابن رجب.

16- "مختصر منهاج القاصدين"؛ لابن قدامة.

17- "موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين"؛ للقاسمي.

18- "غذاء الألباب شرح منظومة الآداب"؛ للشيخ محمد السفاريني، ذَكَر أنَّه جَمَعه من أكثر من ثلاثمائة كتاب.

19- "دواء القلوب الموصل لحضرة علاَّم الغيوب"؛ للشيخ محمد بن عباد.

20- "الآداب الشريعة"؛ لابن مفلح.

21 - "التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح"، مختصر صحيح البخاري للزبيدي.

22- مختصر صحيح مسلم للمنذري.

23- "اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان"؛ لعبدالباقي.

24- "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد"؛ للشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ.

25- "إصلاح المجتمع"؛ لمحمد بن سالم البيحاني، شرح مائة حديث من الجوامع بأسلوب رائع.

26- "معارج القَبول شرح سلم الوصول"؛ للشيخ حافظ الحكمي في التوحيد.

27- "بهجة قلوب الأبرار بشرح جوامع الأخبار"؛ شرح لتسعة وتسعين حديثًا لابن سعدي.

28- "الرياض الناضرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة"؛ للشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله.

29- "الكواكب النيِّرات في المنجيات والمهلكات"؛ للمؤلف، في تفسير الآيات الجامعة في التوحيد، وفي أوصاف المؤمنين، وشرْح لسبعة عشر حديثًا من الأحاديث الجوامع.


صلاة الجمعة وخطبتها:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

لقد شَرَع الله للمسلمين الاجتماعَ في يوم الجمعة؛ لأداء صلاة الجُمُعة في المسجد الجامع، يجتمع فيه سُكَّان الحي فيتعارفون، ويتآلفون، ويُسلِّم بعضُهم على بعض، وتتكوَّن فيما بينهم أسبابُ المحبَّة والإخاء والمودة.

وجَعَل الله الجُمُعةَ إلى الجُمُعة كفَّارةً لِمَا بينهما إذا اجتُنبتِ الكبائر، وشَرَع للإمام بهذا الاجتماع أن يخطبَ بهم خطبةً تناسب الحال، وتعالِج المشاكل الحادثة في أثناء الأسبوع الماضي.

لذا؛ ينبغي للخُطباء - وفقهم الله - أن يُراعوا المناسباتِ في خُطبهم؛ ليكونَ لها وقْعٌ وفائدة ملموسة، وقد أوجب الله على المؤمنين الإنصاتَ والاستماعَ للخطبة، وحَرَّم الكلامَ والإمامُ يخطب؛ ليتَّجه السمعُ والبصر، والعقل والفكر إلى الخُطبة، فيتأثَّر السامع بما يسمعُ من أمْرٍ ونهي، ووعد ووعيد، وترغيب وترهيب، وحَلاَل وحرام.

لهذا؛ ينبغي للخطيب أن يَنتهزَ الفرصةَ في الدعوة إلى الله، والحثِّ على فعْل الواجبات والمستحبَّات، وترْك المحرَّمات والمكروهات، وأن يُشيدَ بمحاسن الإسلام، وشُعَب الإيمان، وحقوق المسلِم على أخيه المسلم، وأن يُذكِّر بأحكام العبادات والمعاملات ما يحلُّ منها، وما يَحرُم، والعقائد والأخلاق، والآداب الإسلاميَّة، وأن يُعنَى بالتحذير من المعاصي المتفشية بين الناس، حتى استحلَّها أكثرُهم، وخصوصًا كبائرَ الذنوب التي وردَ فيها حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة، أو لعن فاعلها، أو ورد فيها وعيدٌ بالنار، أو نفي إيمان، كالزِّنا والسرقة، وشُرْب الخمر والربا، وقطيعة الرَّحِم وعقوق الوالدَين.

والجُمُعة تجمعُ أقوامًا قد لا يحضرون الصلاةَ في المساجِد إلاَّ يوم الجُمُعة، فهي فرصةٌ ثمينة للإمام والمأمومين، كما ينبغي للخطباء مراعاةُ هَديِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في خُطبه، وكان إذا خَطَب احمرَّتْ عيناه، وعلاَ صوتُه، واشتدَّ غضبُه، حتى كأنَّه منذر جيش، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم.

قال ابن القيم - رحمه الله - في "زاد المعاد في هدي خير العباد" المجلد الأول: "وكان مدارُ خُطبه - صلَّى الله عليه وسلَّم - على حَمْد الله، والثناءِ عليه بآلائه، وأوصاف كماله، ومحامدِه وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجَنَّة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله وتبيين مواقع رضاه، وموارد غضبه، فعلى هذا كان مدارُ خُطبه، وكان يخطب في كلِّ وقت بما تقتضيه حاجةُ الناس، ويُكثِر الذِّكْر، ويقصد الكلماتِ الجوامعَ، وكان يقول: ((إنَّ طولَ صلاة الرجل وقِصَر خُطبته مَئِنَّةٌ مِن فِقهه، فأطيلوا الصلاةَ، واقْصُروأ الخُطبة))[51]، وكان يُعلِّم أصحابَه في خطبته شرائعَ الإسلام وقواعده، ويأمرهم وينهاهم إذا عَرَض له أمر أو نهي، كما أَمَر الداخل وهو يخطب أن يُصلِّي ركعتين، ونهى المتخطي رقابَ الناس عن ذلك، وأمَرَه بالجلوس، وكان يفتتح خُطبَه بالحمد، ويختتمها بالاستغفار، وكان كثيرًا ما يخطب بالقرآن[52].

هذا؛ وبالنظر إلى أنَّ أكثر الخطباء لا يستطيعون إنشاءَ الخطب، فإنَّني أقترح على وزارة الحج والأوقاف، ورئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد: أن يُكلِّفوا لجنةً من ذوي الكفاءة والعِلم والمعرفة والقدرة، بتأليف خُطبٍ تناسب العصر الحاضر، ثم تطبع وتوزَّع على الخطباء؛ عملاً بقول الله - تعالى -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾[53].

والله ولي التوفيق.


من مراجع خطب الجُمُعة والعيدين:

1- "تفسير ابن كثير"، وهو من أحسن التفاسير وأجمعها وأهمها.

2- "تفسير ابن سعدي"، وهو تفسير سلفي عصري ممتاز.

3- "تيسير اللطيف المنَّان في خلاصة تفسير القرآن"؛ لابن سعدي، وهو مختصر مفيد.

4- "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف"؛ لابن رجب، يرجع إليه في المناسبات كرمضان، والحج، والشتاء والصيف.

5- "جامع العلوم والحكم"؛ لابن رجب شرح خمسين حديثًا، كل حديث موضوع خطبة.

6- "كتاب الكبائر"؛ للذهبي، وكل كبيرة منها موضوع خطبة، وهي سبعون كبيرة.

7- "مدارج السالكين"؛ لابن القيم، شرح منازل السائرين، وكلُّ منزلة موضوع خطبة، وهي ستٌّ وستون منزلة.

8- "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"؛ لابن القيم في آثار وأضرار الذنوب والمعاصي.

9- "زاد المعاد في هدي خير العباد"؛ لابن القيم، ويُعتبر موسوعةً علميَّة.

10- "مختصر شعب الإيمان"، وكلُّ شُعبة منها موضوع خطبة، وهي سبع وسبعون شعبة.

11- "بهجة قلوب الأبرار لابن سعدي"؛ شرح تسعة وتسعين حديثًا، كل حديث منها موضوع خطبة.

12- "الرياض الناضرة"؛ لابن سعدي في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة.

13- "إصلاح المجتمع"؛ لمحمد البيحاني، شرح مائة حديث، كل حديث موضوع خطبة.

14- "موارد الظمآن"؛ لابن سلمان، أربعة أجزاء، ويُعتبر موسوعةً وعظيَّة.

15- "بهجة الناظرين فيما يصلح الدنيا والدين"؛ للمؤلف، يشتمل على كلماتٍ تناسب الخطبة.

16- "الثمار اليانعة من الكلمات الجامعة"؛ للمؤلِّف كسابقه.

17- "هداية المرشدين إلى طريق الوعظ والخطابة"؛ للشيخ علي محفوظ.

18- "إصلاح الوعظ الديني"؛ لعبد العزيز الخولي.

19- "الأدب النبوي"؛ لعبد العزيز الخولي.

20- "خطب" الشيخ ابن قعود.

21- "خطب" الشيخ ابن عثيمين.

22- "خطب" الشيخ صالح الفوزان.

23- "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان"؛ لابن القيم.

24- "طريق الهجرتين وباب السعادتين"؛ لابن القيم.

25- "منهاج المسلم"؛ لأبي بكر الجزائري، وفيه آداب وأخلاق تناسب الخطب.

26- "مفتاح الخطابة والوعظ"؛ تأليف محمد بن أحمد العدوي.


1- نصيحة لمن يتخلف عن أداء الصلاة مع الجماعة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه.

جارَنا العزيز، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أمَّا بعد:

فنيابةً عن جماعة المسجد؛ نرفع لك هذه الرِّسالة، نريد أن نشرحَ لك وجهةَ نظرنا، عسى أن تلْقَى منك صدرًا رحبًا.

 وملخص القول: أنَّ هناك مجموعةً من إخواننا - أنت من ضمنهم - لا يشهدون الجماعةَ في المسجد، وإنَّما يُصلُّون في بيوتهم، أو في مساجدَ أخرى، وبما أنَّ دِيننا يفرض علينا التناصحَ والتآخي؛ كما قال - تعالى -: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وكما وَصَفهم الله - تعالى - بقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوف﴾ [التوبة: 71]، وامتثالاً لأمر نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في قوله: ((الدِّين النصيحة))[54]، فإنَّا استجابةً لأمر الله - تبارك وتعالى - ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - نقول:

يا أخي، أعزَّك الله بدِينه، أنت تعلم أنَّ النِّعم في سائر جوانب الحياة قد تَمَّت، فنحن مغبوطون عليها من كثيرٍ من الناس، وبما أنَّ النِّعم لا بدَّ لها من الشُّكر، فإنَّ من أوجب الواجبات - لتدوم النِّعمُ - امتثالَ الأوامر، واجتنابَ النواهي الإسلامية، وأعظمُ ذلك بعدَ الشهادتين الصلاةُ التي هي عمودُ هذا الدِّين، وهي كما قال عمر - رضي الله عنه -: "لا حظَّ في الإسلام لِمَن تَرَكها".

وتَرْكها - كما تعلم - مُخرِجٌ عن المِلَّة بقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاةُ، فمَن تَرَكها فقد كَفَر))[55]، وبما أنك تترك فقط الجماعةَ، فأنت - بلا شكٍّ - على الإسلام، وعلى فطرتك السويَّة - بحمد الله.

ولكن مع ذلك فتركُ الجماعة في غاية الشناعة والخطورة؛ فقد ورد أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أراد أن يجمع حطبًا، فيُحرِّق على مَن لا يشهد الجماعةَ البيوتَ بالنار[56]، لماذا؟ السبب واضح؛ لأنَّ تَرْكها معصيةٌ كبيرة، وعلامة لا تدلُّ على الخير؛ لأنَّ من يسمع المنادِي يقول: حي على الفلاح، ويجلس في بيته وهو في صِحَّة وعافية، لا يمنعه من الإجابة عائقٌ شرعي - على خطر عظيم جدًّا، فقد يقودُه هذا إلى التهاون بها، والجمعِ بين الصلوات بلا عُذر، والنهاية تركها، كما حَصَل لكثير من الناس الذين كانتْ هذه بدايتهم، ونحن يا أخي، نُعيذك بالله مِن ذلك.

 ثم إنَّ ممَّا يدلُّ على الشرِّ الذي يترتَّب على ترْك الجماعة أن ترى الجيران وأهلَ الحارَّة لا يكاد يَعرِف بعضُهم بعضًا، والسبب أنَّ كثيرين قابعون في بيوتهم، لو ماتوا لَمَا علم بهم إلاَّ أهلُهم، وكذلك لو مَرِضوا.

فيا أخي، لماذا نُعرِّض أنفسنا لعقاب الله؛ لا لشيء إلاَّ لأنَّا متكاسِلون متعاجِزون؟! ولماذا نحرم من التشرُّف بمعرفة بعضِنا بعضًا بسبب التواني عن صلاة الجماعة، إضافةً إلى الإثم العظيم، والعذاب الكبير الذي قد يتعرَّض له تاركُ الجماعة، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَمَّا سئل عن الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين الهالكة: قال: ((الجماعةُ، الجماعة)) أو كمـا قـال[57].

هذا ما أردْنا إيصالَه لك، ولولا ثِقتُنا أنَّك مسلمٌ تنتفع بقول الله - تعالى - وهَدي رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَمَا كتبْنا لك، ولكن الذي نعتقد أنَّك من أبناء الفِطرة السويَّة - إن شاء الله - وأنَّك موافق لنا في أنَّا أَمرْنا بمعروف لا بمنكر، وإذا كان الأمر كذلك، فننصحك أن يكون موقفُك من هذه الرِّسالة هو الموقف الذي حَكَاه الله عن المؤمنين، بقوله - تعالى -: ﴿إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور: 51].

نسأل الله أن يمنَّ علينا وعليك بالتوفيق والهداية، وصلاحِ الدنيا والآخرة، وصلَّى الله على محمد، وآله وصحبه وسلَّم، والسلام عليك.

المرسل

إخوانك من جماعة المسجد الذين يتشوقون إلى رؤيتك معهم في بيت الغني الجبار رب العالمين.


2- نصيحة لمن يتخلف عن أداء الصلاة مع الجماعة:

الجار العزيز:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنَّ التهاون بالصلاة مع الجماعة في المساجد في أوقاتِها عظيمة، وكبيرة من الكبائر، ووسيلةٌ إلى التهاونِ بها وتَرْكِها بالكلية؛ فقد ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لقد هممتُ أن آمرَ بالصلاة فتقام، ثم آمرَ رجلاً فيُصلِّي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حُزمٌ من حطب إلى قوم لا يَشْهدون الصلاةَ، فأُحرِّق عليهم بيوتَهم بالنار) وفي رواية: ((لولا ما فيها من النِّساء والذُّريَّة لأحرقتُها عليهم))؛ متفق عليه.

وعن ابن أمِّ مكتوم - رضي الله عنه – قال: استأذنتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن أُصليَ في بيتي فقال: ((هل تسمعُ النِّداءَ بالصلاة؟)) فقلت: نعمْ، قال: ((أجبْ، لا أجِدُ لك رُخْصـة))[58]، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن سَمِع النِّداءَ فلم يأتِ، فلا صلاةَ له إلاَّ مِن عُذر))[59].

وأخرج الحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاثةٌ لعَنَهم الله: مَن تقدَّم قومًا وهم له كارهون، وامرأةٌ باتتْ وزوجُها عليها ساخط، ورجل سمع "حيَّ على الصلاة"، "حي على الفلاح"، ثم لَم يُجبْ))[60].

وحديث: ((لا صلاةَ لجار المسجد إلاَّ في المسجد))[61]؛ روي مرفوعًا وموقوفًا.

وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن سمع النِّداء، فلم يمنعْه من اتباعه عذر - قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض - لم تُقبلْ منه الصلاةُ التي صلى))؛ رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه"، وابن ماجه.

وعن معاذ بن أنس عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((الجفاءُ كلُّ الجفاء، والكفر والنفاق: مَن سَمِع منادي الله ينادي إلى الصلاة فلا يُجيبه))؛ رواه أحمد، والطبراني، وفي رواية للطبراني، قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بحسبِ المؤمن من الشَّقاء والخَيْبة أن يسمعَ المؤذِّنَ يُثوِّب بالصلاة فلا يجيبه)).

وباسم جماعة المسجد؛ نرجو أن نراكَ تُصلِّي مع المسلمين جماعة؛ لِمَا في ذلك من عظيم الفوائد، وجزيل الثواب، ولعلَّ من أبرزها معرفتَك لجيرانك، ومعرفةَ جيرانك بك، وفقك الله لِمَا يحبُّ ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المرسل:

إخوانك من جماعة المسجد الذين يتشوقون إلى رؤيتك معهم في بيت الغني الجبار رب العالمين.


3- نصيحة لمن يتخلف عن أداء الصلاة مع الجماعة:

أخي المسلم، وفقك الله - تعالى - لطاعته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

حيثُ إنَّه واجب على كلِّ مسلم إبداءُ النصيحة لأخيه المسلم؛ لِمَا ورد في الحديث: ((الدين النصيحة))[62]، فإنَّنا نوجِّه لكم هذه النصيحة، ونحن لا نشكُّ في تجاوبكم، فلا يخفَى عليكم ما ورد في الكتاب والسُّنَّة بشأن الصلاة، ولا نظنُّ المسلم يترك الصلاة، ولكنَّ الواجب تأديةُ الصلاة مع الجماعة في المسجد حيثُ يُنادَى لها، وإجابةُ الداعي "حي على الصلاة"، "حي على الفلاح" – واجبة؛ قال الله - تعالى -: ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِر...﴾ الآية [التوبة: 18]، والمراد بالآية هو عمارةُ المساجد بالصلاة، والذِّكْر، وتلاوة القرآن، وغير ذلك.

وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يُرخِّص له، فيصلِّي في بيته، فرخَّص له، فلمَّا ولَّى دعاه، فقال له: ((هل تسمع النداء بالصلاة؟)) قال: نعمْ، قال: ((أَجِبْ))؛ رواه مسلم.

فلم يرخِّص له النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع حالته التي ذَكَرها، فذلك يدلُّ على وجوب حضور صلاة الجماعة في المسجد إلاَّ لعذر من مرض، أو خوف مِن عَدوٍّ، وهذه الأعذار نادرةُ الوقوع في بلدنا، والحمد لله.

وقد جاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "مَن سرَّه أن يَلْقى الله غدًا مسلِمًا، فليحافظْ على هؤلاءِ الصلوات حيثُ يُنادَى بهنَّ، فإنَّ الله شَرَع لنبيِّكم سُننَ الهُدَى، وإنهنَّ من سنن الهدى، ولو أنَّكم صَلَّيتُم في بيوتكم، كما يُصلِّي هذا المتخلِّف في بيته، لتركتُم سُنَّة نبيِّكم، ولو تركتُم سُنَّة نبيِّكم لَضللتُم"[63]، وفي رواية أخرى قال: "إنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - علَّمَنا سُننَ الهدى، وإنَّ من سنن الهدى الصلاةَ في المسجد الذي يُؤذَّن فيه".

وإنَّنا نودُّ لكل مسلِم ما نَودُّه لأنفسنا، فيجب عليكم التعاونُ معنا والتجاوب؛ لإقامة هذا الرُّكْن العظيم، والدِّين القويم؛ امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله، حتى لا نكونَ من المتشبِّهين بالمنافقين في التخلُّف عن الصلاة، وفي السكوت والرِّضا عمَّن لا يحضرها مع الجماعة.

وفَّق الله الجميع لِمَا يحبُّه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المرسل:

إخوانك من جماعة المسجد الذين يتشوقون إلى رؤيتك معهم في بيت الغني الجبار رب العالمين.


الأمور التي ينبغي على الإمام مراعاتها تجاه المأمومين في نصحهم وإرشادهم:

يُخطئ كثيرٌ من الناس حينما يظنُّ أنَّ مسؤولية الإمام هي الصلاةُ بالمأمومين، وقراءةُ بعضِ الأحاديث عليهم أدبارَ الصلوات، والحقيقة أنَّ مسؤولية الإمام أكبرُ من هذا، فهو من الرُّعاة الذين يُسألون عن رعاياهم، وهو حلقةُ وصلٍ وربطٍ بين جماعته وأهل حيِّه، يُوجِّهُهم وينصحهم، ويَحُلُّ ما يستطيع من مشاكلهم، وهو من الدَّاعين إلى الله الذين هُيِّئتْ لهم منابرُ الدعوة، وتحملها عن غيره، وانطلاقًا من هذه المسؤولية فإليك - أخي الإمام - بعضًا من الأمور التي ينبغي لك مراعاتُها:

1- دروس العصر والعشاء.

2- خُطبة الجُمُعة والتكرير على أهمية الصلاة بين فترة وأخرى، وعدم إهمال هذا الموضوع مع موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3- بعض الدوريات في الأحياء، وتكون الاستفادة من هذه الدورية على النحو التالي:

أ- توزيع بعضِ الأشرطة في بعض المواضيع المهمَّة؛ كالصلاة مثلاً.

ب- توزيع بعض الرسائل والنشرات عن الصلاة وغيرها.

جـ- قراءة موضوع معيَّن، وتحريك القلوب لأهميَّة النُّصْح وتحمُّل المسؤولية، كلُّ مسلِمٍ عن نفسه، ومَن تحتَ يده وجيرانه.

د- دراسة ومناقشة بعض الأمور التي تهمُّ أهلَ الحي، مثل معرفة المتخلِّفين عن الصلاة وحصْرِهم، وعمل زيارات لهم من بعض الجماعة أو غيرهم.

هـ- حثُّ أولياء الأمور على تسجيل أبنائِهم للحضور في دروس القرآن، إذا كان هناك مُدرِّس قرآن بالمسجد.

و- أن يُؤتَى في الدورية ببعض طلبة العِلم لإلقاء كلماتٍ خفيفة، وتشجيع جماعة المسجدِ على هذا الاجتماع.

ز- تكوين علاقات مع أئمَّة مساجد الحي؛ لغرض تبادُل الآراء والحلول لبعض المشاكل التي تهمُّ كلَّ مسلم.

جـ- أن يَحرِص على اكتساب الأخيار من طلبة العِلم المجاورين للمسجد، وإشراكِهم في المسؤولية؛ إمَّا لمساعدته في الزيارات، أو الاستشارة؛ حتى لا يكون المجهود فرديًّا، ويكون المجهود مُثمِرًا.

ط- أن يكون على رأس كلِّ شهر كلمةٌ أو ندوة؛ لتجديد حماس جماعة المسجد.

وأخيرًا: فإنَّ المعلومات وحدَها لا تكفي، بل لا بدَّ من ترجمة واقعيَّة لها، وإنَّ ممَّا يُعين الإنسانَ على أداء ما تحمَّل - بعد التجرُّد لله تعالى -: استشعارَه هذه المسؤولية، وما تُمْلِيه عليه من واجب.

وفَّق الله الجميع لِمَا يحبُّ ويرضى.

 وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وآله وصحبه، وسلَّم.


من أحكام الإمامة والائتمام*:

1- شروط الإمام:

يُشترَط في الإمام أن يكونَ ذَكرًا عدلاً فقيهًا، فلا تصحُّ إمامةُ المرأة للرِّجال، ولا تصحُّ إمامةُ الفاسق المعروف بالفِسْق إلاَّ أن يكون سلطانًا يخاف منه، ولا إمامةُ الأُمي الجاهل إلاَّ لمثله؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تؤمنَّ امرأةٌ رجلاً، ولا فاجرٌ مؤمنًا، إلاَّ أن يقهرَه بسلطان، أو يخاف سوطَه أو سيفَه))؛ رواه ابن ماجه، وهو ضعيف، غير أنَّ الجمهورَ على العمل بمقتضاه، وما وردَ من إمامة المرأة، فهو مقيَّد بأهل بيتِها من نساء وأولاد، كما أنَّ ما ورد من إمامة الفاسِق مقيَّد بالأحوال الاضطراريَّة.

2- الأَوْلى بالإمامة:

أولى الجماعة بالإمامة أقرؤهم لكتابِ الله - تعالى - ثم أفقهُهم في دِين الله، ثم الأكثر تقوًى، ثم الأكبر سِنًّا؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القِراءة سواءً، فأعلمُهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُّنَّة سواءً، فأقدمُهم هِجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأكبرهم[65] سِنًّا»[66]، ما لم يكنِ الرجلُ سلطانًا، أو صاحب المنزل فيكون أوْلى من غيره بالإمامة؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في أهلِه ولا سُلطانِه إلا بإذنه))؛ روى هذه الجملةَ مع الحديث السابق سعيد بن منصور - رحمه الله تعالى.

3- إمامة الصبي:

 تصحُّ إمامةُ الصبي في النافلة دونَ الفريضة؛ إذ المفترضُ لا يُصلِّي وراءَ المتنفِّل، والصبيُّ صلاتُه نافلة، فلا تصحُّ إمامته في الفرض؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تختلفوا على إمامكم))[67]، ومِن الاختلاف أن يُصلِّي مفترضٌ وراءَ متنفل، وخالف الجمهورَ في هذه المسألة الإمامُ الشافعيُّ - رحمه الله - فقال بجواز إمامةِ الصبي في الفروض، مُستشهِدًا برواية عمرو بن سَلِمة، والتي جاء فيها أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لقومه: ((يؤمُّكم أقرؤكم) قال: فكنتُ أؤمهم وأنا ابن سبع سنين[68]، غيرَ أنَّ الجمهور ضعَّفوا الرواية، وقالوا: على فَرْض صحتها، فإنَّه من المحتمل أن يكونَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يَطَّلِع على إمامة عمرو لهم؛ إذ كانوا في صحراء بعيدِين عن المدينة*.

4- إمامة المرأة:

تصحُّ إمامةُ المرأة للنِّساء، وتقف وَسطَهنَّ؛ إذ أَذِنَ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأمِّ ورقةَ بنت نوفل في اتِّخاذ مؤذِّن لها في بيتها لتصلِّيَ بأهل بيتها[70].

5- إمامة الأعمى:

تصحُّ إمامةُ الأعمى؛ إذ قدِ استخلفَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ابنَ أُمِّ مكتوم على المدينة مرَّتين، فكان يُصلِّي بهم، وهو رجل أعمى - رضي الله عنه[71].

6- إمامة المفضول:

تصحُّ إمامة المفضول مع وجودِ مَن هو أفضلُ منه؛ إذْ صلَّى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وراءَ أبي بكر، ووراءَ عبدالرحمن بن عوف، وهو - صلَّى الله عليه وسلَّم - أفضلُ منهما، ومِن سائر الخَلْق[72].

7- إمامة المتيمم:

تصحُّ إمامةُ المتيمِّم بالمتوضئ؛ إذ صلَّى عمرو بن العاص بسريَّةٍ وهو متيمِّم، ومَن معه متوضِّئون، وبَلَغ ذلك رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلم يُنكرْه[73].

8- إمامة المسافر:

تصحُّ إمامةُ المسافر، غير أنَّه على المقيم إذا صلَّى وراءَ المسافر أن يُتمَّ صلاتَه بعد الإمام؛ إذ صلَّى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بأهلِ مكَّةَ وهو مسافر، وقال لهم: ((يا أهلَ مكَّةَ، أتِمُّوا صلاتَكم، فإنَّا قومٌ سَفْرٌ[74])).

وإن صلَّى مسافرٌ وراءَ مقيم أتمَّ معه؛ إذ سُئِل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن الإتمام وراءَ المقيم؟ فقال: "سُنَّة أبي القاسم"[75].

9- وقوف المأموم مع الإمام:

إذا أمَّ الرجلُ آخَرَ وقفَ عن جنبه الأيمن، وكذا المرأة إذا أمَّتْ أُخرى وقفتْ عن جنبها، ومَن أمَّ اثنين فأكثر، وقفوا وراءَه، وإن اجتمع رجالٌ ونساء وقف الرِّجالُ خلفَ الإمام ووقف النساء وراءَهم، وإن كان رجلٌ وامرأة وقف الرَّجُل - ولو صبيًّا مميِّزًا - إلى جنب الإمام، ووقفتْ المرأة خلفَهما؛ وذلك لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خيرُ صفوف الرِّجال أوَّلُها، وشرُّها آخرُها، وخيرُ صفوف النِّساء آخِرُها، وشرُّها أوَّلُها))[76].

ولفِعْله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: فقد وقَفَ مَرَّة في غزوة يُصلِّي فجاء جابر، فوقف عن يساره، فأداره حتى أقامَه عن يمينه، ثم جاء جبَّار بن صخر، فقام عن يساره، فأخذَهما - صلَّى الله عليه وسلَّم - بيديه جميعًا، فأقامهما خَلفَه[77]، ولقول أنس - رضي الله عنه -: "إنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلَّى به وبأُمِّه، فأقامني عن يمينه، وأقام المرأةَ خلفَنا"[78]، وقوله أيضًا: "صففتُ أنا واليتيمُ وراءَ رسولِ الله، والعجوزُ مِن ورائنا"[79].

10- سترة الإمام سترة لمن خلفه:

إذا صلَّى الإمامُ إلى سُتْرة لم يحتَجِ المأمومُ إلى سُتْرة أُخرى؛ إذ كانت تُركَز الحربةُ للنَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيُصلِّي إليها، ولا يأمر أحدًا مِن خلفه بوضْع سُتْرة أخرى[80].

11- وجوب متابعة الإمام:

يجب على المأموم أن يُتابِع إمامَه، ويحرُم عليه أن يسبقَه، ويُكرَه له أن يساويَه، فإنْ سبَقَه في تكبيرة الإحرام، وَجَب عليه أن يُعيدَها، وإلاَّ بطلتْ صلاتُه، وكذا تبطل صلاتُه إن سَلَّم قبلَه، وإن سبقَه في الرُّكوع أو السُّجود، أو في الرَّفْع منهما، وجب عليه أن يَرجِع ليركعَ أو يسجد بعد إمامِه؛ وذلك لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فَكبِّروا، وإذا رَكَع فارْكعوا، وإذا قال: سَمِع الله لِمَن حَمِده، فقولوا: اللهمَّ ربَّنا ولك الحَمْد، وإذا سجد فاسجُدوا، وإذا صلَّى قاعدًا، فصلُّوا قعودًا أجمعون))[81].

وقوله: ((أَمَا يخشى أحدُكم إذا رَفَع رأسَه قبلَ الإمام أن يُحوِّل الله رأْسَه رأْسَ حمار، أو يُحوِّل اللهُ صورتَه صورةَ حمار؟!))[82].

12- استخلاف الإمام المأموم لعذر:

إنْ ذَكَرَ الإمامُ أثناءَ صلاته أنَّه مُحدِث، أو طرأ له الحَدَث، أو رعف، أو نابَه شيءٌ لم يستطعِ الاستمرارَ معه في الصلاة - فله أن يستخلفَ مِمَّن وراءَه من المأمومين مَن يُتمُّ بهم صلاتَهم وينصرف، فقد استخلف عمرُ - رضي الله عنه - عبدَالرحمن بنَ عوف عندما طُعِن وهو في الصلاة[83]، واستخلف عليٌّ - رضي الله عنه - مِن رعاف أصابَه[84].

13- تخفيف الإمام الصلاة:

يُستحبُّ للإمام ألاَّ يُطيلَ في الصلاة إلاَّ قراءة الركعة الأُولى إذا كان يرجو أن يُدرِكَها مَن تخلَّف عن الجماعة؛ فإنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يُطيلُها؛ وذلك لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا صلَّى أحدكم بالناس، فليخفِّف، فإنَّ فيهم الضعيفَ والسَّقيمَ والكبير، فإذا صلَّى لنفسه، فليُطوِّلْ ما شاء))[85]*

14- كراهية إمامة من تكرهه الجماعة:

يُكرَه للرجلِ أن يَؤُمَّ أُناسًا هم له كارهون، إذا كانت كراهتُهم له بسبب دِيني؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاثةٌ لا تُرفع صلاتُهم فوقَ رؤوسهم شبرًا: رجلٌ أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأةٌ باتتْ وزوجُها عليها ساخِط، وأخوانِ متصارمان))[87].

15- من يلي الإمام، وانحراف الإمام بعد السلام:

يستحبُّ أن يليَ الإمامَ أهلُ العِلم والفضل؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ليَلِنِي منكم أُولوا الأحلام والنُّهَى))[88]، كما يُستحبُّ للإمام إذا سَلَّم أن ينحرف عن مصلاَّه يمينًا أو شمالاً، ويستقبلَ الناس بوجهه؛ لفِعْل الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذلك، روى هذا أبو داود والترمذي، وحسَّنه عن قبيصة بن هلب قال: "كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يؤمُّنَا، فينصرف على جانبيه جميعًا، على يمينه وعلى شماله".

16- تسوية الصفوف:

يُسنُّ للإمامِ والمأمومين تسويةُ الصفوف وتقويمها حتى تستقيم؛ إذ كان الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُقبِل على الناس ويقول: ((تراصُّوا واعتدلوا) ويقول: ((سوُّوا صفوفَكم، فإنَّ تسويةَ الصفوف من تمام الصلاة))[89]، وقال: ((لتُسوُّونَّ صفوفَكم، أو ليُخالِفنَّ الله بين وجوهكم))[90]، وقال: ((ما مِن خُطوةٍ أعظمُ أجرًا من خُطوة مشاها رجلٌ إلى فُرْجة في الصفِّ سدَّها))[91]. من وظائف الإمامة:[92]

على الإمام وظائفُ قبلَ الصلاة، وفي القراءة، وفي أركان الصلاة، وبعدَ السلام؛ أمَّا الوظائف التي هي قبلَ الصلاة، فخمسة:

 أولها: ألاَّ يتقدَّم للإمامة على قوم يكرهونه، وألاَّ يتقدَّم ووراءَه مَن هو أفقهُ منه؛ إلاَّ إذا امتنع مَن هو أولى منه، فله التقدُّم، ويُكره عند ذلك المدافعة.

 ثانيها: أن يُراعيَ الإمام أوقاتَ الصلوات، فيصلِّي في أوائلها؛ ليدركَ رضوان الله - تعالى –أوَّل الوقت، فهي أفضلُ من كثرة الجماعة، ومن تطويل السورة، وقد تأخَّر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن صلاة الفجْر، وكانوا في سفر، وإنَّما تأخَّر للطهارة، فلم ينتظرْ، وَقُدِّم عبدالرحمن بن عوف فصلَّى بهم، حتى فاتت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ركعةٌ فقام يقضيها، فأشْفقوا من ذلك، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قد أحسنتم، هكذا فافعلوا))، وذَهَب مَرَّة يُصلح بين قوم، فتأخَّر عن صلاة الظهر، فقدَّموا أبا بكر - رضي الله عنه - حتى جاء - صلوات الله عليه - وهو في الصلاة فقام إلى جانبه.

 وليس على الإمام انتظارُ المؤذِّن، وإنَّما على المؤذِّن انتظار الإمام.

 ثالثها: أن يؤمَّ مخلصًا لله - عز وجل - ومؤدِّيًا أمانةَ الله - تعالى - في طهارته وجميعِ شروط صلاته؛ أمَّا الإخلاص: فألاَّ يأخذَ عليها أُجرَة، قال الشيخ[93] تقي الدين ابن تيمية - عليه الرحمة -: "ما يُؤخذ من بيت المال، فليسَ عِوضًا وأجرة، بل رزقٌ للإعانة على الطاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البِرِّ والموصَى به، أو المنذور له، ليس كالأجرة والجُعل". اهـ، قال الحارثي: فالقائلُ بالمنع مِن أخْذ الأجرة على نوعِ القُرَب لا يمنع من أخْذ المشروط في الوقت.

 وأمَّا الأمانة، فهي الطهارةُ باطنًا عن الفسق والكبائر، والإصرارِ على الصغائر، فالمترشِّح للإمامة يَنبغي أن يكون خيرَ القوم، وكذا الطهارة ظاهرًا عن الحَدَث والخبث، فإنَّه لا يَطَّلع عليه سواه، فإن تذكَّر في أثناء صلاتِه حَدثًا، أو خرج منه ريح، فلا ينبغي أن يتنحَّى، بل يأخذ بيد من يَقرُب منه ويستخلفه.

 ورابعها: ألاَّ يُكبِّرَ حتى تستوي الصفوف، فيلتفت يمينًا وشمالاً، فإن رأى خللاً أمر بالتسوية، قيل: كانوا يتحاذون بالمناكب، ويتضامون بالكعاب، ولا يُكبِّر حتى يفرغَ المؤذِّن من الإقامة، والمؤذِّنُ يؤخِّر الإقامةَ عن الأذان بِقَدْر استعدادِ الناس للصلاة.

 خامسها: أن يرفعَ صوتَه بتكبيرة الإحرام، وسائرِ التكبيرات، ولا يرفع المأمومُ صوتَه إلاَّ بقدر ما يسمع نفسَه، وليؤخِّر المأمومُ تكبيرَه عن تكبير الإمام، فيبتدئ بعدَ فراغه.

وأمَّا وظائف القراءة، فثلاثة:

 أولها: أن يُسِرَّ بدُعاء الاستفتاح والتعوُّذِ كالمنفرد، ويجهرَ بالفاتحة والسورة بعدَها في جميع الصُّبح، وأوليَيِ العشاء والمغرب، وكذلك المنفرد، ويجهر بقوله: "آمين" في الصلاة الجهرية، وكذا المأموم، ويقرن المأموم تأمينَه بتأمين الإمامِ معًا، لا تعقيبًا.

 الثانية: أن يكونَ للإمامِ في القيام ثلاثُ سكنات؛ أولاهن: إذا كَبَّر لدعاء الاستفتاح، والثانية: إذا فَرَغ من الفاتحة، والثالثة: إذا فَرَغ من السورة قبلَ أن يركع، وهي أخفُّها، وذلك بقدر ما تَنفصِل القراءة عن التكبير، فقد نُهِي عن التعجيل فيه، ولا يَقرأ المأمومُ وراءَ الإمام إلاَّ الفاتحة، وإن لم يسمعِ المأمومُ في الجهرية لبُعدِه، أو كان في السريَّة، فلا بأس بقراءته السورة.

 الثالثة: التخفيف أوْلى سِيَّما إذا كَثُر الجمع؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا صلَّى أحدُكم بالناس، فلْيُخفِّف، فإنَّ فيهم الضعيفَ والكبيرَ، وذا الحاجة، وإذا صلَّى لنفسه، فليُطوِّل ما شاء))، وقال - صلوات الله عليه - لمعاذ: ((اقرأ سورةَ ﴿سَبِّح﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾)).


مواصفات الخطيب الناجح

1- معالجة واقِع الناس.

2- العِلم وسعة الاطلاع.

3- الالْتزام بأحكام الإسلام، وخاصَّة بما يدعو إليه.

4- الجُرْأة والشجاعة والحماس.

5- مراعاة المناسبات.

6- الإخلاص في القول والعمل.

7- أن يراعيَ هدي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في خُطَبه.

8- قناعتُه بصِدْق ما يدعو إليه.

9- أن يكون قدوةً حسنة لغيره في جميع المجالات.

مواصفات الخطبة الناجحة

1- اشتمالها على الترغيب والترهيب.

2- وحدة الموضوع.

3- اشتمالها على ذِكْر الوعد والوعيد.

4- البُعد عن إثارة الخِلافات.

5- الارتباط بحياة الناس.

6- بيان الحُكم والحِكمة.

7- قِصَر الخطبة، وقِصَر جُملِها.

8- الحثُّ على فِعْل الواجبات والمستحبات، وتَرْك المحرَّمات والمكروهات.

سلبيات في خطبة الجمعة

1- الإطالة في الخُطبة.

2- عدم حِفْظ النُّصوص.

3- عدم صِحَّة الأحاديث المحتج فيها.

4- اللَّحْن في اللُّغة.

5- الكلام باللُّغة العامية.

6- كثْرةُ السجع المتكلَّف في الخطبة[94].


مواضيع مهمة للندوات والمناقشات

والمسابقات وخطبة الجمعة

1- الأعمال المشروعة للمسلِم في اليوم والليلة من حين يستيقظ حتى ينام.

2- حقوق المسلم على المسلم، وأحكامها وصفاتها، والحكمة منها.

3- من مشاهد القيامة وأهوالها - البعث - الحوض - صحف الأعمال - الميزان - الصراط - الجنة والنار، وما تضمنته سورة التكوير والانفطار والانشقاق.

4- أسباب فَهْم الدروس، وشروط تحصيل العلم، وآداب الطالب ومراتب العلم وثمرته، وأسباب نموه وزكاته.

5- حقوق الأولاد على الوالدين، وحقوق الوالدين على الولد.

6- أركان الإسلام، وعلى من تجب، وشروط وجوبها، والحكمة فيها.

7- أصول الإيمان الستة، وما يتعلَّق بها من دليل وتفصيل وزيادة ونقصان.

8- الحدود المشروعة لِحفْظ الدِّين، والنفس، والمال، والعقل، والنسب، والعِرْض، والحكم فيها: حدُّ الردة - الزنا - السرقة - المسكر - القتل - القذف.

9- الكفَّارات في الشريعة الإسلامية: كفَّارة اليمين - كفارة القتل - كفارة الظهار - كفارة المجلس - كفارة الجِماع في نهار رمضان، وأدلتها وحُكمها وحِكمتها.

10- كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يحافظ في اليوم والليلة على أربعين ركعة، فما هي؟

11- السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم القيامة، وما تضمنه وصفُ كل واحد منهم.

12- السبع المهلكات، وأدلتها، وشناعتها، وتعريفها.

13- أسباب المغفرة، وأسباب العذاب.

14- أعمال أهل الجنة، وأعمال أهل النار، وأسباب دخولهما مع الدليل.

15- آداب الأكل والشرب واللباس.

16- واجبنا نحو القرآن الكريم: تلاوة وترتيلاً، وتجويدًا وتدبُّرًا وعملاً.

17- سُنن الفطرة العشرة، وحكمها وحكمتها.

18- الأحكام التكليفيَّة وأمثلتها.

19- تعريف كبائر الذنوب وصغائرها، وأسباب المغفرة لها.

20- الأموال التي تجب فيها الزكاة، والواجب في كلٍّ منها.

21- مصادر التشريع الإسلامي.

22- الوسائل المفيدة للحياة السعيدة.

23- مِفتاح حياة القلب، ومِفتاح كلِّ خير، ومِفتاح كلِّ شرٍّ.

24- شُعَب الإيمان، وأعلاها وأدناها، وضابطها.

25- الأسئلة التي يُسألُ عنها الإنسانُ في قبرِه، ويوم حشره، وأسباب الإجابة عنها.

26- علامات تعظيم أوامر الله ونواهيه - في الوابل الصيِّب لابن القيم.

27- قيمة الوقت، وأهمُّ ما يُشغل به الوقت.

28- الأسباب التي يعتصم بها العبدُ من الشيطان.

29- ما هي أسباب النجاة، وأسباب الرزق؟

30- دواء القلْب، وعلامات صحته.

31- الأشياء التي يَزيد بها الإيمان.

32- ما هو دَوْر الشباب المسلِم في الحياة؟

33- ما هي أسباب شَرْح الصدر؟

34- الخِصال المكفِّرة للذنوب المتقدِّمة والمتأخِّرة.

هذه المواضيع موجودة غالبًا في كتابين هما: بهجة الناظرين، والثمار اليانعة للمؤلِّف، وقد كتب في كثير منها رسائل مستقلَّة.


من مراجع رسالة إلى أئمة المساجد وخطباء الجوامع

1- كتاب الصلاة، لابن القيم.

2- المسجد منطلق الدعوة؛ صدرت عن رئاسة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالرياض.

3- المسجد في الإسلام؛ تأليف خير الدين وائلي.

4- خطب الشيخ محمد الصالح العثيمين.

5- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.

6- زاد المعاد في هدي العباد؛ لابن القيم.

7- أدلة تحريم حلق اللحية؛ للشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل.

8- رسالة إلى أئمة المساجد والمؤذنين والمأمومين؛ للمؤلف.

9- مجلة الدعوة السعودية.

10- منهاج المسلم؛ لأبي بكر الجزائري.

11- موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين؛ الشيخ جمال الدين القاسمي.

12- إرشادات لتحسين خطبة الجُمُعة؛ للدكتور محمد بن عبد القادر أبو فارس.



[1] رواه البخاري: (1/215)، كتاب الجمعة، من حديث ابن عمر، ورواه مسلم: (3/1459)، حديث رقم (1829)؛ ط بتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.

[2] رواه مسلم: كتاب الإيمان، حديث رقم (95)، ورواه أحمد: (2/102)، وأبو داود: (4/286)؛ بتحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، والنسائي: (7/157) حديث رقم (4200)؛ بتحقيق: عبدالفتاح أبو غدة.

[3] رواه أبو داود في "سننه" (1/356) من حديث أبي هريرة، ورواه الترمذي: (1/402) كتاب الصلاة، ورواه أحمد: (2/232).

[4] رواه مسلم: (1/594)، كتاب الجمعة، حديث رقم (869).

[5] رواه النسائي: (3/108)، كتاب الجمعة.

[6] رواه مسلم في "صحيحه" (1/592)، كتاب الجمعة، حديث رقم (867) من حديث جابر.

[7] رواه أبو داود في "سننه" (1/356) من حديث أبي هريرة، ورواه الترمذي: (1/402) كتاب الصلاة، ورواه أحمد: (2/232)..

[8] رواه أحمد في "مسنده" (4/154).

[9] رواه أحمد (4/145، 201)، ورواه أبو داود: (1/389)، حديث رقم (580)، ورواه ابن ماجه (983).

[10] رواه البخاري (1/170)، كتاب الأذان.

[11] رواه أحمد في "مسنده" (2/26)، ورواه الترمذي (4/355) كتاب البر والصلة.

[12] رواه ابن ماجه في "سننه" (1/311)، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (971)، وفي "الزوائد": إسناده صحيح، ورجاله ثقات.

[13] رواه أبو داود في "سننه" (1/533) كتاب الصلاة، ورواه الترمذي (2/51)، وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه، حديث رقم (870).

[14] رواه أحمد (5/310)، والحاكم في "المستدرك" (1/229)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

[15] رواه أحمد، واللفظ له، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصحَّحه، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما"، ولفظهما: ((مَن أمَّ الناس فأصابَ الوقت، وأتم الصلاة، فله ولهم، ومَن انتقص من ذلك شيئًا، فعليه ولا عليهم)).

[16] رواه أحمد، والترمذي وحسَّنه.

[17] هذا إذا كان المؤتمون صالحين متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمَّا إذا لم يكونوا كذلك، فلا تضر كراهيتهم، ففي أزمنة الجهل لا يَرضَى العامة إلاَّ عن المبتدع الجاهل.

[18] رواه ابن ماجه، وقال العراقي: إسناده حسن، وبنحوه رواه ابن حبان في "صحيحه".

[19] عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تُجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهرَه في الرُّكوع والسجود))، رواه أحمد، وأبو داود - واللفظ له - والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان، وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أسوأ الناس سَرِقةً الذي يسرق من صلاته، قالوا: يا رسول الله، كيف يسرق من الصلاة؟ قال: لا يُتمُّ ركوعَها ولا سجودها، أو قال: لا يُقيم صلبَه في الركوع والسجود))؛ رواه أحمد، والطبراني، وابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.

[20] راجع كتاب "صفة صلاة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم"؛ للألباني.

[21] التخصُّر: وضع اليد على الخاصرة، والسُّنة وضْع اليدين على الصَّدر، وقد نهى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يصلِّي الرجلُ متخصرًا - كما في صحيح مسلم.

[22] فقد سألتْ عائشةُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن التلفُّت في الصلاة فقال: ((اختلاس يختلسه الشيطان مِن صلاة العبد))؛ رواه البخاري وغيره.

[23] فقد نهى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - "أن يقومَ الإمام فوقَ شيء والناس خلفه؛ يعني: أسفل منه"؛ رواه الدارقطني بإسناد حسن.

[24] "المسجد في الإسلام"؛ تأليف خير الدين وائلي: (ص: 72).

[25] رواه البخاري: (4/109) كتاب فضائل القرآن، عن عثمان - رضي الله عنه.

[26] رواه الترمذي (5/50)، وقال: حديث غريب.

[27] رواه مسلم (1/495).

[28] رواه مسلم (1/298), حديث رقم (397), ويُعرف بحديث المسيء صلاتَه.

[29] رواه أَبو داود في "سننه" (1/120), حديث رقم (173), من حديث أَنس بن مالك.

[30] رواه مسلم (1/69), حديث رقم (78), عن أَبي سعيد.

[31] رواه البخاري ومسلم.

[32] رواه أبو داود، وإسناده صحيح.

[33] رواه ابن خزيمة في "صحيحه".

[34] وإسناده صحيح.

[35] رواه البخاري ومسلم.

[36] رواه البخاري ومسلم.

[37] رواه مسلم.

[38] بإسناد صحيح.

[39] رواه مسلم وغيره.

[40] من خطب الشيخ محمد صالح العثيمين: (ص: 407- 410).

[41] من رسالة للشيخ صالح بن أحمد الخريصي.

[42] "مجموع فتاوى" شيخ الإسلام ابن تيمية: (23/ 369).

[43] "مجموع فتاوى" شيخ الإسلام ابن تيمية: (23/64).

[44] وهي: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين.

[45] وهي موجودة فيما مَضَى من هذه الرسالة.

* من رسالة: "أدلة تحريم حلق اللحية"؛ للشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل: (ص: 94 – 96).

[47] لعل وجهَه ما رواه ابن جرير والترمذي - واللفظ له - والنسائي، وابن ماجه من طرق عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ العبد إذا أَذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلْبِه، فإن تاب منها صقل قلبه – أي: جلي - وإن زاد زادتْ، فذلك الران الذي قال الله - تعالى -: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، [المطففين: 14].

وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب، حتى يعمَى القلْب فيموت، وكذا قال مجاهد بن جبر، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم.

[48] لأنَّ الإمامة من الأمانة، ومرتكب معصية حلْق اللحية، المجاهر بها، المصر عليها يدخل في قوله – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، وقد أطلق عليه بعض العلماء صفةَ الفسق لخروجه عن طاعة الله ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا سيَّما إذا كان لا يبالي بهذه المعصية، بل ويستصوبها ويستحسنها، ومن لا يتأدَّب بآداب الشريعة لا يهتمُّ لأمر دِينه كيف يُؤتَمن على أعظم شعائر الدِّين؟! وفي تقديمه للإمامة تعظيمٌ له، وليس هو من أهل التعظيم، وتقديمه يحمل الناسَ على الاستهانة بالمعصية.

 والمقصود: أنَّ الأولى بالإمامة - مع الشروط المنصوص عليها في السُّنَّة -: الخيار المتصفون بالهيئة الشرعية ظاهرًا، والإمام المصر على هذه المعصية أحرى به أن يتنحَّى لِمَن هو أقوم بحدود الشريعة؛ كيلا يقعَ تحت قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاثةٌ لا يقبل الله منهم صلاةً: مَن تقدَّم قومًا وهم له كارهون...)) الحديث؛ رواه أبو داود.

والاعتبار بالكراهية الدِّينيَّة الناشئة عن مذموم شرعي قام بالإمام.

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاثة لا تُجاوز صلاتُهم آذانَهم) وذكر منهم: ((وإمام قوم وهم له كارهون))؛ أخرجه الترمذي.

[49] ولعلَّ دليلَه ما رواه أبو داود - وسكت عنه هو والمنذري - عن السائب بن خلاَّد: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى رجلاً أمَّ قومًا فبصَق في القِبلة، ورسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ينظر إليه، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين فرغ: ((لا يُصلِّي لكم))، فأراد بعد ذلك أن يصلي بهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فذَكَر ذلك لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((نعمْ، إنَّك آذيت الله ورسوله) انظر: "عون المعبود": (2/ 149 – 150).

[50] لأنَّ صلاة الجماعة من أعظم شعائر الإسلام، وضرر هجرة المساجد وتخريب بيوت الله أشدُّ من ضرر الائتمام بمن هذا حاله، قال شيخ الإسلام: "ليس لهم ترْك الجمعة، ونحوها لأجل فِسْق الإمام، بل عليهم فعل ذلك خلف الإمام، وإن كان فاسقًا أو مبتدعًا، وإن عطَّلوها لأجل فسق الإمام من أهل البدع" اهـ.

قال العلماء: والأصل عدم اشتراط العدالة، وأنَّ كل مَن صحَّت صلاته لنفسه، صحَّت إمامتُه لغيره، وقد تأيد ذلك بفعل الصحابة - رضي الله عنهم - فقد أخرج البخاري في "التاريخ" عن عبد الكريم أنه قال: "أدركت ُعشرة من أصحاب محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُصلُّون خلف أئمَّة الجَوْر"، ومما يدلُّ على ذلك أيضًا حديث مسلم، وفيه إِذْن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالصلاة خلفَ مَن يؤخِّرون الصلاة نافلة، بعد أن يُصلِّيَها لوقتها؛ لأنَّهم يؤخرونها عن وقتها، وظاهره أنهم لو صلَّوْها في وقتها، لكان مأمورًا بصلاته خلفَهم فريضة، والله أعلم.

وقال الشوكاني - رحمه الله تعالى -: "واعلم أنَّ محلَّ النِّزاع إنَّما هو في صحَّة الجماعة خلفَ من لا عدالة له، وأما أنها مكروهةٌ فلا خلاف في ذلك، وقد أخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنْ سَرَّكم أن تُقبل صلاتُكم، فليؤمَّكم خيارُكم، فإنَّهم وفدُكم فيما بينكم وبين ربكم)) اهـ من "نيل الأوطار": (3/ 186 – 187).

وهذا الحديث علَّق عليه الزيلعي في "نصب الراية" قائلاً: "رواه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الفضائل: (3/222) عن يحيى بن يعلى به سندًا ومتنًا، إلاَّ أنه قال: ((فليؤمكم خياركم))، وسكت عنه، وروى الدارقطني، ثم البيهقي في سننهما بسندهما إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اجعلوا أئمَّتَكم خيارَكم، فإنَّهم وفدُكم فيما بينكم وبين ربكم)). اهـ.

قال البيهقي: "إسناده ضعيف" اهـ (2/ 26).

[51] رواه أحمد ومسلم.

[52] انظر هدي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في خُطَبِه في "زاد المعاد"؛ لابن القيم (1/186، 425).

[53] ولعلَّ في خطب كل من الشيخ محمد الصالح العثيمين، والدكتور صالح الفوزان بركةً وكفاية، فلعلَّها أن يعاد طبعها، وتوزع على الخطباء، شكر الله للجميع، وأثابهم وتقبَّل منهم.

[54] رواه مسلم.

[55] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

[56] كما في الحديث الصحيح المتفق عليه.

[57] كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، وغيرهما.

[58] رواه مسلم.

[59] رواه ابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.

[60] رواه أبو داود، وابن ماجة بلفظ: ((ثلاثة لا تُقبل منهم صلاتُهم)).

[61] رواه الدارقطني بإسناد ضعيف.

[62] رواه مسلم.

[63] رواه مسلم.

* من كتاب "منهاج المسلم"؛ لأبي بكر الجزائري، و"فقه السنة"؛ لسيد سابق: (ص: 241 – 251).

[65] وفي لفظ: ((فأقدمهم سِلمًا) أي: دخولاً في الإسلام.

[66] رواه مسلم.

[67] متفق عليه.

[68] البخاري.

* والصحيح صِحَّةُ إمامة الصبي، وصحة صلاة المفترض خلفَ المتنفل؛ لهذه الرِّواية الصحيحة، ولقصَّة معاذ بن جبل في "الصحيحين" أنَّه كان يُصلِّي مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - العِشاء، ثم يذهب إلى قومه، فيُصلِّي بهم تلك الصلاة، فتكون له نافلة ولهم فريضة، وكيف يقال: أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يَطَّلِع على إمامة عمرو وقد وقعتْ في زمن الوحي، وبحضرة جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم؟!

[70] أبو داود، وهو صحيح.

[71] أبو داود، وهو صحيح.

[72] البخاري.

[73] أبو داود، وهو صحيح.

[74] مالك.

[75] أحمد، وأصله في مسلم.

[76] مسلم.

[77] مسلم.

[78] مسلم.

[79] البخاري.

[80] متفق عليه.

[81] البخاري.

[82] متفق عليه.

[83] البخاري.

[84] رواه سعيد بن منصور.

[85] متفق عليه.                            

* قال ابن القيم - رحمه الله -: "التخفيف أمرٌ نسبيٌّ إضافي راجعٌ إلى السُّنة، لا إلى شهوة الإمام والمأمومين"، وقال بعض أهل العلم: ليس في هذا حُجَّة للنقَّارين.

[87] ابن ماجه، بإسناد حسن.

[88] مسلم.

[89] متفق عليهما.

[90] الترمذي، وحسَّنه.

[91] البزار، وهو حسن.

[92] من كتاب "موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين" (ص: 38، 39).

[93] ما بين الهلالين من النقل عن الإمام ابن تيمية - رحمه الله - من زيادتنا على الأصل.اهـ. جمال الدين القاسمي.

[94] انظر: "رسالة إرشادات لتحسين خطبة الجمعة".

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا